أماني فوزي حبشي: الترجمة حياة جديدة للنص الأصلي في لغة أخرى

المترجمة المصرية قدمت ترجمات متنوعة من الأدب الإيطالي

المترجمة أماني فوزي حبشي
المترجمة أماني فوزي حبشي
TT

أماني فوزي حبشي: الترجمة حياة جديدة للنص الأصلي في لغة أخرى

المترجمة أماني فوزي حبشي
المترجمة أماني فوزي حبشي

تحرص المترجمة المصرية، الدكتورة أماني فوزي حبشي، على تنوع اختياراتها واتساع روافدها، في ترجمة الأدب الإيطالي إلى العربية، فلم يقتصر ذلك على كتابه المعروفين، مثل إيتالو كالفينو، وأومبرتو إيكو، وغيرهما؛ بل ترجمت لأسماء جديدة يتعرّف القارئ العربي عليها للمرة الأولى، منها دومينيكو ستارنونه، وآليتشه كابالي، وغيرهما من كُتاب معاصرين. ونالت أماني فوزي حبشي الجائزة الوطنية الإيطالية للترجمة عام 2003، لإسهاماتها في نشر الثقافة الإيطالية، وحصلت على نجمة التضامن الإيطالي، رتبة فارس، عام 2004.
هنا حوار معها حول اختياراتها في الترجمة، ورؤيتها للأدب الإيطالي المعاصر في سوق النشر العربية.

> تحرصين على تقديم أسماء أدبية إيطالية جديدة للقارئ العربي. بجوار ما قدمت لنجوم هذا الأدب، مثل أومبرتو إيكو وإيتالو كالفينو، كيف تنظرين لمسألة تقديم أسماء جديدة؟ هل ثمة مغامرة في تلك؟ أم تعتبرينها من ركائز مشروعِك؟
- أعتقد أن متابعة إنتاج الأسماء الجديدة هي أساسية للتعرف على التطور في الحركة الأدبية في لغة ما، وهي جزء أساسي من عمل المترجم.
في الحقيقة، ما يدفعني لاختيار أي رواية في البداية هو موضوعها، وأيضاً تقنيات السرد، وخصوصاً لو جديدة، بعدها لا أهتم كثيراً إذا كانت الرواية هي الأولى التي تُرجمت للمؤلف أم لا. الأمر يتعلق أيضاً بأوضاع النشر في العالم العربي، فعلى الرغم من زيادة أعداد دور النشر في الفترة الأخيرة، فإن أغلبها يميل إلى نشر الروايات القديمة، رغبة في تجنب مستحقات حقوق التأليف. ولكن في الفترة الأخيرة بدأ الاهتمام بالأدب الإيطالي المعاصر، وساعد على ذلك أيضاً المِنح الواردة من وزارة الخارجية الإيطالية، والداعمة لمشروعات الترجمة.
> في ترجمتك الجديدة لرواية «إلا أننا نسقط سعداء»، ثمة هامش يجمعك في حوار مع مؤلفها إنريكو جاليانو، نُشر في نهاية الترجمة. حدثينا عن قصة هذا الحوار.
- في الحقيقة، الحوار قامت به جهة النشر الإيطالية، وألحقته بالنص، وقمت بترجمته فقط. ربما اختلط الأمر على دار النشر فوضعت اسمي. أرجح أن ذلك حدث لأنني تحدثت بالفعل مع المؤلف، وغيّرنا عبارتين ربما لن تجيزهما الرقابة، فقررنا الوصول إلى بدائل معاً، ووضعت ما يفيد هذا المعنى في بداية النص. إلا أن فكرة إلحاق حوار مع المؤلف بالنص، أصبح «صيحة» جديدة في الروايات الإيطالية، وإن كان هذا لا ينطبق على جميع دور النشر بالتأكيد، ولكني لاحظت ذلك في أكثر من رواية ترجمتها في الفترة الأخيرة. فإذا لم يكتب المؤلف شيئاً عن ملابسات كتابة الرواية، أو خاتمة، أو تعقيباً عليها، وُضع حوار له لتوضيح الفكرة، ومد القارئ -وربما أيضاً وسائل الإعلام- بالمعلومات عن الرواية وظروف كتابتها.
> حققت ترجمتك لرواية «أربطة» لدومينيكو ستارنونه اهتماماً من جانب القارئ العربي. برأيك، هل أتاحت مساحة المشاعر الإنسانية والعائلية المعقدة في الرواية حالة من ألفة القراءة؟
- برأيي، «أربطة» رواية ذكية جداً، فتقسيمها إلى أصوات الشخصيات بالطريقة التي أبدعها ستارنونه أفسحت للقارئ مكاناً بداخلها. فهناك من تعاطف مع الزوجة، ومن رأى نفسه في الزوج، وبرر له تصرفاته، بالإضافة إلى التعاطف الكبير مع الابنين وما حل بهما. ثم إنه يكتب الرواية بمنأى عن الإدانة، فقد منح لكل شخصية صوتها الذي به تعبر عن نفسها، أولاً الزوجة، ثم الزوج، وصولاً إلى الابن والابنة في الجزء النهائي، بعد أن تابعنا طفولتهما وكيف كانا. وعلى الرغم من عدم ذكرهما كثيراً في الجزأين الأول والثاني، فإنهما كانا في آن واحد سلاح الأم، وأحد الأسباب الرئيسية لتطور القصة، وأهم شاهدين على ما حدث. ربما تلك الزوايا المختلفة من الطرح هي التي منحت لعدد كبير من القراء -على الرغم من التفاوت في الأذواق- ذلك النوع من الألفة مع النص.

> على الرغم من أن رواية «لن نقدم القهوة لسبينوزا» هي الأولى لكاتبتها آليتشه كابالي، فإنها حققت احتفاء بين الجمهور والنقاد في إيطاليا. ما انطباعك عنها خلال ترجمتك لها إلى العربية؟
- كان الكتاب بالنسبة لي مدخلاً مهماً للاطلاع على بعض المذاهب الفلسفية، بالتأكيد من خلال محاولة التعرف على الأسماء المطروحة في الرواية، ولكن أيضاً قدمتها المؤلفة بطريقة ذكية جداً، فالبروفسور في الرواية يحاول ربط الفلسفة بالحياة والتصرفات اليومية، وكيف يمكن للفلسفة والمعرفة عموماً دفعنا إلى تغيير طريقة تفكيرنا ومراجعة حياتنا وما نعيشه؛ بل أحياناً اتخاذ قرارات لم يكن من السهل علينا اتخاذها.
الأحداث ربما تبدو بسيطة، ولكن في الرواية عمق وبعد إنساني في عرض العلاقات، والأحداث تدفع إلى التأمل، وربما النظر لحياتنا العادية بطريقة مختلفة.
> يقول كثيرون إن النص الأصلي يفقد من جوهره مهما بلغت دقة الترجمة. هل تتفقين مع هذا الرأي؟ هل ثمة مواءمات لغوية وأسلوبية تقومين بها، ليصل النص بشكل سلس للقارئ العربي؟
- النص يكتسب حياة جديدة خلال الرحلة من بلده ولغته إلى لغة وبلد آخرين، ولهذا لا أظن أنه يفقد جوهره، والدليل على ذلك نجاح بعض النصوص في نسختها المترجمة أكثر من نجاحها في اللغة الأصلية.
يقول أومبرتو إيكو في كتابه عن الترجمة: «أن تقول الشيء نفسه تقريباً»: «إن الترجمة هي عملية تفاوض مستمرة، إذ يتحتم على المترجم أن يتفاوض مع الحضور المهيمن للنص المصدر، ومع الصورة التي لا تزال غير محددة للقارئ الذي يترجم له، وأحياناً عليه أن يتفاوض مع الناشر، فضلاً على فهم المترجم للسياق التاريخي والإطار الحضاري الذي أوجد النص، إلى جانب حوارات ذهنية مستفيضة يخوضها المترجم مع الثقافة التي أنتجت النص الأصلي، وكذلك مع الثقافة التي سيذهب إليها النص المترجم. هذا التفاوض المتعدد الأوجه والأطراف، هو الذي يقود، في النهاية إلى تحديد خيارات المترجم، من ناحية التأويل والحذف والإضافة والتعديل، ونقل ظلال الكلمات وحرارة العبارات في الأصل، فعملية الترجمة محمّلة بخصوصيات دلالية وجمالية، تجعل منها، لا مجرد نقل؛ بل (محاولة إبداعية) أخرى موازية للنص الأصلي».
فالتفاوض إذن عملية ضرورية. في روايتَي «لن نقدم القهوة لسبينوزا» و«في عمق البحر؛ حيث لا يُلمس الأرض»، ونظراً للجوء المؤلفين كثيراً للدعابة من خلال اللعب بالكلمات المتشابهة في النطق أحياناً، حاولت بطرق كثيرة أن أوظف اللغة والهوامش لتصل الدعابة بشكل ما للقارئ. وأكثر ما يسعد المترجم أن يعبر القارئ له عن أن نبرة النص أيضاً وصلت إليه، وليس مجرد المعنى.

ومشكلة أخرى تحتاج لنوع خاص من التفاوض، هي استخدام اللهجات في النص، أحياناً يضطر المترجم (إلى العربية أو غيرها حسبما اطلعت عليه من ترجمات لروايات إيطالية إلى الإنجليزية) إلى التخلي تماماً عن محاولة العثور على بدائل، واستخدام لغة موحدة للنص كله، وبالتالي يفقد النص إحدى الميزات وإن كان لا يفقد جوهره بالتأكيد.
> خضتِ تجربة صفحة «المقهى الثقافي الإيطالي» قبل سنوات، فما الغرض منها؟ وهل لمستِ حالة من التواصل بين القراء والمقهى وما يقدمه؟
- جاءت فكرة المقهى من محاولة عمل بيبليوغرافيا للأعمال الإيطالية المترجمة، والتعريف بالمترجمين الشباب، والتعارف بين المترجمين من مختلف الدول العربية، والتعريف بهم أيضاً.
يتواصل القراء مع الصفحة من خلال التعليق على ما ننشره، أو طلب معلومات عن كتب معينة لا يستطيعون العثور عليها، أو الاستفسار عن أماكن بيع الترجمات التي نشارك خبر صدورها. أحياناً يراسلنا بعض الناشرين للحصول على وسيلة للتواصل مع بعض المترجمين، والبعض يرسل لنا مقالاته أو ما كتبه على موقعه لنشاركه على الصفحة. وأطرف شيء هو سؤال البعض عن عنوان المقهى للذهاب إليه!
> هل يمكن أن يتخلى المترجم المحترف في اختياراته عن ذائقته الأدبية الخاصة، في مقابل الإنتاج والنشر؟
- أعتقد أن الذائقة الأدبية تتطور مع القراءات المختلفة والكثيرة. وأحياناً لا يفكر المترجم في ذائقته فقط، ولكن في ذائقة القارئ أيضاً. فأنا أعمل من مبدأ أن ذائقتي الخاصة محدودة وتخصني، ولا بد من النظر إلى ما يعجب القارئ الإيطالي أيضاً، وما نال إعجاب النقاد، والذي ربما يستحق أن يطّلع عليه القارئ العربي.
تظهر ذائقتي كقارئة فيما أختاره من أعمال، ربما لم تنل نجاحاً كبيراً في إيطاليا، ولكن أرى أنها ستحظى بقبول في العالم العربي، ربما من منطلق أنها تناسب ما يحدث فيه، تكشف وتعري وتُنطق المسكوت عنه، وتتناول موضوعات نحتاجها ولكن لا نجرؤ على تناولها أحياناً.
> في تقديرك، إلى أي مدى تستوعب الترجمة العربية حالياً اتجاهات الإنتاج الأدبي المعاصر في إيطاليا؟
- الإنتاج الأدبي المعاصر في إيطاليا غزير وغني إلى درجة كبيرة، ولكن طبعاً حجم ترجمته مقارنة مثلاً بما يترجم من الإنجليزية ضئيل جداً. ولكن في الفترة الحالية الوضع أفضل بكثير مما كان عندما بدأت الترجمة في التسعينات، وبدأت دور النشر العربية تلتفت للأدب الإيطالي بصورة أفضل في الفترة الأخيرة. وكما ذكرت، يعود هذا أيضاً لدعم إيطاليا من جهتها مادياً لحركة ترجمة أعمالها.
> هل تمنحكِ الترجمة هامشاً من الاستمتاع بها وسط ما تنطوي عليه من إشكاليات، غير مشاغل الحياة اليومية؟
- بالنسبة لي الترجمة عمل ممتع في كل وقت، على الرغم من متاعبها. فكما ذكرت من قبل: مشاركة ما قرأته وأعجبني مع آخرين من خلال ترجمته لهم، بمثابة إعداد ومشاركة وجبة جيدة مع أصدقاء. لكن الترجمة تفتح لنا آفاق المعرفة، فأحياناً لترجمة كتاب واحد أجد نفسي أقرأ كثيراً من الكتب الأخرى؛ بل أحيانا أشاهد أفلاماً وأسمع أغاني اقترحها عليَّ النص. والأهم من كل هذا المترجم يتطور مع كل كتاب يترجمه، من خلال قراءة النص مع آخرين (محررين، ومدققين لغويين) فالتعلم يحدث بشكل دوري ومستمر. وبالنسبة لي، أجد في التعلم متعة كبيرة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
TT

قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

أظهرت دراسة جديدة أنّ العلاقة الوثيقة بين البشر والكلاب استمرّت لأكثر من 14 ألف عام، واكتشف باحثون أدلة على أنّ الكلاب كانت تعيش جنباً إلى جنب مع البشر خلال العصر الجليدي، أي قبل أكثر من 5 آلاف عام من الاعتقاد السائد بشأن تدجينها.

وتعود عظام عُثر عليها في كهف غوف في سومرست، وفي بينارباشي في تركيا، إلى أواخر العصر الحجري القديم الأعلى، أي قبل ظهور الزراعة بزمن طويل. وفي هذا السياق، أوضح البروفسور أوليفر كريغ، من قسم الآثار بجامعة يورك أنه: «لطالما اعتقدنا أن الكلاب تطوّرت من الذئاب الرمادية خلال العصر الجليدي الأخير، لكن الأدلة المادية على ارتباطها بالبشر كان من الصعب تأكيدها».

وخلال المراحل الأولى من التدجين، كانت الكلاب والذئاب متطابقة تقريباً في الشكل، ولم تظهر اختلافات سلوكية واضحة في السجل الأثري. واعتمدت الدراسات السابقة على أجزاء صغيرة من الحمض النووي وقياسات الهياكل العظمية، لكن هذه الدراسة الأخيرة تمكنت من إعادة بناء جينومات كاملة من بقايا يزيد عمرها على 10 آلاف عام.

وبعد ذلك، قارن علماء جامعة يورك هذه البقايا بأكثر من ألف نوع حديث وقديم من فصيلة الكلاب، مما أكَّد أنّ الكلاب كانت منتشرة على نطاق واسع في أوروبا وغرب آسيا منذ 14 ألف عام على الأقل.

كما قاس تحليل غذائي نظائر الكربون والنيتروجين المحفوظة في كولاجين العظام، ما أظهر أنّ الكلاب كانت تتبع نظاماً غذائياً يُشبه النظام الغذائي لدى البشر.

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، قالت طالبة الدكتوراه ليزي هودجسون التي أسهمت في الدراسة: «جاءت إحدى أهم النتائج من بينارباشي، إذ أظهرت البيانات أن الكلاب المنزلية كانت تستهلك نظاماً غذائياً غنياً بالأسماك، يُشابه إلى حد كبير النظام الغذائي للسكان المحليين»، مضيفةً أنه «من غير المرجَّح أنّ الكلاب كانت تصطاد كميات كبيرة من الأسماك بنفسها، ما يُشير إلى أنّ البشر كانوا يُطعمونها بنشاط».

كما تُشير الدراسة، التي نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلتها «الإندبندنت»، إلى أنّ الكلاب كانت موجودة بين مجموعات مختلفة من الصيادين وجامعي الثمار قرب نهاية العصر الجليدي، وأنها كانت أقرب صلةً بسلالات الكلاب الأوروبية والشرق أوسطية الحديثة منها بالكلاب القطبية.

وعلَّق الدكتور ويليام مارش، من متحف التاريخ الطبيعي: «سمحت لنا هذه العيّنات بتحديد أنواع إضافية من الكلاب القديمة من مواقع في ألمانيا وإيطاليا وسويسرا، ما يُظهر أنها كانت منتشرة على نطاق واسع في جميع أنحاء أوروبا وتركيا منذ 14 ألف عام على الأقل».

بدوره، قال الدكتور لاكي سكارزبروك، من جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ، إنّ هذا يشير إلى أنّ سلالات الكلاب الرئيسة كانت موجودة بالفعل منذ نحو 15 ألف عام. وأضاف: «كانت الكلاب ذات الأصول المختلفة موجودة بالفعل في جميع أنحاء أوراسيا، من سومرست إلى سيبيريا».

ويرى خبراء أنّ هذا يثير احتمال أن تكون الكلاب قد استُؤنست قبل أكثر من 10 آلاف عام من استئناس أيّ حيوانات أو نباتات أخرى.


«كبيرة الممرضات» في إنجلترا تصنع لحظة تاريخية في الكنيسة الأنجليكانية

ما كان مستحيلاً يصبح واقعاً (أ.ف.ب)
ما كان مستحيلاً يصبح واقعاً (أ.ف.ب)
TT

«كبيرة الممرضات» في إنجلترا تصنع لحظة تاريخية في الكنيسة الأنجليكانية

ما كان مستحيلاً يصبح واقعاً (أ.ف.ب)
ما كان مستحيلاً يصبح واقعاً (أ.ف.ب)

تُنصَّب، اليوم الأربعاء، سارة مولالي، أول امرأة تتولّى منصب رئيسة أساقفة كانتربري والزعيمة الروحية لنحو 85 مليون مسيحي في الكنيسة الأنجليكانية العالمية، وذلك خلال مراسم تجمع بين التقاليد والرمزية العالمية في كاتدرائية كانتربري.

ونقلت عنها «رويترز» قولها في مقابلة مع «بي بي سي» قبل المراسم: «أدرك أهمية كوني أول امرأة تتولَّى منصب رئيسة أساقفة»، مضيفة أنّ الحفل سيشهد مشاركة أصوات نسائية.

خطوةٌ تغيّر ملامح الحكاية (أ.ف.ب)

وبمناسبة بدء توليها المنصب، ستجلس كبيرة الممرّضات في إنجلترا والموظفة الحكومية سابقاً على كرسي القديس أوغسطين العائد إلى القرن الثالث عشر أمام نحو ألفَي ضيف مدعو، بينهم ولي العهد البريطاني الأمير ويليام وزوجته كيت، ورئيس الوزراء كير ستارمر، إلى جانب عدد من القادة الدينيين.

وفي حين أثار تعيين مولالي في أكتوبر (تشرين الأول) انتقادات حادة من تكتّل محافظ داخل الكنائس الأنجليكانية يُعرف باسم (جافكون)، ويضم في معظمه كنائس من أفريقيا وآسيا، تخلّى هذا التكتل الشهر الحالي عن خططه السابقة لتعيين شخصية رمزية موازية لمولالي، وأنشأ بدلاً من ذلك مجلساً جديداً.

ورغم أنّ التوتّر بين التيارات المسيحية التقدمية والمحافظة ليس حكراً على الأنجليكانية، فإنّ دور رئيس أساقفة كانتربري يظلّ رمزياً إلى حد كبير، بخلاف بابا الفاتيكان الذي يتمتّع بصلاحيات واضحة على الكاثوليك حول العالم.

بابٌ يُفتح وزمن يتبدّل (أ.ف.ب)

وخلال المراسم، ستدخل مولالي الكاتدرائية عبر الطرق على بابها الغربي اليوم الأربعاء، مرتدية تاجاً وعباءة مثبتة بمشبك مستوحى من الحزام الذي كانت ترتديه خلال عملها ممرضةً في هيئة الخدمات الصحية الوطنية، ثم سيستقبلها الأطفال.

وسترتدي خاتماً كان البابا بولس السادس قد أهداه في عام 1966 إلى أحد أسلافها، وهو مايكل رامزي، في إشارة إلى تحسُّن العلاقات بين الأنجليكان والكاثوليك، بعد قرون من انفصال الملك هنري الثامن عن كنيسة روما.

