عقب عودته المفاجئة... الميرغني يواجه «صراع كسر عظم» بين نجليه

السودان بين التسوية مع المعارضة والدعم الطائفي للعسكريين

مناصرون للميرغني لدى عودته إلى الخرطوم الاثنين الماضي (رويترز)
مناصرون للميرغني لدى عودته إلى الخرطوم الاثنين الماضي (رويترز)
TT

عقب عودته المفاجئة... الميرغني يواجه «صراع كسر عظم» بين نجليه

مناصرون للميرغني لدى عودته إلى الخرطوم الاثنين الماضي (رويترز)
مناصرون للميرغني لدى عودته إلى الخرطوم الاثنين الماضي (رويترز)

عاد الزعيم الديني والسياسي محمد عثمان الميرغني إلى بلاده، بعد غيبة اختيارية طويلة، ليواجه «شقاقاً» بين نجليه؛ الحسن وجعفر، وانقساماً رأسياً يهدد وحدة الطريقة الصوفية «الختمية» التي يُعدّ أنصارها بمثابة العمود الفقري لـ«الحزب الاتحادي الديمقراطي» الذي يتزعمه «المراغنة»، ويترأسه كبيرهم محمد عثمان الميرغني منذ ستينيات القرن الماضي، إثر توزع ولاء نجلي الميرغني بين مؤيد للتسوية السياسية المدعومة دولياً، وبين المجموعة المؤيدة لاستمرار العسكريين في الحكم.
وشابت استقبالَ الميرغني أحداث مؤسفة، إذ رغم توافد عشرات الآلاف لاستقباله، فقد بدا الرجل مرهقاً جداً، ولم يتمكن من النزول من الطائرة المصرية الخاصة التي أعادته إلى البلاد، واضطرت سلطات المطار لاستجلاب مصعد متحرك خاص لإنزاله، ولم يستطع، على ما يبدو، تحية أنصاره، فأُخرج على عجل من بوابة خاصة.
وراجت معلومات أن الميرغني رفض الخروج من طائرته قبل مغادرة نجله (محمد الحسن، مؤيد للتسوية السياسية)، وابن عمومته إبراهيم الميرغني المطار، مما اعتبر مناصرة للتيار الذي يقوده نجله الثاني جعفر (المؤيد للعسكريين)، فيما تناقلت وسائط الإعلام تسجيلاً مصوراً لأشخاص مجهولين وهم يحاولون الاعتداء على محمد الحسن الميرغني، الذي قال مُوالون له، في بيان تفسيري للحادثة، أول من أمس، إن عربة شرطة اقتادته إلى «منزل غير معروف» وأمرته بالدخول بمفرده؛ لمنعه من المشاركة في مراسم استقبال والده، لكنه رفض الدخول وعاد إلى المطار مع وفده للمشاركة في المراسم.

