«إبيجرامات ليبية»... الحرب والحكمة في ميزان الشعر

عاشور الطويبي يتأمل صورهما في سيرة البشر وذاكرة المدن

«إبيجرامات ليبية»... الحرب والحكمة في ميزان الشعر
TT

«إبيجرامات ليبية»... الحرب والحكمة في ميزان الشعر

«إبيجرامات ليبية»... الحرب والحكمة في ميزان الشعر

يضع الشاعر الليبي عاشور الطويبي، الحرب والحكمة في كفتي ميزان، تاركاً الشعر يحلق في فضائهما كسؤال قلق لا يبحث عن إجابة إنما عن حقيقة مراوغة. فالحكمة هي خلاصة خبرة الشاعر في الحياة وفي الشعر، أما الحرب فهي صراع الأخوة الفرقاء في ليبيا وميليشياتهم المسلحة، التي لم تستطع أن تصل إلى بر الأمان منذ الثورة على نظام معمر القذافي والإطاحة به عام 2011.
يحكم هذان المعولان أجواء ديوان «إبيجرامات ليبية وقصائد ريفية» الصادر أخيراً للشاعر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، في نحو مائتي صفحة من القطع المتوسط، ويتوزع على ثلاثة عناوين رئيسية هي: إبيجرامات الحرب الليبية، وقصائد ريفية، وبيت ليدا قبالة بحر صبراتة. تشكل هذه العناوين فيما بينها متوالية لجدل الانفصال/ الاتصال، بينما تمثل الجغرافيا والطبيعة الليبية ومناخات الصبا والطفولة محور إيقاع الوصل والقطع في النصوص.
يمهد الشاعر لعالمه بمفتتح صغير بعنوان «مسعى» تطل من خلاله صورة الحقيقة المراوغة مشربة بظلال من الحكمة، في شكل يقين عبثي مبتور وهش قائلاً:
«لم أسع لقصيدة حكيمة، ولا لطرافة ساذجة.
كل ما حاولت فعله، هو أن أعرف ما وراء المنعطف.
لم أسع لفهم قلق الكائنات، أول لفض خبيئة قديمة.
كل ما حاولت فعله، هو أن أعرف كيف ينام جبل في ليل موحش.
لم أسع لرمي الحصى في البحر، ولا غرس الأماني تحت القمر
كل ما حاولت فعله، هو حياكة ثوب للصباح الجديد!»
ثم يقول في ختام المفتتح وكأنه في مواجهة حادة مع الذات: «أنا لم أسع لشيء...»، ومن ثم تبرز ثنائية المع والضد كآلية من آليات توليد المعنى والمفارقة في الديوان، ويتوسل الشاعر بفن «الإبيجراما» كغلالة شفيفة لإبراز كثافة المعنى، وطاقة الرمز على التنوع والإيحاء. فالحرب ليست في الميدان بين الشرق والغرب فحسب، وإنما في سيرة الشخوص، والأمكنة والأزمنة، وكيف تحولت إلى مسرح لها تحت قسوة الواقع وضغوط الحياة.


يقول في نص (ص 15) بعنوان «فتى أوباري»:
«لسنوات بعتُ البصل في أوباري
البصل وليد التراب والحصى
البصل حارس القمر في تقلباته
ينعس كما تنعس النخيل على حافة الوادي
الآن أنا في طرابلس في معسكر كئيب
آكل شرائح خبز بالتنَ التايلادي
البندقية في يدي لها رائحة عفنة
حُفر قبري مرتين
مرة من جهة الشرق
ومرة من جهة الغرب
ليتني بقيت بائع بصل في أوباري!»
لا يتوقف البوح في النص عند كونه مونولوغاً داخلياً، أو مجرد نجوى خاصة، إنما يشكل صك إدانة للذات والحرب معاً، وقبلهما إدانة دامغة لواقع مضطرب سياسياً، ومرثية لوطن مشتت خارجياً بين نفوذ قوى دولية ومحلية، وصراعات الأخوة الفرقاء في الداخل. هكذا يبدو المشهد في نص آخر بعنوان «فتى الهضبة الشرقية - طرابلس»، حيث تطالعنا صور خاطفة لمشاهد من طفولة الشاعر في المدينة:
«لكن لم تكبر ليبيا أبداً
منذ عقد من الزمان
بعضنا يرفع راية لقائد ميت
بعضنا يرفع راية لملك ميت
بعضنا يرفع راية من زمن سحيق ميت
وكلنا نرفع البنادق وأسماء الشهداء
لم نتوقف عن استبدال أسماء المقاهي والمطاعم والأحياء والشوارع
بأسماء إيطالية لافتة. أسماء جنرالات إيطاليين وترك
فقط لنصدق أننا في نشوتنا
حقاً قتلنا القائد الملهم، ملك الملوك».
في «قصائد ريفية»، وهو الفصل الأطول في الديوان (نحو مائة صفحة) يتسع فضاء سيرة الشاعر في عباءة العائلة، الأب والأم والأخوة والأخوات والجدات، ودكان القرية والمغني، وتنفتح حقول الدلالة على براح الصحراء والطبيعة، بينما تشكل خيوط من الخرافة والأسطورة جسراً شفيفاً ما بين الأمكنة والأزمنة، وتبدو نصوص هذا الفصل بهدوئها المشمس كأنها رحلة في ذاكرة المدن الليبية المنداحة في الشرق والغرب والجنوب، وفي الجبال والأودية، «ترهونة، صبراتة، مسلاتة، غات، وغيرها». ونلاحظ هنا أن الفعل الشعري يركز على التأمل، ومحاولة النفاذ فيما وراء الأشياء والعناصر، كما أنه مسكون بروح الحكاية والحوار، ويكتسي بمسحة صوفية، تومض في ثنايا النصوص، وفي تاريخ هذه المدن، بتقاليدها وثقافتها وطرائق عيشها. ويكثف الطويبي من دلالات الحوار مع الآخر، بصورته الواقعية والمتخيلة التي أحياناً تصنعها الذات الشاعرة.
فنياً يعتمد الديوان بشكل أساسي على آلية السؤال في التعامل مع الآخر، والبحث عن تاريخ مشترك معه، وتلعب المصادفة دوراً مهماً في اكتشافه والتعبير عنه، والتناص معه أحياناً، بخاصة إذا كان رمزاً معروفاً أدبياً أو فنياً مثل الشاعرين حافظ الشيرازي، وشموس هيني، الذي يداعبه في ختام نص طويل يحمل اسمه (ص 74): «فكرت أن أسال شموس هيني عن تلك الورقة في جيب صديريته، ذات الحافة الزرقاء! لم أعتقد أنها قصيدة كتبها على عجل كما لم أشم عطراً فأقول إنها من إحدى معجباته. حاولتْ يدي عدة مرات أن تخطفها منه، لكنني كلما اقتربت ملأتْ ابتسامة وجهه الجميل».
هذا الحنو في مداعبة الشاعر الآيرلندي الحائز على جائزة نوبل، يرافقه حنو آخر، يتوزع على عناصر حميمية من الطبيعة والبشر، وذلك بالاعتماد على بنية المنادى المضمر في صيغة التعجب والتمني أحياناً، بخاصة في القسم الأخير من الديوان، مثل «يا لثقل البيضة على الماء»، «يا لثقل السحابة على العشب»، «يا لثقل زفرة الغريب على النار»... وغيرها. هذه الأجواء تطالعنا في نص بسيط بعنوان «نبيذ من ترهونة»، حيث يتحول السؤال الخاطف إلى أداة للمعرفة والكشف وإثارة المفارقة أيضاً:
«إلى أين تقود أغنامك؟
- إلى سفينة راسية في صبراتة
- ماذا يوجد في تلك الجرار؟
- نبيذ من ترهونة وزيت زيتون من مسلاتة
- ماذا تحمل تحت إبطك؟
- قراطيس أرسم عليها خيالات وأوهاماً
- أنا لا أعرفك!
- أنا أعرف نفسي»
بهذا الانفتاح الخصب على الطبيعة والعناصر والأشياء، تبرز سمات خاصة للمشهدية في هذا الديوان، من أبرزها أنها مشهدية سردية، لا تضع الصورة الشعرية في عين العدسة مباشرة، إنما تحافظ على مسافة بينهما، فيها يلعب الوصف مقوماً أساسياً في إبراز المشهد وإنضاجه درامياً، من زاويتي القرب والبعد؛ ثم التوثيق له ليس كنثريات حياة ماضية ومنقضية، إنما كحياة تولد من النص نفسه، وتتنفس هواءً جديداً.
تشف هذه السمات المشهدية، في نص (ص 84) بعنوان «عين الفرس»، وهي عين ماء في مدخل مدينة غدامس. يسائل النص القصيدة والشاعر؛ أيهما يلد الآخر، وكيف يكون شكل هذه الولادة في لحظة الكتابة، ثم من يقطف الثمرة أولاً من شجرة الشعر والحياة. يستعير الشاعر الماء من هذه العين كرمز للحياة، ويكثفه على مستوى الدلالة، ليصبح الحد الفاصل بين الوجود والعدم، تماماً مثلما في الكتابة التي تشبه الكهف... يقول الشاعر:
«: هل تذكر، كيف تسربت القصيدة من بين يديكَ،
مدت رأسها من سطح الماء،
وقطفت الأرضَ مثلما تقطف يدٌ خائفة ثمرة.
كنتُ جالساً يبلل الموجُ رجلي
وكان نفرٌ من الناس طوافين
بين الرمل وبين قوافل قادمة من تلك العين
هل ركضتَ وحدكَ خلف ذلك الكهف؟
لا أعلم إن كان غيري يركض معي
لكنني كنت قريباً من الشمس قبل أن تسقط في الماء
وماذا بعد؟
أنا لم أعد أكتب الشعر
أليس هذا محزناً؟!»
في الختام، لم يختر الشاعر عاشور الطويبي، هذا النص على ظهر غلاف الديوان ليكون مجرد مفتاح أو عتبة لعالمه الثري الخصب، إنما أراد أن ينتصر للشعر، ويؤكد أنه ابن الحياة، ابن الماء والهواء والشمس، وهو الباقي أمس واليوم وغداً، أما الحرب فمصيرها إلى زوال لأنها مجرد انعكاس عابر لعتمة البشر في مرآة مهشمة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«الراكب رقم 53»... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (الأرشيف الرقمي لجامعة سيراكيوز)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (الأرشيف الرقمي لجامعة سيراكيوز)
TT

«الراكب رقم 53»... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (الأرشيف الرقمي لجامعة سيراكيوز)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (الأرشيف الرقمي لجامعة سيراكيوز)

عندما صعد الشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1988 إلى متن رحلة شركة «بان أميركان» رقم 103 المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن، لم يكن يعلم أنه ذاهب نحو الموت فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية، ودهاليز استخباراتية حوَّلت جثته إلى لغز جنائي وسياسي في القرن العشرين.

شبكة «نتفليكس» بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) أعادت إلى الأذهان في المسلسل الدرامي القصير «تفجير بان آم 103» اسم جعفر الذي ولد في إحدى بلدات البقاع وهاجر مع عائلته بحثاً عن الأمان والفرص في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان الأميركية.

فور وقوع الكارثة، التفتت أعين المحققين سريعاً نحو قائمة الركاب بحثاً عن ملامح شرق أوسطية. هنا، برز اسم جعفر، الطالب في قسم الهندسة المعمارية بجامعة سيراكيوز، كصيد سهل للمحققين والصحافة الغربية، خاصة أنه كان العربي الوحيد على متن الرحلة (الراكب رقم 53). افترضوا أنه ربما كان «انتحارياً» أو حاملاً قنبلة وُضعت في أمتعته دون علمه من قبل منظمات فلسطينية أو إيرانية.

غير أن التحقيقات أكدت خلو أمتعته اليدوية تماماً من أي آثار لبارود، أو حروق، أو تفحم داخلي. ولكن رغم هذه التبرئة القضائية، بقي اسمه راسخاً في الأرشيف السياسي الدولي، شاهداً على حقبة صراع مريرة، راح ضحيتها أبرياء تحت رماد لوكربي.


مصر: اكتشافات أثرية تُعيد رسم خريطة طريق حورس الحربي بسيناء

جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشافات أثرية تُعيد رسم خريطة طريق حورس الحربي بسيناء

جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت البعثة الأثرية المصرية العاملة بموقع آثار تل أبو صيفي بمدينة القنطرة شرق بمحافظة الإسماعيلية، عن توصلها، خلال موسم حفائر هذا العام، إلى عدد من النتائج العلمية المهمة التي تلقي مزيداً من الضوء على تاريخ المواقع الأثرية الواقعة على الحدود الشرقية لمصر، وتكشف عن ملامح طريق حورس الحربي التاريخي، وتطوره المعماري والعسكري عبر العصور التاريخية المختلفة.

ومن أهم هذه النتائج، العثور على نصف عتب علوي ضخم من الحجر الرملي، مكسور إلى جزأين، ومنقوش من 3 جهات بألقاب الملك رمسيس الثاني، وفقاً لما ذكره رئيس الإدارة المركزية لوجه بحري وسيناء ورئيس البعثة، الدكتور هشام حسين، مضيفاً، في بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أنه عُثر أيضاً على نص كتابي يشير إلى أعمال الترميم التي أُجريت لتمثال المعبود «حورس سيد مدينة مسن»، وهو ما يُمثل دليلاً بالغ الأهمية على هوية الموقع ودراسة تاريخه.

الموقع تم استخدامه في أغراض شتى عبر العصور (وزارة السياحة والآثار)

وأكد وزير السياحة والآثار، شريف فتحي، أن «النتائج الجديدة تُمثل إضافة مهمة إلى جهود الوزارة في الكشف عن تاريخ المواقع الأثرية بشمال سيناء ومنطقة القنطرة»، مشيراً إلى أن «ما يجري الكشف عنه بالموقع يُبرز الدور الاستراتيجي والحضاري الذي لعبته هذه المنطقة في حماية الحدود الشرقية لمصر عبر العصور».

وأضاف أن «استمرار أعمال الحفائر المصرية في المواقع المرتبطة بطريق حورس يُسهم في إعادة بناء الصورة التاريخية لهذا الطريق ومحطاته، كما يؤكد أهمية الاستثمار العلمي في أعمال التنقيب والتوثيق الأثري للكشف عن جوانب جديدة من تاريخ مصر القديم».

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن «أعمال الموسم الحالي استكملت سلسلة من الحفائر التي أجريت بالموقع على مدار العقود الماضية، وأسفرت عن نتائج أعادت قراءة بعض العناصر المعمارية المكتشفة سابقاً بصورة أكثر دقة، بما يدعم فهم التخطيط الأصلي للموقع وتتابعه التاريخي»، مشيراً إلى أن «البعثة استكملت الكشف عن سور ضخم من الطوب اللبن ببواباته وغرفه الداخلية وطبقاته المختلفة؛ حيث تبيّن، من خلال الدراسة، أنه يُمثل السور الخارجي للحرم المحيط بالمعبد وليس المعبد نفسه، وهو ما يُصحح التفسير السابق لبعض أجزاء الموقع».

جانب من الآثار المكتشفة (وزارة السياحة والآثار)

ولفت إلى أن الأدلة الجديدة تطرح فرضية أثرية وتاريخية قوية بشأن ارتباط الموقع بمدينة «مسن» المصرية القديمة.

ورصدت البعثة كذلك بقايا طريقين حجريين متعاقبين يؤديان من خارج منطقة التحصين إلى داخل المعبد؛ أولهما طريق من العصر البطلمي، يعلوه طريق روماني أقل اتساعاً.

كما جرى الكشف عن بقايا المعبد، مع غرف تخزينية متتابعة في الناحية الشمالية، وغرف خدمية أوسع في الناحية الجنوبية، وصولاً إلى منطقة قدس الأقداس التي تعرضت للهدم نتيجة أعمال التحجير أواخر العصر الروماني، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وأكد مدير البعثة، محمود جلال، أن الحفائر كشفت كذلك عن مجموعة من اللقى الأثرية ذات الدلالات الإدارية والعسكرية، من بينها جزء من تمثال من حجر الشست، يعود إلى عصر الأسرة السادسة والعشرين، لكاتب الجيش يحمل ناووساً مكسوراً، بما يعكس بوضوح الطبيعة الاستراتيجية والعسكرية للموقع.

كما عُثر على تمثال فاقد الرأس والقدمين يعود إلى العصر المتأخر، وجذع تمثال ملكي من البازلت، إلى جانب أجزاء من تماثيل لصقور مصنوعة من البازلت والحجر الجيري.

نقوش مصرية قديمة على صخور الموقع (وزارة السياحة والآثار)

وتُشير نتائج الحفائر إلى أن الموقع شهد مراحل متعددة من التطور والتحول؛ إذ بلغ المعبد ذروة ازدهاره المعماري خلال العصر البطلمي، قبل أن يُعاد استخدام أجزاء من الموقع في إنشاء ثكنات عسكرية خلال القرن الثالث الميلادي.

وفي أواخر العصر الروماني تحوّل الموقع إلى محجر لإنتاج الجير؛ حيث كشفت البعثة عن فرنين دائريين ضخمين، أقيما فوق ركني منطقة قدس الأقداس، يحتويان على بقايا أحجار جيرية تعرضت للحرق.

وتؤكد النتائج التي توصلت إليها البعثة أن تل أبو صيفي يُمثل أحد المواقع الرئيسية على امتداد طريق حورس الحربي، ويكشف عن تعاقب وظائف عسكرية ودينية واقتصادية على الموقع، بما يعكس أهميته الاستراتيجية ودوره في حماية الحدود الشرقية لمصر.


مصر: الداخلية تنفي شائعات «التحرش» في حفل محمد رمضان بالساحل

محمد رمضان يتوقف عن الغناء خلال الحفل (إكس)
محمد رمضان يتوقف عن الغناء خلال الحفل (إكس)
TT

مصر: الداخلية تنفي شائعات «التحرش» في حفل محمد رمضان بالساحل

محمد رمضان يتوقف عن الغناء خلال الحفل (إكس)
محمد رمضان يتوقف عن الغناء خلال الحفل (إكس)

توقف الفنان المصري محمد رمضان عن الغناء خلال إحدى فقرات حفله الذي أقيم، مساء الجمعة، في «بورتو غولف العلمين» بالساحل الشمالي بعد الأحداث التي جرت وسط عدد من الحضور، خصوصاً الفتيات نتيجة التكدس والزحام الشديد ووجودهن وسط تجمعات لعدد كبير من الشباب، وما أشيع حسب تعليقات «سوشيالية» بتعرضهن للتحرش.

وانتشرت لقطات من حفل محمد رمضان عبر «السوشيال ميديا» خلال الساعات الماضية أظهرت فتيات في حالة انهيار عصبي وبكاء شديد بسبب التدافع وعدم استطاعتهن الخروج من السياج الحديدي؛ ما استدعى توقفه عن الغناء، وطلب من مسؤولي تأمين الحفل مساعدتهن في الخروج الآمن قبل استكمال فقرات حفله.

وتصدر اسم محمد رمضان، ولقطات من حفل الساحل «الترند» على موقع «إكس» في مصر، السبت، واعترضت تعليقات ومشاركات عدة على طريقة التنظيم خصوصاً مع الحضور الجماهيري الكبير الذي شهده الحفل، إذ طالبت تعليقات بمحاسبة الشركة المنظمة بسبب أزمة التكدس.

جانب من حفل محمد رمضان (إنستغرام)

وفي السياق، حرص محمد رمضان، خلال الحفل على التدخل بنفسه مرة أخرى لمساعدة إحدى السيدات المسنات وإخراجها من بين الحضور إلى منطقة آمنة بجوار المسرح.

وعن رأيه بما جرى في حفل محمد رمضان، واتهام الشركة المنظمة بعدم وجود ضوابط صارمة مما تسبب في حدوث فوضى وتجاوزات بين الحضور، عدّ الناقد الفني المصري عماد يسري «ما حدث في الحفل مهزلة بكل المقاييس، ويتحمل ما جرى المسؤول عن التنظيم؛ لأنه لم يضع في حسبانه خطة شاملة لكل الأحداث المحتملة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الحفلات الجماهيرية التي تحظى باهتمام فئات عمرية معينة مثل الشباب لا بد أن يوضع في الاعتبار حالات التدافع وربما التعرض للتحرش، لذلك كان لا بد من الفصل، وتخصيص ممرات آمنة للخروج».

وتعليقاً على ما جرى خلال الحفل أكدت وزارة الداخلية المصرية في بيانها، السبت، عدم تعرض الفتيات للتحرش، وجاء في نص البيان: «في إطار كشف ملابسات عدة مقاطع فيديو تم تداولها بمواقع التواصل الاجتماعي تضمنت الزعم بتعرض فتاتين للتحرش بإحدى الحفلات بالساحل الشمالي بمطروح، بالفحص تبين أنه بتاريخ 15 الحالي وصل بلاغ لقسم شرطة العلمين من (طالبة جامعية وشقيقتها... مقيمتين بنطاق محافظة الجيزة) بتضررهما من تداول أخبار ومقاطع الفيديو والزعم بتعرضهما للتحرش خلال وجودهما بحفل بإحدى القرى السياحية بدائرة القسم، وذلك على خلاف الحقيقة بصورة مسيئة لهما».

وأوضح البيان «أن ما حدث كان نتيجة التزاحم الشديد للمشاركين بالحفل، ولم يتهما أحداً بالتحرش بهما، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية».

وقال عماد يسري إن بيان وزارة الداخلية الذي أفاد بعدم وجود حالات تحرش يؤكد أن الأزمة تكمن في سوء تنظيم، ووجود ثغرات أدت إلى تلك الأحداث.

وقبل حفله بساعات، كتب محمد رمضان عبر حسابه على موقع «إنستغرام»: «تمنياتي لجميع حضور حفلي بقضاء وقت ممتع وطاقة موسيقية تليق بكم، وأرجو من كل شاب مصري جدع أن يحافظ على سلامة كل بنت ويقول لصاحبه في غيابه (أختك أمانة في رقبتي)»، مضيفاً: «ليلة جميلة وأمان وسلام على كل حبايبي، وأنتظر تكتبوا لي هنا ما هي أكثر أغنية أعجبتكم ع المسرح.. ثقة في الله أقوى حفل مصر».

رمضان يتحدث إلى الجمهور والمنظمين خلال الحفل (إكس)

وقدم محمد رمضان خلال الحفل أغنيات عدة من بينها «نمبر وان»، و«جميلة»، و«محمد»، و«حبيبي أنا من غيرك» والأخيرة طرحها قبل أيام، وحازت على مشاهدات عدة عبر منصات موسيقية مختلفة، كما ظهر محمد رمضان على المسرح بالقناع، وفي فقرات أخرى بسيارته، وبالحنطور، إلى جانب الاستعراضات الغنائية التي اعتمدت على الإبهار البصري، كما أعلن قبل ساعات عن إقامة حفل غنائي جديد يوم 20 أغسطس «آب» الحالي.