الفقر يمدّد «إقامته» السلبية في لبنان رغم انتعاش الاقتصاد

البنك الدولي توقع استمرار ارتفاع النمو وكبح التضخم

رجل يفرغ حمولة الخضراوات والفواكه من شاحنة في أحد أحياء بيروت (رويترز)
رجل يفرغ حمولة الخضراوات والفواكه من شاحنة في أحد أحياء بيروت (رويترز)
TT

الفقر يمدّد «إقامته» السلبية في لبنان رغم انتعاش الاقتصاد

رجل يفرغ حمولة الخضراوات والفواكه من شاحنة في أحد أحياء بيروت (رويترز)
رجل يفرغ حمولة الخضراوات والفواكه من شاحنة في أحد أحياء بيروت (رويترز)

لم تنعكس بوادر الانتعاش الاقتصادي المحقّقة في لبنان، بشكل متوازن على بيانات الفقر المستقرة على وصف التفاقم السلبي، رغم الهبوط الوازن لمؤشرات التضخم من مستوياتها القياسية، وظهور إشارات مشجعة تخص انحسار الحزمة المليونية من السكان المصنفين تحت خانة انعدام الأمن الغذائي.

وبينما يحذّر البنك الدولي في رصد محدث، من استمرار هشاشة الأمن الغذائي جراء تضرّر البنية التحتيّة الزراعيّة والتضخّم واتساع فجوات التمويل في برامج المساعدات الإنسانيّة، فإنه يرتقب أن يسجّل الناتج المحلّي الإجمالي الحقيقي في لبنان نموّاً بنسبة 3.5 في المائة بنهاية العام الحالي، ونسبة 4 في المائة للعام المقبل، مقارنةً بسلسلة انهيارات حادة تعدّت تراكماتها إجمالي 40 في المائة خلال سنوات الانهيار الاقتصادي، والمتوجة أخيراً بانكماش اقتصادي بلغ نسبة 7.1 في المائة، العام الماضي.

ومع التطلع إلى استمرار الزخم الإيجابي، يتوزّع النمو القطاعي بنسبة 2.5 في المائة للقطاع الزراعي، و3 في المائة للقطاع الصناعي، و4.2 في المائة للقطاع السياحي، بينما يتوقع تراجع معدّل التضخّم إلى 8.7 في المائة، نزولاً من نسبة 15.2 في المائة متوقعة بنهاية العام الحالي، لينخفض بذلك إلى ما دون مستوى 10 في المائة للمرّة الأولى منذ عام 2019.

ميزان المدفوعات

وبالمقابل، رجّح البنك الدولي أن تستمرّ الضغوط على ميزان المدفوعات، مبيّناً أنّ استدامة الاستقرار السياسي وتنفيذ الإصلاحات قد يفتحان الباب أمام التمويل الخارجي لإعادة الإعمار والاستثمار، إلا أنّه حذّر من أنّ التأخير في تنفيذ الإصلاحات قد يعرّض توقّعات النمو للخطر.

ويكشف تقرير للمؤسسة الدولية أنّ معدّلات الفقر ترتفع بدورها بسبب فقدان الأسر لقدراتها الشرائيّة خلال فترة الأزمة الاقتصاديّة. في حين يشهد الأمن الغذائي في البلاد تعافياً تدريجيّاً، حيث بلغ عدد الأشخاص المصنفين على أنهم يعانون من انعدام أمنهم الغذائي في الرصد الفصلي الأخير، نحو 1.17 مليون شخص مقارنةً بنحو 1.65 مليون شخص في الفصل السابق بعد انتهاء النزاع العسكري.

نسبة من يعيشون دون خطّ الفقر

وبالأرقام ذات المنحى السلبي، فإنّ نسبة السكّان الذين يعيشون دون خطّ الفقر يستمر على نمط الارتفاع الدائم، حيث إنّ نسبة الأفراد الذين يكسبون أقلّ من 3 دولارات يوميّاً زادت من 0.1 في المائة في عام 2013 (السنة المرجعية لقياس البيانات) إلى 5.9 في المائة خلال 10 سنوات، كما ارتفعت نسبة الأفراد الذين يكسبون أقلّ من 4.2 دولار يوميّاً من 0.3 في المائة إلى 16 في المائة، وزادت نسبة الذين يكسبون أقلّ من 8.3 دولار يوميّاً من 5.5 في المائة إلى 50.7 في المائة، أي نصف العاملين، في الفترة عينها.

ولا تزال البلاد تعاني من ضعف في الماليّة العامّة وفي تأمين الخدمات الأساسيّة في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة الراهنة، لتزيد تفاقماً بعد الحرب الأخيرة التي شهدت نزوح نحو 1.2 مليون شخص وعدد كبير من الوفيّات، بينما قدّر البنك الدولي الأضرار الماديّة الناجمة عن النزاع بنحو 6.8 مليار دولار، والخسائر الاقتصاديّة بنحو 7.2 مليار دولار، واحتياجات التعافي وإعادة الإعمار عند نحو 11 مليار دولار.

وبالرغم من هذه المعوقات، فقد تمكّن لبنان، حسب تقرير المؤسسة الدولية، من تحقيق تقدّم ملحوظ على الصعيد السياسي لا سيّما مع إنهاء فراغ سياسي دام سنتين مع انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة وتشكيل حكومة جديدة. وبالإضافة، فقد ساهم التقدّم في الإصلاحات والانتعاش في الحركة السياحيّة في موسم الصيف، بمساندة النموّ في البلاد مع توقّعات باستمرار هذه الوتيرة في العام المقبل.

كذلك، لاحظ البنك الدولي أنّ مؤشّر تضخّم الأسعار قد انخفض إلى نسبة 14 في المائة على أساس سنويّ، بنهاية شهر يوليو (تموز) الماضي، في ظلّ استقرار سعر الصرف عند مستوى 89.5 ألف ليرة لكل دولار منذ صيف عام 2023، مع توقّعات أن تنخفض نسبة التضخّم إلى ما دون 10 في المائة في العام المقبل.

ومن المرتقب أن يصل العجز في الحساب الجاري إلى 15.8 في المائة كنسبة من الناتج المحلّي الإجمالي في العام الحالي، وإلى 16.1 في المائة في العام المقبل، مقارنةً مع نسبة 22.2 في المائة في العام الماضي. كما ارتفعت عائدات الضرائب غير المباشرة خلال النصف الأوّل من العام الحالي، مع تحسّن الرسوم الجمركيّة بنسبة 5.2 في المائة، وزيادة بنسبة 74.8 في المائة بإجمالي الرسوم.

تصفير عجز الموازنة

وتشير توقّعات وزارة المال إلى تصفير في العجز في الموازنة مقابل فائض ضئيل نسبته 0.5 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي في العام الماضي. علما بأن بيانات الموازنة تخلو تماماً من مستحقات الدين العام (اليوروبوندز)، وتتجنب التوسع في الإنفاق الإعماري والاستثماري. في حين يلاحظ البنك الدولي أن الإدارة الماليّة الحكيمة المُتبعة قد أتاحت تراكم احتياطي مالي لمواجهة الصدمات، بينما تتزايد الاحتياجات للإنفاق على إعادة بناء القدرات المؤسّسية والإنفاق الجاري، ولا سيما الأجور والخدمات الأساسيّة والنفقات الرأسماليّة.

لم يفت البنك الدولي التنويه بأنه لم يتمّ إحراز سوى تقدّم ضئيل على صعيد إعادة هيكلة الدين العام بعد مرور خمس سنوات على إعلان الدولة قراراً بالتخلّف عن سداد سندات اليوروبوندز، حيث شكّلت المديونيّة، التي يطغى فيها الدين بالعملات الأجنبيّة بنسبة 98 في المائة من الإجمالي، نسبة 176.5 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي في عام 2024. وهو ما اقتضى التحذير بأنه في حال عدم إجراء إعادة هيكلة للديون في العام المقبل، ستظلّ مستويات الدين مرتفعة؛ ما يحد تلقائياً من وصول لبنان إلى أسواق رأس المال الدوليّة.

