موسكو تحذر تل أبيب من «تدمير» العلاقات

تسليح أوكرانيا يفاقم الخلافات... وانعكاسات التوتر تظهر في سوريا

ديمتري مدفيديف خلال زيارته مركزاً للتكنولوجيا في بطرسبورغ قبل أيام (رويترز)
ديمتري مدفيديف خلال زيارته مركزاً للتكنولوجيا في بطرسبورغ قبل أيام (رويترز)
TT

موسكو تحذر تل أبيب من «تدمير» العلاقات

ديمتري مدفيديف خلال زيارته مركزاً للتكنولوجيا في بطرسبورغ قبل أيام (رويترز)
ديمتري مدفيديف خلال زيارته مركزاً للتكنولوجيا في بطرسبورغ قبل أيام (رويترز)

حملت عبارات الرئيس الروسي السابق ديمتري مدفيديف الذي يشغل حالياً منصب نائب رئيس مجلس الأمن القومي أقوى رسالة تحذير إلى الإسرائيليين منذ اندلاع الحرب الأوكرانية. وبدا أن الملفات الخلافية التي تراكمت خلال الأشهر الماضية بين موسكو وتل أبيب قد وصلت إلى لحظة حرجة في علاقات الطرفين، مع بروز دعوات في إسرائيل إلى تعزيز تسليح أوكرانيا في مواجهة انخراط السلاح الإيراني في الحرب بعد اتساع استخدام طائرات هجومية إيرانية الصنع، وتقارير عن استعداد طهران لتزويد موسكو بقدرات صاروخية متعددة الأغراض.
وقال مدفيديف الذي حولته الحرب مع أوكرانيا إلى واحد من أبرز «الصقور» في النخب السياسية الروسية، إن احتمال تصدير أسلحة إسرائيلية لأوكرانيا، سوف يشكل تحولاً حاسماً في العلاقات، مشيراً إلى أنها «إذا فعلت ذلك فسوف تدمر جميع العلاقات مع روسيا».
وكرر مدفيديف اتهام القادة الأوكرانيين بـ«النازية» وهي التهمة التي استخدمتها روسيا كثيراً منذ اندلاع الحرب، لكنه في هذه المرة تعمد إثارتها لعقد مقارنات بين مواقف اليهود خلال الحرب العالمية ومواقفهم حالياً، مشيراً إلى أن «الحديث لا يدور فقط عن بانديرا، وأنصاره كما كانوا نازيين لا يزالون كذلك. يكفي فقط النظر إلى رموز أتباعهم المعاصرين. وإذا تم تزويدهم بالسلاح، فقد حان الوقت لأن تعلن إسرائيل، أن بانديرا وشوخيفيتش بطلان من أبطالها».
يشار إلى أن ستيبان بانديرا ورومان شوخيفيتش كانا من الناشطين ضد النفوذ السوفياتي في أوكرانيا، وتعاونا مع ألمانيا النازية خلال سنوات الحرب العالمية الثانية.
حملت عبارات مدفيديف وتذكيره بـ«الماضي النازي» لمعارضي روسيا في أوكرانيا، تذكيراً بعبارات أطلقها في مايو (أيار) الماضي وزير الخارجية سيرغي لافروف حول أن «أدولف هتلر كان يهودياً» وأثارت في حينها غضباً واسعاً في تل أبيب.
جاء تعليق لافروف رداً على سؤال صحافي استنكاري حول اتهام روسيا للقيادة الأوكرانية بأنها «نازية» علماً بأن هذه القيادة تضم كثيرين من أصول يهودية بينهم الرئيس فولوديمير زيلينسكي. وقال الوزير الروسي: «عندما يقولون إنهم لا يمكن أن يكونوا نازيين بسبب الأصول اليهودية فعلينا أن نتذكر أن كثيرين من المؤرخين اليهود أنفسهم كانوا يرون أن هتلر أيضاً له أصول يهودية لذلك فهذا لا يعني شيئاً».
على الفور اتهمت تل أبيب الوزير الروسي بـ«نشر معاداة السامية والتهوين من شأن المحرقة». وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بنيت، في حينها: «مثل هذه الأكاذيب تهدف إلى اتهام اليهود أنفسهم بأبشع الجرائم في التاريخ التي ارتكبت ضدهم... إن استغلال محارق النازي ضد الشعب اليهودي لأغراض سياسية يجب أن يتوقف على الفور».
واستنكر أيضاً زعم لافروف بأن عناصر موالية للنازية تسيطر على الحكومة والجيش في أوكرانيا.
وقال لبيد: «الأوكرانيون ليسوا نازيون. النازيون فقط كانوا نازيين، وكانوا وحدهم وراء التدمير الممنهج للشعب اليهودي».
كانت تلك الحادثة مؤشراً إلى المنعطف الخطر الذي دخلته العلاقات بين موسكو وتل أبيب بعد الحرب الأوكرانية، وقد أظهرت مدى اتساع الهوة بعدما اتهمت الحكومة الإسرائيلية موسكو بارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا، ووافقت إسرائيل على تقديم خوذات وسترات واقية لأجهزة الإنقاذ الأوكرانية، وذلك في إشارة إلى تحول في موقفها فيما يتصل بتقديم مثل هذه المعدات.
بعد ذلك، وبرغم تبدل لهجة الحكومة الإسرائيلية جزئياً في وقت لاحق، وسعي عدد من المسؤولين فيها إلى إبقاء الباب مفتوحاً أمام الحوار مع موسكو لكن المواقف الأساسية للطرفين حافظت على نفس المستوى من التباعد. وأدانت إسرائيل لاحقاً أكثر من مرة خطوات روسيا في ضم المناطق الأوكرانية وفي التصعيد العسكري ضد المدن. في المقابل سارت موسكو من جانبها خطوات ضد إسرائيل، كان أبرزها ملاحقة نشاط الوكالة اليهودية «سخنوت» قضائياً والتضييق على نشاطها في موسكو، وهي الوكالة التي تشرف عملياً على نقل آلاف اليهود من روسيا وبلدان الرابطة المستقلة إلى إسرائيل. وبررت مصادر روسية الملاحقة بأنها رداً على نشاط الوكالة الدعائي المعادي لروسيا الذي تمثل في الدعاية التي تحث اليهود على مغادرة البلاد.
