الصحة المصرية: انتشار «الفيروس التنفسي المخلوي» لن يعطل المدارس

باحث في أكسفورد لـ«الشرق الأوسط»: «فجوة المناعة» أدت إلى انتشاره

المؤتمر الصحافي لوزير الصحة المصري للإعلان عن تطورات الفيروس التنفسي (الحكومة المصرية)
المؤتمر الصحافي لوزير الصحة المصري للإعلان عن تطورات الفيروس التنفسي (الحكومة المصرية)
TT

الصحة المصرية: انتشار «الفيروس التنفسي المخلوي» لن يعطل المدارس

المؤتمر الصحافي لوزير الصحة المصري للإعلان عن تطورات الفيروس التنفسي (الحكومة المصرية)
المؤتمر الصحافي لوزير الصحة المصري للإعلان عن تطورات الفيروس التنفسي (الحكومة المصرية)

نفى خالد عبد الغفار، وزير الصحة المصرية، ما يتردد عن وجود اتجاه لغلق المدارس، بسبب انتشار فيروس «التنفسي المخلوي».
وقال عبد الغفار في مؤتمر صحافي، الاثنين، إن «الفيروس ضعيف، لكنه سريع الانتشار، ولا تزال معدلات الإصابة والوفيات به بسيطة، وفي المعدل الطبيعي».
وناشد وزير الصحة المصرية، الأسر المصرية بالامتناع عن إرسال أطفالها إلى المدارس، في حال كان الطفل يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة وأعراض نزلات البرد، لأن نسبة انتشار الفيروس مرتفعة، ويمكن لطفل واحد مصاب، أن يتسبب في عدوى فصل بالكامل بالمدرسة سواء عن طريق الرزاز أو التلامس.
ولفت الوزير إلى أنه لا يوجد لقاح يمنع الإصابة، كما أن المضادات الحيوية لا تتعامل مع هذا الفيروس، شأنه شأن كل الفيروسات، ولكن يوجد كثير من الأدوية لعلاج الأعراض، التي تتمثل في الحمى وسيلان الأنف والاحتقان، والسعال، وتكسير العظام، وأزيز في الصدر.
ونوه الوزير بأن هذه الأعراض تظهر بعد فترة حضانة هذا الفيروس التي تكون بين 4 و6 أيام، مشيراً إلى أنه ينتقل عبر الرزاز، ويعيش على الأسطح لساعات طويلة، ونصح المصابين بالراحة واستخدام مخفضات الحرارة والتهوية الجيدة.
وأوضح أن الفيروس يصيب الأطفال حتى 6 سنوات، ويستمر أسبوعاً أو أسبوعين مع أعراض متوسطة إلى بسيطة، مضيفاً: «نخاف بشكل أكبر على حديثي الولادة وحتى 6 أشهر، كما نخشى على من يعانون من أمراض مناعية، وهي الفئة التي تكون إصابتها شديدة بهذا الفيروس».
ومن جهته، قال أحمد سالمان، مدرس علم المناعة وتطوير اللقاحات في معهد «إدوارد جينز» بجامعة أكسفورد، إن ارتفاع نسبة الإصابات بهذا الفيروس كان متوقعاً، بعد أن فتح العالم أبوابه عقب فترة طويلة من الإغلاقات فرضتها جائحة «كوفيد - 19».
وأوضح أنه قبل وباء «كوفيد - 19» كان الفيروس يصيب ما بين 30 مليوناً و50 مليون حالة سنوياً، وتكون 3 في المائة من حالات الأطفال المصابة بالفيروس حرجة للغاية، ويتسبب هذا الفيروس في وفاة ما بين 60 و100 طفل سنوياً، وهي أرقام من المتوقع أن تزيد، بسبب حدوث ما يعرف بـ«فجوة المناعة».
ويشرح سالمان: «قبل الوباء كان الأطفال يتعرضون للفيروس، فيشكلون مناعة تكون واقية لهم في السنوات التالية، ولكن ما حدث أن الأطفال من مواليد سنوات الوباء لم يتعرضوا للفيروس، ثم تعرضوا له بعد أن فتح العالم أبوابه بعد فترة الإغلاق، كما أن الأطفال الأكبر سناً والبالغين والمسنين ممن تعرضوا للفيروس قبل الوباء، تعرضوا هذه الأيام لفيروس تركيبته مختلفة بعض الشيء عن الفيروس القديم، ما أثر على قدرة أجهزة المناعة على التعرف عليه».
وفيروس التنفسي المخلوي شأنه شأن فيروس الإنفلونزا، من الفيروسات ذات المادة الوراثية «آر إن إيه»، وهذا النوع من الفيروسات يتحور من عام لآخر، ولكن الاختلاف بين التنفسي المخلوي والإنفلونزا، أن الأول مادته الوراثية من شريط واحد، بينما الثاني مادته الوراثية مجزأة إلى عده أجزاء.
ويقول سالمان: «هذا يعني أن التنفسي المخلوي يتحور، ولكن بشكل أبطأ من الإنفلونزا، ومن يصاب به، ستكون لديه مناعة في السنة التالية، لأن نسبة التحور البطيئة للفيروس، يمكن أن تغير فقط 5 في المائة من تركيبته، وبالتالي يمكن لجهاز المناعة اكتشاف الفيروس».
وواصل: «ما حدث أنه مع الإغلاق من 2019 وحتى 2022، حصل تراكم في الطفرات، ما أدى لزيادة نسبة التغيير في مكونات الفيروس، وبالتالي أصبح من أصيب بالفيروس قبل وباء كوفيد - 19، عرضة للإصابة به مجدداً لأنه سيتعامل مع فيروس مختلف كثيراً عن الفيروس السابق الذي أصابه، وباتت هناك فئتان، أطفال ولدوا خلال الوباء لم يتعرضوا للفيروس على الإطلاق، ولم يشكلوا أي مناعة، وآخرون تعرضوا للتركيبة القديمة من الفروس، قبل تراكم الطفرات».
ويضيف أن «الفيروس رغم ذلك، ليس خطيراً، ويمكن علاجه،ولكن المشكلة التي تسبب الوفيات، تتعلق بحدوث عدوى بكتيرية ثانوية تحدث مع الالتهابات الشديدة، وتسبب التهاباً رئوياً حاداً».
وينصح بالعودة في فترة الشتاء إلى إجراءات كورونا الاحترازية من ارتداء «الكمامة» والتباعد الاجتماعي والاهتمام بغسيل اليدين، لأنه من المتوقع أن تزيد في هذه الفترة الإصابة بكل فيروسات الجهاز التنفسي، بما فيها كورونا، وليس فقط التنفسي المخلوي.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


