الفقر يمدّد «إقامته» السلبية في لبنان رغم انتعاش الاقتصاد

البنك الدولي توقع استمرار ارتفاع النمو وكبح التضخم

رجل يفرغ حمولة الخضراوات والفواكه من شاحنة في أحد أحياء بيروت (رويترز)
رجل يفرغ حمولة الخضراوات والفواكه من شاحنة في أحد أحياء بيروت (رويترز)
TT

الفقر يمدّد «إقامته» السلبية في لبنان رغم انتعاش الاقتصاد

رجل يفرغ حمولة الخضراوات والفواكه من شاحنة في أحد أحياء بيروت (رويترز)
رجل يفرغ حمولة الخضراوات والفواكه من شاحنة في أحد أحياء بيروت (رويترز)

لم تنعكس بوادر الانتعاش الاقتصادي المحقّقة في لبنان، بشكل متوازن على بيانات الفقر المستقرة على وصف التفاقم السلبي، رغم الهبوط الوازن لمؤشرات التضخم من مستوياتها القياسية، وظهور إشارات مشجعة تخص انحسار الحزمة المليونية من السكان المصنفين تحت خانة انعدام الأمن الغذائي.

وبينما يحذّر البنك الدولي في رصد محدث، من استمرار هشاشة الأمن الغذائي جراء تضرّر البنية التحتيّة الزراعيّة والتضخّم واتساع فجوات التمويل في برامج المساعدات الإنسانيّة، فإنه يرتقب أن يسجّل الناتج المحلّي الإجمالي الحقيقي في لبنان نموّاً بنسبة 3.5 في المائة بنهاية العام الحالي، ونسبة 4 في المائة للعام المقبل، مقارنةً بسلسلة انهيارات حادة تعدّت تراكماتها إجمالي 40 في المائة خلال سنوات الانهيار الاقتصادي، والمتوجة أخيراً بانكماش اقتصادي بلغ نسبة 7.1 في المائة، العام الماضي.

ومع التطلع إلى استمرار الزخم الإيجابي، يتوزّع النمو القطاعي بنسبة 2.5 في المائة للقطاع الزراعي، و3 في المائة للقطاع الصناعي، و4.2 في المائة للقطاع السياحي، بينما يتوقع تراجع معدّل التضخّم إلى 8.7 في المائة، نزولاً من نسبة 15.2 في المائة متوقعة بنهاية العام الحالي، لينخفض بذلك إلى ما دون مستوى 10 في المائة للمرّة الأولى منذ عام 2019.

ميزان المدفوعات

وبالمقابل، رجّح البنك الدولي أن تستمرّ الضغوط على ميزان المدفوعات، مبيّناً أنّ استدامة الاستقرار السياسي وتنفيذ الإصلاحات قد يفتحان الباب أمام التمويل الخارجي لإعادة الإعمار والاستثمار، إلا أنّه حذّر من أنّ التأخير في تنفيذ الإصلاحات قد يعرّض توقّعات النمو للخطر.

ويكشف تقرير للمؤسسة الدولية أنّ معدّلات الفقر ترتفع بدورها بسبب فقدان الأسر لقدراتها الشرائيّة خلال فترة الأزمة الاقتصاديّة. في حين يشهد الأمن الغذائي في البلاد تعافياً تدريجيّاً، حيث بلغ عدد الأشخاص المصنفين على أنهم يعانون من انعدام أمنهم الغذائي في الرصد الفصلي الأخير، نحو 1.17 مليون شخص مقارنةً بنحو 1.65 مليون شخص في الفصل السابق بعد انتهاء النزاع العسكري.