محمد عثمان الميرغني

وأوضح البيان أن «قوة عسكرية ادّعت أنها تابعة للاستخبارات العسكرية وشرطة الاحتياطي المركزي» طوّقت الطائرة وحاولت منعه من استقبال والده، واستخدمت عنفاً متعمّداً في مواجهة مؤيديه من خلفاء الطريقة الختمية وعاملتهم بالضرب والركل، مما اضطر الحسن لمغادرة المطار؛ «درءاً للفتنة واحتراماً لمقام والده».
ووصف البيان ما حدث بأنه «سلوك مُشين، وازدواج في المعايير، وتدخُّل سافر في شؤون الأسرة الميرغنية والطريقة الختمية والحزب الاتحادي من الجهات التي تولت تنظيم وترتيب الاستقبال»، وهي إشارة إلى المجموعة المحيطة بالميرغني والحليفة للعسكريين.
وشغلت أحداث عودة الميرغني الساحة السياسية التي بدت هي الأخرى منقسمة على نفسها، فتراوحت مواقفها بين السخرية من صراعات المراغنة، والقلق من تأثيراتها السلبية على الأوضاع السياسية الحرجة التي تعيشها البلاد، ولا سيما تأثيراتها على العملية السياسية الجارية بين تحالف المعارضة «الحرية والتغيير»، والعسكريين، برعاية دولية وإقليمية.
وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة أم درمان الإسلامية الدكتور صلاح الدومة، لـ«الشرق الأوسط»، إن طبيعة حزب الميرغني الطائفية الثيوقراطية لم تعد مواكبة لمتغيرات الوعي الجديد الذي تشكَّل، الأمر الذي يقلل من تأثيرها. وأضاف: «كانت هذه الأحزاب مؤثرة حين كان الناس يعتقدون في الزعامة الطائفية وقدراتها الروحية، لكن بسبب ارتفاع معدلات الوعي لدى الشباب، تناقص مؤيدو الطريقة».
ورأى الدومة أن زعيم «الحزب الاتحادي الديمقراطي» لم يطور حزبه وآلياته لمواجهة المتغيرات الجديدة. وأضاف: «هو لا يزال يعيش في الماضي السحيق، ويستند في شعبيته وجماهيرته إلى الإرث الطائفي، وهذا لم يعد مؤثراً، ولا سيما بين الشباب».
وأشار الدومة إلى ما سمّاه «صفقة خفية» أُبرمت في القاهرة بين الميرغني وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، لدى زيارة الأخير لها، هدفت لدعم «مبادرة أهل السودان» ذات الطابع الإخواني والمؤيدة من العسكريين.
وأضاف: «رهن الميرغني في تلك الصفقة حزبه والسودان للعسكريين وفلول نظام الإسلاميين؛ في محاولته إحياء مبادرة أهل السودان التي شبعت موتاً».
وقلل الدومة من تأثير صراعات الطائفة وعودة الميرغني على العملية السياسية في البلاد، مؤكداً أنها «لن تفلح، لكنها قد تسبب بعض الاضطراب»، وقطع بنجاح الكتلة الثورية بقوله: «الكلمة الأخيرة أصبحت عند لجان المقاومة، ولن تفلح (الكتلة الخبيثة) في مسعاها، وستفشل مثلما فشلت محاولاتها في شد الأطراف وإغلاق ميناء بورتسودان وإشعال الحروب القبلية وافتعال حروب مع دول الجوار».
ويعود الخلاف بين نجلي الميرغني إلى أن الأول؛ جعفر، الذي ينوب عن والده في رئاسة الحزب، اختار أن يعقد اتفاقاً يتولى بموجبه رئاسة تحالف جديد مكون منه ومن حركات مسلّحة داعمة للانقلاب، في حين اختار الحسن توقيع «الإعلان السياسي» ومشروع دستور نقابة المحامين الذي تتبناه قوى المعارضة.
ويتزعم الميرغني الطائفة الختمية؛ وهي طريقة صوفية تُعدّ الثانية في البلاد من حيث الولاء، وتأتي بعد «طائفة الأنصار» المهدوية بحسب آخِر انتخابات برلمانية. ولكل واحدة منهما حزبها؛ فحزب الختمية هو «الاتحادي الديمقراطي»، وحزب الأنصار هو «الأمة القومي»، لكن زعيم «الأمة القومي» رحل، وبقي زعيم «الاتحادي الديمقراطي» الذي لا يستطيع أحد أن يعرف إلى أين يتجه. وحصل «الأمة القومي» في انتخابات 1985 على أغلبية مقاعد البرلمان، بما مكّنه من تشكيل الحكومة برئاسة زعيمه الراحل الصادق المهدي، في حين حصل «الاتحادي الديمقراطي» على المرتبة الثانية، وفاز بمنصب رأس الدولة في الحكومة الائتلافية التي أسقطها انقلاب 30 يونيو (حزيران) 1989، وهو الانقلاب الذي قادته «الجبهة الإسلامية» بزعامة الراحل حسن الترابي.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