وفي المؤشرات المؤثرة، سجل العجز التجاري اتسّاعاً بنسبة 12.9 في المائة خلال النصف الأول من عام 2025، على الرغم من زيادة الصادرات بنسبة سنويّة بلغت 23 في المائة؛ أي بوتيرة أسرع من الارتفاع السنوي في الواردات والبالغ 14.65 في المائة.

ويتم تمويل هذا العجز بشكل رئيسي من التحويلات الوافدة إلى البلاد، لا سيّما من المغتربين، على الرغم من تقدير البنك الدولي أنّ الأرقام الرسميّة البالغة نحو 7 مليارات دولار سنوياً، هي أقل من الواقع بسبب القنوات غير الرسميّة وضعف بيانات ميزان المدفوعات وارتفاع دولرة الاقتصاد النقدي.


مقالات ذات صلة

البنك الدولي: 800 مليون وظيفة مطلوبة لاستيعاب الشباب خلال 15 عاماً

الاقتصاد رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (إ.ب.أ)

البنك الدولي: 800 مليون وظيفة مطلوبة لاستيعاب الشباب خلال 15 عاماً

حذّر رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا من اتساع التحديات المرتبطة بتوفير فرص العمل عالمياً.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي التركي (رويترز)

«المركزي» التركي يتعهد مواصلة التشديد النقدي حتى استقرار الأسعار

أكد البنك المركزي التركي أنه سيواصل سياسته النقدية المتشددة بما يتماشى مع توقعات التضخم، بينما رفع صندوق النقد الدولي توقعاته للتضخم حتى نهاية العام

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا خلال فعاليات بانكوك (رويترز)

مديرة صندوق النقد تدعو واشنطن والدول الغنية إلى التحرك العاجل لمواجهة الديون

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، الأربعاء، إن على الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغنية التحرك بصورة عاجلة.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا خلال مؤتمر صحافي في بانكوك على هامش الاجتماعات السنوية للصندوق ومجموعة البنك الدولي (أ.ب)

صندوق النقد والبنك الدولي يطلقان «إطار بانكوك» لمكافحة الاحتيال الإلكتروني

أطلق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، الأربعاء، إطاراً لمكافحة الاحتيال المدعوم بالتكنولوجيا الرقمية.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد لاغارد تلوح لوسائل الإعلام لدى وصولها لحضور اجتماع وزراء مالية منطقة اليورو في لوكسمبورغ (أرشيفية - د.ب.أ)

لاغارد تدعو فرنسا إلى معالجة أزمتها المالية داخلياً وسط ترقب رفع الفائدة مجدداً

دعت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، فرنسا إلى معالجة أزمة ديونها من خلال ضبط أوضاع المالية العامة.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)

«موديز» ترفع تصنيف مصر الائتماني وتبدي نظرة مستقبلية إيجابية

لافتة لشركة «موديز» في مقرها الرئيسي بنيويورك (أ.ف.ب)
لافتة لشركة «موديز» في مقرها الرئيسي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«موديز» ترفع تصنيف مصر الائتماني وتبدي نظرة مستقبلية إيجابية

لافتة لشركة «موديز» في مقرها الرئيسي بنيويورك (أ.ف.ب)
لافتة لشركة «موديز» في مقرها الرئيسي بنيويورك (أ.ف.ب)

رفعت وكالة التصنيف الائتماني «موديز» الجمعة تصنيف ديون مصر طويلة الأجل بدرجة واحدة، ليصل إلى «بي3» بدلا من «سي-إيه-إيه1»، مع منحها نظرة مستقبلية إيجابية، ما يشير إلى إمكانية رفع التصنيف مجددا خلال الأشهر المقبلة.

