الاحتجاجات الإيرانية في أسبوعها الرابع... تحذيرات لصناع القرار من «اللعبة الخاسرة»

الطب الشرعي نشر تقرير مهسا أميني ومطالب حقوقية بالتصدي لحملة القمع

رجل يسير بجوار نافورة تلونت باللون الأحمر ضمن حملة «طهران ملطخة بالدم» في حديقة الطلاب بطهران أمس(أ.ف.ب)
رجل يسير بجوار نافورة تلونت باللون الأحمر ضمن حملة «طهران ملطخة بالدم» في حديقة الطلاب بطهران أمس(أ.ف.ب)
TT

الاحتجاجات الإيرانية في أسبوعها الرابع... تحذيرات لصناع القرار من «اللعبة الخاسرة»

رجل يسير بجوار نافورة تلونت باللون الأحمر ضمن حملة «طهران ملطخة بالدم» في حديقة الطلاب بطهران أمس(أ.ف.ب)
رجل يسير بجوار نافورة تلونت باللون الأحمر ضمن حملة «طهران ملطخة بالدم» في حديقة الطلاب بطهران أمس(أ.ف.ب)

عشية أسبوعها الرابع، حذر اقتصاديون إيرانيون صناعَ القرار من الاستمرار في «اللعبة الخاسرة»، مطالبين بالاعتراف بحق الناس في الاحتجاج، وذلك فيما تواصلت الاحتجاجات الليلية في عدة مدن إيرانية، لكن الحراك الذي أشعلت فتيله وفاة الشابة الكردية مهسا أميني، الشهر الماضي، يأخذ أشكالاً جديدة في مواجهة حملة القمع المميتة التي استخدمتها القوات الأمنية ضد المحتجين.
وأظهرت تسجيلات فيديو استمرار الاحتجاجات لليلة الـ21، أول من أمس الخميس، وتداولت مقاطع في وقت مبكر الجمعة، تظهر أشخاصاً يرددون شعارات الاحتجاج «امرأة، حياة، حرية» من نوافذ شقتهم وسط الظلام. كما امتدت أبواق السيارات ليلة أخرى في عدة مدن.
وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن الاحتجاجات التي تتقدمها نساء استمرت لليلة الـ21 رغم استخدام القوات الأمنية القوة القاتلة. ويمكن سماع مجموعة من الشابات يهتفن: «الموت للديكتاتور» في مدينة رشت بشمال البلاد. وأظهرت مقاطع فيديو أخرى نساء يرددن: «المرأة، الحرية، الحياة» الذي أصبح شعاراً للاحتجاجات. ويصفقن بصوت عال أثناء سيرهن في مدينة القدس بغرب العاصمة.
في إطار حملة قمع الاحتجاجات، حجبت إيران الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي مثل «إنستغرام» و«واتساب»، وأطلقت حملة اعتقالات.
وسعى المتظاهرون إلى إيجاد طرق لتجنب كشفهم، حيث تقوم تلميذات بإخفاء وجوههن حين يرددن: «الموت للديكتاتور» أو تشويه صور المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وذلك بحسب مقاطع فيديو تم التحقق من صحتها. وظهر نوع احتجاج آخر، صباح الجمعة، حيث بدت نوافير ساحات عامة في طهران أشبه ببرك دماء بعدما صبغ فنان مياهها باللون الأحمر، لتشكل انعكاساً لحملة القمع.
واعتقلت قوات الأمن أنصاراً بارزين للحركة الاحتجاجية، بينهم ناشطون وصحافيون ونجوم بوب، ورياضيون. ورغم هذه الإجراءات، تأخذ الحركة الاحتجاجية أشكالاً جديدة في كبريات المدن على مستوى البلاد. ولم تعلن إيران عدد المعتقلين في أنحاء البلاد، لكن ناشطين يقولون إن العدد يتجاوز 3 آلاف. وقال قائد «الحرس الثوري» في محافظة همدان، الخميس، إن قواته اعتقلت 700 شخص في المحافظة، 80 في المائة منهم دون الـ25.
وأدت الحملة الأمنية التي أطلقتها السلطات في مواجهة الاحتجاجات التي اجتاحت كل أنحاء البلاد، إلى سقوط عشرات القتلى - معظمهم من المتظاهرين، ولكن سقط أيضاً أفراد من قوات الأمن. وتقول «منظمة حقوق الإنسان في إيران» ومقرها أوسلو، إن 92 متظاهراً على الأقل قتلوا حتى الآن.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، قالت «منظمة العفو الدولية» إنها تحققت من مقتل 52 شخصاً على أيدي قوات الأمن، لكنها قالت إنها تعتقد بأن «الحصيلة الفعلية أعلى بكثير». وقالت المجموعة الحقوقية التي مقرها في لندن، إنها وثقت «أنماطاً منتشرة من التعذيب»، والاعتداء الجنسي. وفي بيان أصدرته قبل أسبوع، قالت إن إيران تعمدت استخدام القوة المميتة لسحق الاحتجاجات التي تقودها النساء.
وأوضحت أنها حصلت على وثائق مسربة صدرت لقادة القوات المسلحة في كل المحافظات في 21 سبتمبر (أيلول) الماضي، تأمرهم بـ«المواجهة الشديدة» للمتظاهرين. وأظهر تسريب آخر أن القائد في محافظة مازندران طلب من القوات «المواجهة من دون هوادة، والذهاب إلى حد التسبب بسقوط قتلى، لأي أعمال عنف من قبل مثيري الشغب ومناهضي الثورة».
ووصفت الحكومة الإيرانية الاحتجاجات بأنها «أعمال شغب» و«مؤامرة الأعداء»، منهم الولايات المتحدة. كما اتهمت المعارضة وجهات أخرى بتأجيج العنف الذي قتل فيه ما لا يقل عن 20 فرداً من قوات الأمن. وبث التلفزيون الرسمي جنازة حاشدة في طهران، الجمعة، لأحد القتلى من أفراد الباسيج، وهي ميليشيا مؤلفة من المتطوعين تابعة لـ«الحرس الثوري»، وتسهم في حملة القمع ضد المحتجين. وقال التلفزيون الرسمي إن محتجين قتلوه طعناً. وقالت امرأة في الجنازة للتلفزيون الرسمي، وهي تنتقد المحتجين: «نعلم أعداءنا الأساسيين. أنتم سُذج مبتدئون ومرتزقة لإسرائيل وأمريكا وللصهيونية، ولا يمكنكم فعل شيء في هذه البلاد سوى إضرام النار في سلال القمامة»، بحسب «رويترز».
وأطلقت وفاة أميني (22 عاماً) أثناء احتجازها لدى «شرطة الأخلاق» شرارة احتجاجات مستمرة في أنحاء إيران، في مظاهرات شكلت أكبر تحد منذ سنوات لرجال الدين الذين يحكمون إيران.
- الطب الشرعي
وقالت وسائل إعلام إيرانية رسمية، الجمعة، إن تقريراً لطبيب شرعي إيراني نفى أن تكون وفاة مهسا أميني نجمت عن ضربات على الرأس والأطراف وهي محتجزة لدى «شرطة الأخلاق»، وربط وفاتها بـ«مشكلات صحية كانت لديها».
وقال تقرير الطبيب الشرعي، في إشارة لليوم الذي انهارت فيه في الحجز، إنها استعادت الوعي قبل أن تسقط مرة أخرى أثناء احتجازها بسبب ما وصفه بأنه «أمراض كامنة». وأضاف: «بسبب إنعاش القلب والرئتين غير الفعال في الدقائق الأولى الحاسمة، عانت من نقص شديد في الأكسجين نتج عنه تلف في المخ رغم عودة قلبها للنبض». وأشار التقرير إلى مشكلة صحية كانت تعاني منها من قبل مرتبطة بورم في المخ خضعت بسببه لجراحة عندما كانت في الثامنة من عمرها. وذكر التقرير: «توفيت بسبب فشل العديد من أجهزة الجسم بسبب نقص الأكسجين في المخ».
واعتقلت الشرطة أميني في طهران 13 سبتمبر؛ بسبب «ملابسها غير اللائقة»، وتوفيت بعد ثلاثة أيام. ونفت الشرطة تعرضها لأي أذى. وقالت من قبل إنها أصيبت بأزمة قلبية بعد أن تم اقتيادها لمركز الشرطة «لتقويمها».
ونفت أسرتها في وقت سابق معاناة ابنتهم من أي أمراض، خصوصاً مرض القلب. وقال والدها إن جثتها كانت تحمل آثار كدمات في الساق، وحمّل الشرطة مسؤولية وفاتها. وجاء في تقرير الطبيب الشرعي أن وفاتها «لم تكن ناجمة عن ضربة على الرأس أو الأطراف». ولم يذكر التقرير ما إذا كانت قد تعرضت لأي إصابات.