هجمات متبادلة بالمسيّرات بين الجيش السوداني و«الدعم السريع»

من الأضرار التي أصابت مستشفى الضعين في قصف سابق (الشرق الأوسط)
من الأضرار التي أصابت مستشفى الضعين في قصف سابق (الشرق الأوسط)
TT

هجمات متبادلة بالمسيّرات بين الجيش السوداني و«الدعم السريع»

من الأضرار التي أصابت مستشفى الضعين في قصف سابق (الشرق الأوسط)
من الأضرار التي أصابت مستشفى الضعين في قصف سابق (الشرق الأوسط)

قصفت طائرة مُسيّرة تابعة للجيش السوداني المستشفى العام في مدينة الضعين بشرق دارفور، مساء أول يوم في عيد الفطر، مما أدى إلى مقتل 39 شخصاً على الأقل وإصابة العشرات، وفق ما أفاد به تحالف «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، وشهود عيان.

واتهم التحالف، في بيان صحافي، يوم السبت، الجيش بأنه وراء «الغارة الجوية التي طالت مستشفى الضعين التعليمي، وأوقعت عشرات الضحايا من المدنيين غالبيتهم من النساء والأطفال». وقال في البيان إن «39 شخصاً على الأقل قُتلوا، بينهم 12 طفلاً و6 نساء جراء القصف بالطيران المُسيّر الذي استهدف عنابر الأطفال والنساء، في حين بلغ عدد الجرحى أكثر من 78، معظمهم إصابات خطرة جداً».

وذكر البيان: «لا تزال عمليات انتشال الضحايا من تحت أنقاض المستشفى المدمر مستمرة في ظل أوضاع إنسانية بالغة التعقيد».

وأفاد موقع «دارفور 24» الإخباري، بأن الغارة نُفّذت بعد ساعات من زيارة رئيس الإدارة المدنية محمد إدريس خاطر، ولجنة أمن الولاية لجرحى «قوات الدعم السريع» من جبهات القتال في كردفان بالمستشفى ذاته لتقديم التهنئة بعيد الفطر وكذلك الدعم المالي. وقال سكان محليون لـ«دارفور 24»، إنهم سمعوا صوت طائرة تحلّق في سماء المدينة مساء الجمعة قبل أن تطلق صاروخاً من الشرق نحو الغرب، تلاه وميض وصوت انفجار ضخم هز أرجاء المدينة. وأضاف شهود العيان: «عندما هرع السكان لإنقاذ الضحايا استهدفت الطائرة المستشفى للمرة الثانية، مما اضطرهم إلى الفرار بعيداً عن الموقع».

ووفقاً أيضاً لشهود عيان تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، دوى انفجار قوي في محيط المستشفى بعد وقت قليل من مشاهدتهم طائرة مسيّرة كانت تحلّق في سماء المدينة. وأفاد أحد السكان في الضعين بأنه سمع صوت القصف، ورأى غباراً كثيفاً يتصاعد قرب المستشفى.

وتشهد الضعين التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» منذ اندلاع الحرب استهدافاً متكرراً من الطيران الحربي للجيش السوداني، ففي أغسطس (آب) 2024، تعرّض المستشفى ذاته لغارة بطيران مسيّر، مما أدى إلى مقتل 15 شخصاً على الأقل، وإصابة العشرات، بينهم أطفال وكبار السن، وخروج المستشفى لأشهر طويلة عن العمل.

من جانبه، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في السودان (أوتشا)، إنه يشعر بالصدمة إزاء الهجوم الذي وقع على مستشفى في شرق دارفور، الذي أسفر عن مقتل العشرات، بينهم أطفال، وأصاب آخرين. وأضاف في تدوينة على منصة «إكس» أن «مثل هذه الهجمات غير مقبولة، وتجب حماية المدنيين والعاملين في مجال الرعاية الصحية، لا استهدافهم». وحض «أوتشا» أطراف النزاع في السودان على احترام القانون الإنساني الدولية.