نسبة من يعيشون دون خطّ الفقر

وبالأرقام ذات المنحى السلبي، فإنّ نسبة السكّان الذين يعيشون دون خطّ الفقر يستمر على نمط الارتفاع الدائم، حيث إنّ نسبة الأفراد الذين يكسبون أقلّ من 3 دولارات يوميّاً زادت من 0.1 في المائة في عام 2013 (السنة المرجعية لقياس البيانات) إلى 5.9 في المائة خلال 10 سنوات، كما ارتفعت نسبة الأفراد الذين يكسبون أقلّ من 4.2 دولار يوميّاً من 0.3 في المائة إلى 16 في المائة، وزادت نسبة الذين يكسبون أقلّ من 8.3 دولار يوميّاً من 5.5 في المائة إلى 50.7 في المائة، أي نصف العاملين، في الفترة عينها.

ولا تزال البلاد تعاني من ضعف في الماليّة العامّة وفي تأمين الخدمات الأساسيّة في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة الراهنة، لتزيد تفاقماً بعد الحرب الأخيرة التي شهدت نزوح نحو 1.2 مليون شخص وعدد كبير من الوفيّات، بينما قدّر البنك الدولي الأضرار الماديّة الناجمة عن النزاع بنحو 6.8 مليار دولار، والخسائر الاقتصاديّة بنحو 7.2 مليار دولار، واحتياجات التعافي وإعادة الإعمار عند نحو 11 مليار دولار.

وبالرغم من هذه المعوقات، فقد تمكّن لبنان، حسب تقرير المؤسسة الدولية، من تحقيق تقدّم ملحوظ على الصعيد السياسي لا سيّما مع إنهاء فراغ سياسي دام سنتين مع انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة وتشكيل حكومة جديدة. وبالإضافة، فقد ساهم التقدّم في الإصلاحات والانتعاش في الحركة السياحيّة في موسم الصيف، بمساندة النموّ في البلاد مع توقّعات باستمرار هذه الوتيرة في العام المقبل.

كذلك، لاحظ البنك الدولي أنّ مؤشّر تضخّم الأسعار قد انخفض إلى نسبة 14 في المائة على أساس سنويّ، بنهاية شهر يوليو (تموز) الماضي، في ظلّ استقرار سعر الصرف عند مستوى 89.5 ألف ليرة لكل دولار منذ صيف عام 2023، مع توقّعات أن تنخفض نسبة التضخّم إلى ما دون 10 في المائة في العام المقبل.

ومن المرتقب أن يصل العجز في الحساب الجاري إلى 15.8 في المائة كنسبة من الناتج المحلّي الإجمالي في العام الحالي، وإلى 16.1 في المائة في العام المقبل، مقارنةً مع نسبة 22.2 في المائة في العام الماضي. كما ارتفعت عائدات الضرائب غير المباشرة خلال النصف الأوّل من العام الحالي، مع تحسّن الرسوم الجمركيّة بنسبة 5.2 في المائة، وزيادة بنسبة 74.8 في المائة بإجمالي الرسوم.

تصفير عجز الموازنة

وتشير توقّعات وزارة المال إلى تصفير في العجز في الموازنة مقابل فائض ضئيل نسبته 0.5 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي في العام الماضي. علما بأن بيانات الموازنة تخلو تماماً من مستحقات الدين العام (اليوروبوندز)، وتتجنب التوسع في الإنفاق الإعماري والاستثماري. في حين يلاحظ البنك الدولي أن الإدارة الماليّة الحكيمة المُتبعة قد أتاحت تراكم احتياطي مالي لمواجهة الصدمات، بينما تتزايد الاحتياجات للإنفاق على إعادة بناء القدرات المؤسّسية والإنفاق الجاري، ولا سيما الأجور والخدمات الأساسيّة والنفقات الرأسماليّة.

لم يفت البنك الدولي التنويه بأنه لم يتمّ إحراز سوى تقدّم ضئيل على صعيد إعادة هيكلة الدين العام بعد مرور خمس سنوات على إعلان الدولة قراراً بالتخلّف عن سداد سندات اليوروبوندز، حيث شكّلت المديونيّة، التي يطغى فيها الدين بالعملات الأجنبيّة بنسبة 98 في المائة من الإجمالي، نسبة 176.5 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي في عام 2024. وهو ما اقتضى التحذير بأنه في حال عدم إجراء إعادة هيكلة للديون في العام المقبل، ستظلّ مستويات الدين مرتفعة؛ ما يحد تلقائياً من وصول لبنان إلى أسواق رأس المال الدوليّة.

