الرواية اليمنية... سرد متنوع وانتعاش للكتابة النسائية

الناقدة سهير رشاد السمان تكتب عن أجوائها وتقنياتها

الرواية اليمنية... سرد متنوع وانتعاش للكتابة النسائية
TT

الرواية اليمنية... سرد متنوع وانتعاش للكتابة النسائية

الرواية اليمنية... سرد متنوع وانتعاش للكتابة النسائية

تسعى الأديبة والناقدة اليمنية سهير رشاد السمان في كتابها «الرواية اليمنية في الألفية الثالثة... التقنيات السردية ورؤية العالم» الصادر حديثاً عن دار النابغة المصرية إلى دراسة التحولات الفنية للرواية اليمنية الجديدة التي تنتمي إلى الألفية الثالثة وما شهدته من تطور على المستويين الكمّي والنوعي، إضافة إلى تقنياتها السردية وأساليبها التي اتخذت تشكيلات مختلفة في بنائها الفني تكشف عن رؤية كُتّابها، وتشاركها في واقعية قضايا الإرهاب، والغربة، والثورة، والحكم والسياسة، فضلاً عن القضايا الإشكالية التي أنتجت ذلك، بما فيه من مخزون ثقافي واجتماعي وديني سائد.
اعتمدت الناقدة على عدد من الدراسات النقدية العربية والمترجمة، وكان أهمها «خطاب الحكاية» لجيرار جينيت، ما أتاح لها وهي تدرس الإيقاع الزمني في رواية «أغيلاس» للأديب عبد الرحمن منصور، منهجيةً علميةً لتحليل بنيتها الزمنية وما تحفل به من استرجاع وحذف وتواتر ووقفات وصفية.
وفي الفصل الثاني «الراوي وانفصام الذات في «تراي تشيزفرونيا» للكاتب جمال الشعري، تناولت السمان تقنية الراوي التي استخدمها لتحقق مستوى دلالياً عميقاً، يبرز ما تحمله الرواية من قضايا شائكة، تتشكل خلال انفصال الذات لـ3 رؤى سردية، تسهم في إبراز الجانب السيكولوجي لمجتمع يعاني من الانفصام.
وتلقي تفاعلات الأحداث في «تراي تشيزفرونيا» الضوء على أزمة الذات وتشظيها في ظل واقع الحرب، ويتوقف الكاتب على مشاهد حقيقية ومتخيلة لآثارها في اليمن، ورغم أنها مشاهد قليلة فإنها تبدو مختزلة لما يحدث، وينأى المتخيل الروائي عن تسريد وقائعه؛ لأنه أكثر جنوناً وسريالية من المتخيل نفسه؛ حيث تسبق فيها المشاهد الواقعية المعيشة حدود عبقرية التخييل في جذبها إلى داخل المتون الروائية؛ ولأنه لا يمكن أن يقال كل ما يجب قوله عن آثام الحرب وبشاعتها، من هنا لجأ الكاتب إلى اجتزاء تفاصيل صغرى دالة إلى داخل الرواية، استطاع من خلالها تعميق الإحساس بمأساوية الواقع، وتخيل جنونه وآثاره العبثية.

بين الرؤية والتشكيل

في الفصل الثالث «الفضاء في الرواية اليمنية» قامت السمان بدراسة روايتي «نصف إرادة» للكاتب هشام المعلم، و«حصن الزيدي» للكاتب محمد الغربي عمران، واعتمدت في تحليل الفضاء على شعرية المكان وسيميائيته.
كما تحدثت عن الأماكن والفضاءات في الروايتين، ورأت أنها تكاد لا تخرج من حيث الوظيفة والدلالة عن مفردات «الداخل، والخارج»، و«أماكن الإقامة والتنقل»، و«القرية والمدينة»، التي تتفرع منها ثنائيات وتقاطعات فرعية أخرى.
وخصصت الفصل الرابع «الرواية اليمنية بين الرؤية والتشكيل» للحديث عن رؤية فنية تشكلت من خلال البناء السردي للواقع الاجتماعي وخلفياته الثقافية والسياسية، وربطت بين البنية الروائية بشكلها التقني والبيئة الثقافية التي تتصل بالعملية الإبداعية، لتفسر كيف استطاع الشكل الفني البنائي للروايات اليمنية أن ينتج الرؤية الخاصة بالمؤلف تجاه الواقع، التي تكاد تعتمد على ثيمة واحدة هي التعثر التاريخي للبلاد، واصطدام الشخصيات بواقع لا يزال يتخبط بمرجعياته المتعددة، كالعادات والتقاليد والبنية الاجتماعية هناك، الذي يتعرض للخلخلة أثناء تصاعد الأحداث والحوار بين الشخصيات، وقد ظهر هذا واضحاً في رواية «أغيلاس» التي تشتغل على موضوع الإرهاب، وتبرز الخلفيات الثقافية والاجتماعية والسياسية للمجتمع، وتظهر الإنسان اليمني قلقلاً تجاه كل تغيير، يدور في حلقة مغلقة، وفضاء لا مركزية له.

المرأة والمهمشون

ذكرت السمان أن الرواية اليمنية تطرقت لوضع المرأة، والمهمشين، والأقليات، وخاض كثير منها في التابوهات، مثل «علي المقري» وروايته «حرمة»، ووجدي الأهدل في «قوارب جبلية»، ونبيلة الزبير في «زوج حذاء لعائشة». وهذه المؤشرات تندرج ضمن التطور والتحول في الفن الروائي، والوعي بالكتابة القصصية، وتقنياتها الحديثة.
واهتم كتاب الألفية الثالثة، حسب السمان، بجماليات الموضوع وأسلوب الكتابة، والتقنيات الحديثة؛ لإخراج فن روائي جديد، وجاءت الكتابة الروائية في زمن الحرب استجابة مباشرة لرفض دمويتها وآثارها، لتمثل السلاح الإبداعي المقاوم للموت والتغييب والغربة والتشرد، وذلك من خلال التنوع في تشكيلاتها السردية.
وانطلقت في دراستها من السرديات البنيوية، التي تهتم بتحليل تراكيب القصة والعلاقات الداخلية لها وأساليب بنائها، وقامت بدراسة الجانب التقني ومكونات الحكي، من أجل كشف أسرار النظام الداخلي للأعمال السردية، ومكوناتها «الزمن، والراوي، والفضاء الداخلي».
وقسمت السمان السرد الروائي اليمني في الألفية الثالثة إلى فترتين، بدأت الأولى مطلع الألفية الثالثة، وامتدت إلى ما قبل أحداث الربيع العربي في 2011. أما الثانية فتشكلت فيما بعد أحداثه، وتتصدر قائمة روايات مطلع الألفية: «الملكة المغدورة»، و«دملان»، و«عرق الآلهة»، و«طائر الخراب»، لحبيب عبد الرب سرويو و«إنه جسدي» لنبيلة الزبير، و«طعم أسود رائحة سوداء»، و«اليهودي الحالي»، و«حرمة» لعلي المقري، الذي رأته السمان يمثل حالة ثريّة يمكن الارتكاز عليها من خلال سرد التفاصيل المختلفة وغير المرئيّة في المجتمع، بهدف كشف مشكلات الذات المغايرة في الهوية والجندر والطبقية.

الانتماء والهويّة

تظهر فكرة الانتماء والهويّة واضحة في رواية «أنف واحدة لوطنين» لسامي الشاطبي، التي تطرح موضوعاً شائكاً تعاني منه فئة المولدين، وهي الفئة التي تختلط دماؤها بين اليمني والإثيوبي. وهنا تنحو روايات الألفية الثالثة منحًى جديداً في مواضيع سردها، استطاعت خلاله أن تتحرر من قيود التابوهات المفروضة على واقع الكتابة، وكان من ضمن الكتّاب الذين توغلوا في هذه المنطقة وجدي الأهدل في أعماله «قوارب جبلية»، و«بلاد بلا سماء»، و«فيلسوف الكرنيتة»، و«حمار بين الأغاني»، و«الغرب يعمر أنفي».
وهناك أعمال تندرج في سياق تطور الوعي بالكتابة الروائية النسائية في اتصالها بواقع المرأة ومشكلاتها الخاصة، مثل «حب ليس إلا» و«عقيلات» لنادية الكوكباني، و«امرأة ولكن» للمياء الإرياني، و«زوج حذاء لعائشة» لنبيلة الزبير، و«تابوت امرأة» لسيرين حسن، ومن بين أسئلة الرواية الكبرى كانت مآلات ثورة التغيير في اليمن، وتناولتها نادية الكوكباني في «سوق علي محسن»، ورصدت خلال أحداثها يوميات الثورة الشبابية وتفاصيلها من خلال عينيْ طفلين من المهمشين، تتداخل أحلامهما الصغيرة بأحلام الشباب الثائر في ساحة التغيير. وتعتبر الرواية اختزالاً سوسيولوجياً للثورة وتحولاتها بعد انضمام الأحزاب والكيانات السياسية والقبلية والعسكرية الانتهازية.
وفي رواية «ثورة مهيوب» تميل الأديبة لمياء الإرياني إلى تركيز السرد، من خلال شخصية «مهيوب» الذي يعيش فوق رصيف بناية، نائماً داخلَ كيس يرقب من خلال رصيفه التغييرات والتحولات التي تمر بها المدينة وطبقاتها، وحين يقرر اللحاق بالثورة يرى ضابطاً تخصّص في نهب الأراضي والممتلكات يلتحق بالثورة، فيقرر العودة إلى رصيفه، وكيسه الذي يشكل ترميزاً لغطاء من العزلة، التي سيطرت على الواقع عقب فشل الثورة.

سرد برائحة البارود

أنتجت الفترة الثانية من الألفية الثالثة التي حددتها السمان «بما بعد أحداث 2011» ودخول اليمن معترك الحرب أعمالاً ظهر السرد خلالها ممزوجاً بأصوات القذائف وروائح الدم، وساعياً لكشف أوجه المحنة والأسباب التي أدت إليها، وإثارة مجموعة من التساؤلات عن التهاب الواقع ونتاجه السلبي، وقد تناول بعض الكتّاب بجرأة خلفيات هذا الانفجار، على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي، ولجأ آخرون إلى تناولها بحذر، مستعينين بخطاب استعاري أكثر مرونة في التفسير، مثل رواية «نزهة عائلية» لبسام شمس الدين، التي تناولت فكرة انتهاك الأعراف، وسيطرة العراك القبليّ، كما في رواية الغربي عمران «حصن الزيدي».
وفي رواية «حفيد سندباد» لحبيب سروري، يجد الراوي القادم من فرنسا نفسه أثناء إجازته في عدن الجنوبية في ورطة الحرب المشتعلة بين جيش نظامي تسانده ميليشيات دينية شمالية، وبين شباب مدينة عدن المقاوم الذي لا يمتلك غير البنادق البسيطة. وتصف الرواية صورة الحرب الدموية بأسلوب لا يخْلو من السخرية. أما رواية «أرض المؤامرات السعيدة» لوجدي الأهدل، فتضع سؤالاً كبيراً حول قضية الفساد، وتكشف عن بنْية كامنة في تفاصيل المجتمع الذي تسوده منظومة علاقات اجتماعية وسياسية سلبية.
ويقدم وليد دماج في روايته «أبو صهيب العزي» ظاهرة الإرهاب والتطرف الديني، مستخدماً تقنية التراوح السردي بين الحاضر والماضي، مستعيناً برؤية تحليلية لا تفصل بين ما هو سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي في تنامي الظاهرة الإرهابية، ولا تستبعد دور المجتمع الإقليمي والدولي في تفشيها، ويخضعها للمحاكمة والمساءلة.
ومن بين الأعمال الحديثة التي خاضت في أوجاع الحاضر، تبرز رواية «بلاد القائد» لعلي المقري، و«فاكهة للغربان» لأحمد زين، ففي الأولى باستخدام لغة سردية تعتمد المفارقة والسخرية والتهكم يسعى المقري إلى اكتشاف عالم الديكتاتور الطاغية وجنونه، وتفاصيل محيطه الخاص، وقصة سقوطه التراجيدي، وانفراط عقد نظامه وحاشيته، في حبكة سردية تجعل القارئ يستمتع بلذة الاكتشاف.
وينفتح السرد في رواية «فاكهة للغربان» لأحمد زين على حقبة بالغة الحساسية من تاريخ الجنوب، حين كانت مدينة عدن تستقطب الشيوعيين والحركات اليسارية العربية، في السبعينات ومنتصف الثمانينات، وهي حقبة مفخّخة بالصراعات والمؤامرات والدسائس، انتزعت فيها المدينة من الفضاء الكوزموبوليتاني قبل الاستقلال، إلى مدينة أخرى لم تنجح في العبور إلى اليوتوبيا الاشتراكية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