وتواجه مصر منذ سنوات خطر أزمة ديون، فهي من بين الدول التي تتلقى أكبر برامج المساعدة من صندوق النقد الدولي، ويناهز إجمالي قيمتها ثمانية مليارات دولار.

وتتضمن هذه القروض تدابير التزمت الحكومة المصرية بتنفيذها، لا سيما لتعزيز المالية العامة وضمان استدامة الدين العام، فضلا عن تقليص ثقل الدولة والجيش في الاقتصاد.

وهذه «الإصلاحات الهيكلية» وتدابير الضبط المالي هي تحديدا ما استشهدت به وكالة «موديز» لتبرير قرارها، معتبرة أنها أتاحت «وضع الدين العام وعبء فوائده على مسار تنازلي، وإن كان لا يزال عند مستويات مرتفعة».

وأنهت مصر خصوصا تدابير للدعم الغذائي كانت تعد أوسع نطاقا من اللازم، فيما يُتوقع أن يتجاوز معدل التضخم 13 في المائة على أساس سنوي هذا العام، بعد أن تجاوز 33 في المائة في عام 2025.

ومثلت برامج الدعم الغذائي سابقا عبئا ماليا على الدولة بقيمة 2,75 مليار يورو.

أشادت وكالة «موديز" في بيان بـ«زيادة تحصيل الإيرادات وترشيد الإنفاق» باعتبارهما عاملين دعما التقدم المحرز، كما قدّرت أن «الانتقال نحو سعر صرف مرن وسياسة نقدية أكثر صرامة قد عزز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات».

غير أن وكالة التصنيف الائتماني أشارت إلى أن «تراجع التزام الحكومة بالانضباط المالي، وتحقيق تقدم محدود، من شأنهما أن يفرضا ضغوطا سلبية على التصنيف الائتماني».

لكنها بررت نظرتها الإيجابية في الوقت الراهن بأن مواصلة الإصلاحات من شأنها أن تتيح خفض المديونية بوتيرة أسرع مما كان متوقعا في تقديراتها الأولية.

ونشر صندوق النقد الدولي الثلاثاء تقريره حول آفاق الاقتصاد العالمي للعام الحالي والعام المقبل، وتوقع فيه أن يحقق الاقتصاد المصري نموا بنسبة 5,1 في المائة خلال العام الجاري، وبنسبة 4,7 في المائة في عام 2027.

كما توقع الصندوق ارتفاعا طفيفا في معدل التضخم عام 2027 ليصل إلى 14,8 في المائة، يليه تراجع سريع في عامي 2028 و2029.

وبالإضافة إلى برنامج صندوق النقد الدولي، حصلت مصر على دعم مالي بقيمة 7,4 مليارات يورو من الاتحاد الأوروبي، للفترة الممتدة بين عامي 2024 و2027.


الناصر: «أرامكو» تستعيد المرافق المتضررة بسرعة تفوق القطاع 6 مرات

الناصر يتحدث إلى شركاء البرنامج «نماءات» (أرشيفية - واس)
الناصر يتحدث إلى شركاء البرنامج «نماءات» (أرشيفية - واس)
TT

الناصر: «أرامكو» تستعيد المرافق المتضررة بسرعة تفوق القطاع 6 مرات

الناصر يتحدث إلى شركاء البرنامج «نماءات» (أرشيفية - واس)
الناصر يتحدث إلى شركاء البرنامج «نماءات» (أرشيفية - واس)

قال رئيس «أرامكو السعودية» وكبير إدارييها التنفيذيين، المهندس أمين الناصر، إن الشركة تستعيد المرافق المتضررة وتواصل الأعمال «بدرجة تفوق متوسط المعدلات السائدة في القطاع بستة أضعاف»، مشيراً إلى أن ذلك «ما يميّز أرامكو عن باقي الشركات النظيرة».

وأضاف الناصر: «مرونة أرامكو لم تظهر بين يوم وليلة، ولكن استغرقت أجيالاً عديدة»، موضحاً أن التخطيط للمرونة وهندستها وبناءها قبل وقوع الأزمات بوقت طويل «يُعد أمراً بالغ الأهمية».

وقال إن الشركة لديها «عدة فرق مجهزة بكامل القدرات للتعامل مع عدة حوادث متزامنة دون التأثير على سير الأعمال»، ما يمنحها القدرة على استعادة المرافق المتضررة، مستشهداً باستعادة خط «شرق - غرب» خلال أيام بدلاً من أسابيع أو أشهر.

وأكد الناصر أن «أولوية الشركة هي المحافظة على تلبية طلبات العملاء محلياً وعالمياً، ومن ثم تعزيز المرونة والموثوقية التي تضمن القدرة على مواجهة الأزمات والتحديات، وكذلك استدامة ربحية الشركة»، مضيفاً: «وهذا واضح حيث عززنا مستوى الأرباح تحت أسوأ الظروف كما شاهدنا في أرباح الربعين الأول والثاني».

وأشار إلى دور موظفي الشركة وموظفاتها في تعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات، قائلاً إن «كفاءة موظفيها وموظفاتها وشجاعتهم وتفانيهم في وجه التحديات» تؤدي الدور الأبرز في تحويل قدرات الشركة إلى مرونة وصلابة حقيقية عند مواجهة الأزمات.


أسعار الواردات الأميركية ترتفع بأكثر من المتوقع وسط تصاعد الضغوط التضخمية

يرفرف العلم الأميركي فوق سفينة وحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي فوق سفينة وحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
TT

أسعار الواردات الأميركية ترتفع بأكثر من المتوقع وسط تصاعد الضغوط التضخمية

يرفرف العلم الأميركي فوق سفينة وحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي فوق سفينة وحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)

ارتفعت أسعار الواردات الأميركية بأكثر من المتوقع في سبتمبر (أيلول)، مدفوعة بزيادة تكاليف منتجات الطاقة ومجموعة من السلع الأخرى، ما يقدم دليلاً إضافياً على تصاعد الضغوط التضخمية في ظل استمرار الصراع في الشرق الأوسط.

ويأتي تقرير وزارة العمل الصادر يوم الجمعة عقب بيانات نُشرت خلال الأسبوع وأظهرت زيادات قوية في أسعار المستهلكين والمنتجين الشهر الماضي، مما عزز قناعة الاقتصاديين بأن الضغوط التضخمية بدأت تمتد إلى ما هو أبعد من قطاع الطاقة. كما أسهمت الحرب في اضطراب سلاسل التوريد والإبقاء على أسعار النفط عند مستويات مرتفعة.

وعزا اقتصاديون ارتفاع التضخم إلى سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بما في ذلك الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات، فضلاً عن تداعيات الصراع في الشرق الأوسط. وأظهر استطلاع أجرته «رويترز/إبسوس» أن نحو 78 في المائة من الأميركيين يحمّلون سياسات ترمب مسؤولية ارتفاع تكاليف المعيشة.

وقال كريستوفر روبكي، كبير الاقتصاديين في شركة «إف دبليو دي بوندز»: «يواجه الأميركيون تهديداً تضخمياً على كل الأصعدة؛ فأينما يتجهوا، يجدوا أنفسهم مضطرين إلى دفع مبالغ أكبر مقابل السلع نفسها التي كانت أرخص قبل بضعة أشهر فقط». وأضاف أن تضخم أسعار السلع المستوردة لم يكن قائماً قبل بدء تطبيق السياسات الاقتصادية لترمب في يناير (كانون الثاني) 2025، لكنه أصبح الآن واسع الانتشار.