شرق الكونغو... اجتماعات جنيف بين آمال التهدئة وواقع التعثر

قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)
قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)
TT

شرق الكونغو... اجتماعات جنيف بين آمال التهدئة وواقع التعثر

قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)
قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)

غداة أشهر من التعثر في تطبيق مسار السلام بشرق الكونغو وتصاعد العنف في 2026، احتضنت جنيف محادثات بين الحكومة وحركة «23 مارس» المتمردة بعد عام من الاتفاقات برعاية أميركية - قطرية، لم تصمد منذ مطلع العام الحالي.

تلك المحادثات التي تشارك فيها الدوحة وواشنطن، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» قادرة على فتح الباب للعودة لمسار التهدئة، غير أن واقع التعثر سيظل قائماً طالما لم يقم على 3 عوامل رئيسية، تشمل المصالحة الشاملة والتنمية.

وأفادت «إذاعة فرنسا الدولية» بأن حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية ومندوبي حركة «23 مارس» اجتمعوا بجنيف، الثلاثاء، في محاولة لإنهاء الحرب التي دمرت شرق البلاد، غداة انطلاق الجولة التاسعة من المحادثات التي تختتم الجمعة، بمشاركة مندوب قطري ومبعوث الولايات المتحدة، مسعد بولس، بينما حضر ممثل عن بعثة الأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية (مونوسكو) بصفة مراقب، وسط مناقشات أولية كانت «صعبة».

وتجرى المحادثات وسط استمرار المواجهات، حيث تتركز المعارك حالياً في مقاطعتي كيفو الشمالية، وكيفو الجنوبية، الشرقيتين.