بريشة سعودية... «الملك سلمان» بين الإنسان والإنجاز في جائزة ضياء عزيز

اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
TT

بريشة سعودية... «الملك سلمان» بين الإنسان والإنجاز في جائزة ضياء عزيز

اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)

لم يكن رسم الملك سلمان في لوحات البورتريه مجرد اختبار للمهارة الفنية، بل بدا أقرب إلى محاولة لالتقاط شخصية تختزن في ملامحها تاريخ دولة كاملة. في جدة، وقف الفنانون أمام صور الملك سلمان كما لو أنهم يقرأون سيرة وطن؛ شاباً في بدايات الرياض القديمة، وقائداً يحتضن العلم السعودي بعينين يملؤهما الاعتزاز، وإنساناً ارتبط اسمه بمشروعات التحول الكبرى التي غيّرت ملامح المملكة.

النسخة التاسعة من «جائزة ضياء عزيز للبورتريه» تحولت إلى معرض بصري يروي الحكاية السعودية من وجهة نظر الفن. واحتضن مسرح جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة الحفل الذي نظّمته جمعية الثقافة والفنون لإعلان أسماء الفائزين بالجائزة التي جاءت هذا العام تحت عنوان «الملك سلمان... الإنسان والإنجاز»، بحضور الأمير فيصل بن عبد الله بن محمد آل سعود، إلى جانب فنانين ومثقفين ومهتمين بالفنون البصرية.

وتضمن الحفل تقديم أوبريت «وطن الثقافة»، في أمسية جمعت بين الفن التشكيلي والموسيقى والعرض المسرحي، وعكست الحراك الثقافي الذي تعيشه السعودية، والدعم المتزايد للفنون بوصفها جزءاً من المشهد الوطني الجديد.

وتأتي الجائزة امتداداً لمبادرة أطلقها الفنان التشكيلي ضياء عزيز بهدف تعزيز حضور فن البورتريه، أحد أكثر الفنون ارتباطاً بالإنسان وقدرته على توثيق الملامح والحكايات والتفاصيل الشخصية من خلال رؤية الفنان وأسلوبه التعبيري.

وفي حديث له مع لـ«الشرق الأوسط»، قال ضياء إن استمرار الجائزة للعام التاسع يعود إلى جودة الأعمال الفنية المطروحة واختيار موضوعات ترتبط بالوطن والإنسان السعودي، موضحاً أن الجائزة منذ انطلاقها تناولت موضوعات متنوعة مثل الأمن السعودي والخليج العربي حتى جائحة «كورونا».

وأضاف أن اختيار الملك سلمان محوراً للنسخة الحالية جاء لما تمثله شخصيته من حضور إنساني ووطني، إلى جانب ما شهدته المملكة من تحولات وإنجازات خلال مسيرته، مؤكداً أن الأعمال المشاركة هذا العام عكست مستوى فنياً عالياً وتنافساً واضحاً بين الفنانين.

واستقبلت الجائزة مشاركات من مختلف مناطق المملكة، في مساحة إبداعية أتاحت للفنانين تقديم قراءاتهم البصرية لشخصية الملك سلمان، عبر مدارس وأساليب تشكيلية متعددة.

ومن بين الأعمال التي لفتت الأنظار وحصدت المركز الأول، برزت لوحة الفنانة التشكيلية إيمان اللويمي، التي استعادت صورة الملك سلمان في شبابه خلال بدايات توليه إمارة الرياض في خمسينات القرن الماضي، واضعة خلفه ملامح الرياض القديمة بالأبيض والأسود، فيما حضرت الألوان الزيتية والزهور في بقية اللوحة بوصفها رمزاً لازدهار الحاضر.

وقالت اللويمي لـ«الشرق الأوسط» إن تنفيذ العمل سبقه بحث ودراسة لمسيرة الملك سلمان، موضحة أنها تنظر إلى الفن بوصفه عملاً معرفياً يبدأ بالفهم قبل الرسم. وأضافت أنها اعتمدت على الدمج بين الفحم الذي يرمز للماضي، والألوان الزيتية التي تعبر عن المستقبل والإنجاز، في محاولة لتجسيد العلاقة بين الإنسان والتحول الذي شهدته المملكة.

وأكدت أن اللوحة استغرقت ما بين 3 إلى 4 أسابيع من العمل المتواصل، مشيرة إلى أن أكثر ما كانت تسعى إليه هو تقديم عمل يحمل قيمة فنية وشخصية تفخر بها.


«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات
TT

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

قبل نحو خمسين عاماً، وقف المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ خلف كاميرا فيلم Close Encounters of the Third Kind (لقاءات قريبة من النوع الثالث) متأملاً السماء، باحثاً عن إجابة لسؤال لطالما شغل الخيال الإنساني طويلاً: هل توجد حياة أخرى في هذا الكون؟ ليعود إلى السؤال نفسه في فيلمه الجديد Disclosure Day أو «يوم الكشف»، الذي بدأ عرضه في صالات السينما الأسبوع الماضي، لكن من زاوية مختلفة تماماً. فبدلاً من البحث عن الكائنات القادمة من الفضاء، ينشغل هذه المرة بالبشر أنفسهم، ليطرح أسئلة جديدة من شاكلة: ماذا يحدث حين تصبح الحقيقة معروفة؟ وكيف يتعامل العالم مع معلومة قادرة على تغيير كل ما اعتاد تصديقه؟

الفيلم، الذي كتبه ديفيد كوب عن فكرة أصلية لسبيلبرغ، يجمع إيميلي بلانت وجوش أوكونور وكولين فيرث وكولمان دومينغو في حكاية تبدأ مع خبير أمن سيبراني يعثر على معلومات شديدة الحساسية، بالتوازي مع مقدمة طقس تقودها ظواهر غامضة نحو المسار نفسه. ومع تقدم الأحداث، تتشابك الخيوط داخل عالم تمتلئ أركانه بالأسرار والمصالح والملفات المغلقة.

السبعينات تلتقي 2026

منذ لحظة صدور الإعلان التشويقي للفيلم مع عبارة «قصة من ستيفن سبيلبرغ»، بدا للكثيرين أن المخرج البالغ 79 عاماً يستعد لتقديم عمل يكون تتويجاً لمسيرته، وخلاصة أفكاره حول سؤال شغله لعقود طويلة. بيد أنه حاول قراءة الحاضر بأدوات صاغها في سبعينات القرن الماضي، وكأن نصف قرن من التحولات التقنية والثقافية مرّ خارج حدود الفيلم، فبدت الهواتف الذكية، التي صارت امتداداً للذاكرة البشرية، حاضرة على الهامش أكثر من حضورها في قلب الحكاية.

يضاف لذلك طريقة تعامل الفيلم مع الإعلام والتلفزيون هي أيضاً تبدو قادمة من زمن آخر... ففي عالم يتحرك عبر المنصات الرقمية والبث المباشر والخوارزميات، يضع الفيلم جزءاً مهماً من رهانه على التلفزيون المحلي بوصفه بوابة الحقيقة الكبرى، بما يُظهر التباعد بين العالم الذي نعيشه والعالم الذي يتخيله الفيلم.

ورغم ذلك، دخل الفيلم شباك التذاكر العالمي بقوة، محققاً افتتاحية بلغت 92.8 مليون دولار، ومتصدراً الإيرادات العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الأولى. لكن الأرقام نفسها تكشف جانباً آخر من الحكاية، ففي حين احتل الفيلم إيرادات شباك السينما في بريطانيا بإيرادات تجاوزت 7.5 مليون دولار وهي الأعلى عالمياً، حقق في المكسيك نحو 4 ملايين دولار، وسجل في فرنسا وأستراليا والبرازيل أرقاماً قوية، فيما كان الأداء أكثر تواضعاً في عدد من الأسواق الأخرى، وخاصة الآسيوية منها.

وفي السعودية تحديداً اكتفى الفيلم بإيرادات بلغت نحو 416 ألف دولار خلال أسبوعه الأول، محتلاً المركز الخامس في شباك التذاكر المحلي، بنحو عشرين ألف تذكرة مبيعة.

مطاردة السر الأكبر

خلال الفيلم يلعب جوش أوكونور دور دانيال، خبير الأمن السيبراني العامل لدى منظمة نافذة تدعى «واردكس»، ومهمة المنظمة هي إخفاء المعلومات المتعلقة بالكائنات الفضائية عن العالم. يقرر دانيال كشف هذه الأسرار، إلا أن السيناريو يرسله في رحلة طويلة مع صديقته جاين (إيف هيوسن) بانتظار إشارة من زميله هوغو (كولمان دومينغو).

في خط درامي آخر تظهر إيميلي بلانت بدور مقدمة نشرة الطقس مارغريت، التي تكتشف فجأة أنها قادرة على التحدث بجميع لغات الأرض، إضافة إلى لغات أخرى غريبة، وتقدم بلانت أفضل أداء في الفيلم، فيما تشكل مشاهد تطور قدراتها النفسية أكثر لحظاته حيوية، لما تجمعه من قوة وهشاشة، وربطها بين حاضر الشخصية وطفولتها.

العالم الذي يتخيله سبيلبرغ

يبدو Disclosure Day من الخارج فيلماً عن الفضائيين والمؤامرات الحكومية، لكن يطرح الكثير من الأسئلة من الداخل... كيف تتصرف الحكومات تجاه الحقائق المفزعة؟ كيف يتفاعل الإعلام؟ ماذا يحدث للمسلمات الراسخة حين تهتز فجأة؟ وكيف يعيد الإنسان تعريف موقعه داخل الكون؟

كما تظهر خبرة سبيلبرغ الطويلة في بناء هذا الإحساس بالترقب، فحتى في المشاهد الهادئة، ينجح في خلق شعور دائم بأن حدثاً هائلاً يقترب من الأفق. وطيلة الفيلم، تتحرك الكاميرا بثقة، أما الموسيقى التي صاغها جون ويليامز، فأضافت طبقة من الرهبة والحنين تذكر بأعماله الكلاسيكية.

وربما تكمن المعضلة الأساسية في Disclosure Day في الفجوة بين نظرة ستيفن سبيلبرغ المتفائلة للعالم ومزاج الجمهور المعاصر. فالمخرج الذي بنى جزءاً كبيراً من إرثه على الإيمان بالإنسان وقدرته على التعاطف والتوحد أمام المجهول، يقدم هنا فيلماً يرى أن كشف وجود حياة خارج الأرض قد يصبح لحظة تتوحد فيها البشرية، بيد أن هذا التفاؤل يبدو منفصلاً عن عالم يعيش وسط تدفق يومي من الأخبار والأزمات والانقسامات، ومن هنا تنشأ المسافة بين الفيلم وجمهوره؛ فبينما ما زال سبيلبرغ يؤمن بقدرة الحقيقة على جمع البشر حول معنى مشترك، يعيش العالم اليوم وسط ضجيج متواصل يجعل الدهشة أكثر صعوبة مما كانت عليه قبل نصف قرن.


«ساعة حظ» يجدد سيرة المسرح الغنائي المصري من الأربعينات

جانب من العرض المسرحي الغنائي «ساعة حظ» (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من العرض المسرحي الغنائي «ساعة حظ» (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«ساعة حظ» يجدد سيرة المسرح الغنائي المصري من الأربعينات

جانب من العرض المسرحي الغنائي «ساعة حظ» (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من العرض المسرحي الغنائي «ساعة حظ» (وزارة الثقافة المصرية)

تستعيد فرقة مسرح الشباب التابعة للبيت الفني للمسرح بمصر نمط المسرحية الغنائية من خلال العرض المسرحي «ساعة حظ» الذي تقدمه على مسرح أوبرا ملك برمسيس (وسط القاهرة) لتحكي من خلاله قصة مجموعة أشخاص يجمعهم مخبأ يحتمون به من القصف الذي تتعرض له المدينة.

يأتي العرض في إطار كوميدي اجتماعي، مستلهماً أحداثه من قصة «المخبأ رقم 13» للأديب محمود تيمور، في معالجة مسرحية تعتمد على الاستعراضات والغناء.

ويقوم ببطولة العرض ياسر أبو العينين، وهالة محمد، وعادل الحسيني، ومحمد مجدي كامبا، وعلي الباهي، ونادين عامر، ويسري إبراهيم، وليلى عبد القادر، ومحمد عيسى، ومحمد أسامة الهادي، ومحمد بغدادي، وأحمد جيمي. الدراماتورج والأشعار: أحمد زيدان، والتأليف الموسيقي والألحان: زياد هجرس، ومن إخراج حسام التوني.

العرض مأخوذ عن قصة «المخبأ رقم 13» (وزارة الثقافة المصرية)

ويستعيد العرض الذي انطلق ضمن موسم عيد الأضحى فكرة المسرح الغنائي، الذي اشتهر في بدايات القرن العشرين وكان من أبرز نجومه ورواده سيد درويش صاحب مسرحيات «العشرة الطيبة» و«ولو» و«الباروكة» و«الطاحونة الحمرا» و«الهلال» و«إش» وغيرها من الأوبريتات الشهيرة للموسيقار الذي لَقّب بـ«فنان الشعب».

ويصف الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين مسرحية «ساعة حظ» بأنها من «الأعمال الجيدة المأخوذة من رواية للأديب الكبير الراحل محمود تيمور في الأربعينات، وهي فترة لها خصوصيتها حيث كانت مصر جزءاً من الحرب العالمية الثانية، وكان الطليان في العلمين والإنجليز محتلين مصر، فيما كان الفرنسيون موجودين بشكل أو بآخر».

«ساعة حظ» يتناول قصة منذ الأربعينات (وزارة الثقافة المصرية)

ويضيف سعد الدين لـ«الشرق الأوسط» أن «تيمور كتب هذا النص في هذه الفترة بشكل سوداوي بعض الشيء ليرصد الحالة الاجتماعية للناس والمشاكل والقضايا السائدة في المجتمع والمسيطرة عليه، من خلال تفاصيل حياة الشخصيات، لكن المختلف أن عرض (ساعة حظ) يقدم هذه الفكرة في قالب غنائي، ويقدمه في (أوبرا ملك)، وهو مكان كان كازينو بالأصل، كأننا نعود لأجواء تاريخية في الأربعينات؛ فهو عمل جيد جداً يستند لرواية تعود أحداثها لزمن الأربعينات لكنه يقدمها برؤية عصرية».

ولفت الناقد الفني إلى أن «عصر الأربعينات من القرن الماضي في مصر كان يمثل عصر الاستعراض الموجود في المسرح الغنائي والسينما المصرية، حيث كنا نشاهد استعراضات ضخمة فيها 20 راقصة وأكثر من راقص لجذب جمهور الكازينو، فهذا العرض يعيدنا لتلك الحالة من خلال تجربة شبابية أتمنى أن تستمر».

وتشهد المسارح التابعة لوزارة الثقافة المصرية العديد من العروض التي حظيت باهتمام وحضور جماهيري واسع، خصوصاً خلال فترة عيد الأضحى، وتتنوع موضوعاتها بين التراجيديا والكوميديا والغناء الاستعراضي، ومن بين الأعمال التي تعرض حالياً «الملك لير» على المسرح القومي، من تأليف ويليام شكسبير وبطولة يحيى الفخراني وإخراج شادي سرور، وعرض «تياترو» على مسرح السلام من بطولة نور محمود، وعبد المنعم رياض، وأحمد السلكاوي، وأشعار طارق علي، وتأليف أحمد الملواني، وإخراج أحمد فؤاد. وعرض «زائد واحد» على مسرح الهناجر الذي يشارك في بطولته عزت زين، ونغم صالح، وأحمد عباس. وهو من تأليف محمد عادل النجار، وأشعار يسري حسان، وألحان زياد هجرس، وإخراج محمود فؤاد صدقي.