ووفقاً لصحيفة «جيروزاليم بوست»، فإن وزارة العدل في الاتحاد الروسي هددت أيضاً عدة منظمات يهودية أخرى بإدراجها في سجل «العملاء الأجانب». لكن السلطات الروسية تؤكد أن ما حدث «لا علاقة له بالسياسة وأن مطلب وزارة العدل مرتبط بانتهاك القانون الروسي».
ووفقاً لمعطيات مصادر تحدثت إلى «الشرق الأوسط» فقد فشل الطرفان في تقريب وجهات النظر وتجاوز الملفات الخلافية رغم عقد عدة جولات للحوار على مستويات دبلوماسية وأمنية وعسكرية في موسكو وتل أبيب.
لكن العنصر الحاسم الذي أوصل الأمور إلى التلويح بـ«تقويض» العلاقة بشكل كامل، كان دخول العنصر الإيراني بشكل متزايد على خط المواجهة في أوكرانيا، واقترح وزير شؤون الشتات الإسرائيلي نحمان شاي أن تبدأ الحكومة الإسرائيلية في تقديم المساعدة العسكرية لأوكرانيا، على غرار الولايات المتحدة ودول الناتو الأخرى. رداً على توسيع الاستخدام الروسي لطائرات هجومية انتحارية إيرانية الصنع في إيران، وورود تقارير عن نية طهران تزويد موسكو بقدرات صاروخية.
وكانت صحيفة «واشنطن بوست» قد نقلت عن مصادر أن روسيا اتفقت مع إيران على إمدادات أسلحة جديدة، بما في ذلك الصواريخ الباليستية أرض - أرض ومجموعة من الطائرات بدون طيار.
وكتب شاي: «حان الوقت لتلقي أوكرانيا أيضاً مساعدة عسكرية من إسرائيل(...) لم يعد هناك أي شك» حول الجانب الذي يجب أن تتخذه إسرائيل في الصراع».
في أواخر أغسطس (آب)، أفيد بأن إيران أرسلت طائرات بدون طيار، من طرازي «مهاجر» و«شاهد». وأفادت تقارير بأن موسكو بدأت بنشاط باستخدام هذه الطائرات في هجمات واسعة ومركزة على منشآت حيوية للطاقة والتحكم في عدة مدن أوكرانية.
وقبل أيام نقلت وسائل إعلام، أن بوريس روزين، الخبير في مركز الصحافة العسكرية السياسية، قال إن روسيا طلبت من إيران طائرات بدون طيار جديدة من طراز «أراش» وأشار نقلاً عن مصادر إيرانية، إلى أن إيران ستزود روسيا بصواريخ باليستية.
وفقاً للمعطيات فقد أرسلت طهران وفداً عسكرياً إلى موسكو في 18 سبتمبر (أيلول) للتوافق على شروط إمدادات الأسلحة الإضافية. وتشير تقارير إلى أن الصواريخ الإيرانية سوف تشمل طرازين من الصواريخ الباليستية الإيرانية قصيرة المدى «فاتح 110 «و«ذو القهار» وقالت المصادر إنهما قادران على إصابة أهداف على مسافة 300 و700 كيلومتر.
يذكر أن الرئيس الأوكراني قال في وقت سابق إنه وفقاً للمخابرات الأوكرانية، فقد طلبت روسيا 2400 طائرة انتحارية بدون طيار من إيران. وقال وزير الدفاع أليكسي ريزنيكوف إن الجيش الروسي يمتلك حالياً نحو 300 طائرة بدون طيار من هذا الطراز.
على خلفية السجال حول الانخراط الميداني للتقنيات العسكرية الإيرانية في الحرب، برز انعكاس آخر للأزمة المتفاقمة بين موسكو وتل أبيب، تمثل في الهجرة الجماعية لليهود من روسيا. ووفقاً لتقرير نشرته وسائل إعلام غربية وروسية، فمنذ اندلاع الحرب الأوكرانية قرر أكثر من 60 ألف يهودي يعيشون في روسيا المغادرة إلى إسرائيل بموجب برنامج «الإعادة إلى الوطن» ووفقاً للتقرير تم بالفعل إعادة أكثر من 26 ألف يهودي خلال الشهور الماضية، وينتظر 35 ألفاً آخرون استكمال أوراقهم.
للمقارنة، في عام 2021 بأكمله، غادر نحو 21 ألف يهودي روسيا. وهاجر 13 ألف مواطن من أصول يهودية من أوكرانيا. هذا الفارق الكبير بين مستويات العام الماضي والعام الحالي دفع الديموغرافي أليكسي راكشا إلى إعلان أن «وتائر رحيل اليهود من روسيا يمكن مقارنتها حالياً بفترة انهيار الاتحاد السوفياتي».
وفقاً للإحصاءات المنشورة فقد تضاعف عدد الروس الذين يغادرون إلى إسرائيل أربع مرات منذ مارس (آذار) الماضي ما يعكس أن هذا المسار مرتبط مباشرة بالحرب في أوكرانيا.
ولم يكن من الممكن ألا ينعكس تدهور العلاقة بين موسكو وتل أبيب على الوضع في سوريا، وخلال الشهور الماضية تصاعدت بقوة نبرة موسكو في انتقاد الضربات الجوية الإسرائيلية على مواقع إيرانية وحكومية في مناطق عدة من الأراضي السورية. وكانت موسكو قد تجاهلت توجيه انتقادات ضد الغارات الإسرائيلية في أوقات سابقة، لكن تدهور العلاقة إلى هذا المستوى غير المعادلة ودفع موسكو إلى طرح الملف في مجلس الأمن عبر مندوبها الدائم هناك.
أيضاً بدا أن إسرائيل تجاوزت «الخطوط الحمراء» التي كانت موسكو قد وضعتها وهي تشمل عدم توجيه ضربات إلى مواقع الجيش السوري أو المنشآت التي تقع بشكل أو بآخر تحت حماية الوجود الروسي مثل المطارات السورية. أو عبر توجيه ضربات إلى مواقع قريبة جداً من القواعد العسكرية الروسية في سوريا. وعكس ذلك انهيار التفاهمات الروسية الإسرائيلية التي ميزت العلاقة منذ التدخل الروسي المباشر في سوريا في 2015.


مقالات ذات صلة

أوكرانيا: مقتل أربعة أشخاص في ضربة روسية... وزيلينسكي يبحث تحسين الدفاعات الجوية

أوروبا رجل إطفاء في أحد المواقع التي استُهدفت بقنابل روسية موجهة في سلوفيانسك (د.ب.أ)

أوكرانيا: مقتل أربعة أشخاص في ضربة روسية... وزيلينسكي يبحث تحسين الدفاعات الجوية

قتل أربعة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال في ضربة جوية روسية استهدفت مدينة بوغودوخيف في شرق أوكرانيا، وفق ما أفاد مسؤول أوكراني الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير 2026 (رويترز)

موسكو: الطريق لا يزال طويلاً أمام السلام الأوكراني

هوّن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أوروبا وأوكرانيا، مشيراً إلى أن الطريق لا يزال طويلاً أمام تحقيق.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)

رئيس استخبارات إستونيا: لا يمكن لروسيا مهاجمة «الناتو» هذا العام... لكنها تخطط لتعزيز قواتها

قال رئيس استخبارات إستونيا إن روسيا لا تستطيع شن هجوم على حلف «الناتو» هذا العام، لكنها تخطط لزيادة قواتها بشكل كبير على طول الجناح الشرقي للحلف.

«الشرق الأوسط» (تالين)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ من نظام متعدد باتجاه القوات الروسية بالقرب من بلدة بوكروفسك الواقعة على خط المواجهة بأوكرانيا يوم 9 ديسمبر 2025 (رويترز) p-circle

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن... الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن: الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية، والكرملين لم يحدد موعداً لمحادثات أوكرانيا ويرى أن «الطريق لا تزال طويلة».

إيلي يوسف (واشنطن) «الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي ببروكسل (رويترز)

الاتحاد الأوروبي: سنقترح قائمة بالتنازلات الروسية في إطار اتفاق سلام

قالت كايا كالاس، ​مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إنها ستقترح قائمة بالتنازلات التي ‌على أوروبا ‌مطالبة ⁠روسيا ​بتقديمها لإنهاء ‌الحرب في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».