في البحرين استعادة مبدعة للماضي

مدن الخليج والجزيرة العربية... طفرة عمرانية لا يضاهيها إلا ما يجري في الشرق الأقصى

في البحرين استعادة مبدعة للماضي
TT

في البحرين استعادة مبدعة للماضي

في البحرين استعادة مبدعة للماضي

كنت مؤخراً في البحرين لإلقاء محاضرة في مركز الشيخ إبراهيم بن محمد الخليفة للتراث والثقافة، لكن المحاضرة التي تناولت ما دعوته «هجرة المفاهيم وتحولات الثقافة» قادت إلى هجرة وتحولات من نوع آخر، هجرة في الزمان وتحولات المكان تبينت لي من خلالها معالم مشروع ثقافي حيوي يستدعي هجرة الماضي إلى الحاضر بغية إغراء الحاضر ببعض منجزات الماضي. كان ذلك المشروع الذي تقوده منذ أعوام الشيخة مي آل خليفة، الرئيسة السابقة لهيئة البحرين للثقافة والآثار، والرئيسة حالياً للمركز الذي أسسته باسم جدها الشيخ إبراهيم آل خليفة، أحد رواد الثقافة في البحرين في فترة لم يكن الكثيرون يدركون قيمة العلم والمعرفة وضرورة اللحاق بركب الحضارة. وكان من اللافت أن ما تأسس عليه المشروع دعامتان: إحياء المساكن القديمة بعمارتها التقليدية، وتقديم معرفة وإبداع معاصرين بأحدث التقنيات المتاحة.
إحياء أواسط المدن ظاهرة عرفتها مدن عديدة في الوطن العربي وخارجه في العقود الأخيرة، وهي في جوهرها حركة منسجمة مع تيار ما يعرف بما بعد الحداثة، التيار الذي سأتوقف عنده بعد قليل. هنا أشير إلى أن الإحياء الذي تقوده الشيخة مي آل خليفة في البحرين وباقتدار لافت وباعث على الإعجاب مختلف عن ألوان الإحياء الأخرى: إنها لا تسعى إلى ترميم المباني القديمة أو إعادة تعمير الأحياء المتداعية فحسب، وإنما تحافظ على المباني والسكان معاً، بحيث تظل المساكن مساكن، أي آهلة بالناس، وهو ما حققت فيه نجاحاً لافتاً، كما أنه ما لم تتمكن من تحقيقه مشاريع إحيائية مشابهة في مدن أخرى في المنطقة وخارجها، مناطق هجرها أهلها ولم يعودوا إليها. هنا يتحقق «إحياء» فعلي أو حقيقي بمعنى إعادة الحياة إلى البيوت المهددة بالزوال، وذلك بتشجيع أهلها على البقاء أو العودة عن طريق الدعم الذي يجدد المساكن ويجعلها صالحة للعيش المريح. وهذا بالفعل ما حدث وما يشاهده الزائر وهو يرى البيوت عامرة بأهلها الذين كان الكثير منهم على أهبة الانتقال إلى فيلات حديثة خارج مدينة المحرق القديمة. والحق أن زائر البحرين اليوم لا يستطيع أن يخفي انبهاره بما يحدث في مدينة المنامة من حركة عمرانية موغلة في التحديث وما تعج به من أحياء جديدة مغرية بالسكنى، الأمر الذي يجعل من الصعب على الكثير من القادرين مقاومة مغريات الانتقال نشداناً للجديد وما يعد به من راحة ورفاهية.
في مدن الخليج والجزيرة العربية اليوم طفرة عمرانية لا يضاهيها إلا ما يجري في الشرق الأقصى، في الصين وهونغ كونغ وكوالالمبور وسنغافورة وغيرها. في دبي والدوحة والمنامة والرياض وجدة ثمة سباق طموح قد يسميه البعض محموماً لحشر الأفق بمبانٍ من الفولاذ والزجاج وبتصاميم عمرانية مبهرة وإضاءة تعشي الأبصار، ويخشى أن تعمي البصائر بسرعتها وتسابقها إلى السماء.
هذه الطفرة تقابلها في معظم تلك المدن العربية حركة مضادة لإحياء القديم ومنح مبانيه المتداعية فرصة للتنفس وسكانَ المدن بعضاً من تاريخ يرونه يتوارى بسرعة هائلة. في مدن مثل الرياض وجدة حركة معاكسة ومضادة تسعى للاحتفاظ بقلب تلك المدن الذي كان نابضاً يوماً، وذلك بعملية تنفس صناعي طموحة وناجحة في بعض الأحيان ومتوسطة النجاح في أخرى. لكن ما يحدث في البحرين، وبالتحديد في بلدة المحرق، وهي في الأساس إحدى جزر البحرين ومن أكثرها عراقة، مختلف كما أسلفت. العنصر البشري الذي يغيب عن عمليات الإحياء الأخرى حاضر هنا وهو ما يسترعي الانتباه. يضاف إلى ذلك أن قيام نشاط ثقافي وإبداعي في قلب تلك الأحياء كالذي اضطلعت به هيئة ثقافة البحرين بقيادة الشيخة مي آل خليفة قبل تركها العمل يضيف إلى الحياة اليومية للسكان بعداً آخر يجعل المنطقة جاذبة للزوار وقادرة من ثم على الاستمرار، لا سيما إن هي أدت إلى نشاط تجاري مصاحب.
عملية الإحياء المشار إليها يعدها بعض المنظرين الغربيين واحدة من سمات مرحلة ما بعد الحداثة. إنها الاستعادة لبعض سمات مرحلة سبقت الحداثة، وذلك على المستوى العمراني. هي مراجعة لسمات الحداثة، المراجعة المنطوية على نقض لبعض تلك السمات. يتضح ذلك في العمارة بصفة خاصة من حيث إن عمارة الستينيات التي انتشرت في العالم العربي كانت حداثية بمقدار خروجها على النمط القديم في البناء: الفيلات والعمارات الإسمنتية المسلحة بأشكالها المثلثة أو الدائرية والمتجهة إلى الخارج بدلاً من الداخل. وكان في تلك الطفرة الحداثية خروج متعمد على المنازل والأبنية التقليدية المتراصة بفنائها الداخلي وعمارتها الحجرية أو الطينية (تماماً كما حدث في الأعمال الأدبية التي سعت حداثتها إلى كسر نمطية الكتابة التقليدية لا سيما في الشعر). في فترة ما بعد الحداثة حدث ارتداد إلى فترة ما قبل الحداثة، ليس الارتداد الكامل أو الاستعادة الشاملة وإنما بالمحاكاة غير المنبتة عن الكثير من العناصر المكتسبة في فترة الحداثة. تفسير المابعدية يكمن في رفض ما قبلها مباشرة، لكن المابعدية تضمنت استعادة لماضٍ أقدم: البناء بما يشبه الطين، الأفنية المطلة على الداخل، الزوايا غير الحادة.
ما نجده أمامنا، ليس في مدن منطقة الجزيرة العربية فحسب وإنما في مدن أخرى من العالم، هو ازدواجية وأحياناً تعددية: الحداثة وما قبلها متجاورة مع ما بعدها، لكن الوضع في المنطقة العربية يختلف عن غيره، لا سيما عن أوروبا أو الغرب عموماً، في أن التباين حاد بل انقطاعي بين تلك المراحل. ففي حين تتعاقب المراحل العمرانية في مدن الغرب ضمن تسلسل يحكمه إطار حضاري متجانس يفضي بعضه إلى بعض، تعيش المدن العربية تناقضاً بين الجديد والقديم، لا سيما مرحلتي الحداثة وما قبلها. ومن هنا تبدو مرحلة ما بعد الحداثة، التي تتسم بالسعي لاستعادة القديم أقرب إلى استعادة الهوية الأساسية التي أربكتها الحداثة وسعت إلى محوها. فعمارة الحداثة أبعد ما تكون عن الانسجام مع مكونات البيئة ومعطيات الثقافة، المكونات والمعطيات التي تتضح في مرحلة الما قبل وتعاود الظهور في مرحلة الما بعد. وفي كل الحالات ما نشاهده هو التحدي الصعب الذي تواجهه الثقافة العربية في مواجهة اختلاف الآخر، أي اضطرارها لمجاراة المستجد من أدوات الحضارة الغربية ومظاهرها ورغبتها في الحفاظ على هوية مستقلة في الآن نفسه. ذلك التحدي هو ما لاحظه أحد أبرز مفكري أوروبا في القرن العشرين. يقول بول ريكير (أو ريكور) Ricoeur، فيلسوف الهرمنيوطيقا الفرنسي المعروف في كتابه «التاريخ والحقيقة»: «ها هي المفارقة: كيف يمكن أن تكون حديثاً وتعود إلى المنابع: كيف تحيي حضارة قديمة غافية وتشارك في حضارة كونية». يقول المفكر الفرنسي ذلك ضمن تأسيه من وضع عالم يتشابه ضمن حضارة عالمية واحدة و«متوسطة القيمة» إلى درجة الإفقار: «إننا نشعر أن هذه الحضارة العالمية الواحدة تفرض في الوقت نفسه لوناً من الاستنزاف أو الإنهاك على حساب الموارد الثقافية التي صنعت الحضارات العظيمة في الماضي».
الحفاظ على تلك الموارد الثقافية هو الهدف الذي تسعى إليه المشاريع المنتشرة هنا وهناك للحفاظ على التراثين المعماري والثقافي، لكن دون الوقوع في فخ الأحلام غير الواقعية، أي مع الوعي بأن مشاريع كتلك تحتاج إلى مقومات اقتصادية ومعرفية تمكنها من الاستمرار، وأن تكون أيضاً مفيدة من منجزات العصر، وهو ما يحدث في البحرين ومناطق أخرى. هي حركة مناهضة للعولمة الثقافية الغربية ومعاكسة لمفهوم التقدم الذي أشاعه عصر التنوير بالقول إن القادم أفضل من السابق بالضرورة، وأن حركة الثقافة إلى الأمام وليست باستعادة الماضي أو التمسك بمعطياته. التوجه ما بعد الحداثي إلى نقض تقدمية الحداثة أو إلى مساءلتها على الأقل يتمظهر في النشاط الإحيائي النوعي وفيما أسميه «الإبداع الماضوي».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

اللبنانيون ينتظرون «هدنة مناخية» لالتقاط أنفاسهم

موسم البحر بات على الأبواب (إ.ب.أ)
موسم البحر بات على الأبواب (إ.ب.أ)
TT

اللبنانيون ينتظرون «هدنة مناخية» لالتقاط أنفاسهم

موسم البحر بات على الأبواب (إ.ب.أ)
موسم البحر بات على الأبواب (إ.ب.أ)

يعيش اللبنانيون منذ أيام على وقع تقلبات مناخية حادة، وضعتهم في حيرة بين ملابس الصيف ومعاطف الشتاء. فبعد موجة دفء عمّت جميع المناطق، اعتقد كثيرون أن الصيف قد حلّ، وسارعوا إلى التخلي عن الملابس الثقيلة، لكن الطقس سرعان ما انقلب رأساً على عقب، حاملاً معه مشهداً عاصفاً أعاد إلى الأذهان أكثر أيام الشتاء قسوة.

وكما جرت العادة مع نهاية أبريل (نيسان) وبداية مايو (أيار)، عمد عدد كبير من اللبنانيين إلى غسل الثياب الشتوية وترتيبها في الرفوف العليا لخزائنهم، ظناً منهم أنهم لن يحتاجوا إليها مجدداً هذا الموسم، بل إن بعضهم استغل الأيام المشمسة الأولى وتوجَّه إلى الشواطئ للاستمتاع بحرارة الشمس والاستعداد المبكر للصيف.

السيول تغمر شوارع المدينة (إنستغرام)

غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي رغباتهم؛ فقد حذَّر خبراء الطقس من منخفض جوي يحمل أمطاراً غزيرة ورياحاً قوية، إضافة إلى احتمال تشكّل السيول وتساقط الثلوج على المرتفعات. وبالفعل، بدأت ملامح هذا التحول تظهر مع نهاية الأسبوع، لتتبدل الصورة بالكامل.

وكان يوم الأحد بمنزلة الوداع الأخير للأجواء الصيفية المبكرة؛ إذ دخل لبنان اعتباراً من الاثنين في موجة من الطقس الماطر والعاصف تستمر لأيام عدة، ما أعاد اللبنانيين إلى حيرة يومية أمام خزائنهم: هل يرتدون الملابس الصيفية أو يعودون إلى المعاطف الشتوية؟

ولم يقتصر الإرباك على اختيار الملابس فقط؛ إذ تحولت السيارات التي غُسلت حديثاً إلى ضحية للوحول والأمطار، في حين شعر من بادروا إلى توضيب السجاد في منازلهم بخيبة إضافية بعد الانخفاض الحاد في درجات الحرارة. فبعدما لامست الحرارة في الأيام الماضية 27 و28 درجة مئوية، تراجعت إلى نحو 12 درجة، في حين بلغت سرعة الرياح 60 كيلومتراً في الساعة، لتصل يوم الاثنين إلى نحو 85 كيلومتراً مع اشتداد تأثير المنخفض الجوي الآتي من تركيا، والذي تسبب في تشكّل السيول الجارفة في عدد من المناطق.

وتقول رنا، وهي موظفة: «قبل أيام كنت أرتدي ملابس صيفية، حتى إنني وضعت المعاطف بعيداً. صباح الاثنين اضطررت للبحث عنها مجدداً بعدما فوجئت بالبرد الشديد».

أما نادين، وهي أم لثلاثة أطفال من المتن، فتشير إلى أن تقلبات الطقس أربكت يومياتها، وتقول: «أطفالي خرجوا إلى المدرسة بملابس خفيفة الأسبوع الماضي، واليوم عدنا إلى السترات الشتوية. حتى إنني لا أعرف كيف أجهز حقائبهم صباحاً. وهذه التقلبات في الطقس تجعلني أقلق عليهم من الإصابة بنزلة برد».

الطقس الماطر يخيّب آمال اللبنانيين بصيف مبكر (إنستغرام)

ولم تسلم المنازل أيضاً من هذه الفوضى المناخية. تقول أم جورج من جونية: «غسلت السجاد وخزّنته قبل أيام معتقدة أن الشتاء انتهى، لكن مع عودة البرد شعرت أنني تسرعت كثيراً».

ويشير خبير الطقس جو القارح، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن قشرة الثلوج عادت لتتراكم على المرتفعات التي يزيد ارتفاعها على 1800 متر، لافتاً إلى عودة حبات البرد التي تثير قلق المزارعين؛ لما قد تسببه من أضرار للمحاصيل الزراعية في هذا الوقت من السنة. ويتابع: «ليست المرة الأولى التي يشهد فيها لبنان تقلبات طقس من هذا النوع. وإذا ما قمنا بجولة سريعة على كوكب الأرض، فلا بد أن نلاحظ أن المناخ العام تبدَّل. وفي لبنان لم نعد نشهد 4 فصول؛ إذ اتجه الطقس نحو تطرف مناخي ملحوظ». ويستدرك: «ظاهرة الاحتباس الحراري باتت تؤثر بشكل ملحوظ على كوكبنا. صرنا نشهد درجات حرارة غير مستقرة بتاتاً، فتنخفض وترتفع من دون أسباب واضحة». وعما إذا ينتظرنا في الأيام المقبلة موسم صيف حار بسبب فصل شتاء طويل وقارس، يرد: «لا يمكننا التكهن منذ الآن».

ويطمئن أبو مروان من سكان الأشرفية إلى أن فصل الصيف الحقيقي سيبدأ مباشرة بعد عيد «مار جرجس» للروم الأرثوذكس في 6 مايو الحالي. ويوضح في سياق حديثه: «في الموروث الشعبي والزراعي في بلاد الشام ومناطق شرق المتوسط، تشتهر عبارة (صيف مار جرجس) أو (خضرة مار جرجس)، وهو أمر يرتبط بعيد هذا القديس عند طائفة الروم الأرثوذكس وفق التقويم القديم. وهو التوقيت الذي يعدُّه المزارعون إيذاناً بانتهاء البرد والمواسم الماطرة وبداية استقرار الطقس. وتدخل المنطقة فعلياً في فصل الربيع المتأخر أو بداية الصيف، وتتقلص فرص الأمطار الباردة بشكل كبير. وبعد هذا التاريخ يتحسن الطقس، وتزداد درجات الحرارة دفئاً».

ويختم جو القارح كلامه لـ«الشرق الأوسط» بقوله: «الطقس العاصف الذي يشهده لبنان حالياً يبدأ الانحسار الثلاثاء، على أن يذهب نحو الاستقرار التام يوم الخميس».


هاني شاكر... صوت الأوطان العربية

قدم هاني شاكر كثيراً من الأغنيات الوطنية (صفحته على فيسبوك)
قدم هاني شاكر كثيراً من الأغنيات الوطنية (صفحته على فيسبوك)
TT

هاني شاكر... صوت الأوطان العربية

قدم هاني شاكر كثيراً من الأغنيات الوطنية (صفحته على فيسبوك)
قدم هاني شاكر كثيراً من الأغنيات الوطنية (صفحته على فيسبوك)

ترك رحيل «أمير الغناء العربي» هاني شاكر أثراً فادحاً في نفوس محبيه في مختلف الدول العربية، لما قدمه من أغنيات رسّخت حضوره بوصفه قامة فنية أثرت الوجدان المصري، والعربي. وكأن رحيله غيابٌ لضمير فني حي، وصوت نابض بالعروبة واكب دقات قلب الوطن الأكبر.

كرَّس هاني شاكر صوته ليكون أداة فنية مفعمة بالحب، والوطنية، ووثقت ملاحم الوطن العربي من المحيط إلى الخليج. وكان صوته رفيقاً للجنود في ساحات الحرب، ونشيداً للبهجة في أعياد النصر، والتحرير.

هاني شاكر مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (صفحة هاني شاكر على فيسبوك)

ويتصدر هاني شاكر جيل الوسط بوصفه أحد أكثر المطربين المصريين إثراءً للوجدان الوطني، إذ امتد عطاؤه لأكثر من نصف قرن، صاغ خلاله قرابة 50 أغنية وطنية، شكَّلت في مجموعها ديواناً صوتياً يوثق تاريخ مصر الحديث، وعلاقتها بمحيطها. وقد صدح صوته عابراً للحقب السياسية، مغنياً في عهود 3 رؤساء: محمد أنور السادات، ومحمد حسني مبارك، وعبد الفتاح السيسي، إضافة إلى رئيس مرحلتين انتقاليتين هما: محمد حسين طنطاوي، وعدلي منصور.

ففي ملحمة عبور أكتوبر (تشرين الأول) المجيدة عام 1973، زلزل الوجدان بأغنيتي «عدّينا يا ريس» و«آدي جنودنا وقت الجد». وعندما عانقت طابا خريطة الوطن مجدداً، رفرف صوته مع العَلَم في أغنية «رفعنا العلم». ولا تزال الذاكرة المصرية تحتفظ بأيقونته الخالدة «بلدي» (1984)، التي شاركه فيها الفنان محمد ثروت، والمصوَّرة على ضفاف النيل، وصولاً إلى إهدائه حُماة الوطن أغنية «ماسك سلاحي» عام 2020، لتكون عملاً فنياً يوازي دروع التضحية.

وانسابت أغنيات هاني شاكر لتروي ظمأ الوجدان العربي في سردية غنائية عابرة للحدود. ففي الخليج، توَّج حضوره في السعودية بـ«ديو تاريخي» عام 2013 من خلال أغنية «مصر السعودية تريد» مع الموسيقار عبادي الجوهر، في رسالة حب تؤكد أن الرياض والقاهرة خفقتان في قلب واحد.

كما شارك الإمارات احتفالات تأسيسها بأغنية «يا زايد إحنا اخترناك»، وعاد عام 2014 ليغني «شعب واحد». ووقف سنداً للكويت إبان الغزو في «أرض الأحرار يا كويت»، وزفّ العائدين من أبطال الجيش المصري بأغنية «رجعوا الأبطال»، ولم ينسَ العراق، فواساه بأغنية «عراق الصابرين» عام 2016.

ومن الخليج إلى بلاد الشام، احتلت القضية الفلسطينية مساحة بارزة في مشروعه الفني؛ فغنَّى «فلسطين» عام 1997، ومع اندلاع الانتفاضة الثانية أطلق «على باب القدس» عام 2001. وتوالت أعماله الداعمة، منها «القسم» التي نال عنها تكريماً من الرئيس محمود عباس، و«أنا مصري ودمي فلسطيني» عام 2019، وصولاً إلى «الهوية عربي» عام 2024.

وكما غنَّى لفلسطين، احتضن جراح الشام، ومسرَّاتها، فخصَّ دمشق بخمس أغنيات، بدأها بـ«دمشق يا عشق قلبي»، مروراً بأوبريت «يسلم ترابك يا شام»، و«رمضان كريم يا حلب». وكانت «حق الحياة» (2015) رثاءً موجعاً للطفل السوري آيلان، قبل أن يغني «عاشت سوريا» احتفاءً بصمودها عام 2022. وفي لبنان، صدح بموال «لبنان المولى حاميكي»، الذي لازمه منذ التسعينات، كما أهدى الأردن أغنية «ملك القلوب» عام 2019.

هاني شاكر مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس (صفحة هاني شاكر على فيسبوك)

وعلى امتداد شمال أفريقيا، عانق تونس بأغنيتي «يا تونس» و«تونس جنة الأحلام»، وخصَّ العاهل المغربي بأغنية «ونعم الملوك» عام 2014 بمناسبة عيد العرش. وحين هبَّت نسائم الهدوء على ليبيا عام 2016، بعث لها برسالة سلام عبر أغنية «سلم لي على بنغازي».

هكذا نقش هاني شاكر اسمه بحروف من نور، يكتب بصوته أوجاع أمته، وانتصاراتها، لتنساب سيرته الفنية شرياناً نابضاً بالعروبة، ولا تعترف به حدود الجغرافيا.

يصف الناقد الفني فوزي إبراهيم القيمة الفنية والوطنية لهاني شاكر قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: إن «حنجرته لا تمثل مجرد مساحة صوتية عابرة، بل هي الامتداد الطبيعي، والوريث الشرعي للطرب الأصيل المتحدر من جيل العمالقة. وهذا الرسوخ الفني هو ما جعل العواصم العربية قاطبة تعتبر صوته ملاذاً آمناً، وسجلاً حياً يروي ملاحمها، ويترجم بطولاتها».

وأضاف أن «هاني شاكر، على امتداد مسيرته، لم يغرد يوماً خارج السرب الوطني، ولم يحِد عن بوصلة بلاده، وقضاياها، بل كان اللسان الناطق باسم مصر، والسفير المخلص الذي رفع اسم وطنه في كل محفل عربي. هذا الانتماء الصادق، والتمثيل المشرف هما السر الحقيقي وراء تلك الحالة النادرة من الإجماع والاحترام اللذين يحظى بهما من المحيط إلى الخليج».

واختتم فوزي قائلاً: «لم يكن مستغرباً أن ينظر إليه الزعماء العرب بوصفه أكثر من مجرد مطرب، بل اعتبروه جزءاً من ذاكرتهم؛ فقد وجدوا فيه الصوت الأصدق للتغني بأمجاد بلادهم، لأنه يحمل في نبراته الدافئة عبق التاريخ، ويأتيهم محملاً بأصالة الأجداد، وتراث الآباء».


رحيل هاني شاكر يصبغ مواقع «سوشيالية» بالشارة السوداء

هاني شاكر قدم أعمالاً مختلفة عبر أجيال متعددة (فيسبوك)
هاني شاكر قدم أعمالاً مختلفة عبر أجيال متعددة (فيسبوك)
TT

رحيل هاني شاكر يصبغ مواقع «سوشيالية» بالشارة السوداء

هاني شاكر قدم أعمالاً مختلفة عبر أجيال متعددة (فيسبوك)
هاني شاكر قدم أعمالاً مختلفة عبر أجيال متعددة (فيسبوك)

عقب الإعلان عن وفاة الفنان المصري هاني شاكر، الأحد، في العاصمة الفرنسية باريس، بعد صراع مع المرض، تصدر اسمه «الترند»، على مواقع من بينها «غوغل»، و«إكس» في مصر، الاثنين، ومنذ اللحظة الأولى لإعلان خبر رحيله اكتظت صفحات المشاهير والجماهير المصرية والعربية بالتعليقات على «السوشيال ميديا»، ونشر الصور التذكارية التي حضر فيها بابتسامته المعهودة، ولكن مع إطار بالشارة السوداء على صوره ونعيه.

وتهافت جمهوره على نعيه، واستعادوا مشواره وأغانيه المؤثرة، وتحولت مواقع «سوشيالية»، لدفتر عزاء، دونوا فيه أعذب الكلمات التي تناغمت مع مشاعره وأحاسيسه وكلمات أغانيه التي حققت نجاحاً لافتاً على مدار مشوار فني بارز امتد نصف قرن، تغنى خلاله هاني شاكر بصوته الذي مدحه الناس، وأثنوا عليه حتى حاز لقب «أمير الغناء العربي»، و«مدرسة الرومانسية»، عن جدارة واستحقاق، حسبما كتبوا.

وهاني شاكر الذي سيوارى جثمانه الثرى، الأربعاء، بمصر، حسبما أعلنت أسرته، كان صديقاً وفناناً محباً لم يفوت فرصة إلا وكشف عن مشاعره بكلماته الحنونة التي يرددها دوماً على مسامع الناس مثل «يا حبيبي»، و«حبيب قلبي»، و«بحبكم كلكم»، وغيرها من العبارات والإشارات المعبرة عما في وجدانه.

وظل هاني شاكر «يعلي الضحكاية»، حتى لا تكاد تفارقه، وكأنه يربت على كتف جمهوره، ويطيب خاطرهم بكل ما أوتي من معاني الحب، خلال حفلاته وأغنياته الشهيرة وإطلالاته الفنية والإعلامية؛ لذلك كان وداعه مختلفاً ومحملاً بالصور والذكريات والشجن.

هاني شاكر وزوجته في مهرجان «الزمن الجميل» اللبناني (فيسبوك)

ربما لن توفيه التعليقات «السوشيالية»، حقه حسبما كتبوا، إلا أن تعبيرهم عن مشاعرهم على الملأ كان وسيلتهم لإخراج حزن كامن على فنان كبير؛ إذ كتبوا منشوراتهم على وقع أشهر أغنياته «نسيانك صعب أكيد»، و«إنتي لسه بتسألي»، و«كده برضه يا قمر»، و«الحلم الجميل»، وغيرها.

الفنانة المصرية شيرين، التي شاركت بالتمثيل مع هاني شاكر في السهرة الدرامية «عيون لا ترى الحب»، وكليب أغنية «الحلم الجميل»، الذي حقق أثراً لافتاً وقت عرضه في تسعينات القرن الماضي، أكدت أنه يمثل لها الكثير على الجانبين المهني والشخصي، وتشعر بحزن كبير بعد رحيله؛ إذ كانت تربطها علاقة قوية بأسرته، مشيرة إلى أنه عاش بمشاعر حزينة بعد وفاة ابنته، وتألم كثيراً لفراقها.

وعن كواليس تصوير أغنية «الحلم الجميل»، قالت شيرين: «عندما استمعت للألبوم كاملاً أُعجبت به كثيراً، وتواصلت مع هاني، وطلبت منه أن يحول أغنياته لفيلم سينمائي، لكنه رفض بعد أن جرب حظه في السينما».

وأضافت شيرين لـ«الشرق الأوسط»: «تواصل معي هاني شاكر بعد ذلك لتصوير أغنية (الحلم الجميل) التي أعدها فيلماً كاملاً، وشعرت معه بأنني بجانب ملاك في أخلاقه وطباعه»، لافتة إلى أنه كان حريصاً على التواصل بعد التصوير مع زوجته السيدة نهلة، وإعلامها بجميع التفاصيل.

هاني شاكر وشيرين في لقطة من كليب أغنية «الحلم الجميل» (يوتيوب)

لم يقتصر العزاء «السوشيالي» للمشاهير، على جيل بعينه بل شمل من بدأ معه، مروراً بأجيال مختلفة، مثل، نادية الجندي، وإلهام شاهين، ولبلبة، ولميس الحديدي، ومصطفى كامل، ومروان خوري، وسيرين عبد النور، وعمرو أديب، وأحلام، وعمرو دياب، ويسرا، وليلى علوي، ومحمد منير، ونادية مصطفى، وأنغام، وبوسي شلبي، وتامر حسني، وأحمد سعد... وغيرهم الكثير، حتى من انتقد صوتهم من مطربي المهرجانات، وحارب لمنعهم من الغناء حفاظاً على شكل الأغنية المصرية، وأصالتها في أثناء توليه منصب «النقيب» نعوه، مثل محمد رمضان، وحمو بيكا، وحسن شاكوش.

وعن السبب في جماهيرية هاني شاكر اللافتة والمستمرة لأجيال، والحزن العميق من زملائه وجمهوره، أكد الناقد الفني المصري مصطفى حمدي أن «الراحل هو الفنان الوحيد المعاصر، الذي بدأ مسيرته وغنى في وجود نجوم الفن الكبار مثل أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وهو الفنان الذي كان يمثل الجانب الكلاسيكي في الأغنية المصرية، وحافظ عليها حتى في فترة تطورها نهاية السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي، فقد عبر عن (الزمن الجميل)، في الوقت الذي واكب فيه اللون السائد مع احتفاظه بلونه الطربي».

وأضاف حمدي لـ«الشرق الأوسط»: «هاني شاكر كان شخصية رائعة، وكان مهذباً وبشوشاً، وحريصاً على أن تكون سيرته وعلاقته طيبة بالجميع في الوسط الفني وخارجه، وهذا هو السر وراء الحب الكبير الذي نلمسه ونراه الآن، فقد تدخل لحل مشكلات لفنانين، وله أيادٍ بيضاء على شعراء وملحنين كثر».

ونعى هاني شاكر جهات رسمية مصرية وعربية كان في مقدمتها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ووزارة الثقافة، والنقابات الفنية المحلية والعربية، ودار الأوبرا المصرية التي كثيراً ما احتضنته ليقدم باقة من أروع أعماله، وكذلك «الهيئة الوطنية للإعلام»، و«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية»، وغيرهم.