«تسونامي الجوع»... تهديد عالمي تصنعه الطبيعة وتفاقمه الصراعات

سوريا والسودان ولبنان والصومال واليمن بين بؤر القلق

التجويع بقطع الإمدادات يُستخدم كتكتيك حربي في بعض الصراعات (الأمم المتحدة)
التجويع بقطع الإمدادات يُستخدم كتكتيك حربي في بعض الصراعات (الأمم المتحدة)
TT

«تسونامي الجوع»... تهديد عالمي تصنعه الطبيعة وتفاقمه الصراعات

التجويع بقطع الإمدادات يُستخدم كتكتيك حربي في بعض الصراعات (الأمم المتحدة)
التجويع بقطع الإمدادات يُستخدم كتكتيك حربي في بعض الصراعات (الأمم المتحدة)

لم تكن قمة الأمم المتحدة للمناخ (COP 27)، المنعقدة حالياً في مدينة شرم الشيخ المصرية، مناسبة فقط لـ«التحذير من تداعيات التغيرات المناخية، وحشد الجهود الدولية للحد من تأثير تلك التداعيات»، بل إنها ذكّرت بخطر يتهدد ملايين البشر معظمهم في المنطقة العربية وأفريقيا، هذا الخطر وفقاً لأحدث التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة، هو «تسونامي الجوع»، الذي بات تهديداً حقيقياً جراء الزيادة غير المسبوقة في معدلات نقص الغذاء، سواء بسبب العوامل الطبيعية، أو الصراعات الأهلية والنزاعات المسلحة.
وتحدث خبراء إلى «الشرق الأوسط»، عن أسباب تفاقم مخاطر المجاعات في مناطق بعدد من الدول، خاصة في ظل توقعات أممية بأن يمتد «تفاقم انعدام الأمن الغذائي الحاد في الفترة بين أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى يناير (كانون الثاني) 2023».

ولعل أحدث إفادة تتعلق بالنزاع في إثيوبيا، أمس (السبت)، التي يمثلها إعلان طرفي الصراع الاتفاق على تسهيل إيصال «المساعدات الإنسانية لكل من يحتاجونها» في منطقة تيغراي، دليل متزايد على دقة التحذيرات التي أطلقتها مؤسسات أممية وإنسانية بشأن مخاطر الجوع التي تهدد نطاق المعارك.
وبحسب تقرير لـ«برنامج الأغذية العالمي»، التابع للأمم المتحدة، الصادر منتصف مارس (آذار) الماضي، وحمل عنوان «بؤر الجوع الساخنة - الإنذار المبكر»، فإن هناك حاجة إلى إجراءات إنسانية عاجلة في 20 «بؤرة ساخنة للجوع» حول العالم.
ووفقاً للتقرير، لا تزال إثيوبيا ونيجيريا وجنوب السودان واليمن، تعيش في «حالة التأهب القصوى»، باعتبارها بؤراً ساخنة ذات ظروف كارثية، وقد دخلت أفغانستان والصومال لأول مرة ضمن هذه الفئة.
كما لا تزال – بحسب التقرير أيضاً - الكونغو الديمقراطية وهايتي والساحل الأفريقي والسودان وسوريا، في وضع مثير لـ«القلق البالغ» مع تدهور الأوضاع الحرجة، وكذلك انضمت كينيا إلى القائمة، وأضيفت أيضاً سريلانكا ودول غرب أفريقيا الساحلية كبنين والرأس الأخضر وغينيا، وأوكرانيا وزيمبابوي، إلى قائمة البلدان ذات البؤر الساخنة، في حين جاءت أنغولا ولبنان ومدغشقر وموزمبيق بقائمة «بؤر الجوع الساخنة».

المجاعة تهدد الملايين

وذكر التقرير السنوي الذي نشرته الشبكة العالمية لمكافحة أزمات الغذاء (GNAFC)، وهي تحالف دولي للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والوكالات الحكومية وغير الحكومية التي تعمل معاً لمعالجة أزمات الغذاء، في مايو (أيار) الماضي، أن نحو 193 مليون شخص في 53 دولة أو إقليماً، قد عانوا من انعدام الأمن الغذائي الحاد في أوقات الأزمات، أو مستويات أسوأ خلال العامين الأخيرين.
وبحسب المنظمة، اتسعت دائرة الدول التي سقطت في هاوية فقدان الأمن الغذائي خلال عام 2022، وهو ما أرجعه التقرير إلى الصراعات التي اعتبرها «المحرك الرئيس لانعدام الأمن الغذائي»، وأن البلدان التي تتعامل بالفعل مع مستويات عالية من الجوع الحاد معرضة بشكل خاص للمخاطر التي أوجدتها الحرب في أوروبا الشرقية.
كما دقت الأمم المتحدة ناقوس الخطر بشأن مخاطر المجاعة التي تهدد ملايين الأشخاص عبر العالم، منها على سبيل المثال لا الحصر، منطقة القرن الأفريقي المهددة بأسوأ جفاف منذ أكثر من 40 سنة، في خامس موسم على التوالي دون تساقطات مطرية، مما يتسبب في تدمير سبل العيش، وتفاقم الوضع الإنساني في إثيوبيا والصومال وأنحاء من كينيا، بما في ذلك خطر المجاعة في الصومال.