وفي المؤشرات المؤثرة، سجل العجز التجاري اتسّاعاً بنسبة 12.9 في المائة خلال النصف الأول من عام 2025، على الرغم من زيادة الصادرات بنسبة سنويّة بلغت 23 في المائة؛ أي بوتيرة أسرع من الارتفاع السنوي في الواردات والبالغ 14.65 في المائة.

ويتم تمويل هذا العجز بشكل رئيسي من التحويلات الوافدة إلى البلاد، لا سيّما من المغتربين، على الرغم من تقدير البنك الدولي أنّ الأرقام الرسميّة البالغة نحو 7 مليارات دولار سنوياً، هي أقل من الواقع بسبب القنوات غير الرسميّة وضعف بيانات ميزان المدفوعات وارتفاع دولرة الاقتصاد النقدي.


مقالات ذات صلة

البنك الدولي: 27 دولة تسعى إلى ضمان الحصول على أموال الأزمات

الاقتصاد أثرت حرب إيران وما نتج عنها من اضطراب في أسواق الطاقة العالمية على سلاسل التوريد العالمية وحالت دون وصول شحنات الأسمدة الحيوية إلى البلدان النامية (رويترز)

البنك الدولي: 27 دولة تسعى إلى ضمان الحصول على أموال الأزمات

بدأت 27 دولة، منذ اندلاع حرب إيران، في وضع آليات أزمة تتيح لها الحصول بسرعة على تمويل من البرامج الحالية للبنك الدولي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز تتحدث إلى الصحافيين (أ.ف.ب)

وفد من البنك الدولي يزور فنزويلا

زار فريق من خبراء البنك الدولي فنزويلا للمرة الأولى منذ جددت كاراكاس والهيئة المصرفية التي تتخذ في واشنطن مقراً، العلاقات في أبريل، وفق ما أعلن البنك الدولي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أعمال إنشائية في عمارات بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

البنك الدولي يرفع حزمة مصر 300 مليون دولار لمواجهة آثار حرب إيران

قال المدير الإقليمي للبنك الدولي، إن مصر ستتلقى 300 مليون دولار إضافية، ضمن حزمة تمويل تنموي من البنك الدولي، لمساعدتها على مواجهة تداعيات حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا خلال استقبال الرئيس المصري رئيس مجموعة البنك الدولي في مارس 2026 (الرئاسة المصرية)

دعم مالي جديد لمصر لتخفيف تداعيات «حرب إيران»

يعزِّز دعم مالي جديد من البنك الدولي إلى مصر، الجمعة، بقيمة مليار دولار (نحو 53 مليار جنيه)، صمود الاقتصاد المصري في مواجهة تداعيات الحرب الإيرانية.

رحاب عليوة (القاهرة)
الاقتصاد وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر الخريّف (واس)

الخريّف: السعودية مؤهلة لتصبح جسراً يربط منتجي ومستهلكي المعادن في العالم

قال وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر الخريّف إن الموقع الجغرافي للمملكة وثقلها الاقتصادي يؤهلانها لتصبح جسراً عالمياً للمعادن.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول )

أصول صناديق الثروة الخليجية ترتفع إلى 5 تريليونات دولار

سيارات في أحد شوارع العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
سيارات في أحد شوارع العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
TT

أصول صناديق الثروة الخليجية ترتفع إلى 5 تريليونات دولار

سيارات في أحد شوارع العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
سيارات في أحد شوارع العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

وصل الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي إلى نحو 2.4 تريليون دولار، في وقت أكدت فيه المؤشرات تنامي الثقل الاستثماري الخليجي عالمياً، مع وصول حجم صناديق الثروة السيادية الخليجية إلى نحو 5 تريليونات دولار، بما يمثل 30.3 في المائة من إجمالي الصناديق السيادية في العالم، وهو ما يعزز حضور دول المجلس في الأسواق والاستثمارات الدولية.

وأظهر تقرير صادر عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي، يوم الاثنين، بمناسبة ذكرى التأسيس، أن القطاع غير النفطي في الدول الست نما بنسبة بلغت 5.3 في المائة خلال عام 2025، في وقت تجاوزت فيه مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي نسبة 78 في المائة.

وفي القطاع المالي، واصلت دول المجلس الست تعزيز استقرارها المالي، إذ بلغت أصول البنوك التجارية نحو 3.9 تريليون دولار بنمو بلغ 11.9 في المائة بين عامي 2024 و2025، بينما وصلت الودائع لدى البنوك التجارية إلى 2.3 تريليون دولار بمعدل نمو بلغ 10.6 في المائة، الأمر الذي يعكس قوة السيولة المصرفية والثقة المتزايدة في القطاع المالي الخليجي، وفقاً لوكالة الأنباء السعودية (واس).

وعلى صعيد التجارة، سجلت دول المجلس حجم تبادل تجاري بلغ 1.6 تريليون دولار، بنمو نسبته 7.4 في المائة مقارنة بعام 2023، بينما بلغت الصادرات السلعية الخليجية نحو 849.6 مليار دولار، ما يعكس استمرار الحضور الخليجي في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.

وفي قطاع الطاقة، حافظت دول مجلس التعاون على موقعها المحوري في سوق الطاقة العالمية، بإنتاج نفطي بلغ 16.6 مليون برميل يومياً، يمثل نحو 22.2 في المائة من الإنتاج العالمي للنفط الخام.

وعلى مستوى التكامل الخليجي، سجلت السوق الخليجية المشتركة نمواً متواصلاً؛ حيث بلغت التجارة البينية نحو 146 مليار دولار بنمو قدره 2.85 في المائة مقارنة بعام 2012، بينما ارتفع إجمالي رؤوس أموال الشركات المساهمة إلى 549 مليار دولار بنمو استثنائي بلغ 237.6 في المائة مقارنة بعام 2007.

وفي القطاع السياحي، بلغت الإيرادات السياحية الخليجية نحو 132.3 مليار دولار، بما يعكس تنامي جاذبية الوجهات الخليجية وقدرتها على استقطاب الحركة السياحية العالمية.


«موديز» تبدّد آمال انتعاش اقتصاد لبنان... وترجّح انكماشه 14 %

عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
TT

«موديز» تبدّد آمال انتعاش اقتصاد لبنان... وترجّح انكماشه 14 %

عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

تتوقّع وكالة التصنيف الدولية «موديز» انكماشاً حاداً للاقتصاد اللبناني خلال العام الحالي بنسبة 14 في المائة، جراء الحرب المحلية وتداعيات الصراع في المنطقة، مع ترجيح استعادة النمو الإيجابي بنسبة 5 في المائة في العام المقبل. في حين يقدّر وزير المال ياسين جابر تراجع الناتج بما بين 7 و10 في المائة، مع أضرار مباشرة وغير مباشرة تصل إلى 20 مليار دولار.

في نهاية العام الماضي، بلغ حجم الناتج مستوى 33 مليار دولار، مدفوعاً بنمو نسبته 3.8 في المائة، وفق تحديثات رقمية موثقة من قبل مصرف لبنان المركزي، عقب رحلة شاقة من الانكماش الحاد على مدار سنوات الأزمة المالية والنقدية التي انفجرت في خريف عام 2019، وأفضت إلى حصيلة تراجع متتالية ومجمّعة بنسبة تناهز 60 في المائة من المستوى الأعلى للناتج الذي قارب 53 مليار دولار عشية الانهيار الاقتصادي.

وبحسب التقييم المحدث لوكالة «موديز»، فإنّ الصراع الأخير تسبّب في صدمة كبيرة على الاقتصاد، نتيجة نزوح السكّان، وانهيار القطاع السياحي، وتعطّل قطاعَي الزراعة والصناعة، والدمار الكبير الذي لحق بالبنى التحتيّة. في حين يُخشى أن يؤدّي التراجع في الإيرادات الحكوميّة، مقابل ارتفاع الاحتياجات الاجتماعيّة واحتياجات إعادة الإعمار، إلى زيادة الضغوط على الأوضاع الماليّة العامّة، والاعتماد على الاحتياطات بالعملات الأجنبيّة.

وبينما تهدّد التوتّرات الجيوسياسيّة المستمرّة بتفاقم الضعف القائم في ميزان المدفوعات، فإنّ التمديد المؤقّت لوقف إطلاق النار والنقاش المستمر مع صندوق النقد الدولي حول تمويل سريع محتمل، قد يوفّران، حسب الوكالة، الحصول على دعم قصير الأجل عبر تعزيز السيولة والحيز المالي، إلا أنّهما لا يعالجان نقاط الضعف الهيكليّة في البلد، كالتعثّر السيادي، وغياب إعادة هيكلة شاملة للدين العام، فضلاً عن حزمة تحديات مؤسسيّة وحوكميّة.

وفي البعد السياسي، أشارت الوكالة إلى الجهود الدبلوماسيّة الأخيرة التي قادتها الولايات المتحدة، مستهدِفةً الدفع نحو إطار أكثر استدامة للسلام والأمن بين إسرائيل ولبنان، وذلك من خلال المحادثات التي عُقدت في منتصف شهر مايو (أيّار)، وتُستكمل جولاتها بنهايته وبداية الشهر المقبل.

خيام زرقاء لإيواء النازحين الفارّين من منازلهم وقراهم في الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب على طول واجهة العاصمة (د.ب.أ)

ورغم أن هذه المفاوضات قد تساعد في الحد من ارتفاع وتيرة التصعيد، فإنّ احتمال تجدّد النزاع لا يزال مرتفعاً، ما يواصل تهديد الاقتصاد اللبناني وثقة المستثمرين والأوضاع الإنسانيّة؛ إذ تدور هذه المناقشات وسط تقارير متواصلة عن انتهاكات لوقف إطلاق النار، ما يسلّط الضوء على هشاشة الوضع الأمني واستمرار المخاطر الجيوسياسية.

أمّا في البعد الاقتصادي والإنساني، فقد أدّت موجة العنف المتجدّدة، وفق رصد «موديز»، إلى نزوح أكثر من مليون شخص، واضطراب سوق العمل، وإضعاف الطلب الاستهلاكي، وإلحاق أضرار جسيمة بالقطاعات الإنتاجيّة مثل الزراعة والصناعة والبناء، نتيجة تضرّر البنية التحتيّة، ورأس المال، وسلاسل الإمداد. كذلك تأثّرت القطاعات الخدماتيّة، بما فيها السياحة، والرعاية الصحيّة، والتعليم، بالتباطؤ الاقتصادي الذي تشهده البلاد.

ولا يزال لبنان يعتمد بشكل كبير على الواردات، التي تُعوّض جزئيّاً من خلال إيرادات السياحة وتحويلات المغتربين، مع الإشارة إلى أن هذه التدفقات من العملات الأجنبيّة قد تتراجع نتيجة عدم الاستقرار الإقليمي، وارتفاع أسعار النفط، واحتمال تأثّر تحويلات المغتربين بالأوضاع المستجدّة.

ونوهت الوكالة بأنّه رغم أنّ المناقشات مع صندوق النقد الدولي بشأن توفير تمويل طارئ تصل قيمته إلى مليار دولار قد يؤمّن دعماً ماليّاً مؤقتاً، ويساعد في تغطية الإنفاق الاجتماعي والإنساني العاجل، فإنّ هذا الدعم وحده لن يكون كافياً لمعالجة نقاط الضعف الهيكليّة في الاقتصاد اللبناني، علماً أن رد إدارة الصندوق لم يكن إيجابياً، حسب مصادر وزارة المال، ربطاً باستمرار لبنان في حال «التعثر» عن سداد ديونه السيادية.

