قلل المرشد الإيراني علي خامنئي من أهمية احتجاجات طلاب المدارس، وعدّ حراكهم «ألعوبة بيد أصحاب الخطط والأجندات» وأنه يأتي «تحت تأثير المشاعر»، وذلك في ظل استمرار الاحتجاجات في الجامعات الإيرانية، بموازاة إضرابات في كردستان خلال اليوم الـ47 لاندلاع أحدث احتجاجات عامة تهز البلاد.
وانتشرت كالنار في الهشيم مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي لقوات الأمن الإيرانية وهي تعتدي بالضرب المبرح على محتجين، وسط تصاعد الغضب من حملة القمع واسعة النطاق التي شملت اعتقالات لشخصيات كبيرة؛ مثل مغني راب واقتصاديين ومحامين، بهدف إنهاء الاضطرابات المستمرة منذ 7 أسابيع.
وأدت الاحتجاجات؛ التي اندلعت بعد وفاة الشابة الكردية مهسا أميني (22 عاماً) أثناء احتجازها لدى «شرطة الأخلاق» في 16 سبتمبر (أيلول) الماضي بادعاء «سوء الحجاب»، إلى زعزعة المؤسسة الحاكمة؛ إذ التف المحتجون من جميع طبقات المجتمع حول مطالب بتغيير سياسي شامل. وتعدّ المظاهرات؛ التي عمت أرجاء البلاد ودعا خلالها المحتجون إلى إعدام خامنئي، من أجرأ التحديات للمؤسسة الحاكمة منذ «ثورة» 1979.
واتهم خامنئي الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض «القوى الأوروبية المؤذية» وبعض الجماعات بشن «حرب مركبة». وقال إن هؤلاء «استخدموا كل طاقاتهم لإلحاق الضرر بالشعب الإيراني؛ لكن الشعب لطمهم على أفواههم وأحبطهم». وعدّ نزول الشباب والفتيان إلى الساحة «ظاهر المشكلة». وقال: «هؤلاء أطفالنا، وليس لدينا نقاش معهم؛ لأنهم دخلوا الميدان بسبب إثارة المشاعر، وبعض الإهمال في الأمور، لكن من يديرون الساحة الأساسية لديهم خطط وأجندة».
تأتي تصريحات خامنئي بعدما أصدرت وزارة الاستخبارات والجهاز الموازي لها «استخبارات الحرس الثوري» بياناً مشتركاً الجمعة، اتهمتا فيه «وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)» وجهاز «الموساد» الإسرائيلي بالوقوف وراء الاحتجاجات. واتهم البيان صحافيتين، اعتقلتهما السلطات، بـ«العمالة» لتلك الأجهزة.
وأعرب خامنئي عن رضاه عن تقارير الأجهزة الأمنية، وقال إن تقاريرها عن «الاضطرابات تظهر أن العدو خطط لأعمال الشغب في طهران والمدن الكبرى والصغيرة»، واضعاً ذلك في إطار «الدور الواضح لأميركا في أعمال الشغب» التي تشهدها إيران، وتعدّ الأكبر منذ أعوام. وفي السياق نفسه، نقلت «رويترز» عن خامنئي قوله إن المسؤولين الأميركيين الذين يدعمون الاحتجاجات «وقحون»، مضيفاً أن «من يعتقدون أن الولايات المتحدة قوة محصنة مخطئون.. الأحداث الجارية كشفت عن أنها ضعيفة للغاية».
وفي إشارة ضمنية إلى حرق لافتات تحمل صور قائد «فيلق القدس»؛ الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري»، قاسم سليماني، قال خامنئي إن إيران سوف ترد على قتل الولايات المتحدة سليماني في الوقت المناسب، مضيفاً أن إيران «لم تنس» الهجوم الجوي الذي قضى على سليماني بأمر من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب.
وصرح خامنئي: «يمكن مشاهدة بصمات أميركا في معظم الأحداث المعادية لإيران»، مضيفاً أن الشعب الإيراني تمكن من «إحباط
مؤامرات العدو». وقال: «لن ننسى بعض الحوادث، وسنفي بوعدنا بخصوص (...) سليماني في الوقت المناسب».
وأتت تصريحات خامنئي؛ صاحب الكلمة الفصل في السياسات العليا للبلاد، خلال استقباله تلامذة مدارس في «حسينية الخميني» التابعة لمكتبه، قبل يومين من إحياء إيران «يوم التلميذ» الذي يوافق أيضاً «يوم مقارعة الاستكبار العالمي»؛ وفق وكالة الصحافة الفرنسية، في إشارة إلى ذكرى اقتحام السفارة الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 1979.
وسار خامنئي على منوال تفسير الاحتجاجات السابقة؛ الذي طرح فيه نظرية المؤامرة ضد النظام، وقال هذه المرة إن الاحتجاجات «مخطط لها مسبقاً»، متهماً الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي تكرار لتعليقاته السابقة؛ قال الأربعاء إن «مخططهم... هدفهم، هو ضمان أن يتبعهم الشعب الإيراني ويصبح رأيه متطابقاً مع آراء القادة البريطانيين والأميركيين».
ومن المفترض أن تحشد السلطات أنصار النظام غداً في المظاهرة السنوية التي ترعاها هيئات حكومية لإحياء ذكرى اقتحام السفارة الأميركية. ومن المقرر أن يلقي الرئيس المحافظ المتشدد إبراهيم رئيسي خطاب هذا العام.
وفي تحد لتحذير قائد «الحرس الثوري» الإيراني، خاطر الإيرانيون بحياتهم وبإمكان اعتقالهم وظلوا في الشوارع على الرغم من حملة القمع الدموية. وواصل أصحاب المحال التجارية إضرابهم في سنندج ومدن كردية عدة غرب البلاد.
وتجددت التجمعات الطلابية في أنحاء البلاد. وتحدى طلاب جامعة بلوشستان انتشار القوات الأمنية، مرددين هتافات تحذر من قمع الحركة الطلابية، وفق تسجيل فيديو نشره حساب «اللجنة التنسيقية لاتحادات طلاب الجامعات الإيرانية».
وفي إشارة إلى تحضيرات ومراسم «يوم التلاميذ»، ردد طلاب كلية الطب في طهران شعار: «إيران ملطخة بالدم، والجامعات تحتفل».
- قمع المحتجين
وفي محافظة كردستان؛ احتشد الطلاب في جامعة مريوان. وفي شيراز، جنوب البلاد، نظم الطلاب تجمعاً احتجاجياً للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين. وأصدرت «جامعة خواجه نصير الصناعية» في طهران، و«جامعة رشت»؛ مركز محافظة جيلان، بيانات منفصلة تندد باعتقال الطلاب، وتطالب السلطات باحترام حق الاحتجاج. وفي وقت سابق من هذا الأسبوع؛ نشرت الاتحادات الطلابية بيانات مماثلة في العديد من الجامعات.
في غضون ذلك؛ أمرت الشرطة الإيرانية بفتح تحقيق بشأن تسجيل مصوّر يظهر عناصرها يتعرضون بالضرب المبرح لأحد المتظاهرين، وهو ما عدّت مجموعات حقوقية أنه يكشف عن مدى وحشية الشرطة في قمعها الاحتجاجات التي أثارتها وفاة أميني.
وانتشر تسجيل الفيديو في وقت متأخر الثلاثاء على وسائل التواصل الاجتماعي والتقط ليلاً بواسطة هاتف جوال في حي نازي آباد الفقير جنوب طهران. ويظهر التسجيل نحو 10 عناصر شرطة ينهالون بالضرب بالعصي والركل على شخص بينما وقف زملاء لهم على مقربة من دون أن يتدخلوا.
وحاول الشخص تغطية رأسه باستخدام يديه قبل أن يُسمع صوت إطلاق نار، لتدهسه بعد ذلك دراجة نارية تابعة للشرطة. وتُرك الرجل ممداً على الأرض من دون حراك.
وأفادت «منظمة العفو الدولية» بأن «هذا الفيديو الصادم المُرسل من طهران تذكير مروّع جديد بأن وحشية قوات الأمن في إيران لا حدود لها». وأضافت: «وسط أزمة الإفلات من العقاب، يُطلق لهم العنان لضرب المتظاهرين بوحشية وإطلاق النار عليهم»، داعية «مجلس حقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة إلى «التحقيق في هذه الجرائم على وجه السرعة».
وانتشرت على الإنترنت أيضاً مقاطع مصورة أخرى لضرب المتظاهرين، في وقت أعلنت فيه الشرطة الإيرانية في بيان أنه «أُصدر أمر خاص فوري للتحقيق في التاريخ والمكان المحددين لحدوث هذه الواقعة وتحديد المتورطين». وقال البيان؛ الذي نشرته وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»، إن الشرطة «لا توافق بتاتاً على العنف والسلوكيات غير التقليدية، وستتعامل مع المتورطين بما يتوافق مع القواعد» المعمول بها.
- بث الخوف
وذكرت «وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)» أن نحو 300 شخص قتلوا في الاضطرابات؛ بينهم 46 قاصرات. وقالت إيران إن ما لا يقل عن 36 من قوات الأمن قتلوا أيضاً.
ووفق حصيلة جديدة صدرت الأربعاء عن «منظمة حقوق الإنسان في إيران»؛ ومقرها أوسلو، قتل 277 شخصاً في الحملة الأمنية منذ اندلاع الاحتجاجات في 17 سبتمبر (أيلول) الماضي، وقُتل 101 شخص في موجة احتجاجات زاهدان بمحافظة بلوشستان (جنوبي شرق).
وحذّرت «منظمة حقوق الإنسان في إيران» بأن هذه الأرقام ليست إلا تقديرات للحد الأدنى للضحايا؛ إذ إن وصول المعلومات يعدّ بطيئاً نظراً إلى تعطيل السلطات الإنترنت.
وأُوقف آلاف الأشخاص على مستوى البلاد في الحملة الأمنية ضد الاحتجاجات، بحسب ناشطين حقوقيين، بينما لفتت السلطة القضائية في إيران إلى أنه وُجّهت اتهامات لألف شخص على صلة بما تصفها بأنها «أعمال الشغب».
وانطلقت في طهران السبت الماضي محاكمة 5 رجال وُجّهت إليهم اتهامات قد تحمل عقوبة الإعدام، على خلفية الاحتجاجات.
وقال مدير «منظمة حقوق الإنسان في إيران»، محمود أميري مقدم: «بدلاً من الموافقة على مطالب الناس القانونية، تنفذ الجمهورية الإسلامية حملة أمنية بإجراءات قمعية ومحاكمات صورية». وأضاف أن «التهم والعقوبات تفتقر إلى الصحة القانونية، وهدفها الوحيد ارتكاب مزيد من أعمال العنف لبث الخوف في المجتمع».
في السياق نفسه، قال عشرات المحامين الإيرانيين؛ في بيان، إن القضاء الإيراني «أداة قمع، وتثبيت للسلطة»، وشدد البيان على «عدم استقلالية» المسؤولين في الجهاز. وإذ انتقد البيان «تبجحات» المسؤولين القضائيين؛ قال إن «شبكة فاسدة تتحكم في مصير البلاد... الاحتجاج على الإرادة غير الشرعية وقراراتها وقوانينها حق طبيعي للناس». وانتقد هؤلاء «ولاية الفقيه المطلقة لفقيه واحد»، وقالوا إن «مشروعية أي قانون يعتمد على الرضا والإرادة العامة، ولا يحق لأي إرادة أخرى أن تقرر لهم».
ويوجه البيان تهماً للمسؤولين الإيرانيين بأنهم «يقدمون أنفسهم على أنهم يمثلون الغيب»، وبأنهم يحبسون الغالبية الشعبية بهذه «التصورات الوهمية». وعزا هؤلاء الاحتجاجات الحالية إلى هذه الأوضاع. وشدد البيان على أن الاحتجاجات «تريد أن تستعيد كرسي الحكم من الحكام الطائفيين وغير الأكفاء»؛ وفق ما نقل موقع «إيران واير» الإخباري.
وقال البيان إن المواطنين الإيرانيين «يعرفون طبيعة رجال الدين الحاكمين، ولن ينخدعوا بعد الآن بأكاذيبهم ووعودهم الملونة، ويطالبون برحيلهم بطرق وبأدبيات مختلفة». ويتفاقم التحدّي بالنسبة إلى السلطات كلما جرى إحياء ذكرى مرور 40 يوماً على وفاة شخص ما في إيران جراء القمع، مع تحول مراسم الحداد إلى بؤرة احتجاج محتملة.
واجتمع العشرات في مدينة نوشهر بمحافظة مازندران الشمالية، الأربعاء، لإحياء مراسم أربعين الشابة حنا كيا، في سياق المراسم المماثلة التي شهدتها مدن إيرانية عدة، منذ أربعين أميني الأسبوع الماضي. وردد المشاركون شعار: «هذا عام الدم... سيسقط خامنئي»، وكذلك: «يجب إسقاط حكم الملالي».
وتوجهت قوات الأمن مساء الاثنين إلى منزل الخبير الاقتصادي داود سوري واعتقلته. وأخذ الضباط جهاز اللابتوب الخاص به وهاتفه الجوال معهم. وبعد إلقاء القبض عليه، أبلغوا أسرته بأنه في سجن «إيفين»؛ وفق منشور على مواقع التواصل الاجتماعي لم تتمكن «رويترز» من التحقق منه.
وأفادت تقارير بأن السلطات اعتقلت 4 محامين في الأقل بمدينة شيراز الجنوبية، بتهمة «الدفاع عن البهائيين» و«التجمهر والتآمر ضد الأمن القومي».
ونشرت وسائل إعلام إيرانية، الأربعاء، مقطعاً مصوراً من إلقاء القبض على مغني الراب الإيراني الشهير توماج صالحي، ظهر فيه معصوب العينين ويقول إنه «لم يكن يقصد ما قاله في تعليقات سابقة تنتقد السلطات» وفق «رويترز».
وأثار الفيديو غضباً واسعاً على شبكات التواصل الاجتماعي. وأعرب ناشطون عن مخاوفهم من تعرض صالحي للتعذيب. وتظهر آثار الضرب والدماء على وجه صالحي، وكان يتحدث بصعوبة أثناء تسجيل الفيديو.
وتنتقد منظمات حقوق الإنسان الاعترافات القسرية أو الاعترافات المسجلة من هذا النوع. وكان صالحي قد اعتُقل بعد نشره مقاطع غنائية مصورة عدة دعماً للاحتجاجات.