وفي وقت متأخر الخميس، نقلت وسائل إعلام إيرانية عن مرجع التقليد الإيراني ناصر مكارم شيرازي، قوله لقائد الشرطة الإيرانية حسين أشتري، إن ثلاثة أسباب وراء الاحتجاجات، هي «الأعداء في الخارج، والإنترنت، والمشكلات الاقتصادية والمعيشية». ووصف شيرازي الاحتجاجات بـ«أعمال الشغب» و«الاضطرابات» التي يقف وراءها «الأشرار». ودعا إلى الفرز بين «من يحتجون على غلاء الأسعار والمشكلات الاقتصادية، والأشرار الذين يرددون شعارات ضد النظام وشخص المرشد علي خامنئي».
في الأثناء، حذر خمسة اقتصاديين بارزين في إيران، من بينهم مسعود نيلي مستشار الرئيس السابق، من تأزم الأوضاع في إيران. وفي بيان نشرته أسبوعية «تجارت فردا»، رهن الاقتصاديون الخمسة تخطي المشكلات الحالية بقبول السلطات لـ«الحقائق الثقافية والاجتماعية في المجتمع الإيراني». وقال هؤلاء إن «أصحاب القرار قد ينجحون في قمع (الاحتجاجات) في مرحلة من الغضب، ويعتقدون خطأ أن القضية قد انتهت، لكن قد يستحيل إدارة البلد مع الغضب المكتوم لشرائح واسعة من المجتمع».
وحض الاقتصاديون الخمسة صناعَ القرار على تجنب «التعمق أكثر في لعبة الخسارة الحالية»، مطالبين بالاعتراف بحق الناس في الانتقاد والاحتجاج.
- تعاطف دولي ومطالب بالمحاسبة
أعلنت وزيرات خارجية من سبع دول غربية عبر مقطع فيديو مشترك، وقوفهن إلى جانب الإيرانيات في الوصول إلى حقوقهن. ونشر الفيديو على موقع الخارجية الألمانية. وتشارك فيه وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك ونظيراتها في فرنسا وبلجيكا والسويد وإيطاليا وكندا وتشيلي، بالإضافة إلى وزير الخارجية الإسباني.
وقالت الخارجية الفنلندية إن وزير خارجيتها بيكا هافيستو أبلغ نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان قلق بلاده من الاستخدام غير المتناسب للقوة ضد المتظاهرين السلميين في إيران، ودعا إلى تحقيق دولي مستقل في وفاة مهسا أميني.
في غضون ذلك، قال المبعوث الأميركي الخاص بإيران روبرت مالي لهيئة الإذاعة الوطنية الأميركية، إن «ما تريده الولايات المتحدة هو أن تحترم الحكومة في إيران الحقوق الأساسية لشعبها. إنها ليست سياسة لتغيير النظام»، مشدداً على أنه «لا أحد يتظاهر في إيران بسبب الولايات المتحدة... الإيرانيون غاضبون بسبب سياسات حكومتهم».
في غضون ذلك، طلبت 20 منظمة حقوقية إيرانية ودولية، في رسالة مشتركة إلى الرئيس الأميركي جو بايدن، «مواجهة قمع المتظاهرين في إيران من قبل قوات الأمن الإيرانية»، حسبما أورد موقع وكالة «هرانا» المعنية بحقوق الإنسان في إيران.
كما وقّع أكثر من 1300 محامٍ وقانوني حول العالم، عريضة موجهة إلى وزراء خارجية الدول، يشيرون إلى «مقتل مهسا أميني على يد عملاء الحكومة الإيرانية»، وتطالب العريضة بـ«التحرك الفوري» من المجتمع الدولي، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران. وقالوا إن النظام «أظهر مستوى آخر من الفظاعة والوحشية التي تشكل تهديداً خطيراً لحقوق الإنسان والأمن الإقليمي والعالمي». وأضافوا أن استمرار هذه الفظائع وانتهاك حقوق الإنسان قد وصل إلى مستوى لا يطاق والمطلوب اتخاذ إجراءات عاجلة.
وتقول العريضة: «لأكثر من أربعة عقود، شهد العالم السلوك الشاذ للنظام في إيران، والذي لا يتسق مع ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا يتوافق مع قواعد ومعايير الحكم والدبلوماسية الدولية، والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان».
وأشارت إلى «مجزرة مستمرة وقمع عنيف وخطف واعتقال غير قانوني للمدنيين والطلاب، بالإضافة إلى دعم الإرهاب الإقليمي الذي يقوم به النظام الإيراني، والذي يأتي إلى جانب عدم الشفافية والمساءلة في إدارته».


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

نددت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع علم بنما في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم الخارجية الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

قالت منظمات غير حكومية إن فرنسا احتجزت العديد من الإيرانيين في مراكز اعتقال في الأسابيع الأخيرة، معتبرة ذلك إشارة إلى أنّ الحكومة «تصر على رغبتها في ترحيلهم إلى إيران» رغم نفي وزير الداخلية جيرالد دارمانان. وكتبت منظمات العفو الدولية، و«لا سيماد»، و«إيرانيان جاستس كوليكتيف» في بيان الأربعاء: «تواصل الحكومة إبلاغ قرارات الترحيل إلى إيران مهددة حياة هؤلاء الأشخاص وكذلك حياة عائلاتهم». واعتبرت المنظمات أن «فرنسا تصرّ على رغبتها في الترحيل إلى إيران»، حيث تشن السلطات قمعاً دامياً يستهدف حركة الاحتجاج التي اندلعت إثر وفاة الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني في سبتمبر (أيلول)، أثناء احتجازها لدى شرط

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قال مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري»، إسماعيل قاآني، إن قواته انتقمت جزئيا من القوات الأميركية بطردها من المنطقة، مضيفا في الوقت نفسه «القدس ليست الهدف النهائي وإنما هدف وسط»، مشددا على ضرورة أن تجد إيران موقعها في انتقال القوة من الغرب إلى الشرق. ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن قاآني قوله خلال اجتماع الجمعية العامة لطلاب الحوزات العلمية في قم إن «أميركا وإسرائيل وحتى الناتو و... تقوم بالتعبئة لتخريب إيران». وقال قاآني «مثلما قال المرشد فإن إيران من المؤكد لن تبقى بعد 25 عاماً، وهم (الإسرائيليون) يستعجلون ذلك».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)

ذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، ‌نقلاً ‌عن ​مسؤولين ‌أميركيين ⁠قولهم ​إن الجيش ⁠الأميركي يستعد خلال الأيام ⁠المقبلة ‌لمداهمة ‌ناقلات ​نفط ‌مرتبطة بإيران، والسيطرة ‌على سفن تجارية ‌في المياه الدولية.

ووفق الصحيفة الأميركية، يستهدف الجيش بذلك توسيع نطاق حملته البحرية ضد إيران لتشمل مناطق خارج الشرق الأوسط.

وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار الجيش الإيراني في تشديد قبضته على مضيق هرمز، حيث هاجم «الحرس الثوري» الإيراني عدة سفن تجارية، السبت، في المضيق، معلناً أن الممر المائي الحيوي يخضع «لسيطرة إيرانية مشددة».

وقد دفعت هذه التطورات شركات الشحن إلى حالة من الارتباك بعد يوم من تصريح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن المضيق مفتوح بالكامل أمام حركة الملاحة التجارية، وهو إعلان رحّب به الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويهدف قرار إدارة ترمب بتصعيد الضغط الاقتصادي على طهران إلى إجبار النظام الإيراني على إعادة فتح المضيق، وتقديم تنازلات بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي يعد محور المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

ونقلت وكالة أنباء «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، قوله، السبت، إن إيران تستخدم السيطرة على مضيق هرمز أداةَ ضغط سياسية في مواجهة العقوبات الدولية.

بدوره، قال الرئيس الأميركي إنه لن يسمح بتحرك إيران لإغلاق المضيق بوضعه تحت الضغط، بعد أن أعادت طهران إغلاق الممر المائي بعد رفض ترمب إزالة الحصار الذي فرضه على الموانئ الإيرانية.

ووفقاً للقيادة المركزية الأميركية، فقد أعادت الولايات المتحدة بالفعل 23 سفينة حاولت مغادرة الموانئ الإيرانية في إطار الحصار البحري.

وسيُمكّن توسيع نطاق هذه الحملة الولايات المتحدة من السيطرة على السفن المرتبطة بإيران حول العالم، بما في ذلك السفن التي تحمل النفط الإيراني والتي تبحر بالفعل خارج الخليج وبحر العرب، وتلك التي تحمل أسلحة قد تدعم النظام الإيراني، وفق «وول ستريت جورنال».


هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
TT

هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)

مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، بدا المشهد خلال الساعات الأخيرة أقرب إلى هدنة معلقة فوق فوهة بركان، وفق ما يرى مراقبون؛ ففي أقل من يوم، انتقل الخطاب من حديث عن فتح المضيق واستئناف المرور، إلى إعلان إيراني جديد بأن هرمز «عاد إلى وضعه السابق»، وأنه بات تحت «الإدارة والسيطرة الصارمة» للقوات المسلحة الإيرانية، فيما تمسك الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية سيظل «سارياً بالكامل» إلى حين التوصل إلى اتفاق شامل.

هذا التناقض لا يعكس فقط حرب روايات بين واشنطن وطهران، بل يكشف أيضاً عن أن الطرفين يحاولان التفاوض من موقع الضغط الأقصى، من دون أن يكون أي منهما مستعداً فعلاً لتحمل كلفة العودة الكاملة إلى الحرب. ويرى مراقبون أن جوهر المرحلة الراهنة لم يعد فقط: مَن يسيطر على هرمز؟ بل: من يستطيع الصمود اقتصادياً وسياسياً أكثر في اختبار الوقت؟

تصريحات متضاربة

ومع عودة إيران إلى إغلاق المضيق عملياً، تجدد التراشق الإعلامي بين واشنطن وطهران. وبعدما قال ترمب إن إيران وافقت على ألا تستخدم المضيق «سلاحاً» مجدداً، وإن جولة جديدة من المحادثات قد تُعقد قريباً، سارعت طهران إلى نفي وجود «اتفاق جديد»، ووصفت الرواية الأميركية بأنها «ضجيج» و«أكاذيب».

كما أفادت «رويترز» بأن القوات الأميركية أعادت 23 سفينة كانت متجهة إلى إيران، في مؤشر على أن واشنطن لا تتعامل مع مسألة الهدنة باعتبارها عودة إلى الوضع الطبيعي، بل باعتبارها فرصة لتكثيف الضغط البحري.

هذه الفجوة بين الإعلانين الأميركي والإيراني تعني أن المضيق قد يكون «مفتوحاً» بالمعنى الدعائي، لكنه ما زال «مقيداً» عملياً بسبب المرور المحدود، والرقابة الإيرانية، وأخطار الألغام والزوارق، فضلاً عن رسائل متبادلة تجعل شركات الشحن والتأمين تتصرف على أساس أن البيئة لا تزال شديدة المخاطر.

من يتحمل الضغط أكثر؟

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث ورئيس الأركان المشتركة الجنرال دان كين وقائد «سينتكوم» الجنرال شارلز كوبر خلال مؤتمر في البنتاغون (رويترز)

ويرى مراقبون أن رهان ترمب واضح: إذا كانت الحرب العسكرية لم تُجبر إيران على فتح هرمز والتنازل سريعاً، فإن «الحرب الاقتصادية عبر الحصار البحري» قد تفعل ذلك.

ويشيرون إلى أن هذا الرهان ليس مضموناً؛ فمن جهة، فهو يضرب أهم مصدر دخل خارجي لطهران، أي صادرات النفط، ويضغط أيضاً على الواردات الحيوية والمواد الوسيطة اللازمة للصناعة والإعمار. ومن جهة أخرى، لدى إيران خبرة طويلة في التكيف مع العقوبات، وشبكات تهريب، وأسواق ظل، ولديها مشترٍ رئيسي هو الصين، ما يجعل قدرتها على «العيش في الأزمة» أعلى من قدرة خصوم كثيرين على تحمل فوضى إقليمية مفتوحة.

لذلك، تبدو لعبة «من يتراجع أولاً» معقدة؛ لأن واشنطن تعتقد أن الزمن صار ضد إيران، بينما طهران تراهن على أن خصومها والأسواق العالمية ودول الخليج، سيتعبون أولاً من كلفة الاختناق المزمن.

ويلفت دبلوماسيون إلى أن بعض التقديرات تشير إلى أن الضرر لم يعد رمزياً. وذكرت «نيويورك تايمز» أن النفط ما زال يمثل أكثر من 40 في المائة من عائدات التصدير الإيرانية، وأن الصين اشترت 90 في المائة من النفط الإيراني في عام 2024، فيما قُدرت مشترياتها في 2025 بنحو 31.5 مليار دولار، أي ما يعادل 45 في المائة من موازنة الحكومة الإيرانية.

وإذا صحت هذه الأرقام، فإن أي تعطيل ممتد للتدفقات البحرية يضع النظام أمام مشكلة سيولة وعجز مالي حقيقية، لا مجرد ضيق مؤقت، خصوصاً بعد عرض روسيا استعدادها لتعويض الصين عن النقص الإيراني.

ومع ذلك، يظل هذا الضغط أقل حسماً مما يفترضه البيت الأبيض؛ لأن هدف طهران في ظروف الحرب ليس تعظيم الإيرادات بل الإبقاء على الحد الأدنى الذي يسمح للاقتصاد بأن «يعرج» ولا ينهار.

أثر الحصار البحري

ناقلة نفط راسية قرب جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

وبحسب تقارير أميركية، فإن الحصار البحري الحالي يضرب الاقتصاد الإيراني على ثلاث طبقات: الأولى هي طبقة الإيرادات النفطية المباشرة؛ إذ نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن محللين، أن إيران قد تصل خلال أسبوعين أو ثلاثة إلى ما يسمى «امتلاء الخزانات»، أي نفاد القدرة التخزينية على اليابسة، ما يضطرها إلى خفض الإنتاج أو إغلاق آبار النفط، وهي خطوة عادة ما تُحدث أضراراً طويلة الأجل لبعض الحقول.

كما تذكر الصحيفة أن تكلفة الحصار قد تبلغ نحو 435 مليون دولار يومياً، منها 276 مليوناً خسائر صادرات، معظمها نفط وبتروكيماويات. وإذا استمر هذا المستوى من النزف الاقتصادي، فإن الخسارة الشهرية تصبح بمليارات الدولارات، لا سيما في اقتصاد أنهكته الحرب أصلاً.

أما الطبقة الثانية، فهي طبقة الإنتاج الصناعي وسلاسل الإمداد؛ فالقصف الأميركي - الإسرائيلي ألحق أضراراً بمصانع وشبكات نقل، ومنشآت كهرباء، ومجمعات بتروكيماوية، ومراكز لإنتاج الصلب.

وفي هذا السياق، لم يعد الحصار مجرد وسيلة لوقف التصدير، بل صار أداة لتعميق الاختناق الداخلي عبر تعطيل استيراد المواد والقطع اللازمة لإعادة تشغيل ما تبقى من الاقتصاد. وهنا تتضح المفارقة؛ لأنه حتى القطاعات التي نجت من القصف قد تُصاب بالشلل إذا تعذر عليها استيراد المدخلات.

أما الطبقة الثالثة فهي الخسارة الكلية المركبة: أي كلفة إعادة الإعمار، وفقدان الوظائف، وانقطاع الإنترنت، وتآكل الثقة. ويتحدث الإعلام الإيراني عن تقدير أولي لإعادة الإعمار عند 270 مليار دولار، وتذّكر تقديرات بخطر يتهدد ما يصل إلى 12 مليون وظيفة، كما تشير إلى خسائر بنحو 1.8 مليار دولار جراء انقطاع الإنترنت خلال 48 يوماً.

وهذه أرقام يجب التعامل معها بحذر؛ لأن بعضها تقديري وبعضها صادر عن جهات غير رسمية، لكنها في مجموعها ترسم صورة لاقتصاد لا يعاني من ضربة واحدة، بل من صدمات متراكبة: حرب، وحصار، واختناق لوجيستي، وعطب رقمي.

الحصار وآلية «سناب باك»

نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده يتحدث للصحافيين على هامش مؤتمر أنطاليا في تركيا (رويترز)

مع فرض واشنطن حصارها البحري، طرحت نقطة قانونية تتعلق بمدى توافقه مع عودة العقوبات الدولية على إيران بموجب آلية «سناب باك».

فمن الناحية السياسية، تحاول واشنطن الإيحاء بأن تلك الآلية تمنحها مظلة أوسع لملاحقة التجارة الإيرانية. لكن من الناحية القانونية البحتة، يجب التفريق بين أمرين: إعادة فرض قيود أممية على إيران، وامتلاك تفويض صريح من مجلس الأمن لفرض حصار بحري شامل ووقف السفن في البحر باسم المجتمع الدولي.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية بوضوح في 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن إجراءاتها جاءت دعماً لـ«العودة في 27 سبتمبر (أيلول) 2025» إلى العقوبات الأممية المرفوعة سابقاً، وهذا يعني أن التاريخ الرسمي لإعادة الفرض كان 27 سبتمبر لا أكتوبر، وإن كانت إجراءات التنفيذ الأميركية اللاحقة قد تتابعت في أكتوبر.

لكن عودة العقوبات لا تعني تلقائياً، وفق القانون الدولي، أن أي دولة تستطيع منفردة فرض حصار بحري شامل على نحو مماثل لتفويضات مجلس الأمن السابقة في أزمات أخرى.

فالأدبيات القانونية التي يعرضها الصليب الأحمر الدولي تشير إلى أن إجراءات الاعتراض البحري ذات الأساس الأقوى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة كانت عادة ترتكز إلى قرارات صريحة من مجلس الأمن، بينما يبقى قانون الحصار البحري نفسه جزءاً من مجال عرفي معقد وغير مقنن بالكامل في معاهدة جامعة.

وفي المقابل، تنص اتفاقية قانون البحار على أن السفن والطائرات تتمتع بحق «المرور العابر» في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، وهو مبدأ يصعب التوفيق بينه وبين فكرة خنق المرور أو إخضاعه لإرادة دولة مشاطئة أو قوة بحرية منفردة من دون سند دولي صريح. لذلك يمكن القول إن «سناب باك» تقوّي البيئة العقابية ضد إيران، لكنها لا تحسم وحدها مشروعية الحصار البحري الأميركي بالشكل الواسع المعلن، ولا يمنح إيران في المقابل حق تقييد المرور في هرمز باعتباره ورقة سيادية مطلقة.

الخلاصة أن الطرفين عالقان في معادلة استنزاف متبادل: ترمب يريد انتزاع تنازل نووي وملاحي من دون العودة إلى حرب مكلفة، وإيران تريد منع تحويل الهدنة إلى استسلام اقتصادي مغلف بالتفاوض.

لكن التطورات الأحدث تشير إلى أن كليهما لم ينجح بعدُ في فرض روايته الكاملة: واشنطن لم تحصل على فتح طبيعي وآمن لمضيق هرمز، وطهران لم تكسر الحصار أو تفرض اعترافاً عملياً بسيطرتها على شروط المرور.

وبينهما، تقف الأسواق وشركات الشحن أمام واقع واحد: لا حرب شاملة، ولا سلام ملاحياً فعلياً. وفي مثل هذا الوضع، يرى مراقبون أن تمديد الهدنة يصبح ممكناً لأن البديل خطير، لكنه يبقى تمديداً هشاً ما دام كل طرف يرى في الوقت نفسه وسيلة ضغط لا مساحة تسوية.


تركيا تسعى لتعزيز مكانتها كممر للطاقة بالتعاون مع سوريا

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)
TT

تركيا تسعى لتعزيز مكانتها كممر للطاقة بالتعاون مع سوريا

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)

رأت تركيا أن هناك فرصة سانحة لتعزيز مركزها كممر للطاقة بالتعاون مع سوريا، بعد المشاكل التي ظهرت نتيجة إغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب بين إيران وأميركا وإسرائيل.

وقال السفير التركي في دمشق، نوح يلماظ، إن تركيا وسوريا أمام «فرصة استراتيجية» في سوق الطاقة مع ظهور المشكلات التي بدأت في مضيق هرمز عقب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وأضاف أن توزيع الطاقة، الذي يتم عبر مضيق هرمز أو قناة السويس، قد يصل إلى نقطة يمنح فيها تركيا حصة أكبر، وأن أزمة الطاقة التي برزت مؤخراً، بسبب إغلاق مضيق هرمز، قد تدفع تدفق الطاقة نحو الخطوط البرية التي تمر من تركيا في الشمال، أو نحو الوصول المباشر إلى البحر المتوسط، أو إلى خطوط بديلة تمتد من العراق إلى سوريا.

فرصة سانحة وعوائق

وتابع يلماظ، خلال جلسة في إطار «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في جنوب تركيا، السبت، أن «هذا يمثل في الواقع فرصة مهمة لكل من تركيا وسوريا»، عادّاً أن أقصر الطرق وأكثرها أماناً واستقراراً أماناً وأقلها تكلفة حالياً هي تركيا.

السفير التركي في دمشق نوح يلماظ خلال جلسة في منتدى أنطاليا (إعلام تركي)

ولفت إلى أن البديل الثاني نتيجة المشكلات في الخليج هو خط سوريا - العراق، وأن بعض الظروف المناسبة لهذا المسار بدأت تتشكل تدريجياً، وأنه يتطلب استقراراً سياسياً وأمنياً في سوريا يسمح باستثمارات بمليارات الدولارات.