ومن غير المرجّح أن يتغيّر التصنيف الائتماني للبنان، المستمر عند الدرجة «سي»، إذا لم يتمّ تنفيذ إعادة هيكلة شاملة للدين العام؛ نظراً إلى حجم التحدّيات الماكرواقتصاديّة والماليّة والاجتماعيّة، علماً أنّ أيّ تحسّن في التصنيف السيادي بعد عمليّة إعادة هيكلة الدين سيعتمد، وفق «موديز»، على سرعة وفاعليّة الإصلاحات الماليّة والمؤسسيّة، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على تعزيز تحصيل الإيرادات، وانتقال الاقتصاد إلى نموذج نموّ جديد.

ويأتي التصنيف المتدني الذي تمنحه «موديز» للبنان بناءً على نتائج مسجَّلة على أربعة مستويات؛ إذ سجّل لبنان نتيجة «سي إيه إيه 1» (caa1)، في معيار «القوة الاقتصادية»؛ نظراً للانكماش الاقتصادي الكبير منذ عام 2019، وتفاقم التحديات بشكل إضافي نتيجة نزوح السكان والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية بسبب اندلاع الحرب. في حين ساهمت تحويلات المغتربين والإنفاق داخل البلاد في دعم مستويات الدخل.

وسجّل لبنان نتيجة «سي إيه» (ca)، في معيار «القوة المؤسساتية»، ما يعكس الضعف الناشئ عن استمرار التخلّف عن دفع الدين السيادي منذ شهر مارس (آذار) 2020، وهشاشة بيئة الحوكمة التي تتّسم بضعف فاعليّة السياسة الماليّة، والتي يقيّدها تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع القدرة على جباية الإيرادات.

أمّا على صعيد القوّة الماليّة، فقد نال لبنان نتيجة «سي إيه»، والتي تعكس دين الدولة الكبير، بما يرجّح التسبّب في خسائر كبيرة للدائنين في حال تعثّرت الدولة عن الدفع. كما حصل على نتيجة «سي إيه» في معيار «التعرُّض لمخاطر الأحداث»؛ نظراً لمخاطر السيولة والتعرُّض الخارجي الكبير كما التعرُّض الكبير للقطاع المصرفي للدين السيادي.

ونوهت الوكالة بأنّ «النظرة المستقبليّة المستقرّة» تشير إلى أنّها لا ترتقب أي تحسّن في تصنيف لبنان في المدى القريب، وسيبقى على حاله إلا إذا تمّ تطبيق إصلاحات جوهريّة على مدى سنوات عدّة من جهة، وتحسين القدرة على تحصيل الإيرادات، وحصول تقدّم ملحوظ في ديناميكيّة الدين، وتكيّف البلاد مع نموذج نموّ اقتصادي جديد من جهة موازية، وذلك لضمان استدامة الدين في المستقبل.


معادلة ترمب - وارش: شراكة مصيرية تواجه رياح التضخم وأسعار الفائدة

ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)
ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)
TT

معادلة ترمب - وارش: شراكة مصيرية تواجه رياح التضخم وأسعار الفائدة

ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)
ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)

لطالما كان يمثّل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق جيروم باول خصماً سياسياً مناسباً للرئيس دونالد ترمب؛ إذ كان يتحمّل جزءاً كبيراً من الانتقادات المتعلقة بارتفاع أسعار الرهن العقاري وتباطؤ النمو الاقتصادي.

لكن مع تعيين رئيس جديد هو كيفين وارش على رأس البنك المركزي، وإكمال ترمب لنفوذه على أعلى مستويات صنع السياسة الاقتصادية في الولايات المتحدة، يتغيّر هذا المشهد بشكل واضح.

ففي السابق، كان بإمكان ترمب إرجاع مسؤولية تعيين باول إلى مستشاريه خلال ولايته الأولى، ومن بينهم وزير الخزانة آنذاك ستيفن منوشين. أما اليوم، فإن وارش يُعدّ اختياراً مباشراً لترمب، ما يعني أن نتائج السياسات والأداء الاقتصادي ستُحسب بشكل أكبر على الإدارة الحالية نفسها، وليس على أطراف أخرى.

وللتأكيد على حجم الرهان، استضاف ترمب وارش في حفل أداء اليمين في البيت الأبيض يوم الجمعة، بحضور وزراء حكومته وقضاة من المحكمة العليا وكبار مستشاري البيت الأبيض، في أجواء أقرب إلى تجمع تحفيزي، حيث قال في كلمته إنه يريد من وارش «أن يقوم بعمله بطريقته الخاصة، وأن ينجح بشكل كبير»، وفق «رويترز».

وقال ترمب: «كيفين يفهم أنه عندما يكون الاقتصاد مزدهراً فهذا أمر جيد... نريد أن يزدهر... لا نريد أن نراه مكبوحاً».

جيروم باول يتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية... 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

رهانات مرتفعة قبل الانتخابات النصفية

بعد حملته الانتخابية وفوزه بولاية ثانية على وعود بخفض الأسعار ومعالجة قضايا «القدرة على تحمل التكاليف» للأسر الأميركية، تراجع معدل تأييد ترمب للأداء الاقتصادي بشكل ملحوظ.

وأظهر استطلاع لثقة المستهلك نُشر قبل نحو 90 دقيقة من مراسم أداء اليمين لوارش مزاجاً متشائماً على نطاق واسع داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك تراجع الثقة الاقتصادية لدى المستقلين -وهم كتلة انتخابية رئيسية في الانتخابات النصفية لـ«الكونغرس»- وحتى لدى الجمهوريين إلى أدنى مستوياتها في الولاية الثانية لترمب.

وارتفع معدل الفائدة على الرهن العقاري لأجل 30 عاماً مجدداً فوق 6.5 في المائة، وهو أعلى مستوى في تسعة أشهر، مما يواصل الضغط على سوق الإسكان الضعيف.

كما استمرت الأسعار في الارتفاع خلال عهد ترمب، رغم وعود حملته بأنها ستنخفض منذ «اليوم الأول» من رئاسته. فمنذ مارس (آذار) 2025، ارتفع مؤشر التضخم الذي يستخدمه «الفيدرالي» لاستهداف معدل 2 في المائة من 2.3 في المائة سنوياً إلى 3.5 في المائة.

وبلغ سعر غالون البنزين في المتوسط 4.55 دولار يوم الجمعة، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل أن يبدأ ترمب حملته ضد إيران في أواخر فبراير (شباط).

ولا يزال مدى تأثير أداء وارش على فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية غير واضح، لكنه محفوف بالمخاطر.

فالتضخم المرتفع عادة ما يضر بالأحزاب الحاكمة مع تزايد قلق الناخبين بشأن تكاليف المعيشة، لكن مكافحته تتطلّب إجراءات صعبة غالباً ما تكون في شكل رفع أسعار الفائدة، وهي إجراءات غير شعبية سياسياً، ولا يرحب بها ترمب بالتأكيد.

علاوة على ذلك، يظل «الاحتياطي الفيدرالي» مؤسسة متعددة الأوجه، حيث سيحتاج الرئيس الجديد إلى بناء سلطته تدريجياً، في وقت يراقب فيه العالم مدى تأثير ترمب.

وقال ريتشارد ستيرن، الذي يدرس السياسات الاقتصادية في مؤسسة «أدفانسينغ أميركان فريدوم» المحافظة: «كان باول كبش فداء مثالياً لترمب في قضايا لا علاقة لها بباول». وأضاف: «الآن أصبح الأمر اقتصاد ترمب... مشكلة ارتفاع الأسعار وتكلفة المعيشة لن تختفي لسنوات عديدة... وهذا مستقل عن أي شيء يمكن لترمب أو وارش القيام به».

قيادة نظام معقد

وارش، البالغ من العمر 56 عاماً، وهو محامٍ ومستثمر عمل عضواً في مجلس محافظي «الفيدرالي» بين 2006 و2011، قضى السنوات اللاحقة في تعزيز فرص عودته إلى المنصب.

وقد شملت خلفياته المهنية شخصيات بارزة مثل الاقتصادي النقدي الشهير ميلتون فريدمان، ووزير الخارجية الأسبق جورج شولتز. كما ساعده عمله مع المستثمر الكبير ستانلي دراكنميلر على تحقيق ثروة كبيرة، بالإضافة إلى ثروة زوجته المرتبطة بحصة في شركة «إستي لودر» لمستحضرات التجميل.

لكن علاقاته السياسية والاجتماعية مع ترمب كانت العامل الحاسم في اختياره؛ إذ كان الرئيس قد أعرب عن أسفه لتجاوز وارش في تعيينات عام 2017 لصالح باول.

إدارة نظام غير منضبط

اختار باول، في ظل محاولات ترمب للتأثير على استقلالية «الفيدرالي»، البقاء عضواً في مجلس المحافظين، وهو أمر غير معتاد في بداية ولاية رئيس جديد لـ«الفيدرالي»، الذي يُعد أقوى بنك مركزي في العالم والمصدر الرئيسي للسيولة بالدولار عالمياً.

ورغم أن بعض رؤساء «الفيدرالي»، مثل بول فولكر وآلان غرينسبان، مارسوا تأثيراً حاسماً، فإن البنك المركزي الأميركي مصمم ليكون مؤسسة غير مركزية، تضم مجلس محافظين من سبعة أعضاء في واشنطن، بالإضافة إلى 12 رئيس بنك احتياطي إقليمي يشاركون في صنع القرار.

وفي السنوات الأخيرة، اتجهت عملية صنع القرار نحو التوافق بقيادة الرئيس. لكن وورش قال إنه يفضّل أسلوب نقاش أكثر حدة و«دون قيود»، مع قبول أكبر للاختلافات الداخلية، واستعداد لإرباك الأسواق عبر قرارات أقل اعتماداً على التوجيه المسبق الذي أصبح شائعاً في السنوات الأخيرة.

متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك للأوراق المالية (أ.ب)

ويبقى السؤال ما إذا كانت الأسواق العالمية مستعدة لهذا النهج.

لكن المؤشرات الأخيرة من اجتماعات «الفيدرالي» توحي بأن الخلافات الداخلية قد تتصاعد. فقد شهد اجتماع أبريل (نيسان) أكبر عدد من الاعتراضات منذ أكثر من 30 عاماً. كما أظهر محضر الاجتماع أن أغلبية مسؤولي وارش الجدد يرون أن أسعار الفائدة قد تحتاج إلى الارتفاع، وهو عكس ما كان ترمب يتوقعه وما كان وارش نفسه يدعو إليه سابقاً.

وتضم هذه المجموعة من المسؤولين اقتصاديين حاصلين على دكتوراه يتمتعون بخبرة فنية مختلفة عن وارش، إلى جانب خبراء استثمار ذوي خبرة مماثلة في الأسواق، بالإضافة إلى الرئيس السابق باول نفسه.

ومن بين المحافظين الستة الآخرين، تم تعيين ثلاثة من قِبل الرئيس السابق جو بايدن، بينهم ليزا كوك التي يحاول ترمب إقالتها.

ومع استمرار النقاش حول الخطوات المقبلة، يبدو أن المستثمرين قد حسموا موقفهم بأن أسعار الفائدة قد تحتاج إلى الارتفاع في ظل استمرار التضخم.

وفي أسواق السندات طويلة الأجل التي تحدد تكلفة الاقتراض للمستهلكين، بدأت العوائد بالفعل الارتفاع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended