«السارد العليم» يعود من بوابة ما بعد الحداثة

عودته نكاية بسارتر والحداثيين وبَعْثٌ للمؤلف

«السارد العليم» يعود من بوابة ما بعد الحداثة
TT

«السارد العليم» يعود من بوابة ما بعد الحداثة

«السارد العليم» يعود من بوابة ما بعد الحداثة

في كتابة «فيْسْبوكية»، يبدي الروائي الكويتي طالب الرفاعي، استغرابه من السارد الذي يحيط علماً بكل شيء، ولا تغيب عنه أي شاردة وواردة ذات علاقة بالعوالم التخييلية التي يرويها، بما فيها من شخصيات وأحداث ووقائع وأفعال؛ وفي الوقت نفسه، لا أحد يعرف شيئاً عنه: «يستوقفني في الكثير من الروايات، العربية والأجنبية، أن الراوي يعلم كل شيء عن كل شيء! بينما لا أحد يعرف عنه أي شيء: لا عمره، ولا اسمه، ولا مكان وجوده، ولا علاقته بما يروي! وأتساءل: كيف يقص شخصٌ رواية لا علاقة له فيها؟!».
واضح أن الرفاعي يتحدث عن السارد العليم؛ والشيء الذي أعتقد أنه لا يحتاج إلى تأكيد هو معرفة الرفاعي أن ذلك عرف أجناسي ومن مواضعات الحكي في الرواية وحتى في «حزايات» الجدات، وبالتالي فإن سؤاله الذي اختتم به كتابته مجرد سؤال بلاغي، لا يتطلب إجابة، لأن الإجابة في «بطن» السائل! وربما كان الغرض من كتابته أن يقول بمواربة إنه لا يميل إلى السارد العليم أو حتى لا يحبه؛ أو بطريقة غير مباشرة، يُلَمّحُ إلى تفضيله للسارد بضمير المتكلم المشارك في العوالم التخييلية. لعل هذا التفضيل يَتَخَفى وراء توظيف الرفاعي ليس لساردٍ داخلي واحد فحسب، بل لمجموعة سُراد في روايته الأخيرة «خطفُ الحبيب» على سبيل المثال. لكن ما لفت انتباهي هو تعليق الروائي العراقي عواد علي، الذي أبدى فيه ندمه على توظيف سارد خارجي، كما يفهم منه كلامه، في روايته «نخلة الواشنطونيا» بدلاً من سارد داخلي. يقول في تعليق على ما ذكره الرفاعي: «أتفق معك تماماً أستاذ طالب. شخصياً فعلت ذلك في روايتي (نخلة الواشنطونيا)، وندمت بعد نشرها. الراوي يجب أن يكون شخصية داخل الرواية».
لمَ الندم؟! ولمَ تضييق الواسع بـ«يجب»؟! ففي بيت القص/السرد «the house of fiction» نوافذ كثيرة تطل على الحياة، فما على الكاتب سوى اختيار النافذة المناسبة. لا أتذكر عدد النوافذ في بيت السرد المجازي الذي بناه هنري جيمس. ليس مهماً أنني لا أتذكر. كما لن أشعر بالندم لأنني نسيت عددها، ولن أقول إنني يجب أن أتذكر العدد بدقة. المهم أنني تذكرت الفكرة.
من الممكن القول إن جيمس كان مثل الرفاعي لا يميل إلى السارد العليم الذي يعرف كل شيء، فَتَطَوُرُ أسلوب جيمس في الكتابة الروائية يعكس تَدَرُجه من توظيف هذا السارد ثم إلى العليم المحدود، أو السارد بضمير الغائب المحدود. لقد جرد جيمس السارد العليم من معرفته المطلقة، ومن حضوره المطلق، ومن خاصية التنقل والظهور في أماكن عدة، وذلك بربطه بما سماه الشخصية الوعي المركزي، أو الذكاء المركزي، أو العاكس؛ تقنية اجترحها جيمس نفسه وكان أول من استخدمها، كما في روايته «السفراء»، حيث لامبرت سترثر هو الوعي المركزي، أو الذكاء المركزي، أو العاكس الذي يُدركُ القارئ من خلاله المواقف والأحداث.
وعلى النقيض من جيمس في تعبيره كتابياً وتطبيقياً عن نأيه عن السارد العليم، عبر جان بول سارتر عن نفوره من السارد العليم، أو بالأحرى عن رفضه، بإنكار أن «نهاية الليل» رواية، وأن فرنسوا مورياك روائي. لم يعد مورياك روائياً، ولا روايته رواية كما يقول سارتر في مراجعته لـ«نهاية الليل». إن سبب العنف المجازي والمعنوي الذي مارسه سارتر ضد مورياك وروايته هو باختصار توظيف الأخير للسارد العليم: «(نهاية الليل) ليست رواية.... السيد مورياك ليس روائياً.... ومثل غالبية كُتابِنا، حاول تجاهل حقيقة أن نظرية النسبية تنطبق بالكامل على عالم التخييل، وأنه لم يعد هناك مكان لمراقبٍ ذي حظوة في رواية واقعية ناهيك عن عالم آينشتاين.... لقد وضع السيد مورياك نفسه في البداية. اختار المعرفة الكلية والقدرة الإلهيين...» (فرنسوا مورياك والحرية، 24 - 25).
كان جيمس وسارتر والحداثيون الآخرون ينتمون إلى تيار يرفض السارد العليم امتداداً لرفضهم أو عدم إيمانهم بـ«المطلقيات»، فالمعرفة نسبية، وهذا السارد نفي لها. لهذا غاب السارد العليم من الرواية الحداثية في ذروة الحداثة، حل محله السارد المحدود في معرفته وحركته، وتقنيات تيار الوعي والمونولوج الداخلي. وما زال رفضه مستمراً حتى الآن عند البعض، فها هو يوجين قودهارت يصرح في 2004 بأن «السارد العليم عفا عليه الزمن، وينبغي تَقبُله عندما يُعثَر عليه في أعمال من الماضي، أو ازدراؤه عندما يظهر في عمل معاصر. لم يعد العلم المطلق حقاً للروائي». ويقول تيموثي أوبري عام 2008: «ابتكار حداثي في الأصل، أصبح رفض المعرفة الكلية مبدأً ثابتاً، لا سيما ضمن ما يشار إليه كثيراً باسم الأدب التخييلي متوسط الثقافة».
لكن على الرغم من النفي والتغييب اللذين مورسا ضده، عاد السارد العليم وبقوة من خلال الرواية الأميركية والبريطانية المعاصرة على سبيل المثال، خصوصاً خلال تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة. وكانت عودته وأسبابها ودلالاتها موضوع كتاب بول دوسون الموسوم «عودة السارد العليم: التأليف والسلطة في الأدب التخييلي في القرن الواحد والعشرين». عاد السارد العليم، يقول دوسون، في روايات روائيين بارزين، وآخرين حاصلين على جوائز، وروائيين وروائيات جدد: زادي سميث، آدم ثيروِلْ، نيكولا باركر، جوناثان فرانزن، ديفيد فوستر والاس، وريك مودي، توم ولف، سلمان رشدي، مارتن إيمِس، دون ديليلو، غيل جونز وغيرهم.
وعلى نحو لافت، عاد السارد العليم عبر الروايتين الواقعية الهيستيرية و«الأقصوية». يقول ستيفانو إركولينو موضحاً أحد أسباب حضور السارد العليم في الرواية الأقصوية، أو المعرفة الكلية الفائقة، حسب تعريف دون ديليلو: «إن السارد العليم الأقصوي لا تمليه أو تفرضه الحاجة إلى السيطرة على الوفرة الفائضة من المعلومات السردية فحسب، بل يمكن اعتباره جزءاً من مجرة من الاستراتيجيات الخطابية التي ازدهرت في السنوات الأخيرة في محاولة لاسترداد دور المؤلف في نطاق التوصيل الأدبي بعد إعلان رولان بارت موته» (الرواية الأقصوية، 103).
إن عودة السارد العليم هي أحد مساعي الروائي المعاصر لاسترداد صوته، لاسترداد سلطة الروائي الثقافية التي تواجه راهناً تحديات عدة منذ بداية القرن العشرين، من التلفزيون والسينما والتكنولوجيات الجديدة ووسائط الميديا... إلخ. لقد أحدثت هذه التحديات المتزايدة والمتلاحقة الشعور بقلق الإهمال والإحساس بأزمة تهميش وجودية وفقدان السلطة الثقافية والمكانة اللتين كان يتمتع بهما الروائي في القرنين الثامن والتاسع عشر، حسب كاثلين فيتزباتريك في كتابها الموسوم «قلق الإهمال: الرواية في زمن التلفاز».
لقد مات جيمس وسارتر وبارت، ولم يمت السارد العليم الذي «يعلم كل شيء عن كل شيء! بينما لا أحد يعرف عنه أي شيء»، كما يقول الرفاعي!

- كاتب وأكاديمي سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
TT

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا» اليوم الأحد، بعد أن حصد ست جوائز، من بينها جائزة أفضل فيلم وجائزة أفضل مخرج لبول توماس أندرسون.

وتفوق الفيلم على منافسه الفيلم البريطاني «هامنت» الأكثر شعبية داخل البلاد، وفيلم الإثارة «سينرز» (الخطاة) الذي يحمل رقما قياسيا في عدد الترشيحات لجوائز الأوسكار، في الفئتين الرئيسيتين للحفل الذي حضره الأمير وليام والأميرة كيت كضيفي شرف.

وقال أندرسون «اقتبسنا عبارة من نينا سيمون في فيلمنا، وتقول: 'أعرف ما هي الحرية، هي انعدام الخوف'». وتابع «لذا فلنستمر في صناعة الأشياء دون خوف، إنها فكرة رائعة».

وفاز أندرسون بجائزة أفضل سيناريو مقتبس، بينما تفوق شون بن على زميله في البطولة بينيشيو ديل تورو، من بين آخرين، ليفوز بجائزة أفضل ممثل مساعد. وفاز الفيلم، الذي نال استحسان النقاد، بجائزتي أفضل تصوير سينمائي وأفضل مونتاج، ليحصد ست جوائز في المجمل.

وفاز فيلم «سينرز»، الذي حصل على 16 ترشيحا لجوائز الأوسكار، بجائزة أفضل سيناريو أصلي للكاتب والمخرج رايان كوجلر وجائزة أفضل ممثلة مساعدة لوونمي موساكو وجائزة أفضل موسيقى تصويرية أصلية.

مفاجأة في فئة أفضل ممثل

جاءت المفاجأة الأكبر بفوز روبرت أرامايو بجائزة أفضل ممثل عن أدائه المتميز لشخصية جون ديفيدسون، الناشط في مجال التوعية بمتلازمة توريت، في فيلم «آي سووير» (أقسم)، متفوقا على تيموثي شالاميه وليوناردو دي كابريو ومايكل بي جوردان وإيثان هوك وجيسي بليمونز.

وتسلم أرامايو الجائزة، وهي الثانية له في الحفل بعد فوزه بجائزة أفضل ممثل صاعد، وهو يبكي وقال «لا أصدق ذلك على الإطلاق». وعند سؤاله قبل الحفل عما سيكون شعوره إذا فاز قال «بصراحة، لم أفكر بعد في الأمر ، أشعر فقط أنني محظوظ جدا لوجود اسمي ضمن هذه القائمة».

وفازت جيسي باكلي، التي كانت المرشحة الأوفر حظا، بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت»، المقتبس عن رواية ماغي أوفاريل، ومالذين إخراج كلوي تشاو، الحائزة على جائزة الأوسكار. وفاز الفيلم بجائزة أفضل فيلم بريطاني، لكنه لم يفز بالجائزتين الرئيسيتين، ومنها جائزة أفضل فيلم، إذ كان يعتقد أن كونه فيلما بريطانيا سيكون عاملا مؤثرا في فوزه.

ومثل حفل توزيع الجوائز، الذي قدمه آلان كومينج، أول ظهور رسمي مشترك للأمير وليام وكيت ميدلتون منذ اعتقال عم الأمير وليام، آندرو ماونتبتن-وندسور، يوم الخميس. وقدم الأمير وليام، الذي يشغل منصب رئيس الأكاديمية، جائزة زمالة بافتا إلى دونا لانغلي رئيسة استوديوهات «إن.بي.سي يونيفرسال».


مصر: اكتشاف مقابر صخرية في أسوان تعود إلى الدولة القديمة

مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف مقابر صخرية في أسوان تعود إلى الدولة القديمة

مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الأحد، اكتشاف مجموعة من المقابر الصخرية التي تعود إلى عصر الدولة القديمة (2181-2686 قبل الميلاد)، خلال موسم حفائر البعثة الأثرية المصرية للمجلس الأعلى للآثار بمنطقة «قبة الهواء» في محافظة أسوان (جنوب مصر).

أكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، في بيانٍ صحافي، أهمية هذا الكشف، مشيراً إلى أنه يعزز قيمة موقع قبة الهواء ويسهم في فهم طبيعة المكان.

وأضاف أن المقابر المكتشفة تعود إلى عصر الدولة القديمة، وقد أُعيد استخدامها خلال عصر الانتقال الأول والدولة الوسطى، مما يدل على الأهمية المستمرة للموقع عبر العصور المختلفة.

ووصف عالم الآثار المصري، الدكتور حسين عبد البصير، الكشف بأنه إضافة علمية مهمة إلى سجل الاكتشافات الأثرية في جنوب مصر. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الاكتشاف يؤكد من جديد أن المنطقة لم تكن مجرد جبانة محلية، بل شكَّلت فضاءً جنائزياً رئيسياً ارتبط بالنخبة الإدارية والحكام المحليين عبر عصور متعددة.

وأضاف أن المقابر الصخرية المكتشفة، التي يعود تاريخها الأصلي إلى عصر الدولة القديمة، تعكس ازدهار أسوان آنذاك بوصفها بوابة مصر الجنوبية ومركزاً استراتيجياً للتجارة والتواصل مع أفريقيا. كما أشار إلى أن إعادة استخدام هذه المقابر خلال عصر الانتقال الأول والدولة الوسطى يعكس استمرارية القداسة والأهمية الرمزية للموقع، رغم التحولات السياسية والاجتماعية العميقة.

الاكتشاف يعود إلى الدولة القديمة (وزارة السياحة والآثار)

وتُعد جبانة «قبة الهواء» أحد المزارات الأثرية المهمة في أسوان. وفي منتصف عام 2022، بدأت وزارة السياحة والآثار مشروعاً لترميم مقابر جديدة في «قبة الهواء» وفتحها للزيارة للمرة الأولى منذ اكتشافها. وتُظهر النقوش على جدران بعض مقابر الجبانة الدور الذي اضطلع به كبار الموظفين والنبلاء في تلك الفترة، من حملات استكشافية وتجارية وعسكرية، وفقاً لموقع وزارة السياحة والآثار.

ومن جانبه، قال رئيس قطاع الآثار المصرية في المجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، إن البعثة عثرت على غرفتي دفن تضمان نحو 160 إناءً فخارياً متنوع الأحجام والأشكال، تعود إلى عصر الدولة القديمة، مشيراً إلى أن أغلبها في حالة جيدة من الحفظ وتحمل كتابات باللغة الهيراطيقية. وأوضح أن الدراسات الأولية تشير إلى أنها كانت تُستخدم لتخزين السوائل والحبوب.

قلائد وتمائم من عصور مختلفة وجدت في قبة الهواء (وزارة السياحة والآثار)

وفي الفناء الخارجي للمقابر، عثرت البعثة على مجموعة من الحُلي شملت مرايا من البرونز، ومكاحل من الألبستر، وعقوداً من الخرز بألوان وأشكال متنوعة، إضافة إلى تمائم مختلفة تعود إلى عصر الدولة الوسطى.

وتعمل البعثة الأثرية حالياً على توثيق وتسجيل ما اكتُشف، كما تواصل أعمالها في موقع «قبة الهواء»، أملاً في الكشف عن المزيد من المقابر واللقى الأثرية. ويضم الموقع مجموعة من المقابر التي تعود إلى حقب زمنية مختلفة، تمتد من بداية عصر الدولة القديمة حتى العصرين اليوناني والروماني.

أوانٍ فخارية وجدت عليها كتابات هيراطيقية (وزارة السياحة والآثار)

وأوضح عبد البصير أن هذا الكشف يفتح آفاقاً واسعة للدراسة، لا سيما فيما يتعلق بالاقتصاد المحلي وأنماط التخزين والإمداد الجنائزي، مشيراً إلى أن الكتابات الهيراطيقية قد تزوّد الباحثين بأسماء أشخاص أو إشارات إدارية ودينية، ما يعمّق فهم البنية الاجتماعية في أسوان خلال عصر الدولة القديمة. وأضاف أن الكشف يؤكد أن أسوان لم تكن هامشاً جغرافياً، بل مركزاً حضارياً نابضاً بالحياة، تتقاطع فيه الطرق التجارية والثقافية، وتتشكّل فيه هوية مصر الجنوبية عبر العصور.

وكانت وزارة السياحة والآثار المصرية قد أعلنت، في منتصف العام الماضي، اكتشاف 3 مقابر أثرية منحوتة في الصخر بجبانة «قبة الهواء»، ووصفت الكشف بأنه إضافة علمية مهمة، كونه يُلقي الضوء على فترة انتقالية حرجة بين نهاية الدولة القديمة وبداية عصر الانتقال الأول.

ومن جانبه، أكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، في البيان، أن هذه الاكتشافات الأثرية تسهم في تعزيز جاذبية منتج السياحة الثقافية لدى محبي الحضارة المصرية القديمة حول العالم، بما يعزز مكانة مصر على خريطة السياحة الثقافية الدولية.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه أحد ركائز الدخل القومي، وتسعى إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.


الأوبرا المصرية تحتفي بطقوس رمضان عبر برنامج فني حافل

جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

الأوبرا المصرية تحتفي بطقوس رمضان عبر برنامج فني حافل

جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)

تحتفي دار الأوبرا المصرية بطقوس شهر رمضان من خلال برنامج حافل يتضمن حفلات موسيقية وسهرات لفرق فنية من الدول العربية والإسلامية، إلى جانب حفلات للإنشاد الديني وعروض فرقة الحضرة. وينطلق البرنامج يوم الخميس 26 فبراير (شباط) الحالي، ويستمر حتى الاثنين 9 مارس (آذار) المقبل، على المسرح الصغير والمسرح المكشوف، فضلاً عن مسارح الجمهورية ومعهد الموسيقى العربية.

كما أعلنت وزارة الثقافة المصرية إطلاق النسخة العاشرة من برنامج الاحتفالات الرمضانية «هل هلالك»، الذي يُقام في ساحة الهناجر بدار الأوبرا المصرية خلال الفترة من 28 فبراير حتى 13 مارس، تزامناً مع ذكرى العاشر من رمضان، التي شهدت نصر السادس من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973.

ويتضمن برنامج العام الحالي حفلات متنوعة بمشاركة نجوم الطرب والغناء، من بينهم ماهر محمود ومدّاح الرسول محمد الكحلاوي، على أن يختتم المنشد محمود التهامي فعاليات «هل هلالك» يوم الجمعة 23 رمضان، الموافق 13 مارس.

«هل هلالك» يصل محطته العاشرة (الشرق الأوسط)

ومثل كل عام، يشارك البيت الفني للمسرح بأوبريت العرائس الشهير «الليلة الكبيرة»، رائعة الشاعر صلاح جاهين والموسيقار سيد مكاوي، من إنتاج مسرح القاهرة للعرائس، حيث يُعرض الأوبريت يومياً طوال فترة إقامة البرنامج.

كما يشارك البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية بعدد من الحفلات التي تقدمها الفرق الفنية التابعة له؛ إذ تقدم الفرقة القومية للفنون الشعبية حفلتها يوم الأحد 1 مارس، وتحيي فرقة أنغام الشباب حفلتها يوم الأربعاء 4 مارس، فيما تتغنى شعبة الإنشاد الديني بالفرقة القومية للموسيقى الشعبية بأشهر الأغاني الدينية يوم الأربعاء 11 مارس، ويختتم البيت حفلاته ضمن البرنامج بحفل فرقة رضا للفنون الشعبية يوم الخميس 12 مارس.

واحتفالاً بـ«يوم الشهيد»، يقدم المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية حفلاً فنياً للفرقة الموسيقية التابعة له، يتغنى خلاله نجوم الفرقة بأشهر الأغاني الوطنية التي قدّمها كبار نجوم الطرب في مصر، وذلك يوم 9 مارس.

جانب من عروض برنامج «هل هلالك» في السنوات الماضية (الشرق الأوسط)

وكانت وزارة الثقافة قد أعلنت في وقت سابق برنامجاً للاحتفالات الرمضانية عبر مختلف قطاعاتها، لا سيما الهيئة العامة لقصور الثقافة، وصندوق التنمية الثقافية، والهيئة العامة للكتاب، وقطاع المسرح، والمجلس الأعلى للثقافة، وغيرها من الهيئات. وتضمنت الفعاليات حفلات متنوعة بطابع تراثي وديني وشعبي، إذ تُقام معظمها في بيوت تراثية مثل بيت السحيمي، وبيت الهراوي، وقبة الغوري، وقصر الأمير طاز، وغيرها من المواقع التراثية.

كما أعلن البيت الفني للمسرح تقديم العرض المسرحي الشعبي «يا أهل الأمانة» على المسرح القومي لمدة أسبوعين خلال شهر رمضان، وهو عرض يستند إلى أشعار فؤاد حداد، ويقدم تجربة فنية تمزج بين التراث الشعبي والوجدان المصري الأصيل.