ومنذ بداية هذا العام، دفعت أزمة الغذاء العالمية المتصاعدة 260 ألف طفل إضافيين - أي طفل واحد كل 60 ثانية - نحو المعاناة من الهزال الشديد في 15 بلداً تتحمل أشد وطأة للأزمة، بما فيها بلدان منطقة القرن الأفريقي ومنطقة الساحل الوسطى. ويأتي هذا التصاعد في الهزال الشديد ليضاف إلى المستويات الحالية لنقص التغذية بين الأطفال، التي حذرت «اليونيسيف» من أنها تدفع العالم إلى «شفير مستويات كارثية» من سوء التغذية.
ويقدّر المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، ديفيد بيزلي، أن ما تشهده العديد من دول العالم حالياً، «عاصفة مكتملة الأركان لن يقتصر ضررها على أفقر الفئات فحسب، بل سيتسع نطاق ضررها ليصيب ملايين الأسر؛ لأن الظروف أسوأ بكثير مما كانت عليه خلال فترة (الربيع العربي) في 2011، وأزمة أسعار الغذاء خلال عامي 2007 و2008، عندما هزت الاضطرابات السياسية وأعمال الشغب والاحتجاجات 48 بلداً».

الجوع... تكتيك حرب

ولا تقتصر مسببات «تسونامي الجوع» الذي تتوقع مؤسسات أممية أن يجتاح شعوباً بأكملها خلال الآونة المقبلة، على العوامل الطبيعية كالجفاف والتصحر، ونقص الموارد الطبيعية لإمدادات الغذاء فحسب، بل يلقي كثير من المختصين باللائمة على استمرار النزاعات الأهلية والمسلحة، التي تفاقم من أثر انعدام الأمن الغذائي، كجزء من انعدام الأمن إجمالاً.
وأظهر تقرير لبرنامج الأغذية العالمي، نُشر ملخصه منتصف العام الحالي، أن الروابط بين الجوع والنزاعات معقدة، وتأثيرها واسع النطاق، وأن العديد من الأشخاص الذين يدعمهم البرنامج يفرون من الصراع، وقد اضطروا إلى التخلي عن أراضيهم ومنازلهم ووظائفهم.
ومن المرجح، بحسب البرنامج الأممي، أن تستمر هذه الاتجاهات في اليمن وميانمار وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية ووسط الساحل والسودان وجنوب السودان والصومال، والأجزاء الشمالية من إثيوبيا ونيجيريا وموزمبيق.
واعترف وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، مارتن غريفيث، خلال جلسة لمجلس الأمن حول حماية المدنيين في النزاع المسلح باليمن، في وقت سابق هذا العام، بأن «الأطراف المتحاربة تعمدت قطع الإمدادات التجارية والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها المدنيون للبقاء على قيد الحياة؛ إذ يُستخدم الجوع أحياناً كتكتيك حرب».
وأشار تقرير للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، إلى أن الأزمة الإنسانية في اليمن بلغت مستويات غير مسبوقة من التدهور، وأن استمرار القتال يعني بالضرورة تدهوراً إضافياً للأزمة، وتنامي الخطر الوشيك لحدوث مجاعة تهدد حياة الملايين، خصوصاً في ظل أزمة التمويل التي تعاني منها المنظمات الإغاثية العاملة في اليمن.
ويمنياً أيضاً، فإن تقريراً اقتصادياً صدر عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي باليمن، قبل أسبوع تقريباً، أكد أن «نحو 19 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال النصف الثاني لهذا العام، في حين سيعاني نحو 538 ألف طفل من سوء التغذية الحاد، وهو ما يضع الأزمة الإنسانية باليمن ضمن أسوأ الأزمات في العالم».
وفي المقابل، فإن التقرير أشار إلى أن «المملكة العربية السعودية أتت في طليعة الدول المانحة لليمن، وبخاصة في المساعدات الإغاثية والإنسانية، بنسبة بلغت نحو 30 في المائة، تلتها الإمارات العربية المتحدة بنحو 25 في المائة، ثم الولايات المتحدة الأميركية، والبنك الدولي، والمملكة المتحدة».