بداية تُشبه التحوّل (أ.ف.ب)

وستُقام الصلوات بلغات عدّة، من بينها الأردية، إلى جانب الترانيم الأفريقية.

وقال الأسقف نيكولاس بينز: «تمنح رئيسة الأساقفة سارة الكنيسة فرصة لفتح صفحة جديدة من الحوار تقوم على قدر أكبر من الثقة. إنها تمتلك المهارات والخبرة اللازمة لمثل هذا الوقت».


بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب

الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)
الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)
TT

بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب

الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)
الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)

«إن لم أركض فسوف أمشي. وإن لم أستطع المشي فسأزحف»... بهذه العبارة وعدت سيلين ديون جمهورها قبل سنتَين بالعودة الحتميّة إلى المسرح، حتى وإن عاندَها جسدُها ووضعُها الصحيّ. لكن يبدو أن المغنّية الكندية العالمية كانت أعند من المرض، وها هي ذي تستعدّ لاعتلاء الخشبة من جديد.

استفاقت باريس قبل يومين على لوحات ضوئية تغزو شوارعها، وتحمل عدداً من عناوين أغاني سيلين ديون باللغتَين الفرنسية والإنجليزية، من دون أي إشارة إضافية.

كلمات أغاني سيلين ديون تملأ الشوارع في العاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب)

تزامنت تلك الحملة الدعائية الغامضة مع خبرٍ تفرّدت به صحيفة «لا بريس» الكنَديّة، مفادُه أنّ ديون عائدة إلى الغناء أمام الجمهور، وذلك ضمن سلسلة حفلات تستضيفها العاصمة الفرنسية مطلع الخريف المقبل. وينسب الصحافي الذي نشر الخبر معلوماته إلى مصدر موثوق أبلغه بأنّ ديون ستقدّم مجموعة حفلات بدءاً من شهر سبتمبر (أيلول) في ميدان «باريس لا ديفانس» المغلق، الذي يتّسع لأكثر من 40 ألف متفرّج.

وفي وقتٍ لم تؤكّد إدارة أعمال الفنانة الخبر ولم تَنفِه، أثارت ديون شخصياً فضول معجبيها ومتابعيها بنَشرِ مجموعة من الصور عبر حسابها على «إنستغرام». وتوثّق تلك الصور لمحطات باريسية في مسيرة المغنية، منذ سنوات المراهقة وحتى اليوم. وقد أرفقت ديون المنشور بعبارة بالفرنسية تعطي انطباعاً بأنها عنوان لأغنية جديدة.

وفق معلومات الصحيفة الكنديّة، فإنّه من المرتقب أن تحيي سيلين ديون حفلَين أسبوعيين في «لا ديفانس» خلال شهرَي سبتمبر وأكتوبر (تشرين الأول)، أي ما مجموعُه 16 حفلة. مع العلم بأنّ الميدان المذكور يُعدّ أضخم قاعة حفلات في أوروبا. واللافت أنّ الموقع الإلكتروني الخاص بالحجوزات فارغٌ حتى اللحظة من أي مواعيد في تلك التواريخ، ما يوحي بأنّ المعلومة دقيقة على الأرجح، بانتظار إعلانٍ رسميّ من قبل ديون حول انطلاق بيع البطاقات.

سيلين ديون في الرياض عام 2024 احتفاءً بالمصمم اللبناني العالمي إيلي صعب (رويترز)

تثير أي عودة محتملة لسيلين ديون إلى الغناء والعروض الموسيقية الاهتمام حول العالم، لأنّ الفنانة أمضت سنواتها الـ6 الأخيرة شبه غائبة عن الأضواء، ورهينة الآلام والعلاج من «متلازمة الشخص المتيبّس» (Stiff Person Syndrome). وقد استحقّت تلك العودة المرتقبة عدداً خاصاً من مجلة «باري ماتش» الفرنسية، تصدّرته صورة ديون وملأت سيرتُها صفحاته الداخلية. أما العنوان الرئيسي فجاء ليؤكّد الخبر: «سيلين ديون... إنها عائدة».

