«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (3-3): «الزمن الجميل» يرسم صورة «الرئيس الأرستقراطي» المتأرجح بين التقليد والحداثة

فاليري جيسكار ديستان «بخيل» أحب النساء وصيد الحيوانات الكاسرة

الرئيس ديستان مع زوجته أنيمون سوفاج دو برانت (غيتي)
الرئيس ديستان مع زوجته أنيمون سوفاج دو برانت (غيتي)
TT

«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (3-3): «الزمن الجميل» يرسم صورة «الرئيس الأرستقراطي» المتأرجح بين التقليد والحداثة

الرئيس ديستان مع زوجته أنيمون سوفاج دو برانت (غيتي)
الرئيس ديستان مع زوجته أنيمون سوفاج دو برانت (غيتي)

في عام 2009، نشر الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان، كتاباً بعنوان «الرئيس والأميرة» يروي فيه قصة علاقة حب جمعت بين رئيس فرنسي وأميرة بريطانية. والكتاب أحدث ضجة لا مثيل، خصوصاً في الجانب البريطاني، حيث إن ما جاء في كتاب جيسكار عن الأميرة البريطانية يؤشر وبشكل واضح إلى أن المعنية بالقصة ليست سوى الأميرة ديانا سبنسر، زوجة الأمير تشارلز.
في رواية الرئيس الأسبق، اسم الأميرة باتريسيا دو كارديف والرئيس الفرنسي هنري لامبرتي. ويتحدث الراوي عن لقاء الأميرة والرئيس بمناسبة عشاء رسمي جرى في قصر باكنغهام، بمناسبة قمة السبع في عام 1975 «التي تصادف الفترة التي كان فيها جيسكار رئيساً للجمهورية الفرنسية»، وتتوالى اللقاءات في القصور الرسمية من الجانبين، الملكية في بريطانيا والرئاسية في فرنسا.

                                                            خلال سنوات الحرب العالمية الثانية (غيتي)
ومنذ الصفحات الأولى، يوحي جيسكار بأنه، من جهة، بطل الرواية، وأن المقصود من الجهة الثانية الأميرة ديانا التي لم تكن في ذلك التاريخ قد انفصلت عن زوجها، إذ إن طلاقهما قد حصل في شهر أغسطس (آب) من عام 1992، وما زاد من حيرة المتابعين أن المؤلف أشار إلى أن الرواية «إيفاء لوعد» مقطوع، ولكن من غير أن يفصل طبيعته ومناسبته. وكان التساؤل من على جانبي بحر المانش: هل وجدت، حقيقة، علاقة حب بين الأميرة الشابة والرئيس الأرستقراطي؟ وخلال أيام عديدة، التزم جيسكار الصمت. إلا أنه أخيراً، فاح بالمكنون بقوله إن الرواية من نسج الخيال، ولكن الأماكن التي جاء على وصفها حقيقية.
وأوضح في مقابلة مع مجلة «لو بوان»: «إنها رواية وشخصيتها الرئيسية الأميرة ديانا، وحاولت إحياءها كما رأيتها عند لقائي بها. لكنني التقيتها قليلاً، وكانت ترغب بأن تتحدث وتتواصل، ولذا أردت من روايتي أن تكون تكريماً لها». وأضاف جيسكار أنه التزم إزاءها بأن يروي قصص حب بين قادة ومسؤولي كبار الدول. هل كان صادقاً، أم اختلق القصة من البداية حتى النهاية، بحثاً، ليس عن الشهرة التي لم يكن يحتاج إليها، بل عن العودة إلى دائرة الضوء من غير باب السياسة بل الأدب. وكانت رواية «الرئيس والأميرة»، وهي الثانية التي ينشرها، طريقه إليها.
ومأساة جيسكار أنه فشل في الفوز بولاية رئاسية ثانية في عام 1981، وكان لا يزال شاباً وأراد ألا يترك السياسة. لذا، خاض الانتخابات النيابية في الدائرة التي مثلها في بداية شبابه، وانخرط في العمل السياسي المحلي، وجرب الأدب. ولأنه لعب دوراً مهماً مع المستشار الألماني هلموت شميت في دفع الاتحاد الأوروبي إلى الأمام، وإطلاق مجموعة السبع للدول الصناعية الكبرى، فقد بقي مرجعاً. إلا أن ذلك لم يكن يكفيه لفرط ديناميته ورغبته في العمل.

                                                                       الرئيس فاليري جيسكار ديستان
هكذا كان جيسكار ديستان، الذي خصص له فرانز أوزليفيه جيزبير، العديد من صفحات كتابه «الزمن الجميل». جيزبير رأى فيه الرجل الأرستقراطي، المفرط في الذكاء. ونقل عن رسالة وجهها الجنرال ديغول الذي عين جيسكار وزيراً للمالية في حكومات عديدة، إلى ابنه الأميرال فيليب جاء فيها: «جيسكار يتخطى الجميع بأشواط. لكن عيبه أنه يظهر ذلك. والحال أنه عندما تكون لنا مثل هذه الهامة، علينا أن نوهم الناس دوماً بأنهم يتمتعون بالدرجة نفسها من الذكاء». الذكاء لم يكن عيب جيسكار الذي بفضل ذكائه كان أصغر سياسي وصل إلى البرلمان وإلى الوزارة وإلى رئاسة الجمهورية «باستثناء الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون».
بيد أن عيب جيسكار أنه كان بالغ البخل. وفي هذا الخصوص يقول جيزبير: «جيسكار كان ممسك اليد حتى عندما شغل أعلى المناصب، بما في ذلك قصر الإليزيه. الأمر الذي كان موضع تندر عند معاونيه. نادراً ما امتدت يده إلى جيبه إلا عندما كان الأمر يتعلق بشغفه بالصيد. عندها تسقط كافة الحسابات». ويسرد جيزبير أن الطبق اليومي للعائلة في القصر الذي كانت تسكنه أسرة جيسكار، كان الحساء الذي يصنع مما تنتجه مزرعة الخضار التابعة للقصر. والحال أن جيسكار ولد وفي فمه ملعقة من الفضة. ويسرد جيزبير تمسك جيسكار بإبراز أصله النبيل، وكيف أنه، من بين كافة رؤساء الجمهورية الخامسة، وحده يتحدر من عائلة أرستقراطية، لا بل تجري في عروقه دماء ملكية من خلال أدلاييد دو سان جيرمان، الابنة غير الشرعية للملك لويس الخامس عشر ولعشيقته كاترين ليونور بينارد.

                                                   ديستان مع الأميرة الراحلة دايانا في العام 1994 (غيتي)
ولا ينسى الكاتب أن يذكر أن والده أدمون جيسكار نجح في عام 1922 أن يضيف إلى اسم عائلته اسم «ديستان» للتأكيد على نسبه الأرستقراطي. وكيف أنه بالتعاون مع أخيه أوليفيه، وابن عمه فيليب، اشتروا «قصر ديستان» القائم في منطقة أفيرون جنوب غربي فرنسا، وقد سكنه في القرن الثالث عشر تريستان ديستان، الذي أنقذ الملك فيليب أوغوست من الموت، في معركة «بوفين» بين الفرنسيين، وقوات مشتركة ألمانية وإنجليزية وهولندية.
ومن أجداد جيسكار، شارل هنري ديستان الذي شارك إلى جانب لافاييت، في حرب استقلال الولايات المتحدة الأميركية عن الإمبراطورية البريطانية، ورقي إلى مرتبة أميرال في البحرية الفرنسية، قبل أن يقاد إلى المقصلة بعد الثورة الفرنسية.
وكما أن جيسكار أرستقراطي النسب، كذلك زوجته أنيمون سوفاج دو برانت، ابنة أرستقراطيين يحملان كلاهما لقب «كونت» و«كونتيس»، وهي التوصيفات الموروثة من العهد الملكي. تعرف إليها جيسكار، وكانت في سن الـ18 عاماً. وسريعاً تزوجا وعاشا معاً طيلة 68 عاماً، برغم الشائعات التي سرت عن مغامرات الرئيس خارج بيت الزوجية، بما في ذلك خلال إقامته في قصر الإليزيه.

                                                          ديستان مع الزعيم السوفياتي ليونيد برجنيف (غيتي)
وعام انتخابه رئيساً، نشرت صحيفة «لو كنار أونشينيه» الأسبوعية الساخرة خبراً مفاده أن جيسكار، بعد فترة قصيرة من انتخابه، حصل له حادث سير صباحي في باريس عندما كان يقود سيارة فيراري يملكها المخرج السينمائي روجيه فاديم، الذي جعل من بريجيت باردو بطلة لأفلامه. والمفاجأة أن جيسكار لم يكن وحده، إذ كانت إلى جانبه امرأة قيل وقتها إنها الممثلة مارلين جوبير، ليتبين لاحقاً أنها كاترين شنيدر، ابنة عم زوجته أنيمون. وتفيد معلومات أخرى بأن جيسكار ارتبط بعلاقة مع الممثلة الهولندية سيلفيا كريستيل، بطلة أفلام «إيمانويل» الجنسية التي انتشرت على نطاق واسع في سبعينات القرن الماضي.
وبعد أن منع الفيلم الأول من العرض في الصالات الفرنسية، سمح به لاحقاً بعد تدخل عالي المستوى، والأرجح من جانب جيسكار. كذلك، فإن الصحافي الفرنسي نيكولا بوانكاريه، كشف في عام 2011 أن جان بيديل بوكاسا، إمبراطور أفريقيا الوسطى، أخبره أن جيسكار «سرق منه زوجته الإمبراطورة كاترين».
ثمة من ربط بين هذه الحادثة، وبين الهدية التي قدمها بوكاسا لزوجة جيسكار، وهي عبارة عن قرط من الماس الذي كان أحد أسباب فشله، في الفوز بولاية رئاسية ثانية، إذ كان على جيسكار أن يودعه المحفوظات الوطنية، لا أن تحتفظ به زوجته، الأمر الذي أخذ عليه ولم ينجح في تبديد الإزعاج الذي سببه لدى الرأي العام الفرنسي. ويشير جيزبير إلى العلاقة بين جيسكار وبوكاسا من جانب أن الأول كان يرتاد أدغال أفريقيا الوسطى للصيد، الذي كان مولعاً به إلى حد كبير، خصوصاً صيد الحيوانات الكاسرة. ومن «مآثره» أن زعيم الحزب الشيوعي، ورئيس الدولة السوفياتية ليونيد بريجنيف، قدم لجيسكار هدية استثنائية، وهي السماح له بالذهاب إلى سيبيريا لاصطياد «النمر السيبيري»، برغم أن فصيلته كانت على وشك الانقراض. ويكشف الكاتب أن الطائرة السوفياتية التي حملت جيسكار، حملت أيضاً نمرين من هذه الفصيلة، أخرجا من إحدى حدائق الحيوانات، وأطلقا في السهوب السيبيرية ليكونا الفريسة التي يسعى وراءها جيسكار، وزير المالية الفرنسي وقتها.

                                            ... مع المستشار الألماني هيلموت شميت والرئيس الأميركي جيرالد فورد (غيتي)
ينقل جيزبير فقرة من كتاب الصحافي الفرنسي جان كو «بعضاً من الذكريات»، حيث يتحدث عن جيسكار كالتالي: «كان جيسكار كاملاً. لم ألتق في حياتي رجلاً بنظافته في كل شيء: يداه، أظافره، قمصانه، رأسه، أذناه، ذقنه. كان استثنائياً في كل شيء». ولا غرو في ذلك. إذ إن جيسكار ارتاد أفضل المعاهد والجامعات الفرنسية. وورث عن أهله اسماً وقصراً وعريناً انتخابياً. كان محدثاً ومطوراً في كل شيء، بما في ذلك إقرار حق الإجهاض للنساء منذ سبعينات القرن الماضي، فيما هذه المسألة تحدث انقساماً عامودياً داخل المجتمع الأميركي بين مؤيد ومعارض.
وزمن الحرب العالمية الثانية، انخرط جيسكار في المقاومة، بعكس سلفه الرئيس جورج بومبيدو. وشارك في تحرير العاصمة باريس من الاحتلال النازي، ثم انتمى إلى «الجيش الأول» الذي كان يقوده الجنرال دو لاتر دو تاسيني، وخرج منه برتبة «بريغادير» مع تنويه رسمي بهدوئه وشجاعته.
لا تنم كتابة جيزبير عن حب لشخص جيسكار، كما حاله مع ميتران وشيراك، بل عن إعجاب. يقول عنه: «جيسكار كان يتفوق على الجميع. كان قادراً على إلقاء خطاب حول أي موضوع مهما كان معقداً. كان مفرط الذكاء، ولكن رغم ذكائه، لم يكن يعرف كيفية التعامل مع الناس العاديين... كان معجباً بالجنرال ديغول إلى درجة أنه سعى أحياناً إلى تقليده. بهرته ممارسة ديغول السلطة الانفرادية التي انتقدها في عام 1967 بعد عام من خروجه من الحكومة، لكنه لم يتردد في الاقتداء بها...». وبعد أن أصبح رئيساً، ولإبراز كم أنه رجل حديث وديمقراطي وراغب في الاطلاع على أوضاع مواطنيه، ارتأى أن يقبل وزوجته دعوة إلى العشاء عند مواطنين عاديين. ومرات أخرى، كان يدعو إلى قصر الإليزيه عمال نظافة لتناول الفطور معه ومع زوجته، وذلك كله لمحو صورة الأرستقراطي التي جعلت منه موضوع سخرية وتندر. كذلك ابتدع وسيلة أخرى للتواصل، وهي حديث أسبوعي متلفز إلى الفرنسيين حول كافة المواضيع ومن دون حواجز.
أراد جيسكار نفض الغبار، وإيقاظ فرنسا وتحديثها، وإدخال العديد من الإصلاحات إليها. فهم قبل غيره أهمية المعلوماتية والثورة الرقمية، وسعى لأن تكون لفرنسا استقلاليتها في هذا المجال. ويؤكد جيزبير أن جيسكار أراد الاقتداء بما قام به ديغول، وأن يسرع الإصلاحات التي رآها ضرورية لبلاده. كما أراد خصوصاً أن يحدث «ثورة اجتماعية»، وأن يكون «رئيساً عصرياً». هو من أدخل إلى القانون الفرنسي، الطلاق التوافقي. وحق الإجهاض للنساء. وحرر المرأة من وصاية الرجل وهيمنته عليها وفق منطوق القوانين السابقة. ويشدد جيزبير على أن جيسكار كان «سباقاً، فتح كافة الأبواب واقتبس الأفكار الجيدة والمفيدة من أي جهة أتت».
كان جيسكار يعتقد أن إعادة انتخابه لولاية ثانية من سبع سنوات، أمر «طبيعي». لكن صدمة حياته أن فرنسوا ميتران هزمه في عام 1981، منتقماً بذلك من الهزيمة التي ألحقها به جيسكار في عام 1974، وما زال الفرنسيون يتذكرون خروجه المسرحي من قصر الإليزيه مشياً على الأقدام، منفرداً، وتحت قدميه السجادة الحمراء، وصفان من الحرس الجمهوري. وكيف سار في شارع فوبورغ سان هونوريه وسط تصفيق الجمهور. وفي المساء السابق، توجه إلى الفرنسيين بكلمة متلفزة قائلاً لهم: «إلى اللقاء»، فيما الكاميرا تركز على المقعد الرئاسي الفارغ.

«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب «الزمن الجميل» للكاتب الفرنسي فرانز أوليفيه جيزبير (1- 3): كتاب مثير ينزع «ورقة التين» عن الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران
 


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.


صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار
TT

صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل وفكرته الأساسية تقول: «صمتُ المظلوم ليس استسلاماً، بل شروعٌ في صياغة لغةٍ جديدة، أشدُّ فتكاً من الصراخ، إنه الصمتُ الصاخب».

تدور أحداث الرواية، الصادرة أخيراً عن «دار تشكيل» بالقاهرة، داخل أسوار أحد السجون، تحديداً بين عدد كبير من المثقفين والمفكرين وقادة الرأي العام على غرار ما كان يحدث في حقب زمنية سابقة من اعتقال سياسي بهدف تكميم الأفواه حين تختلف السلطة مع معارضيها وتقرر التنكيل بهم، فلا تجد أمامها سوى الزج بهم بشكل جماعي وراء الأسوار.

يركز النص على استبطان الحالة النفسية للشخصيات الرئيسية مثل الراوي و«الصول مسعود» ومأمور السجن وبعض النزلاء الجنائيين، وكيف أن الصمت المشحون بانفجار قادم يشكل لغزاً يستعصي على الفهم، فيما يسخر المأمور من الشعراء ويتهمهم بالتخاذل والعيش في عوالم وهمية بعيداً عن الواقع.

اتسمت اللغة السردية بالإيقاع السريع والمشاعر المتأججة بين السطور، دون استطراد يوقع العمل في شراك الرتابة، كما عمد المؤلف للدخول في بؤرة الصراع النفسي بين جميع الأطراف دون تمهيد، ما جعل الرواية تفيض بالتشويق والإثارة النفسية منذ الصفحة الأولى.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«بالأمس، وما إن غادرني الجميع متجهين إلى العمل بالورش، حتى انفتح باب العنبر ودخل الصول مسعود، كبير السجّانين وأقدمهم هنا. بيني وبينه علاقة بدأت عادية، ثم تحوّلت بمرور السنوات إلى ما يشبه الرفقة الحذرة التي تجمع رجلين يحترقان في فرنٍ واحد، اقترب مني بخطواته الثقيلة، ثم ألقى بجسده الضخم إلى جواري، برم شاربه الكثيف كعادته، وفرك فروة رأسه الكبيرة قبل أن يخرج صندوق سجائره، أشعل لنفسه سيجارة، ثم مدّ إليّ أخرى بصمت، بلا كلمة منه ولا مني، كأنما يدرك أن الكلام عندي أصبح شحيحاً، نادراً كقطرة ماء في صحراء قاحلة، نفث دخانه الأول، ثم بدأ يمطرني بأسئلة متلاحقة، كلها تدور حول ما بعد الصمت، ماذا نُخفي؟ وإلى أين سيقودنا هذا الهدوء المريب؟ أكمل سيجارته دون أن ينتزع مني جواباً واحداً، ورغم يقيني بإخلاصه، فالحيطة في أيام الحرب واجبة، فنحن نحارب قائده الجلّاد، ومن السهل أن تنزلق أسرارنا من فم مسعود تحت ضغط المأمور، مهما كان قلبه معنا، وحين أنهى سلسلة أسئلته، مال نحوى وقال بصوت خفيض:

ـ أريدك أن تأتي معي إلى مكتب المأمور.

رفعت يدي دون تفكير، وقاطعته بنظرة حادة كحدّ السكين:

ـ ماذا يريد مني المأمور؟

ابتسم ابتسامة باهتة، ثم عاد يلوّي شاربه كما لو أنه يبحث عن وقت إضافي قبل أن ينطق:

- من المؤكّد أنّه سيُعيد عليك أسئلته التي تؤرّقه حول أسباب صمتكم، وإلى أيّ مدى سيطول، فثمة ما ينهش يقينه بأنّ أمراً جللاً يوشك أن يقع داخل السجن عقب هذا الصمت المفاجئ».