وأوضح أن التحركات الإسرائيلية المزعزعة للاستقرار و«الأنشطة الإرهابية» تشكل عوائق أمام ذلك، وأنه يمكن لسوريا أن تصبح فاعلاً مهماً، لكن وصولها إلى هذه المرحلة سيستغرق وقتاً، ربما لا يقل عن 10 سنوات؛ لأن ذلك يتطلب استقراراً سياسياً، ثم استثمارات، وتشكيل تحالفات.

كما ذكر يلماظ أن تطوير التجارة بين تركيا وسوريا، بما يشمل الجمارك والمعابر الحدودية والاعتراف المتبادل بالوثائق الرسمية، هي عملية تستغرق وقتاً، مشيراً إلى أن المفاوضات حول بعض السلع والرسوم الجمركية تُدار بما يخدم مصالح الطرفين.

ورأى أنه مع إصلاح الطرق، ومعالجة المشكلات المادية، وإزالة مشكلات النقل، فإن التجارة بين تركيا وسوريا ستصل على الأرجح إلى أعلى مستوياتها.

مساعٍ لشراكة استراتيجية

وبدأت تركيا وسوريا في الفترة الأخيرة تحركاً باتجاه تحقيق شراكة استراتيجية تغطي جميع مجالات العلاقات بين البلدين، ودعم مرحلة إعادة الإعمار، وتحقيق الاستقرار بعد 14 عاماً من الحرب الداخلية.

وعقدت، خلال الفترة الأخيرة، سلسلة من الاجتماعات بهدف دفع التعاون بين البلدين الجارين في مختلف المجالات، حيث عقد المنتدى التركي - السوري للاستثمار في إسطنبول، في 7 أبريل (نيسان) الحالي، بمشاركة وزير التجارة التركي، عمر بولاط، ووزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد نضال الشعار، وتم مناقشة تعزيز التعاون في مجالات النقل والطاقة والاستثمار والتجارة والجمارك.

وزير التجارة التركي عمر بولاط متحدثاً خلال منتدى الاستثمار التركي - السوري في إسطنبول في 7 أبريل (من حسابه في إكس)

وقال بولاط، خلال المنتدي، إن تجارة الترانزيت أصبحت ممكنة الآن من خلال سوريا إلى الشرق الأوسط ودول الخليج، بعد انقطاع دام 10 سنوات.

كما وقَّع وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، مع نظيريه الأردني نضال قطامين والسوري يعرب بدر، في عمّان، في اليوم ذاته، اتفاقية تعاون ثلاثية في مجال النقل، بهدف تعزيز التكامل الإقليمي وتطوير البنية التحتية للنقل، وسط ظروف استثنائية تشهدها المنطقة بفعل حرب إيران وتداعياتها على سلاسل التوريد والتجارة.

انفتاح على التعاون

وقال الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال إحدى جلسات منتدى أنطاليا الدبلوماسي، الجمعة، إن سوريا اتخذت نهجاً لإعادة الإعمار. إن العلاقات التاريخية والجغرافية مع تركيا تُسهم في تعزيز فرص الاستثمار، لافتاً إلى أن نظام الأسد تسبب في عزلة إقليمية، وأن تحرير سوريا يُمثل فرصة لإعادة بناء هذه العلاقات، خصوصاً مع تركيا التي دعمت الشعب السوري خلال السنوات الماضية.

جانب من مباحثات إردوغان والشرع على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)

وأضاف الشرع، الذي أجرى مباحثات شاملة حول العلاقات بين البلدين مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على هامش المنتدى، أن هناك جهوداً حثيثة لإنشاء منطقة حرة سورية - تركية في إدلب؛ حيث يجري العمل على نقل بعض الصناعات وتطوير مشروعات مشتركة، وستكون هذه المنطقة نقطة وصل استراتيجية بين إدلب ومناطق أخرى، مثل حلب ودمشق، ما يُسهل عمليات التجارة والنقل.

وقال إردوغان إن أجواء الصراع في المنطقة تُعد أكبر عائق أمام السلام والاستقرار الذي يستحقه الشعب السوري، بعدما تعرّض له من ظلم على مدى ما يقرب من 14 عاماً.

وأضاف أن إعادة نهوض سوريا تتطلب دعماً بناءً ومستمراً من الفاعلين الدوليين، وأن تركيا قدّمت، وتواصل تقديم، كل ما بوسعها من دعم لأشقائها السوريين، على أساس الوحدة الوطنية وسلامة أراضي البلاد.