وأكّد متحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، في مؤتمر صحافي، الثلاثاء، استمرار جهود الوساطة بين الكونغو الديمقراطية وحركة «23 مارس» ورواندا، والتمسك بالمسار القائم، رغم التحديات المرتبطة بتنفيذ الاتفاقات، التي يجري متابعتها بشكل مستمر.

وباليوم ذاته، بحث رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، مع الممثل الخاص الجديد للأمين العام للأمم المتحدة في البلاد، ورئيس بعثة الأمم المتحدة، لتثبيت الاستقرار هناك، جيمس سوان، دعم عمل البعثة في مراقبة وقف إطلاق النار المتفق عليه في واشنطن وقطر، وفق بيان للرئاسة الكونغولية عبر منصة «إكس».

وقال الخبير في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، لـ«الشرق الأوسط»، إن انطلاق المحادثات بين الحكومة الكونغولية و«23 مارس» بسويسرا يأتي في سياق المحاولات الحثيثة والمقدرة التي تبذلها قطر والولايات المتحدة، إلى جانب عدد من الأطراف الإقليمية الفاعلة، بهدف إعادة الأمن والاستقرار في شرق الكونغو، بما يسهم في تحقيق الاستقرار المنشود في منطقة البحيرات العظمى بأكملها.

وشدّد على أن هذه الخطوة تعدّ في غاية الأهمية، كونها تأتي ضمن سلسلة من التعقيدات والمحاولات الحثيثة لتحقيق الاستقرار في شرق الكونغو، وهي المحاولات التي واجهت في فترات سابقة عثرات عدة، وباءت بالفشل.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما شرق الكونغو (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن المسار الحالي في سويسرا «يمكن أن يفتح الباب أمام حوار جادّ، ويتوصل إلى نتائج ملموسة، لكن التحدي الحقيقي يظل دائماً في كيفية تنفيذ هذه النتائج على أرض الواقع»، بحسب تورتشين.

وقبيل المحادثات، اتهم الزعيم السياسي للحركة، برتراند بيسيموا، القوات الحكومية «بتصعيد الهجمات»، قائلاً: «اختار نظام كينشاسا توقيت استئناف المفاوضات السياسية لقصف عدة قرى».

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى تورشين أن التعقيدات الإثنية والعرقية المتجذرة في منطقة البحيرات العظمى تفرض ضرورة تبني مقاربات غير تقليدية تختلف عن النتائج التي تم التوصل إليها في الجولات السابقة. ويضيف: «هناك حاجة إلى واقع جديد يبدأ بتحقيق السلم المجتمعي أولاً، كمدخل أساسي قبل الولوج في الأبعاد السياسية، خاصة أن آثار وتبعات الصراعات التاريخية بين قوميتي الهوتو والتوتسي لا تزال حاضرة ومؤثرة، سواء في الكونغو أو رواندا أو بوروندي».

ويؤكد أن مسألة المصالحات الوطنية هي أمر جوهري، ولا غنى عنه، حيث إن البعد المجتمعي يعدّ المدخل الحقيقي للاستقرار السياسي، والسلم المجتمعي يتطلب مصالحات حقيقية وعدالة انتقالية فاعلة، وكذلك تلعب التنمية دوراً محورياً في تحقيق الأمن، ويلفت إلى أنه على الرغم مما تتمتع به مناطق شرق الكونغو من ثروات هائلة وإمكانات ضخمة، فإن الفقر والبؤس يسيطران على الواقع السياسي والاقتصادي، ما يجعل من استمرارية الحرب واقعاً معاشاً.

وخلص الخبير في الشؤون الأفريقية إلى تأكيد ضرورة التركيز على 3 عوامل أساسية لتحقيق السلام في شرق الكونغو ومنطقة البحيرات العظمى، أولها البعد الاقتصادي والتنموي، بجانب تعزيز المشاركة السياسية على كافة المستويات المحلية والإقليمية والوطنية للمجموعات التي تشعر بالاضطهاد والتهميش، وأخيراً تطبيق العدالة الانتقالية والمصالحات الوطنية الشاملة.


قفزات «الإيجار الجديد» تُعمّق معاناة أسر مصرية

بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)
بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)
TT

قفزات «الإيجار الجديد» تُعمّق معاناة أسر مصرية

بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)
بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)

بعد ثلاثة شهور، سيكون على الثلاثينية سارة أحمد، جمع أغراضها تمهيداً للانتقال من الشقة التي تسكنها حالياً في شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة) إلى شقة أخرى، لا تعلم أين أو كيف سيكون حالها، وإن كانت تُرجح أنها «ستكون أسوأ، في ظل الارتفاعات الكبيرة في الإيجارات».

تؤجر سارة وزوجها وطفلتها ذات الثلاثة أعوام، شقتها بنظام «الإيجار الجديد»، ولا تتجاوز مساحتها 90 متراً، لكنها تبتلع ربع ميزانية أسرتها تقريباً، بقيمة 2500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً)، وسينتهي عقدها في يوليو (تموز) المقبل، وحين سألت عن الأسعار في المناطق المحيطة وجدتها بمتوسط 4 آلاف جنيه.

وتشهد مصر منذ عدة سنوات قفزات كبيرة في أسعار الشقق السكنية بنظام «الإيجار الجديد»، الذي يحصل بموجبه المُستأجر على الشقة مقابل عقد يتجدد سنوياً أو كل عدة سنوات.

وتختلف منظومة «الإيجار الجديد» عن «الإيجارات القديمة» التي يسكنها نحو 1.6 مليون أسرة وفق تقديرات رسمية، في أن عقود «القديمة» غير محددة المدة، وهو الوضع الذي تدخل القانون رقم 164 لسنة 2025 لإنهائه.

وارتبطت قفزات الإيجارات في مصر بتوافد مئات الآلاف من اللاجئين خصوصاً السودانيين، بعد اندلاع الحرب السودانية في أبريل (نيسان) 2023، حيث تمركزوا في مناطق معينة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الإيجارات فيها، وأبرزها منطقة فيصل الشعبية (جنوب القاهرة) التي كان يسكنها أبناء الطبقة الدُنيا وشرائح من الطبقة الوسطى في مصر.

ولم تقتصر ارتفاعات الإيجارات على هذه المناطق، إذ باتت سمة في سوق العقارات بشكل عام، وهو ما أقرت به الحكومة آنذاك، وعدها رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي في أغسطس (آب) 2024، «مؤقتة»، لكن الارتفاعات استمرت، ولم تتراجع حتى مع رحيل بعض الوافدين، في ظل معدلات مرتفعة من التضخم.

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

تسكن سامية إبراهيم (اسم مستعار) مع أسرتها الصغيرة، في منطقة فيصل منذ عدة أعوام، مقابل إيجار شهري 5 آلاف جنيه، لمدة 3 أعوام بزيادة سنوية نحو 500 جنيه. تقول لـ«الشرق الأوسط» إنه بفعل ارتفاع أسعار الإيجارات بالمنطقة بعد توافد السودانيين، لن يكفي المبلغ الحالي للحصول على شقة بالمستوى المتوسط نفسه.

تصف سامية، وهي صحافية وأم لطفلة، وضعها الحالي قائلة: «نعيش بصحبة كراتين ورقية نضع فيها أغراضنا عند الانتقال، في حالة من عدم الاستقرار، والتأزم المستمر في المصاريف، حتى أن زوجي يعمل في وظيفتين بخلاف عملي أنا أيضاً».

واستغاثت السيدة الأربعينية هاجر كامل، بالرئيس عبد الفتاح السيسي، في مقطع فيديو انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بسبب ارتفاعات الإيجارات المبالغ فيها، مطالبة الحكومة بوضع حد لها.

تسكن هاجر حالياً في شقة سينتهي عقدها في مايو (أيار) المقبل، مع أطفالها الأربعة، وهي مطلقة، قائلة إنهم يوفرون احتياجاتهم المعيشية الأساسية من طعام وشراب بصعوبة كبيرة، ويرغب مالك الشقة في رفع إيجارها لـ2500 وهو ما لن تستطيع تحمله، وتابعت: «كثيرون مثلي».

وانتشر المقطع وسط تعليقات مستنكرة لارتفاع الإيجارات وغلاء المعيشة، ما يعمق أزمات البسطاء.

وبلغ معدل التضخم على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، 15.2 في المائة، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي.

وأشار الكاتب الاقتصادي والباحث في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، إلى أن سوق العقارات في مصر تشهد تضخماً لافتاً يتغذى على التضخم العام ما يؤثر على ارتفاع الإيجارات، ويضع أعباء كبيرة على كاهل الأسر.

وأضاف عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن سوق العقارات لا تشهد تراجعاً في الأسعار رغم معاناتها من حالة ركود، ووفرة في المعروض مقابل الطلب، غير أنه في ظل ارتفاع سعر صرف الدولار يعد أصحاب العقارات أنها مخزون جيد للقيمة، فيرفعون الأسعار، مشيراً إلى أن عقوداً تشهد بنوداً تربط زيادة القيمة الإيجارية بسعر الدولار.

بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)

وكلما تمكن فارس قنديل (اسم مستعار) وهو مصور فوتوغرافي، من دفع إيجار شهر لشقته التي لا تتعدى مساحتها الـ60 متراً في منطقة السيدة زينب (وسط القاهرة) يسقط حمل من على كتفيه لساعات، قبل أن يعود إليه قلق حول كيفية تدبير إيجار الشهر المقبل، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط».

لدى قنديل طفل وطفلة في المرحلتين الأساسية والتمهيدية، وتعمل زوجته موظفة، بينما يعمل هو بنظام القطعة (مصور حر)، ويدفع إيجاراً قيمته 4500 جنيه، بعدما كان 1200 جنيه، قبل القفزات الكبيرة في الإيجارات، متخوفاً من أن تدفعه الزيادات المستمرة إلى الانتقال لمنطقة أخرى أو لمستوى أقل في المعيشة.

أما السيدة الستينية دلال أنور (اسم مستعار)، فباتت عاجزة عن دفع الإيجار الذي ارتفع إلى 3500 جنيه بدلاً من 1500 في مدينة 6 أكتوبر، خصوصاً بعدما أقعدها المرض عن عملها في التنظيف بأحد المولات الشهيرة، تقول لـ«الشرق الأوسط» إن المساعدات الخيرية هي ما تمكنها من العيش، لكن الإيجار همّ لا تعلم كيف تدبره.


محادثات مصرية مستمرة في واشنطن لدعم التهدئة وتعزيز الشراكة

وزير الخارجية المصري يلتقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يلتقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي (الخارجية المصرية)
TT

محادثات مصرية مستمرة في واشنطن لدعم التهدئة وتعزيز الشراكة

وزير الخارجية المصري يلتقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يلتقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي (الخارجية المصرية)

تتواصل محادثات وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في واشنطن، حول ملفات عديدة بينها تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتوترات المنطقة التي تتصدرها الأزمة الإيرانية والقضية الفلسطينية.

وحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن تلك المحادثات من شأنها أن تعزز سبل التهدئة في المنطقة، لما تتمتع به مصر من مكانة وزانة، وكونها شريكاً أساسياً في السعي إلى تهدئة في أزمتَي إيران وفلسطين، متوقعين أن تدفع واشنطن باتجاه حث المنظمات الدولية على تقديم دعم عاجل لمصر لتفادي تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية جراء الحرب.

وأفادت الخارجية المصرية، الأربعاء، بأن الوزير عبد العاطي التقى رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، جيمس ريش، وزعيم الأغلبية الجمهورية بمجلس النواب ستيف سكاليس، بعد لقاء مع نظيره الأميركي مارك روبيو.

وأكد عبد العاطي وريش، خصوصية العلاقات المصرية - الأميركية التي تمتد لأكثر من أربعة عقود، واستعرضا جهود مصر لخفض التصعيد واحتواء التوتر؛ أكان بالنسبة إلى إيران أو غزة والشأن الفلسطيني كله.

وبحث عبد العاطي مع سكاليس، «الشراكة الاستراتيجية الوثيقة بين مصر والولايات المتحدة، والجهود المصرية الحثيثة لتحقيق الاستقرار الإقليمي، من خلال الاتصالات المكثفة مع مختلف الأطراف، بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين، لدفع مسار التهدئة وخفض التصعيد واحتواء الأزمة، بخلاف تناول عدد من الملفات الإقليمية ومنها تطورات القضية الفلسطينية، والأوضاع في لبنان».

كما بحث بدر عبد العاطي، مع روبيو، الثلاثاء سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة، والتشاور بشأن مستجدات الأوضاع في الشرق الأوسط وتطورات عدد من الملفات الإقليمية الأخرى، وعلى رأسها التصعيد العسكري في الإقليم، والملف الفلسطيني، والسودان، ولبنان، والقرن الأفريقي والأمن المائي المصري.

وأشاد وزير الخارجية الأميركي بالعلاقات الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة، «وما تحققه الشراكة الاستراتيجية بين البلدين من منفعة متبادلة في شتى المجالات،» مثمناً «الجهود التي تبذلها مصر لدعم الأمن والاستقرار في المنطقة».

وزير الخارجية المصري يلتقي زعيم الأغلبية الجمهورية بمجلس النواب الأميركي (الخارجية المصرية)

ويرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية»، مختار غباشي، أن مصر شريك أساسي في مسار إسلام آباد مع تركيا لدعم التهدئة عبر تنسيق المواقف مع أطراف المنطقة كافة، وبالتالي المحادثات ستعزز ذلك المسار وتؤكده وتدفعه إلى الأمام.

ويتوقع أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأن الأميركي، الدكتور سعيد صادق، لـ«الشرق الأوسط»، أن تلعب مصر دوراً مهماً خلال هذه المحادثات مع واشنطن، في تعزيز التهدئة في المنطقة خاصة، وأن الأزمة باتت مكلفة عالمياً على اقتصاديات المنطقة.

المسار الاقتصادي

كان للمباحثات مع المنظمات الدولية جانب من الزيارة، في ظل أزمة مالية تضرب دولاً بالمنطقة ومنها مصر وأدت إلى ارتفاع في أسعار الوقود والمواصلات.

والتقى بدر عبد العاطي، مختار ديوب، المدير التنفيذي لـ«مؤسسة التمويل الدولية»، وذلك على هامش زيارته واشنطن للمشاركة في اجتماعات الربيع للبنك وصندوق النقد الدوليين.

وتطرق اللقاء إلى تداعيات التصعيد العسكري في المنطقة على الاقتصاد العالمي، وأعرب ديوب عن «اعتزازه بالشراكة مع مصر»، مؤكداً «الالتزام بمواصلة دعم جهود التنمية الوطنية من خلال توفير التمويل والخبرات الفنية للقطاع الخاص المصري»، حسب بيان للخارجية المصرية.

كما بحث عبد العاطي مع عثمان دايون، نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فرص التوسع في مجالات الدعم الفني المقدم من البنك الدولي لمصر في عدد من القطاعات الحيوية، وتداعيات التصعيد العسكري في الإقليم على الاقتصاد العالمي.

وعلى صعيد آخر، أكد وزير الخارجية المصري ضرورة عدم انصراف الاهتمام الدولي عن إعادة إعمار غزة، بوصفها ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار والسلام.

ويرى صادق أن واشنطن بما لديها من نفوذ على صندوق النقد الدولي يمكن أن تتحرك لدعم القاهرة مالياً من خلال المنظمات الدولية الكبرى، في ضوء العلاقات المصرية - الأميركية وكون مصر دولة وازنة في المنطقة، والجميع في حاجة إلى استقرارها، مشدداً على أن الأزمة الاقتصادية الحالية في مصر ناتجة عن عوامل خارجية أحد أطرافها الولايات المتحدة، مما سيقوّي موقف مصر في الوصول إلى تفاهمات بشأن الدعم المالي لها.

ويعتقد غباشي أن واشنطن لديها خصوصية في العلاقات مع مصر، ويمكن أن تساعد بشكل مباشر أو غير مباشر على توجيه مساعدات إلى مصر سواء عن طريقها أو عن طريق المؤسسات الدولية.

Your Premium trial has ended