استهداف الفاشر

جرحى أُصيبوا خلال معارك الفاشر في وقت سابق يخضعون للعلاج بمستشفى ميداني شمال دارفور (رويترز)

كما قُتل 23 شخصاً، وأُصيب 35 آخرون في غارة جوية متزامنة استهدفت سوق مدينة الفاشر في شمال إقليم دارفور، ولا تزال عمليات الإسعاف والحصر جارية، حسب بيان تحالف «تأسيس» الذي توعّد «برد قاسٍ وحاسم يوازي حجم هذه الجريمة».

وطالب التحالف المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية بإجراء تحقيقات شفافة إزاء هذه الأحداث.

بدوره، قال المتحدث الرسمي باسم «قوات الدعم السريع»، الفتاح قرشي، إن «استهداف الأطفال الأبرياء بهذه الوحشية ممارسة ممنهجة ترقى إلى جرائم إبادة جماعية تستوجب الردع ووضع حد لها بكل الوسائل المشروعة».

وأضاف في بيان صحافي على منصة «تلغرام»: «تؤكد قواتنا أن خياراتها ستظل مفتوحة للرد على هذه الجرائم، في إطار ما يكفله القانون من حق مشروع في حماية المدنيين».

هجوم على الدبة

أُسر سودانية نازحة من الفاشر تتزاحم على إمدادات غذائية داخل مخيم في مدينة الدبة بالولاية الشمالية (أ.ب)

وكانت مسيّرات تابعة لــ«قوات الدعم السريع» قد شنّت، في وقت متأخر من مساء الجمعة، هجمات مكثفة على مواقع في مدينة الدبة شمال البلاد، مما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن المدينة.

وجاءت هذه الغارات بعد ساعات قليلة من هجمات مماثلة كانت قد شنتها صباح اليوم نفسه على المدينة، مستهدفة محطة كهرباء وكلية الهندسة التابعة لجامعة دنقلا، مما تسبّب في إصابة ثلاثة أشخاص بجروح طفيفة متفاوتة.

لكن تقارير محلية أفادت بأن غارات «الدعم السريع» استهدفت قوات مساندة للجيش السوداني تتخذ من بعض المواقع المدنية ثكنات عسكرية ومخازن للسلاح.

وكان مسؤول محلي في حكومة ولاية الشمالية قد أفاد، في تصريحات، بأن المضادات الأرضية التابعة للجيش تصدَّت لمسيّرات استراتيجية في سماء المدينة، وأن الجيش والقوات النظامية المساندة له على أهبة الاستعداد لرد أي عدوان يطول مدينة الدبة.

ولم يصدر أي تعليق رسمي من «قوات الدعم السريع» على استهداف الدبة، لكنها سبقت أن شنت غارات عديدة على المدينة خلال العام الماضي، تسببت في تدمير متكرر لمحطة الكهرباء الرئيسية التي تغذّي مناطق واسعة في البلاد.

وتقع مدينة الدبة عند منحى نهر النيل في الولاية الشمالية، ويسكنها عشرات الآلاف، وتضم معسكرات للنازحين الذين فروا من القتال في إقليم دارفور بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» عليه بالكامل.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

حمل حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أكبر أحزاب المعارضة في موريتانيا، اليوم السبت، حكومة بلاده مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين، وصون كرامتهم داخل الوطن، وخارجه. ودعا الحزب في بيان أصدره قبل قليل، بعد الإعلان رسمياً عن إعدام الجيش في مالي ثلاثة مواطنين موريتانيين من رعاة الماشية قرب الحدود المشتركة بين البلدين، إلى اتخاذ الإجراءات الدبلوماسية والقانونية اللازمة لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة البشعة.

وطالب الحزب الحكومة بضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلاً، ودعا إلى فتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف ملابسات الحادث، وتقديم الجناة للعدالة دون تهاون.

