الذكاء البشري في مواجهة غريمه الاصطناعي... مَن يكسب معركة المصير؟

طلاب يتابعون حصة دراسية مع مدرّسة روبوتية تعمل بالذكاء الاصطناعي في بنغالور بالهند (إ.ب.أ)
طلاب يتابعون حصة دراسية مع مدرّسة روبوتية تعمل بالذكاء الاصطناعي في بنغالور بالهند (إ.ب.أ)
TT

الذكاء البشري في مواجهة غريمه الاصطناعي... مَن يكسب معركة المصير؟

طلاب يتابعون حصة دراسية مع مدرّسة روبوتية تعمل بالذكاء الاصطناعي في بنغالور بالهند (إ.ب.أ)
طلاب يتابعون حصة دراسية مع مدرّسة روبوتية تعمل بالذكاء الاصطناعي في بنغالور بالهند (إ.ب.أ)

إذا كان عصر السرعة بدأ مع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، والمحرك البخاري الذي طوّره الاسكوتلندي جيمس واط محدثاً ثورة في وسائل النقل والمواصلات، ففي أي عصر نحن اليوم؟ وهل نملك الوسائل التي تسمح لنا بالسيطرة على الإيقاع الذي نسير عليه أو الإيقاع نفسه هو الذي يسير بنا ويسيّرنا؟

نحن في عصر يمكننا أن نسميه «عصر ما بعد السرعة»، أو «العصر التكنولوجي»، أو «العصر الرقمي»، أو ربما «عصر الذكاء الاصطناعي»... في الواقع التسمية ليست مهمة، في حين أن حياة الأفراد والمجتمعات والكرة الأرضية صارت في سباق مع ما يخرج من المختبرات ومراكز الأبحاث والشركات «الشرهة». سباق لا يبدو حتى الآن أن الغلبة فيه ستكون للإرادة البشرية الواعية، بل لتقنيات كان مفترضاً أن تكون في خدمة البشر، ليتبيّن بسرعة أن مستخدميها باتوا أسراها، وتحولوا إلى «زبائن» و«رعايا» لدى الممسكين بزمام اللعبة...

عامل في مصنع للدوائر الإلكترونية المتطورة الضرورية لخوادم الذكاء الاصطناعي في مدينة جيجوانغ الصينية (أ.ف.ب)

بما أننا شهدنا ولادة الذكاء الاصطناعي، ونشهد يوماً بعد يوم تطوره المطّرد ودخوله كل جوانب الحياة، يجدر بنا أن نلتفت إلى أن المساءلة عن أفعال الفرد هي مبدأ أساسي في أي مجتمع. فالإنسان واعٍ، وعليه أن يتحمّل مسؤولية ما يقوم به، خصوصاً أنه لا أحد يستطيع التذرع بجهله القانون. ولكن ماذا عن أفعال «الآلة» التي تتجاوز إدراكنا، ولا نستطيع مجاراة سرعتها؟ وماذا عن نيّات من يقفون وراءها ومخططاتهم ورؤاهم للمستقبل؟

«الوكلاء»

لا خلاف اليوم على أن الحوكمة السليمة في مجال الذكاء الاصطناعي هي معضلة وضع مبادئ توجيهية للاستخدام الأخلاقي لهذه التقنية وفرضها لكيلا تفلت التكنولوجيا من عقالها وتذهب بنا إلى مستقبل مجهول. والواضح أن الدول فشلت حتى الآن في تحقيق أي نوع من التوازن بين الأخلاقيات والتقنيات...

لا بد هنا من فتح قوسين لشرح مصطلح جديد تقع عيوننا عليه كثيراً هذه الأيام، وهو «AI agents» أو «وكلاء الذكاء الاصطناعي»، والوكلاء هنا برامج أكثر تطوراً من «روبوت الدردشة Chatbot» الذي يستجيب للأوامر المباشرة؛ إذ إنها تستطيع استشعار الظروف الراهنة، واتخاذ القرارات، وتحديد الإجراءات اللازمة لتحقيق هدف معيّن بأقل مقدار من التدخل البشري. هي - إذاً - برامج تقوم على التفكير، والتخطيط، والذاكرة، والتعلّم من أجل العمل بشكل مستقل أو بالاندماج مع أدوات ومنصّات أخرى. ولكن أي تفكير؟ وأي تخطيط؟ ومن أدرج ماذا في ذاكرة هذه البرامج لتخرج لنا بما يؤثر في مساراتنا ومآلاتنا؟

روبوت يعيد تجميع لوحات جدارية محطّمة عُثر عليها في بومبيي المدينة الإيطالية التي دمّرها بركان فيزوف في العهد الروماني (رويترز)

التضليل والتحكّم

يكفي للدلالة على خطورة المسألة الحجم الكبير للمعلومات المضلِّلة الناتجة عن سوء الاستخدام المقصود وغير المقصود للذكاء الاصطناعي. وما يعنيه انتشار التضليل هو أننا ما زلنا عاجزين عن فهم هذه التكنولوجيا التي تتطوّر بسرعة مذهلة، وعن التحكم فيها. ويعود جزء من المشكلة إلى أنّ الشركات التي تدفع باتجاه أوسع نشر لـ«وكلاء الذكاء الاصطناعي» سعياً إلى الكسب المادي، حرصت على صرف انتباه الأفراد والجهات المنظِّمة عن الأضرار المحتملة.

يتحدث الرئيس التنفيذي لوحدة الذكاء الاصطناعي في «مايكروسوفت» مصطفى سليمان، البريطاني المولود لأب سوري، عن «ذكاء اصطناعي يُخيَّل للمرء أنه يمتلك درجة من الوعي». وهو ليس وعياً بشرياً بالمعنى المتعارف عليه، لكنّه يكفي لإطلاق نماذج قادرة على العمل بصورة ذاتية. وإذا استمر التغيّر بوتيرته السريعة، فإن الجيل المقبل من «وكلاء الذكاء الاصطناعي» لن يكتفي بتنفيذ وظائف في مجموعة واسعة من المجالات، بل سيقوم بذلك بشكل مستقل تماماً، من دون وجود أي عنصر بشري «داخل دائرة التحكم».

10 أخطار

ورد في الموقع الرسمي لشركة «IBM» ما حرفيته: «للذكاء الاصطناعي قيمة هائلة، غير أنّ الاستفادة الكاملة منه تستلزم مواجهة أخطاره المحتملة والتعامل معها. فالنُّظُم المتطورة نفسها التي تُستخدم لابتكار أدوية جديدة، وكشف الأمراض، ومواجهة تغيّر المناخ، والحفاظ على الحياة البرية، وحماية التنوع البيولوجي... يمكن أن تُنتج أيضاً خوارزميات منحازة مضرّة، وتقنيات تُهدّد الأمن والخصوصية، بل وجود الإنسان نفسه».

يعدّد الموقع عشرة أخطار: الانحياز، تهديدات للأمن السيبراني، مشكلات خصوصية البيانات، الأضرار البيئية، الأخطار الوجودية، انتهاك حقوق الملكية الفكرية، فقدان الوظائف، غياب المحاسبة والمسؤولية، غياب الشفافية، المعلومات المضلّلة والتلاعب.

يحتاج شرح كل هذه الأخطار إلى كتاب، لكن من الممكن التحدث عن الانحياز، وعنه جاء في الموقع المذكور: «لدى البشر انحياز فطري، ويمكن للذكاء الاصطناعي الذي نطوّره أن يعكس ذلك. فهذه الأنظمة تستوعب المواقف الموجودة في بيانات التدريب، والتي تظهر في خوارزميات التعلم الآلي ونماذج التعلم العميق التي تقوم عليها عملية تطوير الذكاء الاصطناعي. وقد تستمر هذه المواقف المكتسبة أثناء نشر الذكاء الاصطناعي، مما يؤدي إلى نتائج منحازة وعواقب غير مقصودة. ومن الأمثلة على ذلك: نظم تتبّع المتقدمين للوظائف التي تميّز على أساس الجنس، وأنظمة التشخيص الطبي التي تعطي نتائج أقل دقة للفئات التي عانت تاريخياً نقص الخدمات، وأدوات الشرطة الاستباقية التي تستهدف مجتمعات مهمشة بشكل غير منصف»...

في ما يخص الأمن السيبراني، يقول موقع «آي بي إم»: «تستطيع جهات خبيثة استغلال الذكاء الاصطناعي لشن هجمات إلكترونية، عبر تقليد الأصوات، وإنشاء هويات مزيفة، وإعداد رسائل تصيّد إلكتروني مقنّع، كل ذلك بهدف الاحتيال، والقرصنة، وسرقة هويات الأفراد، أو المساس بخصوصيتهم وأمنهم».

ويحذّر الموقع من خطر فقدان وظائف؛ إذ «يُتوقع أن يغيّر الذكاء الاصطناعي سوق العمل، مما يثير مخاوف من أن الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ستؤدي إلى الاستغناء عن العمال. وفقاً لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، يتوقع نحو نصف المؤسسات المستطلعة أن يُحدث الذكاء الاصطناعي وظائف جديدة، في حين يرى ما يقارب ربعها أنه سبب محتمل لفقدان الوظائف. فعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يساهم في تعزيز أهمية وظائف مثل خبراء التعلم الآلي، ومهندسي الروبوتات، والاختصاصيين في التحوّل الرقمي، فإنه يؤدي أيضاً إلى تراجع بعض الوظائف في مجالات أخرى، مثل الوظائف الإدارية، والسكرتارية، وإدخال البيانات، وخدمة العملاء، على سبيل المثال لا الحصر».

الخطر الوجودي

في ما يخص الخطر الوجودي، حذّر العالم البريطاني – الكندي جيفري هينتون، المعروف بأنه أحد «آباء الذكاء الاصطناعي»، من أن التطور السريع لهذه التقنية «قد يتجاوز قريباً مستوى الذكاء البشري».

وشرح هينتون في لقاء جمعه والسيناتور الأميركي برني ساندرز في جامعة جورج تاون، كل الطرق التي يتوقع أن يغيّر بها الذكاء الاصطناعي المجتمع بشكل سلبي، موضحاً أن تخوّفه يقوم على أن النمو السريع للذكاء الاصطناعي يتجاوز وتيرة حياتنا اليومية.

وقال: «الأشخاص الذين يفقدون وظائفهم لن يجدوا وظائف أخرى يلتحقون بها... إذا أصبح الذكاء الاصطناعي ذكياً مثل البشر، أو إذا فاقهم ذكاءً، فكل وظيفة يمكن أن يقوم بها البشر يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقوم بها».

جيفري هينتون يتلقى «جائزة الملكة إليزابيث» من الملك تشارلز بقصر سانت جيمس في لندن (أ.ف.ب)

وعبّر عن قلقه من اتّساع الفجوة بين الأثرياء والفقراء بفعل الذكاء الاصطناعي، مما يوجِد «أرضاً خصبة للفاشية»، في حين يزداد الأغنياء ثراءً مع تراجع دخل الآخرين ومستوى معيشتهم.

ولفت هينتون أيضاً إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يتمكن في المستقبل من التلاعب بالبشر و«السيطرة عليهم». وقال في مقابلة تلفزيونية مع «سي بي إس نيوز»: «أكثر الأشياء ذكاءً منك ستكون قادرة على التلاعب بك»، متوقعاً كون العالم على مسافة أقل من عقد واحد من الوصول إلى «الذكاء الاصطناعي العام» (AGI) «ولا بد من اتخاذ إجراءات لتجنّب هذا التهديد الوشيك».

وأعرب في المقابلة نفسها عن كونه «سعيداً إلى حدٍّ ما»؛ لأنه يبلغ من العمر 77 عاماً، فبذلك من المحتمل أن يفوته أسوأ ما سيأتي به الذكاء الاصطناعي للعالم.

القلق والثمن

من المؤكد أن السرعة التي يكتسب بها الذكاء الاصطناعي القدرة على العمل بشكل مستقل، يجب أن تثير قلق الجميع. وعلى الدول والمجتمعات أن تتساءل عن الثمن الذي يمكن دفعه مقابل التقدم التكنولوجي، قبل أن تزول القدرة على السيطرة، وينتقل المصير من الأدمغة البشرية إلى الأسلاك الكهربائية والرقائق الإلكترونية والخوارزميات العجيبة...

المرصد الذي أنشأته «اليونيسكو» لمراقبة الأخلاقيات والحوكمة في مجال الذكاء الاصطناعي فكرة جيدة، لكن غير كافية، فالمطلوب تَوافق الحكومات بكل شجاعة على وضع قواعد تَحكُّم صارمة على مستوى العالم، وتحقيق شفافية مطلقة، قبل أن يعمد مجنونٌ ما في مختبر سريٍّ ما إلى صنع فيروس قاتل عصيّ على كل الأدوية واللقاحات...


مقالات ذات صلة

أسهم «إنفيديا» عند أدنى مستوى منذ 7 سنوات مع تصاعد مخاوف الحرب

الاقتصاد شعار شركة «إنفيديا» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

أسهم «إنفيديا» عند أدنى مستوى منذ 7 سنوات مع تصاعد مخاوف الحرب

تتداول «إنفيديا»، الشركة الأعلى قيمة في العالم، عند أدنى نسبة سعر إلى أرباح لها، منذ ما قبل إطلاق «تشات جي بي تي» واندفاع موجة الذكاء الاصطناعي.

شؤون إقليمية إسرائيليون متجمعون في أحد الملاجئ بعد انطلاق صفارات الإنذار في بني براك قرب تل أبيب (أرشيفية - أ.ب)

«معركة خفية»... كيف أصبحت الهجمات الإلكترونية سلاحاً أساسياً في حرب إيران؟

الهجمات الإلكترونية الإيرانية هي أحدث تكتيك في معركتها الخفية ضد أميركا وإسرائيل، وسعيها وحلفاءها إلى استخدام قدراتهم الإلكترونية لتعويض عجزهم العسكري.

«الشرق الأوسط» (طهران)
تكنولوجيا يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)

«أبل» تطلق «iOS 26.4» بتحسينات واسعة… لكن أين «سيري»؟

تحديث «iOS 26.4» يقدم تحسينات يومية وميزات ذكاء اصطناعي محدودة بينما تأجل إطلاق النسخة المطورة من «سيري» المنتظرة لاحقاً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)

طائرات تحاكي الطيور… هل تعيد تعريف مستقبل الطائرات دون طيار؟

روبوتات طائرة بأجنحة مرنة تحاكي الطيور وتعتمد مواد ذكية موفرة مرونة أعلى، ما يفتح آفاقاً جديدة للطائرات دون طيار في بيئات معقدة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا شعار روبوت الدردشة «غروك» يظهر على شاشتين (أ.ف.ب)

البرلمان الأوروبي يحظر أدوات ذكاء اصطناعي «تعرّي» أشخاصاً

أقرّ البرلمان الأوروبي، الخميس، قانوناً يحظّر استخدام الذكاء الاصطناعي لـ«تعرية» الأشخاص من دون موافقتهم.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».