وذكر مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل أن أسعار الواردات ارتفعت بنسبة 1.1 في المائة في سبتمبر، بعد زيادة معدلة بالخفض بلغت 0.5 في المائة في أغسطس (آب). وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاع الأسعار بنسبة 0.8 في المائة، مقارنة بزيادة سابقة بلغت 0.7 في المائة في أغسطس.

وعلى أساس سنوي، قفزت أسعار الواردات بنسبة 8.1 في المائة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في سبتمبر، مسجلة أكبر زيادة منذ يوليو (تموز) 2022، مقابل ارتفاع بلغ 6.7 في المائة في أغسطس.

وعلى الرغم من تسارع التضخم خلال سبتمبر، ظلت الأسواق المالية تتوقع أن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير في وقت لاحق من الشهر الحالي، مع ترجيحات بتشديد السياسة النقدية في ديسمبر (كانون الأول).

وكان البنك المركزي الأميركي قد خفض في سبتمبر سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة بمقدار 25 نقطة أساس، إلى نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة.

ارتفاع تكاليف الطاقة والسلع

انتعشت أسعار الوقود المستورد بنسبة 4.8 في المائة في سبتمبر، بعد انخفاضها بنسبة 0.2 في المائة في أغسطس. في المقابل، استقرت أسعار المواد الغذائية بعد تراجعها بنسبة 0.6 في المائة خلال الشهر السابق.

وباستثناء الغذاء والوقود، ارتفعت أسعار الواردات بنسبة 0.7 في المائة، وهي النسبة نفسها المسجلة في أغسطس. وزادت هذه الأسعار، التي تُستخدم مؤشراً إلى الضغوط التضخمية الأساسية، بنسبة 6.2 في المائة على أساس سنوي خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في سبتمبر.

كما ارتفعت أسعار السلع الرأسمالية بنسبة 0.9 في المائة، مواصلة الزيادة المسجلة في أغسطس، مدفوعة بارتفاع أسعار أجهزة الكمبيوتر وملحقاتها وأشباه الموصلات في ظل طفرة الاستثمار. كذلك زادت تكاليف استيراد الآلات الصناعية والخدمية، بما عوّض بفارق كبير انخفاض أسعار الآلات العلمية والطبية.

وصعدت أسعار السلع الاستهلاكية المستوردة، باستثناء السيارات، بنسبة 0.4 في المائة، مدفوعة بزيادة بلغت 0.7 في المائة في أسعار السلع المصنعة المعمرة. كما ارتفعت تكاليف استيراد المركبات وقطع الغيار والمحركات بنسبة 0.3 في المائة.

وسجلت أسعار الواردات من الصين ارتفاعاً بنسبة 0.7 في المائة، وهو الأكبر منذ ديسمبر 2021، لتصل الزيادة السنوية إلى 3.1 في المائة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في سبتمبر. كما ارتفعت أسعار الواردات من اليابان والاتحاد الأوروبي والمكسيك وكندا.

ارتفاع أسعار تذاكر الطيران يثير مخاوف التضخم

وأظهر التقرير أيضاً قفزة بنسبة 12.6 في المائة في أسعار تذاكر السفر الجوي المستوردة خلال سبتمبر، بعد انخفاضها في يوليو وأغسطس. وقد يؤثر هذا الارتفاع في تقديرات الاقتصاديين لمؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس الذي يفضله الاحتياطي الفيدرالي لمتابعة التضخم وتقييم التقدم نحو هدفه البالغ 2 في المائة.

وتتراوح تقديرات الاقتصاديين حالياً للزيادة الشهرية في مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، بين 0.31 و0.36 في المائة في سبتمبر، وهي مستويات قد تُقرّب إلى 0.4 في المائة. ومن شأن ذلك أن يرفع معدل التضخم الأساسي السنوي إلى 3.1 في المائة، مقارنة بزيادة شهرية بلغت 0.2 في المائة ومعدل سنوي عند 3 في المائة في أغسطس.