وقال إن ما حصل «جريمة مروعة عندما أقدمت عناصر من الجيش المالي على إعدام مواطنين موريتانيين عزل»، من سكان بلدية بغداد التابعة لولاية الحوض الغربي، «في انتهاك صارخ لعلاقات الأخوة، وحسن الجوار، وكل القوانين الدولية، والأعراف الإنسانية التي تدعو للحفاظ على حرمة الأرواح البريئة».

وأكد الحزب أن «هذا العمل الإجرامي لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال، ويشكل تصعيداً خطيراً يستوجب موقفا رسمياً حازماً، وواضحاً، يرقى إلى حجم الفاجعة، التي ألمت بسكان هذه القرية المسالمة».

ولم تعلق الحكومة الموريتانية على هذا الحادث، الذي يأتي بعد أقل من أسبوع على إعدام ستة مدنيين موريتانيين كانوا في طريقهم إلى أحد الأسواق الأسبوعية التجارية في مالي.

يشار إلى أنه تكررت عمليات قتل وإعدام المواطنين الموريتانيين من قبل الجيش المالي، وميليشيات «فاغنر» الروسية المتحالفة معه داخل الأراضي المالية، وعلى طول الشريط الحدودي بين مالي وموريتانيا منذ 2022، والتي راح ضحيتها العشرات من التجار، والرعاة، والمسافرين المدنيين.


ليبيا: تسمية مبنى أثري في طرابلس تعيد فتح جراح «الحقبة الاستعمارية»

مبنى غاليري «دي بونو» التاريخي في طرابلس (لقطة من تسجيل مصور لمنصة تابعة لحكومة «الوحدة»)
مبنى غاليري «دي بونو» التاريخي في طرابلس (لقطة من تسجيل مصور لمنصة تابعة لحكومة «الوحدة»)
TT

ليبيا: تسمية مبنى أثري في طرابلس تعيد فتح جراح «الحقبة الاستعمارية»

مبنى غاليري «دي بونو» التاريخي في طرابلس (لقطة من تسجيل مصور لمنصة تابعة لحكومة «الوحدة»)
مبنى غاليري «دي بونو» التاريخي في طرابلس (لقطة من تسجيل مصور لمنصة تابعة لحكومة «الوحدة»)

أشعل «إرث الاستعمار الإيطالي» في ليبيا نقاشاً واسعاً بعد إعادة افتتاح مبنى أثري في العاصمة، يحمل اسم الحاكم الإيطالي لـ«إقليم طرابلس» سابقاً، إميليو دي بونو، وزير المستعمرات خلال الحقبة الاستعمارية (1911 - 1943)، والمعروف بـ«سياسات القمع العسكري».

وعلى وقع حالة من الجدل، أطلقت بلدية طرابلس في وقت مبكر، السبت، استطلاعاً للرأي العام حول إمكانية تغيير اسم المبنى بهدف مشاركة المواطنين الرأي، مؤكدة في بيان رسمي أن «المواطنين والمقيمين مدعوون لإبداء مقترحاتهم حول الأسماء البديلة المناسبة، بما ينسجم مع البعد التاريخي والثقافي للعاصمة، ويعكس خصوصيتها الحضارية».

مبنى غاليري «دي بونو» التاريخي في طرابلس (منصة تابعة لحكومة الوحدة)

غير أن الباحث والأكاديمي المتخصص في التاريخ، الدكتور فرج نجم، وصف هذه الخطوة بأنها «غير منطقية وتحمل إشارات على مزيد من التخبط الحكومي»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تسمية هذه المباني يجب أن تخضع لرؤية شاملة تضم لجنة وطنية جامعة من أساتذة التاريخ والخبراء، وليس لآراء المواطنين، وبعيداً عن أي انحياز سياسي أو حكومي»، موضحاً أن الجدل حول أسماء المباني التاريخية، الذي أظهره هذا المبنى في العاصمة طرابلس، «يُعد ضمن أعراض الانقسام السياسي المستمر بين غرب وشرق ليبيا، ويمتد إلى مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية، وصولاً إلى التاريخ الليبي ومحطاته المفصلية».

وأُثير نقاش حاد على منصات التواصل الاجتماعي، فتح جراح «الحقبة الاستعمارية»، وذلك بعد إعادة افتتاح المبنى، الأسبوع الماضي، عقب عمليات ترميم وصيانة واسعة، في حفل حضره السفير الإيطالي لدى ليبيا، جيان لوكا ألبريني.

واعتبرت «الحركة الوطنية الشعبية» تسمية المبنى باسم دي بونو «اعتداءً على الكرامة الوطنية، واستخفافاً بإرادة الشعب وتاريخه النضالي»، مطالبة بتغييره ليحمل اسم أحد شهداء أو رموز الجهاد الوطني.

وعلّق عضو «الحوار الوطني» الليبي، عبد الله عثمان، عبر حسابه على «فيسبوك»، بأن «معركة الأسماء ليست مسألة شكلية، بل صراع على الرواية: فمن يكتب اسم المكان يكتب تاريخه، ومن يفرض لافتته يعيد تشكيل الهوية في صمت».

الدبيبة ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في لقاء سابق بطرابلس (مكتب الدبيبة)

كما انتقدت عضوة «المؤتمر الوطني العام» السابق، نادية الراشد، التسمية، واعتبرتها «إعادة للذاكرة الحزينة للحقبة السوداء»، مستنكرة الاحتفال بالاسم نفسه «وكأنه ترضية لإيطاليا، وإعادة نشر صور لمعسكرات احتجاز الليبيين خلال الحقبة الاستعمارية».

وبثت بعض الصفحات المحلية على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة تظهر حالة الاستياء من إطلاق اسم الحاكم الإيطالي على المبنى.

من جانبه، اقترح الكاتب الصحافي الليبي، بشير زعبية، عبر حسابه على «فيسبوك»، أن يحمل المبنى الاسم الجديد «رواق الاستقلال»، في إشارة إلى موقعه بين شارعي «الاستقلال» و«24 ديسمبر».

ويقع المبنى المعروف باسم «جاليري دي بونو» في ساحة الجزائر، وسط طرابلس، وقد شُيّد عام 1931، وسُمّي باسم الحاكم العسكري المرتبط بسياسات «القمع العسكري وتوطين المستعمرين، ومصادرة الأراضي من السكان المحليين»، وفق مؤرخين.

ويُظهر الجدل حول «جاليري دي بونو» أن تسمية الأماكن العامة في ليبيا لا تزال حساسة، وتعكس صراعاً مستمراً بين الحفاظ على الهوية الوطنية واستحضار الذاكرة التاريخية، في بلد ما زال يعالج إرث الاستعمار الإيطالي.

ويقول الباحث والأكاديمي الليبي المتخصص في التاريخ إن «موضوع المبنى هذا يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول تعددية الرؤى للتاريخ الليبي في فترات مختلفة»، مستشهداً بمسألة «استقلال ليبيا» عام 1951، «الذي يعتبره البعض استقلالاً كاملاً بينما يراه آخرون ناقصاً».

وفي 2008 وقّع الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، والرئيس الإيطالي سيلفيو برلسكوني، «معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون»، التي تضمنت اعتذاراً رسمياً عن فترة الاستعمار وإقراراً بالأضرار التاريخية، بما في ذلك مصادرة الأراضي، والقمع العسكري، والتهجير القسري، إلى جانب التزام إيطاليا بدفع 5 مليارات دولار على مدى 25 عاماً لتمويل مشروعات تنموية وبنية تحتية، في خطوة اعتبرت تحويلاً لمسار التعويضات التاريخية إلى تفاوض سياسي واقتصادي.