أزمات طبيعية... وسياسية

وتشهد منطقة القرن الأفريقي جفافاً هو الأشد من نوعه منذ عام 1981؛ إذ تسبب الجفاف الشديد في دفع ما يقدر بنحو 13 مليون شخص في إثيوبيا وكينيا والصومال إلى الجوع الشديد في الربع الأول من هذا العام، وقد أدى فشل موسم الأمطار لمدة 3 سنوات متتالية إلى تدمير المحاصيل ونفوق أعداد كبيرة من الماشية بشكل غير طبيعي، وفقاً لبرنامج الأغذية العالمي.
كما تواجه المنطقة تحدياً يضاعف من الأزمة، يتمثل في استمرار الصراعات المسلحة، وعجز الأنظمة السياسية في تلك المنطقة عن توفير مناخ من الاستقرار يساعد في تقديم المساعدات الإنسانية اللازمة، بل في أحيان أخرى قد تكون تلك المساعدات ورقة ضغط في الصراع، كما يقول ويليام ديفيسون، خبير الشؤون الإثيوبية في مجموعة الأزمات الدولية، الذي يضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن الصراعات السياسية، وعجز الأنظمة عن استباق الأزمات، أو اتخاذ الإجراءات الناجعة في مواجهة تلك الأزمات، هو السبب الأبرز وراء كثير من الأزمات الإنسانية، حتى في تلك الدول التي لا تعاني من مشكلات أو نقص في الغذاء يرجع إلى عوامل طبيعية.
ويضرب ديفيسون مثالاً بأزمة إقليم تيغراي في إثيوبيا، مشيراً إلى أن إثيوبيا معروفة بثرواتها المائية والزراعية، إلا أن الصراع الممتد في الإقليم، وإطالة أمد النزاع المسلح بين الحكومة المركزية وقوات «تحرير شعب التيغراي»، وفشل جهود إحلال السلام في أكثر من مناسبة؛ فاقمت من المعاناة الإنسانية في الإقليم.
ويضيف أن مضاعفة الأزمات الإنسانية تُستغل أحياناً كورقة في الصراعات والنزاعات المسلحة، فبحسب العديد من التقارير الدولية، فإن القوى المتصارعة تعمد إلى السيطرة على المعونات التي تصل إلى المناطق المتضررة من النزاعات المسلحة، ومن ثم تحاول استخدام تلك المعونات كورقة ضغط على الطرف الآخر، كما أن استمرار المواجهات العسكرية يصعب من الأوضاع التي تعمل فيها منظمات الإغاثة، سواء تلك التابعة للأمم المتحدة، أو المنظمات الإغاثية غير الحكومية، وهو ما يفاقم من معاناة المدنيين الذين يدفعون ثمناً باهظاً لصراعات ونزاعات لا دخل لهم فيها، وبخاصة من الفئات التي هي أكثر هشاشة، مثل النساء والأطفال.
وتعتبر أيضاً هايدي الشافعي، الباحثة بوحدة الدراسات الأفريقية بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، الصراعات «المحرك الرئيس لانعدام الأمن الغذائي على مستوى العالم»، وتضيف أن القرن الأفريقي من أكثر مناطق العالم تضرراً من النزاعات؛ إذ أدت الصراعات والعنف إلى تفاقم آثار التغيرات المناخية على السكان المتضررين، وتقويض سبل العيش، ووسائل إنتاج الغذاء، ودفع الملايين للنزوح؛ ففي الصومال، على سبيل المثال، تسيطر «حركة الشباب» الإرهابية على جزء كبير من الريف، وتعرقل عمل وكالات الإغاثة الغربية، وتهاجم العاملين في المجال الإنساني، مما يؤدي إلى عدم وصول المساعدات للمحتاجين، ويضاعف من حالة انعدام الأمن الغذائي والجوع الشديد لديهم.

جهود دولية هزيلة

وتقدر الاحتياجات العالمية لتقديم إعانات غذائية طارئة بنحو 46 مليار دولار سنوياً، ولا تفي التزامات المؤسسات الدولية والدول المانحة إلا بأقل من ثلث هذا المبلغ فقط، وهو ما يدفع الخبير السابق بالبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، الدكتور محمد محي الدين، إلى القول إن الجهود الدولية الجارية حالياً لمواجهة تفشي أزمات الجوع ونقص الغذاء في العديد من مناطق العالم، «أشبه بمن يريد أن يعالج السرطان ببضعة أقراص من الأسبرين».

ويضيف محي الدين لـ«الشرق الأوسط»، أن العمل الدولي الراهن، رغم التقدير للجهود المبذولة، «لا يرقى إلى مستوى التوقعات، ولا يسهم بصورة فعالة في مواجهة حقيقية للموقف».
ويُرجع الخبير الأممي السابق، الأمر ليس فقط إلى الخلل الذي يعتري الجهود المبذولة والتقصير من جانب المؤسسات الدولية، بل يذهب إلى أبعد من ذلك؛ فيشير إلى وجود اختلالات في هيكل النظام العالمي الراهن، الذي يرتكن في جوهره إلى الحفاظ على تفوق الدول المتقدمة، واستمرار التباينات والفروق بين المناطق الجغرافية، فهذه المناطق الفقيرة تمثل بالنسبة للدول الغنية «الاحتياطي الاستراتيجي لقوة العمل»، ومن ثم الحفاظ على الأوضاع القاسية في تلك الدول، رغم كل المحاولات التي تبدو أنها ظاهرياً تستهدف مساعدة الدول الفقيرة والهشة، إلا أن واقع الحال يؤكد أن تلك الدول توفر للدول الغنية ما تحتاجه من مخزون بشري تعوض به احتياجاتها من الأيدي العاملة الرخيصة، واستغلالهم في الوظائف التي لا يُقبل عليها مواطنو الدول الغنية، حتى وإن بدت الدول الغنية في مظهر المتأفف من موجات الهجرة من تلك الدول التي تعاني وضعاً هشاً، إنسانياً وسياسياً واجتماعياً.
ويعتقد الخبير السابق بالبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، أن تضافر العوامل الطبيعية والسياسية يفاقم من الأزمة التي تعانيها المناطق الهشة، وخصوصاً في أفريقيا والمنطقة العربية، ويضيف أن العوامل الطبيعية هي بالأساس نتاج لممارسات بشرية خاطئة، مثل تلويث البيئة والاستخدام غير الرشيد للموارد، فضلاً عن أن الصراعات والنزاعات المسلحة لا تؤدي فقط إلى إهدار الثروات، بل إلى تهجير المزارعين وعدم تمكين أكثر الفئات احتياجاً من استغلال تلك الأراضي في الزراعة والحصول على احتياجاتهم من الأغذية، ومن ثم تضاعف الأسعار، وتنقص السلع، الأمر الذي يخلق بدوره دائرة مفرغة من الصراعات السياسية والاجتماعية.


مقالات ذات صلة

«يونيسيف»: الفقر يسبب حرماناً شديداً ﻟ417 مليون طفل حول العالم

العالم مجموعة من النساء والأطفال الصغار ينتظرون المساعدة داخل مركز في الرنك بجنوب السودان 18 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

«يونيسيف»: الفقر يسبب حرماناً شديداً ﻟ417 مليون طفل حول العالم

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، اليوم الخميس، إن 417 مليون طفل حول العالم يعانون الحرمان الشديد.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص رجل يفرغ حمولة الخضراوات والفواكه من شاحنة في أحد أحياء بيروت (رويترز)

خاص الفقر يمدّد «إقامته» السلبية في لبنان رغم انتعاش الاقتصاد

لم تنعكس بوادر الانتعاش الاقتصادي المحقّقة في لبنان، بشكل متوازن على بيانات الفقر المستقرة على وصف التفاقم السلبي، رغم الهبوط الوازن لمؤشرات التضخم.

علي زين الدين (بيروت)
أفريقيا أدوت ديور الطفل البالغ من العمر 14 شهراً يجلس في حضن والدته بقسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان في جنوب السودان - 18 أغسطس 2025 (أ.ب)

أزمة جوع خانقة بجنوب السودان: فساد وتقليص مساعدات يهدد حياة الأطفال

يعيش جنوب السودان كارثة إنسانية متفاقمة؛ حيث يواجه ملايين الأطفال والنساء خطر الموت جوعاً نتيجة الفساد المستشري.

«الشرق الأوسط» (جوبا)
الاقتصاد باعة متجولون ينتظرون الزبائن بسوق مفتوح في أوكا بنيجيريا (رويترز)

البنك الدولي يخصص 70 % من حزمة بقيمة 100 مليار دولار لأفريقيا

قال مسؤول تنفيذي بالبنك الدولي إنه سيخصص لأفريقيا 70 في المائة من أصل 100 مليار دولار جمعها أحد أذرع البنك الدولي لتقديم تمويل ميسور لأشد الدول فقراً في العالم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا عدد الأطفال المشرّدين بفرنسا ارتفع بنسبة 6 في المائة مقارنة بما كان عليه العام الفائت وبنسبة 30 في المائة عمّا كان عليه عام 2022 (أ.ف.ب)

أكثر من ألفَي طفل ينامون في الشوارع بفرنسا

ينام أكثر من ألفَي طفل في شوارع فرنسا بسبب نقص أماكن الإيواء الطارئ المتاحة، ويشهد هذا العدد ارتفاعاً حاداً منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (باريس)

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.