كرة القدم والمثقفون... استعلاء وازدراء وشغف خجول

مشكلتها تكمن في أصولها «الشعبية» فاحتقرتها النخبة «البرجوازية»

كرة القدم والمثقفون... استعلاء وازدراء وشغف خجول
TT

كرة القدم والمثقفون... استعلاء وازدراء وشغف خجول

كرة القدم والمثقفون... استعلاء وازدراء وشغف خجول

على الرغم من مكانتها الاجتماعية والثقافية المركزية لا تزال كرة القدم كمادة بحثية قليلة التداول، فلا الفلسفة ولا علم الاجتماع ولا العلوم الأخرى أخذت بمحمل الجدّ ظاهرة شغف الشعوب بهذه الرياضة، ولم ينتبه أحد لدراستها وتحليلها.
وفي الغرب بالذات، كانت العلاقة بين الرياضة والمثقفين دائماً معقدة، ففي فرنسا الشغف بكرة القدم في تقدير النخبة ظاهرة تافهة، صبيانية، بل مسيئة للذكاء. الفيلسوف الفرنسي جان كلود ميشيا مؤلف كتاب «أجمل هدف... كان تمريرة» يشرح بأن هذه النخبة الفكرية فقدت التواصل مع القاعدة، بل خانتها لأنها تعاملت مع هذه الرياضة بتكبر وعجرفة. وفي بريطانيا سخط المحافظون على «الملهاة الشعبية» التي تضيع وقت عمال مصانع النسيج، وقارن الشاعر روديارد كيبلينغ هواة هذه الرياضة بـ«أرواح صغيرة يمكن أن يشبعها الحمقى الموحلون الذين يمارسون هذه الرياضة»... المفارقة السوسيولوجية هي أن ولادة هذه الرياضة كانت في بريطانيا على يد نخبة «بوبليك سكولز» قبل أن يروج لها أرباب العمل بين أوساط مستأجريهم لحثّهم على ممارسة الرياضة ومنعهم من التردّد على الحانات وتعاطي الخمور. وهذه النخبة تحولت بعدها إلى رياضات أكثر «نبلاً» كالغولف، التنس أو ركوب الخيل، وهي الخلفية التاريخية التي ترويها سلسلة «أنجليش غام» على منصة «نتفليكس». في البرازيل ورغم شعبية هذه الرياضة، فإن النخبة الفكرية لم تتبن نفس مشاعر الشغف والحماس، الشاعر الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس كان يقول ساخراً: «ما الذي يجده العالم في 22 فتى يركضون بسراويلهم القصيرة وراء كرة بينما يكفي أن يشتروا 22 كرة؟».

البير كامو

شيوع فكرة كرة القدم كـ«أفيون للشعوب» التي أطلقتها مدرسة «فرانكفورت» في السنوات الستين، والتي انتقدت بشّدة المكانة المهمة التي تحظى بها هذه الرياضة في الأوساط الإعلامية والسياسية والاجتماعية، وجدت صدى كبيراً في فرنسا مع حركة مايو 68، حيث كانت النخبة الفكرية الموالية لليسار تناهض كل مظاهر الليبيرالية التي تجسّدها هذه الرياضة بأنديتها ذات الميزانيات الضخمة، أو لاعبيها وأجورهم الفاحشة، والتسويق المفرط الذي يحيط بهذه الرياضة. النائب الفرنسي دانيال كونبنديت أحد أقطاب حركة مايو 68 والذي كان أيضاً لاعباً هاوياً ثم رئيس نادٍ لكرة القدم كتب في مذكراته «مزاج داني» (دار نشر روبرت لافون): «كنا نعيش في وسط يعتبر كرة القدم هواية (غير لائقة) بناشط سياسي مثقف». ويواصل النائب: «أذكر أني كنت أسافر لألمانيا لأمارس هوايتي بحرية، وبعيداً عن الأنظار، أما صحيفة «ليكيب» (المتخصّصة في كرة القدم) فكنا نقرأها في البيت... سراً». بعض الأحداث السياسية التي شهدها العالم في تلك الفترة عزّز مواقف تلك النخبة التي سخّرت شعبية هذه الرياضة وكمّ العواطف القوية التي تحيط بها لتمرير رسائلها الآيديولوجية.
جان بول سارتر ورفيقاه لويس أرغون ورولان بارت أطلقوا نداء لمقاطعة مباريات كأس العالم التي نظمت في الأرجنتين عام 1978؛ احتجاجاً على سياسة الجنرال فيديلا. أما مارغريت دوراس فقد انتهزت فرصة حوار مع اللاعب الأسطورة ميشال بلاتيني لتصفي حساباتها مع الرياضة «التي سلبت»، حسب رأيها، عقول الجماهير، حتى قال بلاتيني إن «ساعة مع مارغريت دوراس كانت أصعب من أي مقابلة رياضية» خضاها في حياته.
وإن كان الفريق الأول قد حاول استغلال هذه الرياضة ليفرض آيديولوجيته، فإن الفريق الثاني قد تجاهلها، بل قلّل من قيمتها واستهزأ بها. «بيار بوردو» أحد أقطاب علم الاجتماع الفرنسي وصف زملاءه من الباحثين في مجال علم الاجتماع الرياضي بـ«الأذلاء» الذين لم يحصلوا على تقدير ذويهم، على اعتبار أن الرياضة كمادة بحثية تفتقد لكل شرعية أكاديمية، وإن كان هو نفسه قد درس ظاهرة العنف في الملاعب إلا أنه قال: «يصعب دراسة وتحليل الرياضة بطريقة علمية... لأنها مادة تخلو من العمق... لا أحد يريد أن يهتم بهذا الموضوع؛ لكيلا يقال إنه يفتقد للذوق الرفيع»، وهنا يشير الباحث للصّور النمطية المتحيزة التي غالباً ما يتم ربطها بعالم كرة القدم كصورة المشّجع السّكير المتحدر من أوساط شعبية، والذي غالباً ما يقدم على أنه عنيف، محدود الذكاء أو متعصب لفريقه.
أسباب أخرى يكشفها المؤرخ ألفريد واهل الذي يعتبر من الباحثين الأوائل الذين اهتموا بدراسة كرة القدم، حيث نشر عدة دراسات قيمّة أهمها: «قصة كأس العالم أو العولمة الناجحة». في حوار مع صحيفة «لوموند» قال الباحث: «العزوف لم يكن اختيارياً بل مفروضاً، حيث إن الموضوع لم يكن ببساطة يهم دور النشر، فكلما كنت أعرض مؤلفاتي وبحوثي أتلقى الإجابة نفسها: «الأشخاص الذين يقرأون المؤلفات الجامعية لا يهتمون بكرة القدم ومن يهتم بكرة القدم لا يقرأ...». والواقع، يُلخص الباحث مشكلة كرة القدم ببساطة تكمن في أصولها «الشعبية»، وهو ما يفسر مشاعر الازدراء والمواجهة التي لَقِيتْها من النخبة «البرجوازية» لعقود طويلة ولا تزال. فنجوم هذه الرياضة مثلاً حسب هذه النخبة، وإن كانوا قد نجحوا في تكوين رأسمال شعبي ومالي ورمزي مهم فإن رأسمالهم الثقافي يبقى ضعيفاً. بعض الأوساط وصلت إلى درجات قصوى من الهجوم، فالفيلسوف الفرنسي آلان فنكلكرفت وصف فريق كرة القدم مثلاً بـ«الحمقى الأغنياء»، كما تحولت الأخطاء اللّغوية التي كان يرتكبها اللاعب الدولي المعتزل فرانك ريبيري إلى موضوع سخرية واستهتار، في إشارة للصورة النمطية التي تتداولها بعض وسائل الإعلام عن لاعبي كرة القدم على أنهم يفتقدون للثقافة، وأحياناً حتى إلى الذكاء.

بورخيس

في سجل آخر، يمكن أن يفسر العلاقة المعقدة بين النخبة الفكرية وكرة القدم، نجد «مأزق المعارضة التقليدية بين العقل والعاطفة». فالتعامل مع مثل هذه المواضيع يطرح أيضاً مشكلة التعامل مع سيل جارف من المشاعر القوية، وهو ما يخيف المثقفين؛ لأنها قد تكون خطوة مُحبطة للعقل والحكمة وباباً مفتوحاً نحو كل التجاوزات. هذه «المصّيدة العاطفية» التي يخافها المفكرون تحدث عنها بإسهاب الكاتب والفيلسوف مارك بلرمان في كتاب «كرة القدم.. الوباء العاطفي» (دار نشر لاباسيون) والذي يضيف بأن النخبة لا تريد أن تكون مثل الجماهير، هي تريد التحكم وترويض عواطفها، ولذا فلا يعقل أن تنساق لعواطف قوية كالعامة.
على أن الوضع لم يكن كذلك منذ البداية، ولا سيما مع بعض الأدباء الذين لم يخفوا شغفهم بالساحرة المستديرة: ألبير كامو الأديب الفرنسي والحارس السابق لفريق راسينغ الجزائري كتب مادحاً كرة القدم: «لم أعرف في أي مجال آخر باستثناء الرياضة الجماعية، هذا الشعور القوي بالأمل والتضامن الذي يصاحب أيام التدريب الطويلة إلى غاية الفوز أو الهزيمة. المبادئ التي أعرفها تعلمتها في ملاعب كرة القدم وفي خشبات المسرح وهي بالنسبة لي المدرسة الحقيقية»، الدلالة الرمزية القوية قد تكون غلاف روايته الأخيرة «الرجل الأول» الذي يمثله وهو يتوسط زملاءه من فريق كرة القدم.
أما فيرديناند سيلين فقد وجد في كرة القدم وسيلة للتعبير عن وحدة بطل روايته «موت بالتقسيط» بردامو حيث كتب: «في كرة القدم كنت أحظى بالمكان المناسب، كنت أوقف الأهداف... لا أحد كان يزعجني». كرة القدم حاضرة أيضاً في أعمال راينر ماريا ريلكه وفلاديمير نابوكوف، وعند المعاصرين أمثال الكاتب الفرنسي فرنسوا بيغودو في روايته «اللعب الصحيح»، والبريطاني نيك هورنبي الذي تعتبر سيرته الذاتية «البطاقة الصفراء» سرداً لحياته كمشجع لنادي أرسنال وكثيرون.
في فرنسا، وحسب الباحث المتخصص في تاريخ كرة القدم ألفريد واهل، بدأت الكرة المستديرة تجلب انتباه العلوم الاجتماعية ابتداءً من عام 1998، تاريخ تتويج فرنسا بطلة لكأس العالم. هنا وفجأة، كما يشرح الباحث، بدأنا نشهد توافد مثقفين على وسائل الإعلام وقد تخلصوا من عقدهم وازدرائهم لهذه الرياضة للحديث عن هذه الظاهرة بوصفهم خبراء، وانطلاقاً من هذه اللحظة أصبح التعامل مع ظاهرة كرة القدم أمراً مشروعاً.
هذا لا يعني أن دراسة وتحليل هذه الرياضة الشعبية كان دائماً موضوعياً، ففي كثير من الأحيان -كما يشرح باحث علم الاجتماع ستيفان بيو في كتابه «سوسيولوجيا كرة القدم» (دار نشر لاديكوفرت)- كان هذا الموضوع يتعرض لاختراق من قبل تأثيرات سياسية واقتصادية وإعلامية وثقافية لتغيير مسار الخطاب العلمي البحت. والعيب ليس في كرة القدم لأنها رياضة، نبيلة ولا نقاش في ذلك، المشكلة -حسب الكاتب- تكمن في المنظومة المحيطة بها، والتي تعطيها هذه النخبة شرعية حين تتحدث عن مزايا هذه الرياضة دون التطرق إلى عيوبها حتى وصلنا إلى مرحلة نشهد فيها امتلاء الملاعب عن آخرها، بينما لا أحد يظهر حين يتعلق الأمر بالإدلاء بصوته في صناديق الاقتراع. الكاتب أدرج بعض الأمثلة حيث انتقد الفيلسوف آلان فينكلكروت الذي استعمل مختصرات فكرية خطيرة حين ربط بين النشيد الوطني في الملاعب والوفاء للهوية الوطنية عند اللاعبين المتّحدرين من أصول مهاجرة، وكذلك الفيلسوف إدغار موران الذي قارن، حسب رأي الكاتب، بطريقة مبالغ فيها، بين الإبداع الفني وكرة القدم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.


أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
TT

أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)

دفعت منصة تداول عملات رقمية كورية جنوبية بالخطأ ما قيمته أكثر من 40 مليار دولار من عملة البيتكوين لعملائها، مما جعلهم لفترة وجيزة من أصحاب الملايين.

ووفقاً لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)»، فقد كانت المنصة تخطط لمنح العملاء مكافأة نقدية صغيرة قدرها 2000 وون (1.37 دولار أميركي)، لكنها منحتهم بدلاً من ذلك 2000 بيتكوين، يوم الجمعة.

واعتذرت المنصة، "بيثامب"، عن الخطأ، مؤكدةً أنها تداركت الأمر سريعاً واستعادت معظم العملات المفقودة، وأوضحت أنها قيّدت عمليات التداول والسحب لـ695 عميلاً متضرراً خلال 35 دقيقة من حدوث الخلل.

وأفادت بأنها استعادت 99.7 في المائة من الـ620 ألف بيتكوين التي أُرسلت بالخطأ.

وأكدت شركة "بيثومب"، في بيان لها، يوم الجمعة: «نريد أن نوضح أن هذه المسألة لا علاقة لها بأي اختراق خارجي أو خروقات أمنية، ولا توجد أي مشكلة في أمن النظام أو إدارة أصول العملاء».

شعار «البيتكوين» على الباب في صورة توضيحية تم التقاطها بباريس (رويترز)

وفي اجتماع طارئ، عُقد يوم السبت، أعلنت هيئة الرقابة المالية في كوريا الجنوبية أنها ستُجري تحقيقاً في الحادث، وأكدت أن أي مؤشر على نشاط غير قانوني سيستدعي إجراء تحقيقات رسمية.

وتعهَّدت «بيثومب» بالتعاون مع الجهات الرقابية، وقال رئيسها التنفيذي، لي جاي وون: «سنعدّ هذا الحادث درساً، وسنُعطي الأولوية لثقة عملائنا وراحة بالهم على حساب النمو الخارجي».

وتعتزم الشركة دفع تعويضات بقيمة 20.000 وون (13.66 دولار أميركي) لجميع العملاء الذين كانوا يستخدمون المنصة وقت وقوع الحادث، بالإضافة إلى إعفاء العملاء من رسوم التداول، ضمن إجراءات أخرى.

وأعلنت أنها ستُحسّن أنظمة التحقق وتُدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي لكشف المعاملات غير الطبيعية.

ومن المرجَّح أن يُثير هذا الحادث نقاشاً حول تشديد الرقابة التنظيمية على القطاع المالي.

في 2024، قام بنك سيتي غروب الأميركي، عن طريق الخطأ، بإيداع 81 تريليون دولار في حساب أحد عملائه بدلاً من 280 تريليون دولار.

وذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» أن اثنين من الموظفين لم يكتشفا الخطأ قبل تنفيذه، لكن البنك ألغى العملية في غضون ساعات، بعد أن اكتشفها موظف ثالث.


مصر: أزمات تحاصر مسلسل «منّاعة» لهند صبري

الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)
TT

مصر: أزمات تحاصر مسلسل «منّاعة» لهند صبري

الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)

يتعرض المسلسل المصري «منّاعة»، بطولة الفنانة هند صبري، لأزمات عدة قبيل انطلاق ماراثون دراما رمضان؛ إذ شهد مشادات بين بطلاته في الكواليس، كما تداولت وسائل إعلام مصرية أخباراً تُفيد بانفصال مخرج العمل حسين المنباوي، عن زوجته الفنانة مها نصار إحدى بطلات المسلسل، بجانب أزمة «الملصق الدعائي»، الذي نشرته الشركة المنتجة وخلا من أي عنصر نسائي باستثناء هند صبري.

وأكد منشور منسوب لمها نصار على حسابها الشخصي عبر «فيسبوك» وجود أزمة بالعمل، حيث اتهمت بطلة العمل هند صبري بـ«التطاول عليها وشن حملات ضدها، هي وبطلة أخرى بالعمل»، إلا أنها قامت بحذف منشورها، وتجاهلت الدعاية لمسلسل «منّاعة»، بينما نشرت منشورات لمسلسل «على قد الحب»، الذي تشارك به مع نيللي كريم.

وفور انتشار أزمة «الملصق الدعائي» قامت الشركة المنتجة بإضافة الفنانتين مها نصار، وهدى الإتربي، ونشره على حساباتها مجدداً، إلا أن الأمر زادت حدته بعد دخول الفنانة ميمي جمال على خط الأزمة؛ إذ أكدت في تصريحات إعلامية استنكارها لعدم وجودها ضمن نجوم الملصق برغم مساحة دورها الكبيرة.

الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» (الشركة المنتجة)

ولم تتوقف الأزمة على كواليس «منّاعة»، بل طالت هند صبري بشكل خاص كونها البطلة؛ حيث استعادت تعليقات ومشاركات «سوشيالية»، موقف هند الداعم لـ«قافلة الصمود»، والذي أعلنته في يونيو (حزيران) الماضي عبر «ستوري»، حسابها على موقع «إنستغرام»، إلا أنها قامت بحذفه بعد الهجوم عليها، الذي وصل حد «المطالبة بترحيلها، وسحب الجنسية المصرية منها».

وبجانب ذلك طالبت تعليقات أخرى بمقاطعة «منّاعة»، بسبب تصريحات إعلامية منسوبة لمؤلفه عباس أبو الحسن، اعتبرها البعض مسيئة، خصوصاً بعد مقارنته بشكل ساخر بين العامل المصري، وآخر من إحدى الجنسيات.

وعن رأيه في مدى تأثير الخلافات على العمل الفني، أكد الكاتب والناقد الفني المصري سمير الجمل، أن الخلافات تقلل من شأن أي عمل بالتأكيد، وأن ما يدور ربما يفسد المشروع بكامله؛ لأن فريق العمل تربطهم علاقات مختلفة أمام الكاميرا، بينما تطغى خلافاتهم بالواقع، وهذا الفصل في عقلية المشاهد ليس في صالح العمل، ويقلل من مصداقيته، ويتسبب في المقارنة بين الشخصية التمثيلية والحقيقية.

الفنانة هند صبري (حسابها على موقع فيسبوك)

وصرّح سمير الجمل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بأن دعوات المقاطعة التي تخص هند صبري وبعيداً عن كونها فنانة جيدة، موجودة بالمواقع، وليست بالواقع، موضحاً أن المشكلة الكبرى تكمن في قصة العمل، وحضور حي الباطنية مجدداً في دراما تلفزيونية، مستنكراً ذلك، ومتسائلاً: «هل نحن بحاجة لمثل هذه الموضوعات؟».

ويعيد «منّاعة» هند صبري للمنافسة ضمن سباق الدراما الرمضانية بعد غياب دام نحو 5 سنوات منذ مشاركاتها في مسلسل «هجمة مرتدة»، بطولة أحمد عز، برغم تقديمها أعمالاً فنية أخرى خارج الموسم، من بينها «البحث عن علا».

وعلى هامش حضورها لحفل «رمضان بريمير»، الذي أقامته «الشركة المتحدة» في مصر للإعلان عن أعمالها الفنية المشاركة في موسم رمضان 2026، وهو الحفل نفسه الذي شهد على حضور مخرج «مناعة» وزوجته حينها، أكدت هند صبري أن المسلسل تدور أحداثه في حقبة الثمانينيات بمنطقة الباطنية المجاورة للجامع الأزهر، وكيف انتهت تجارة المخدرات بها، والسيطرة على الوضع بها، مؤكدة في تصريحات أخرى «أن مقارناتها بالفنانة نادية الجندي بطلة فيلم (الباطنية) واردة»، لكنها أوضحت أن ما يجمع العملين هو حي «الباطنية» فقط.

وتجاهلت هند صبري أزمات «منّاعة»، بحساباتها على «السوشيال ميديا»، ولم تعلق على الأخبار المتداولة بأي شكل.

ويؤكد الكاتب والناقد الفني المصري طارق الشناوي أن هند صبري لا تحب الدخول في معارك جانبية خارج رقعة الفن.

وأوضح الشناوي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هند صبري فنانة مثقفة وتتعامل بإنسانية، ولا يمكن أن ترى أن نجاح من حولها يشكّل خطورة عليها، بعد تألقها الفني الطاغي على مدار سنوات، كما وصف الشناوي ما يحدث بأنه «دخول في معارك خارج النص»، وأن هند صبري لن تتورط بها.

وفنياً بدأت هند صبري مشوارها في منتصف التسعينات، عبر الفيلم التونسي «صمت القصور»، بينما بدأت رحلتها الفنية بمصر مطلع الألفية الجديدة، وشاركت بأفلام عدة من بينها: «مذكرات مراهقة»، و«عايز حقي»، و«حالة حب»، و«ويجا»، و«ملك وكتابة»، و«الجزيرة»، و«إبراهيم الأبيض»، وقدمت مسلسلات مثل «عايزة أتجوز»، و«إمبراطورية مين»، «حلاوة الدنيا».