عدد خاص من مجلّة «باري ماتش» مخصص لعودة سيلين ديون (موقع المجلّة)

العدد الذي صدر مطلع هذا الشهر، بالتزامن مع استعداد ديون لإطفاء شمعتها الـ58، خصّها بـ92 صفحة من الصور الأرشيفية والتحقيقات الحصرية. ورغم الاستفاضة في سيرتها الذاتية، بدءاً بطفولتها في مونتريال، مروراً بارتباطها بمدير أعمالها وزوجها لاحقاً رينيه أنجليل، وليس انتهاءً بوفاته وإصابتها بالمرض، إلا أنّ العدد الخاص من المجلّة لم يتضمّن أي حوار مع الفنانة.

خلال سنوات المعاناة التي عبرتها، التزمت ديون باحتجاب جزئيّ عن الأضواء والإعلام. لكنها حافظت على تواصلِها مع متابعيها عبر «السوشيال ميديا»، فدأبت على مصارحتهم بوضعها الصحي ومشاركتهم أخبارها. وفي سياق تلك المنشورات، كان لافتاً ذلك الذي خصّصته لوالدها الراحل مطلع الشهر الحالي بمناسبة ذكرى ميلاده.

جاء ذلك المنشور بمثابة وعد لجمهور ديون؛ إذ كتبت فيه متوجّهةً إلى والدها الراحل وعبرَه إلى منتظريها: «أحبّك وعندما أصعد مجدداً إلى المسرح، أعرف أنك ستكون معي».

إذا صدَقت المعلومات المتداولة فإنّ صعود ديون إلى المسرح من جديد سيكون الأوّل بعد سنتَين على آخر إطلالة جماهيريةٍ لها. ففي يوليو (تموز) 2024، افتتحت المغنية الألعاب الأولمبية في باريس مقدّمةً أداءً آسراً لأغنية «إديث بياف» (نشيد الحب)، من قلب برج إيفل ووسط أنواره الساحرة. وهي فاجأت العالم حينذاك؛ إذ أتت تلك الإطلالة بعد شهرٍ على عرض الفيلم الوثائقيّ الذي واكب جلجلة آلامها.

كانت 2024 السنة التي عقدت فيها سيلين ديون العزم على الوقوف من جديد، وكانت باكورة القرار حلولها ضيفة شرف على حفل جوائز «غرامي» الموسيقية في شهر فبراير (شباط) من ذلك العام. رافقها ابنُها البكر رينيه شارل إلى المسرح، حيث استُقبلت بدقائق من التصفيق، كما قدّمت جائزة ألبوم العام للمغنية الأميركية تايلور سويفت.

سيلين ديون خلال حلولها ضيفة شرف على حفل «غرامي» عام 2024 (رويترز)

بكامل طاقتها وحيويّتها المعهودة، ختمت سيلين ديون العام بمشاركة خاصة في عرض أزياء المصمم اللبناني العالمي إيلي صعب في الرياض. غنّت «I’m Alive» (أنا على قيد الحياة) احتفاءً بمرور 45 عاماً على انطلاق مسيرة صعب في عالم الأزياء، وتوسطت ديون العارضات اللواتي مررن بأثوابهنّ الذهبية.

أين تلك «السيلين» المتوهّجة، من المرأة المكسورة والمسحوقة ألماً التي شاهدها العالم في وثائقي «أنا: سيلين ديون» على منصة «أمازون برايم» في يونيو (حزيران) 2024؟

أمام عيون الملايين، قررت الفنانة الملقّبة بـ«الديفا»، أن تفرد أوجاعها حتى أعلى صرخة وأحَرّ دمعة. سلبتها «متلازمة الشخص المتيبّس» قدرتها على الحركة والكلام والغناء. ضرب المرض جهازيها العصبيّ والمناعيّ. وجدت ديون نفسها مرغمة على إلغاء حفلاتها وتعليق مشاريع ألبوماتها.

اليوم وبعد أن شارفت رحلة الآلام على نهايتها، تعود سيلين ديون إلى شغفها الذي صمتَ قسراً. ترجع إلى الموسيقى التي تجري في صدرها مثل الهواء. فوحدَها معجزةُ الصوت أخرجت الطفلة سيلين من ثلوج قريتها شارلمان إلى مسارح المجد، ولا شيءَ سوى تلك المعجزة يستطيع أن يمنح النجمة العالمية ولادة جديدة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended