ليبيون يطالبون النائب العام بالتحقيق في جرائم «القتل خارج القانون»

ناشدوا السلطات منحه الدعم اللازم لفتح مزيد من «الملفات الشائكة»

الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)
الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)
TT

ليبيون يطالبون النائب العام بالتحقيق في جرائم «القتل خارج القانون»

الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)
الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

(تقرير إخباري)
دعا الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، عبد المنعم الحر، وعدد من الحقوقيين الليبيين إلى ضرورة «تقديم الدعم المالي والتقني لمكتب النائب العام، المستشار الصديق الصور، حتى يتمكن من فتح مزيد من الملفات الشائكة، وفي مقدمتها ملف ضحايا القتل خارج نطاق القانون، وملف انتهاكات أمراء الحرب ممن يملكون النفوذ والمال والسلاح».
وقال إنه «بات من السهل ملاحقة أنصار النظام السابق، باعتبارهم الحلقة الأضعف، لكن ماذا عن الأمراء من قيادات الميليشيات المسلحة الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية عبر تجارتهم المحرمة بالبشر والسلاح والمخدرات؟ وماذا أيضاً عن ملاحقة من قدموا الدعم لتنظيم (داعش) خلال فترة سيطرته على بعض المدن الليبية، سواء كانوا شخصيات سياسية، وقوى عسكرية ورجال دين وإعلام؟».
وجاءت هذه الدعوات بفضل اكتساب النائب العام، منذ تعينه قدراً واضحاً من المصداقية لدى الأوساط العامة؛ بسبب نأيه عن الصراعات والاصطفاف السياسي، وفتح القضايا المتعلقة بالمحافظة على الأموال الليبية، والأوضاع المعيشية للمواطنين.
وهو ما بدا جلياً بعد صدور تقرير ديوان المحاسبة الليبي هذا العام، والذي تضمن الكشف عن مخالفات في ملف البعثات الليبية بالخارج، ترجمته النيابة العامة لقرارات متلاحقة بالتحقيق، وسجن عدد كبير من المسؤولين الحاليين والسابقين في تلك البعثات.
في هذا السياق، سلط الضوء على إشادة أغلب المنظمات الحقوقية بقرار المستشار الصور، المتعلق بقضايا «المقابر الجماعية» في ترهونة (جنوب شرقي طرابلس).
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «القرار يؤكد وقوع تلك الجرائم بين عامي 2013 و2020، وهو ما يعني عدم توجيه الاتهام والمسؤولية لميليشيا (الكانيات) وحدهم، بل لكل القوى العسكرية والسياسية، التي شاركت بدعم تلك الميليشيا بشكل مباشر أو غير مباشر، أو مهدت البيئة لارتكاب تلك الجرائم».
مشيراً إلى التعامل الإيجابي لمكتب النائب العام مع المنظمات الحقوقية، واستجابته لكثير من مطالب الأخيرة، بفتح بعض السجون أمام الزيارات، والتحقيق في قضايا مقتل مدنيين خلال الصراعات المسلحة، والاهتمام بمحاكمة عناصر(داعش)، ومتابعة تسلم وتسليم ذويهم من دول الجوار، والإفراج عن المهاجرين غير الشرعيين في سجون وزارة العدل والمساهمة في ترحيلهم.
من جهته، رأى عضو مجلس النواب الليبي، صالح إفحيمة، أن النائب العام «ترك بصمة إيجابية واضحة في المؤسسة القضائية، بفضل عدم انحيازه لأي جهة أو تيار سياسي، على الرغم من كونه ليس استثناء من التعرض للتوازنات التي تحكم المشهد العام، والتي تجعله في مرمى ضغوط عدة».
لافتاً إلى «وجود دور واضح من النيابة العامة في التصدي لجرائم الفساد، ونهب المال العام».
لكنه اعترض في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على ما وصفه «بعدم التوضيح الكافي لنتائج بعض التحقيقات المتعلقة بوجود شبهات فساد في وزارات التعليم والصحة والثقافة بحكومة (الوحدة الوطنية)، والتي جرى خلال نهاية العام الماضي ومطلع العام الحالي استدعاء شاغليها للتحقيق معهم، بل والدفع بهم للسجون على خلفية ما وُجه إليهم من اتهامات تدرجت بين الفساد والإهمال. لكن تم الإفراج عن هؤلاء الوزراء ومساعديهم، وعاد بعضهم لممارسة مسؤولياته الرسمية، دون وجود توضيح كافٍ لما حدث..على الرغم من أن هذه قضايا مهمة وتتعلق بنهب أموال الليبيين، ولا بد من كشف ملابساتها، ولا تقل أهمية عما كشفه النائب العام بشأن الأرقام الوطنية، والبطاقات الانتخابية المزورة، التي ترتبط بقضية سياسية وهي الانتخابات».
من جانبه، رأى عضو مجلس النواب، عبد السلام نصية، أن «الاستحسان الذي يحصده المستشار الصور، لا يعود لخبرته القضائية، بل لجهوده في فرض القانون، ومكافحة تفشي الجريمة والحد من الاعتداء على المال العام والخاص، إلى جانب قضايا أخرى تمس حياة المواطن اليومية».
مبرزاً أن ما يقوم به «بات عاملاً محفزاً لباقي الأجهزة الرقابية والضبطية على القيام بمهامها».
ومن بين هذه الجهود التي لاقت استحسان الشارع الليبي، تفاعل النائب العام مع مخاوف المواطنين قبل شهرين، إثر الحديث عن احتواء الدقيق والخبز على مادة مسرطنة، حيث وجه بإرسال عينات من المخابز لفحصها في معامل بألمانيا للتأكد من صلاحيتها، كما أحال عدداً من الموظفين والمدرسين إلى التحقيق الإداري، على خلفية تسرب أسئلة امتحان للثانوية العامة بإحدى اللجان.
أما الناشط الحقوقي، طارق لملوم، فدعا النائب العام للتحرك العاجل بالتحقيق «في قضايا القتل خارج نطاق القانون»، واصفاً إياها بـ«الجريمة الأبرز في السنوات الأخيرة».
وقال لملوم، الذي يترأس منظمة «بلادي لحقوق الإنسان»، لـ«الشرق الأوسط»: «إن تلك الجريمة حصدت كثيراً من أرواح الليبيين والمهاجرين وطالبي اللجوء، ويجب تحديد هوية الجناة بها، وخصوصاً أن بعض هؤلاء يعملون مع الأسف إما مع السلطات المحلية أو موالٍ لها».


مقالات ذات صلة

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

شمال افريقيا «ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

حلت نجلاء المنقوش، وزيرة الشؤون الخارجية الليبية، أمس بتونس في إطار زيارة عمل تقوم بها على رأس وفد كبير، يضم وزير المواصلات محمد سالم الشهوبي، وذلك بدعوة من نبيل عمار وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج. وشدد الرئيس التونسي أمس على موقف بلاده الداعي إلى حل الأزمة في ليبيا، وفق مقاربة قائمة على وحدتها ورفض التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية. وأكد في بيان نشرته رئاسة الجمهورية بعد استقباله نجلاء المنقوش ومحمد الشهوبي، وزير المواصلات في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، على ضرورة «التنسيق بين البلدين في كل المجالات، لا سيما قطاعات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والأمن».

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

أكدت السعودية أمس، دعمها لحل ليبي - ليبي برعاية الأمم المتحدة، وشددت على ضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، حسبما جاء خلال لقاء جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا ورئيس البعثة الأممية فيها. وتناول الأمير فيصل في مقر الخارجية السعودية بالرياض مع باتيلي سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، والجهود الأممية المبذولة لحل الأزمة. إلى ذلك، أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، فيما شهدت طرابلس توتراً أمنياً مفاجئاً.

شمال افريقيا ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

فتحت الانشقاقات العسكرية والأمنية التي عايشتها ليبيا، منذ رحيل نظام العقيد معمر القذافي، «بوابة الموت»، وجعلت من مواطنيها خلال الـ12 عاماً الماضية «صيداً» لمخلَّفات الحروب المتنوعة من الألغام و«القنابل الموقوتة» المزروعة بالطرقات والمنازل، مما أوقع عشرات القتلى والجرحى. وباستثناء الجهود الأممية وبعض المساعدات الدولية التي خُصصت على مدار السنوات الماضية لمساعدة ليبيا في هذا الملف، لا تزال «قنابل الموت» تؤرق الليبيين، وهو ما يتطلب -حسب الدبلوماسي الليبي مروان أبو سريويل- من المنظمات غير الحكومية الدولية العاملة في هذا المجال، مساعدة ليبيا، لخطورته. ورصدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في تقر

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

أكدت السعودية دعمها للحل الليبي - الليبي تحت رعاية الأمم المتحدة، وضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، وجاءت هذه التأكيدات خلال اللقاء الذي جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. واستقبل الأمير فيصل بن فرحان في مقر وزارة الخارجية السعودية بالرياض أمس عبد الله باتيلي وجرى خلال اللقاء بحث سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، إضافة إلى استعراض الجهود الأممية المبذولة لحل هذه الأزمة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا «الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

«الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي، عن دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية (غرب البلاد) في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، وذلك في ظل توتر أمني مفاجئ بالعاصمة الليبية. وشهدت طرابلس حالة من الاستنفار الأمني مساء السبت في مناطق عدّة، بعد اعتقال «جهاز الردع» بقيادة عبد الرؤوف كارة، أحد المقربين من عبد الغني الككلي رئيس «جهاز دعم الاستقرار»، بالقرب من قصور الضيافة وسط طرابلس. ورصد شهود عيان مداهمة رتل من 40 آلية، تابع لـ«جهاز الردع»، المنطقة، ما أدى إلى «حالة طوارئ» في بعض مناطق طرابلس. ولم تعلق حكومة عبد الحميد الدبيبة على هذه التطورات التي يخشى مراقبون من اندلاع مواجهات جديدة بسببها،

خالد محمود (القاهرة)

هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
TT

هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)

تسارعت التحركات الأميركية، على أكثر من مستوى، في الملف الليبي، عقب صدور التوصيات النهائية لـ«الحوار المهيكل»، برعاية أممية، مطلع الأسبوع الماضي، مما أثار تساؤلات في الأوساط السياسية حول ما إذا كانت واشنطن قد بدأت فعلياً التمهيد لتنفيذ مبادرة تُنسب إلى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، وتهدف إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية في بلد يعيش انقساماً سياسياً ومؤسسياً منذ عام 2011.

برنت ورئيس أركان الجيش الوطني خالد حفتر في لقاء بمدينة بنغازي الثلاثاء الماضي (السفارة الأميركية)

وتقوم المبادرة -وفق ما يُتداول في الأوساط الليبية منذ أشهر ولم ينفه أي طرف ولا حتى الجانب الأميركي- على بناء تفاهمات بين سلطتي الشرق والغرب عبر صيغة جديدة لتقاسم السلطة، تتضمّن تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

مؤشرات على قرب تنفيذ المبادرة

يرى رئيس حزب الكرامة الليبي، الدكتور يوسف الفارسي، أن التحركات الدبلوماسية الأميركية من جانب القائم بالأعمال في ليبيا، جيريمي برنت، بين طرابلس وبنغازي خلال الأيام القليلة الماضية تُعطي مؤشرات على أن «تنفيذ المبادرة بات أقرب من أي وقت مضى»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن واشنطن تعمل بالتوازي على المسارَين العسكري والاقتصادي لتهيئة الأرضية المناسبة لأي تسوية سياسية محتملة.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

على المستوى العسكري، التقى القائم بالأعمال الأميركي كلاً من رئيس أركان قوات حكومة الوحدة في غرب ليبيا، الفريق أول صلاح الدين النمروش، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي. كما عقد اجتماعاً مع رئيس أركان الجيش الوطني في شرق ليبيا، الفريق أول خالد حفتر. وركزت اللقاءات على تطوير التعاون العسكري، ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية، وتعزيز بناء القدرات المهنية للقوات المسلحة الليبية.

مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه خلال إعلان توصيات «الحوار المهيكل» في طرابلس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

وينظر مراقبون إلى هذه اللقاءات بوصفها حلقة جديدة في مسار أميركي متدرج بدأ خلال الأشهر الماضية، عبر خطوات دعّمتها واشنطن لبناء جسور تواصل بين مؤسسات الشرق والغرب، تمهيداً لتقليص الانقسام القائم. وشمل ذلك جمع عسكريين من شرق ليبيا وغربها في مناورات «فلينتلوك»، التي استضافتها مدينة سرت في أبريل (نيسان) الماضي، فضلاً عن رعاية اتفاق الإنفاق والميزانية الموحدة بين السلطتَين في بنغازي وطرابلس في الشهر ذاته، في خطوة عُدّت سابقة لم تشهدها البلاد منذ 13 عاماً من الانقسام المؤسسي.

وفق هذا التقدير أيضاً، شملت لقاءات برنت في بنغازي (شرق) مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر، والمدير العام للجهاز الوطني للتنمية محمود الفرجاني، حيث تركزت المحادثات على تنفيذ اتفاقية الميزانية الموحدة، وتشجيع الاستثمارات الأميركية، وضمان توزيع الإنفاق التنموي على مختلف المناطق الليبية.

كما سجل تعزيز التعاون الليبي مع الشركات الأميركية العاملة في قطاع النفط جانباً مهماً من جولة برنت، ضمن لقائه مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، حيث بحثا سبل زيادة الإنتاج النفطي وحماية البنية التحتية للطاقة.

تحديات سياسية معقّدة

هذا التحرك الأميركي متعدد المسارات، الذي انطلق منذ منتصف الأسبوع الماضي ولا يزال مستمراً، لا يراه مراقبون معزولاً عن نتائج «الحوار المهيكل»، التي تضمنت مقترحات لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية عبر تشكيل مجلس رئاسي جديد، يضم رئيساً ونائبين، إلى جانب تشكيل حكومة جديدة تحت اسم «حكومة الاستحقاق الوطني» برئاسة رئيس حكومة وثلاثة نواب، يمثلون الأقاليم التاريخية الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان).

ومع ذلك فإن الطريق لا يزال يواجه تحديات سياسية معقدة، حسب محللين، وقال الناشط الليبي، عمر بوسعيدة، إن المبادرة تواجه داخل طرابلس «تداخلاً في أجندات قوى إقليمية تستخدم حلفاءها المحليين لعرقلة أي ترتيبات جديدة لتقاسم السلطة»، لافتاً إلى أن «الاختبار الحقيقي للمبادرة يتمثّل في القدرة على إنتاج جسم تنفيذي موحّد يحظى بقبول الأطراف الرئيسية».

وبالنسبة إلى رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا»، أشرف بلها، فإن «المبادرة لا تزال بحاجة إلى معالجة عدد من الملفات الخلافية، وفي مقدمتها معايير اختيار الحكومة المقبلة، وتوزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية الجديدة، وهي قضايا لم تصل الأطراف الليبية بعد إلى توافق نهائي بشأنها».

واستبعد بلها، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إمكانية التوصل إلى تفاهمات ليبية واسعة من دون ضغوط دولية مؤثرة، مستشهداً بتجربة ملتقى الحوار السياسي، الذي رعته الأمم المتحدة في جنيف بقيادة المبعوثة الأممية السابقة، ستيفاني ويليامز، وأسفر عن تشكيل السلطة التنفيذية الحالية بعد توافقات دعمتها قوى دولية فاعلة.

وفي هذا السياق، قال رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا» إن واشنطن تسعى حالياً إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التوافق بين المبادرة الأميركية ومسار الأمم المتحدة، مشيراً إلى معلومات متداولة بشأن جهود لعقد اجتماع دولي في النرويج، خلال الفترة المقبلة، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية لدعم هذا المسار.

وقبل جلسة مقررة لمجلس الأمن الشهر الحالي تعرض خلالها تيتيه نتائج «الحوار المهيكل»، أكد بولس عقب لقائه مبعوثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، الجمعة، أن جهود بلاده في توحيد السلطتَين «تتكامل» مع خريطة طريق بعثة الأمم المتحدة ومخرجات الحوار، بما يضمن عملية سياسية يقودها الليبيون لتحديد مستقبل بلادهم.

من جلسة سابقة لمجلس الأمن حول الأزمة الليبية (المجلس)

وهنا يرى الفارسي أن حديث بولس عن تكامل الجهود الأميركية مع خريطة الطريق، التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لا ينفي، في رأيه، أن واشنطن تمثّل القوة الدولية الأكثر تأثيراً في دفع هذا المسار، مشيراً إلى أن التحركات الأممية تحظى بدعم أميركي واضح.

ومع هذا فإن المبادرة الأميركية قد لا تستهدف من منظور باحثين إنهاء الأزمة الليبية بصورة نهائية، بقدر ما تسعى إلى إعادة تنظيم موازين القوى وإدارة الانقسام القائم عبر أدوات سياسية ومؤسسية متدرجة.

ووفق تقدير الباحث في الشؤون الأفريقية، عبد الله فارس القزاز، في دراسة نشرها «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» فإن واشنطن «تبدو منشغلة ببناء إطار أكثر استقراراً لإدارة الدولة الليبية وتوحيد مؤسساتها أكثر من انشغالها بفرض تسوية نهائية شاملة في المدى القريب».

Your Premium trial has ended


أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
TT

أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)

تتجه «الحركة المدنية الديمقراطية»، التي تعد أكبر تجمع لأحزاب وشخصيات عامة معارضة في مصر، نحو اتخاذ إجراءات من شأنها إعادة هيكلة تنظيمها، بعد انتقادات لاذعة طالتها مؤخراً على خلفية دفاعها عن أحد قياداتها بعد تحرك جهات تنفيذية لهدم قصر قام ببنائه على النيل بالمخالفة للقوانين الحكومية.

وتحاول «الحركة المدنية» إنعاش حضورها السياسي في أعقاب الأزمة الأخيرة. وبحسب قيادات داخلها تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن اجتماعاً انعقد، مساء الجمعة، قررت فيه الحركة تشكيل لجنة لإعادة «الهيكلة»، تتولى فحص ودراسة جميع المقترحات المقدمة من داخل وخارج الحركة لتطوير وتجديد أدائها السياسي والتنظيمي، مشيرين إلى أن تلك الإجراءات بمنزلة مقدمة لـ«تصحيح المسار».

وأصدر التكتل المعارض الذي تشكل في عام 2017، بياناً نهاية الشهر الماضي، أعلن فيه رفضه قيام الحكومة بهدم قصر على النيل مملوك لرئيس حزب «المحافظين» رجل الأعمال أكمل قرطام، حيث ربطت «الحركة» قضية القصر، الذي قالت الحكومة إنه خالف إجراءات البناء، بقضايا جماهيرية عامة؛ ما أثار انتقادات واسعة، واضطرت الحركة لاحقاً إلى الاعتذار، وسحب البيان.

ولم تكن هذه هي الأزمة التي مرت بها «الحركة المدنية» خلال العامين الماضيين؛ حيث شهدت تباينات وخلافات في أثناء الإعداد للمشاركة في اقتراعات سياسية مهمة في مقدمتها انتخابات الرئاسة المصرية الأخيرة في عام 2024، وانتخابات البرلمان (مجلسي النواب والشيوخ) العام الماضي، وبدت غير قادرة على أن تكون متماسكة داخلياً.

اجتماع سابق لمجلس أمناء الحركة المدنية (صفحة الحركة على فيسبوك)

وأكد المتحدث الإعلامي باسم «الحركة المدنية» وليد العماري، أن اللجنة التي تم إسناد رئاستها إلى منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» (أحد أحزاب الحركة) أكرم إسماعيل، سترسل نتائجها والرؤية التي ستضعها خلال أسبوعين إلى جميع الأحزاب المكونة للحركة لدراستها، واستطلاع رأي قواعدها الحزبية، تمهيداً لاتخاذ القرارات النهائية خلال اجتماع سيُعقد بعد 3 أسابيع.

وقال العماري لـ«الشرق الأوسط» إن «المحاور العامة لعمل اللجنة، تتلخص في التوسع لضم شخصيات عامة جديدة من أجيال مختلفة، وإفساح المجال للقيادات الشابة، واستعادة التواصل مع الجماهيىر ليس فقط في العاصمة، بل من خلال أنشطة متنوعة بالمحافظات».

وبحسب العماري، تجري الحركة «نقداً ذاتياً لتقييم أدائها خلال المرحلة الماضية، وتدارك الأخطاء وإجراء مراجعة شاملة»، مؤكداً أنه «من بين المقترحات التي سوف تناقشها اللجنة ما يتعلق بدور مجلس الأمناء (أعلى سلطة تنظيمية بالحركة)، حيث يوجد اقتراح بإلغائه، والبحث عن تشكيل تنظيمي مختلف، بينما يذهب رأي آخر إلى الإبقاء عليه على أن يكون رأيه استشارياً».

وتضم «الحركة المدنية» عدداً من الشخصيات العامة البارزة إلى جانب أحزاب (الدستور، والكرامة، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والمحافظين، والعربي الديمقراطي الناصري، والعيش والحرية «تحت التأسيس») وشهدت المرحلة الماضية خلافات داخلية، أعقبها إعلان أحزاب «المصري الديمقراطي الاجتماعي» و«الإصلاح والتنمية»، و«العدل» تجميد عضويتها بالحركة، وعقب أزمة «قصر قرطام» أعلن حزب «العدل» انسحابه الكامل من الحركة.

وأكد منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» أكرم إسماعيل، أن هدف اللجنة «تصحيح مسار الحركة، وإعادة تجديد الدماء»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «اللجنة بدأت تلقي المقترحات من داخل وخارج الحركة لبلورة رؤية للمرحلة المقبلة، تنطلق من عدة محاور، منها تصعيد القيادات الشبابية لضخ دماء جديدة، والبحث عن ضم شخصيات جديدة مرتبطة بالحركة الاجتماعية والنقابية، والنزول للجماهير لاستعادة دور الحركة بالشارع للتعبير عن القضايا المجتمعية التي تهم الناس».

وتحدث إسماعيل عن موقف الأحزاب المنسحبة من الحركة، مؤكداً أن «الرؤية الجديدة لتطوير أداء الحركة لن تتضمن أي محاولات لإعادة التواصل مع الأحزاب المنسحبة».

جانب من المؤتمر الاقتصادي الذي عقدته الحركة المدنية مطلع الشهر الماضي (صفحة الحركة على فيسبوك)

لكن الخبير في الشؤون السياسية والبرلمانية، نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو هاشم ربيع، لا يتفاءل بشأن مستقبل الحركة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «ما دامت الوجوه نفسها موجودة فلن يكون هناك جديد، وستتم إعادة إنتاج الأفكار نفسها، فإعادة الهيكلة لن تكفي»، حسب رأيه.

واستطرد قائلاً: «ربما ضخ دماء شبابية جديدة يمكن أن يؤدي إلى استعادة الحركة لدورها السياسي وتطويره، وسيظل مستقبل الحركة مرهوناً بقدرتها على مواجهة التحديات الداخلية وتوحيد الرؤى، والتركيز على قضايا سياسية نوعية، مثل ملف حقوق الإنسان، وإذا حدث ذلك فربما تستعيد الحركة زخمها السياسي».

لكن أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، القيادي بالحركة، الدكتور مصطفى كامل السيد، أكد أن «المرجعات التي تقوم بها الحركة هدفها تدارك الأخطاء السابقة والاستفادة منها مستقبلاً»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «أبرز الأخطاء التي ارتكبتها الحركة سابقاً، فكرة المركزية الديمقراطية، حيث من المفترض أنه عندما يتم اتخاذ قرارات بالتصويت عقب نقاشات بين الأحزاب أن يلتزم الجميع برأي الأغلبية، لكن هذا لم يكن يحدث».

وبحسب السيد، تحتاج الحركة إلى «البحث عن آليات جديدة، وابتكار أساليب مختلفة للتواصل مع الجماهير، مثل الأنشطة الفنية والعلمية، فالعمل السياسي ليس مجرد بيانات».


حرب السودان تُهدد ذاكرة 5 قرون و30 مليون وثيقة

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
TT

حرب السودان تُهدد ذاكرة 5 قرون و30 مليون وثيقة

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)

بالقرب من القيادة العامة للجيش في العاصمة السودانية الخرطوم، تقبع ملايين الوثائق التي تؤرخ لأكثر من 5 قرون من تاريخ السودان داخل مبنى «دار الوثائق القومية»، وسط ظروف قاسية فرضتها الحرب، بعدما أحاطت بها أكوام الركام والغبار، وأصبحت مهددة بالتلف نتيجة الأضرار الواسعة التي لحقت بالمبنى.

وكانت «دار الوثائق القومية» قد وقّعت تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، وشهد محيطها مواجهات عسكرية عنيفة تركت آثاراً واضحة على المبنى المؤلف من 4 طوابق، من حريق ودمار وأضرار هيكلية لا تزال شاهدة على حجم المعارك التي دارت في المنطقة.

وتضم الدار أكثر من 30 مليون وثيقة تاريخية، جرى جمعها منذ عام 1505، وتُمثل سجلاً متكاملاً لتاريخ السودان السياسي والإداري والاجتماعي. وعلى الرغم من نجاة الجزء الأكبر من هذه الوثائق من النيران التي طالت أجزاء واسعة من المبنى، فإن بقاءها داخل بيئة متضررة وغير مهيأة للحفظ يُهدد سلامتها على المدى الطويل.

أرشيف الصحافة السودانية في «دار الوثائق» عليه آثار الغبار (الشرق الأوسط)

وقالت مديرة دار الوثائق القومية، الدكتورة نجوى محمود، لـ«الشرق الأوسط»، إن غالبية محتويات الدار نجت من الحرائق التي صاحبت الحرب، إلا أن استمرار وجودها داخل مبنى متضرر قد يؤدي إلى إتلاف الوثائق والمخطوطات القديمة، لا سيما تلك التي تعاني أصلاً الهشاشة والتقادم.

وأشارت إلى أن الأرشيف الإلكتروني للدار تعرّض للفقدان، موضحة أن الإدارة أعدّت خطة للتحول الرقمي تبدأ فور الانتهاء من عمليات تنظيم وترتيب الوثائق، وأضافت: «خاطبنا وزارة الاتصالات والجهات الحكومية ذات الصلة لتقديم الدعم اللازم لتنفيذ الخطة، بما يضمن حماية هذا الإرث الوطني من المخاطر المستقبلية».

وبعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على ولاية الخرطوم في مارس (آذار) 2025، أصدرت الحكومة قراراً يقضي بنقل عدد من المؤسسات الحكومية من وسط العاصمة، وشمل القرار دار الوثائق القومية.

وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة نجوى محمود أن إدارة الدار تقدّمت بطلب إلى مجلس الوزراء لاستثنائها من قرار النقل، مؤكدة أن المبنى الحالي شُيّد وفق مواصفات ومعايير خاصة لحفظ الوثائق التاريخية والأرشيف الوطني. وقالت إن نقل أكثر من 30 مليون وثيقة يمثل تحدياً لوجستياً كبيراً، ويتطلب توفير مقر بديل يتمتع بالمواصفات الفنية نفسها التي تضمن الحفاظ على الوثائق من التلف والعوامل البيئية المختلفة.

مدير الإدارة العامة للتوثيق بالدار محمد يوسف متحدثاً لــ«الشرق الأوسط»

من جانبه، أعرب مدير الإدارة العامة للتوثيق بالدار، محمد يوسف، عن مخاوفه من الأضرار التي قد تتعرض لها الوثائق مع اقتراب موسم الأمطار، مشيراً إلى أن القذائف التي أصابت المبنى خلّفت فتحات واسعة في الأسقف، ما قد يسمح بتسرب مياه الأمطار إلى القاعات وغرف الحفظ.

وقال إن الدار ترتبط بمذكرات تفاهم مع مؤسسات أرشيفية في عدد من الدول العربية والأفريقية، لافتاً إلى وجود وثائق سودانية مهمة محفوظة في «دار الوثائق المصرية»، إضافة إلى أرشيفات أخرى لدى جامعة الدول العربية، خصوصاً في أقسام التوثيق والأرشفة.

وثائق على الأرض

وفي جولة داخل المبنى، تبدو آثار الحرب حاضرة في كل زاوية، فالمخطوطات القديمة المبعثرة على الأرض توثق مراحل مختلفة من تاريخ السودان، في حين تنتشر صور لزعماء تعاقبوا على حكم البلاد منذ الاستقلال، إلى جانب وثائق تعود إلى حقبة الدولة المهدية وفترة الحكم الثنائي البريطاني - المصري، فضلاً عن أرشيف ضخم للصحافة السودانية يمتد لعقود طويلة. أما الطابق الأرضي، الذي كان يضم معامل متخصصة وعشرات أجهزة الحاسوب، فقد تعرض للنهب الكامل، حسب مسؤولين في الدار. ومع ذلك، ما زال آخر كتاب خضع لعملية الرقمنة قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب محفوظاً في مكانه، في مشهد يُجسد المفارقة بين ما نجا وما فُقد من ذاكرة البلاد.

ورغم حجم التحديات التي تواجه المؤسسة، فإن المسؤولين فيها يتمسكون بالأمل في الحصول على موافقة حكومية تسمح ببقائها في مقرها الحالي، والعمل على تنفيذ خطط لإعادة تأهيل المبنى، واستعادة دوره في حفظ الذاكرة الوطنية للسودان.

آخر كتاب تمت أرشفته إلكترونياً قبل اندلاع الحرب بأيام قليلة (الشرق الأوسط)

وتعود جذور «دار الوثائق القومية» إلى عام 1916، حين كانت إدارة الوثائق الرسمية تتم عبر مكتب الحاكم العام للسودان، بمشاركة السكرتيرين المالي والقضائي والإداري، الذين تولوا حفظ الوثائق الصادرة عن مؤسسات الدولة آنذاك.

وفي عام 1965، صدر قانون «دار الوثائق القومية»، الذي منحها صفة قومية واعتبارية مستقلة، وأسند إليها مسؤولية حفظ وإدارة الوثائق الرسمية التي تنتجها مؤسسات الدولة، إلى جانب الوثائق الأهلية والخاصة ذات القيمة التاريخية، لتصبح الحارس الرسمي للذاكرة الوطنية السودانية.