تأكيد تركي على «جدية» التطبيع مع النظام السوري

بعد الكشف عن لقاء فيدان ومملوك في موسكو برعاية روسية

عناصر من القوات الخاصة التركية تشارك في عملية «غصن الزيتون» في عفرين شمال سوريا  (أرشيف وكالة الأناضول)
عناصر من القوات الخاصة التركية تشارك في عملية «غصن الزيتون» في عفرين شمال سوريا (أرشيف وكالة الأناضول)
TT

تأكيد تركي على «جدية» التطبيع مع النظام السوري

عناصر من القوات الخاصة التركية تشارك في عملية «غصن الزيتون» في عفرين شمال سوريا  (أرشيف وكالة الأناضول)
عناصر من القوات الخاصة التركية تشارك في عملية «غصن الزيتون» في عفرين شمال سوريا (أرشيف وكالة الأناضول)

في وقت تحدثت تقارير عن لقاء بين رئيس المخابرات التركية هاكان فيدان ورئيس مكتب الأمن الوطني السوري على مملوك، في موسكو برعاية روسية، رأت مصادر تركية أن مثل هذه اللقاءات «واردة وطبيعية»، وعقدت من قبل لبحث قضايا أمنية ولا سيما أمن الحدود. ولفتت في الوقت ذاته إلى جدية أنقرة في الحديث عن التطبيع مع دمشق، وإن كان الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً، مؤكدة في المقابل أن خيار العملية العسكرية في شمال سوريا ليس مستبعداً بالكامل.
وقالت المصادر، في تعليق لـ«الشرق الأوسط» على ما ذكره موقع «إنتليجنس أونلاين» الفرنسي الاستخباراتي، أول من أمس الأربعاء، حول لقاء بين فيدان ومملوك في موسكو، إن اللقاء يعد أمراً طبيعياً في ظل انفتاح تركيا على جميع الخيارات، بما فيها التطبيع مع نظام بشار الأسد إذا كان جادا في مكافحة الإرهاب (أي في إبعاد وحدات حماية الشعب الكردية، أكبر مكونات تحالف قوات سوريا الديمقراطية «قسد» عن الحدود الجنوبية لتركيا لمسافة 30 كيلومترا) والمضي في العملية السياسية وضمان العودة الآمنة للسوريين في تركيا.
وذكرت المصادر أن تراجع الحديث من جانب المسؤولين الأتراك عن التطبيع مع الأسد، لا يعني عدولاً من أنقرة عن موقفها، لأنه لم يكن متصوراً منذ البداية أن يسير التطبيع بخطى سريعة أو أن تتحقق قفزة كبيرة مثل اللقاء بين الرئيس رجب طيب إردوغان وبشار الأسد. ولفتت إلى أن تصريحات إردوغان السابقة عن ضرورة إحراز تقدم في الاتصالات مع دمشق، تعني أنه يمكن لأجهزة البلدين عقد لقاء وحتى يمكن أن يلتقي وزراء من البلدين في مرحلة لاحقة على الاتصالات التي تجرى على مستوى أجهزة المخابرات والأمن.
وأشارت المصادر إلى أن روسيا تدفع باتجاه التطبيع بين أنقرة ودمشق وترغب في أن تصل تركيا إلى اقتناع بمسألة أن يسيطر نظام الأسد على كامل الأراضي السورية، وإبعاد خيار التدخل العسكري من جانب تركيا واستبداله بالتعاون والتنسيق الأمني مع دمشق.
موقع «إنتليجنس أونلاين» الفرنسي أكد انعقاد الاجتماع، بينما لم يصدر تأكيد أو نفي عن كل من أنقرة ودمشق. وأشار في الوقت ذاته إلى أن نتائج الاجتماع لم تكن «مقنعة»، إلا أنه سمح للجانبين عرض مطالب كل منهما، فيما أفاد بأن الرعاية الروسية جاءت حرصاً على لعب دور الوسيط بين تركيا والنظام السوري.
وبحسب ما ذكر الموقع، أظهرت المحادثات الأمنية بين فيدان والمملوك، استمرار الفجوة بين الجانبين من جهة وتصاعد الرغبة الروسية بحلها من جهة أخرى. وطالب النظام بـ«جدول زمني» للانسحاب التركي، لا سيما أن تركيا تسيطر على جيوب سورية تساوي ضعف مساحة لبنان، وتتمسك بـ«مناطق آمنة» شمال سوريا. في وقت يواصل الجانب الروسي وساطته لردم الفجوة والبناء على اهتمام الجانبين، السوري والتركي بالقضاء على وجود «الحركات الانفصالية».
وشملت مطالب النظام، احترام السيادة السورية، ووضع جدول زمني للانسحاب التركي من الأراضي السورية، ووقف دعم الجماعات الانفصالية، وإعادة إدلب الخاضعة لسيطرة فصائل مدعومة من تركيا منذ 2015، واستعادة السيطرة على معبر باب الهوى بين تركيا وإدلب، وفتح طريق «إم 4» الذي يمتد من حدود البحر المتوسط غرباً إلى العراق شرقاً وتسيطر عليه قوات سورية وتركية وكردية، ومساعدة الأسد على تخطي العقوبات الغربية (كما تفعل تركيا مع العقوبات ضد روسيا) وعودته إلى الجامعة العربية، والمساعدة في إعمار سوريا، ومساعدة الأسد أيضاً على استعادة السيطرة على الثروات الطبيعية من نفط وغاز وزراعة شرق الفرات.
أما تركيا، التي تعتقد أن نظام الأسد غير قادر لوحده على محاربة الأكراد، فطالبت بعمل جدي ضد «حزب العمال الكردستاني» وجناحه السوري «وحدات حماية الشعب»، والتعاون بين أجهزة الأمن في البلدين، ومفاوضات مع المعارضة السورية المدعومة من تركيا للوصول إلى تسوية سياسية، وعودة اللاجئين السوريين، وإنشاء مناطق آمنة في حلب ومناطق أخرى شمال سوريا بعمق 30 كيلومتراً، ومساعدة وتسهيل عمل اللجنة الدستورية السورية.
وأشار الموقع الفرنسي إلى أن «إيران حاولت الدخول على خط الوساطة الأمنية بين النظام السوري وتركيا، الأمر الذي لم يرح البعض في النظام وفي موسكو. لكن روسيا مستمرة في وساطتها».
ونقل الموقع عن مسؤول، لم يحدده، أنه «لو استمر الوضع على ما هو عليه سنتين أو ثلاثا، من الصعب أن تستعيد سوريا وحدتها»، مشيراً إلى أن الوسيط الروسي حالياً يعمل على «خطة عمل» تنطلق من مطالب الجانبين والنقاط المشتركة.
وبين الأولويات تقديم ضمانات أمنية للجانب التركي وترتيبات عملياتية لنظام الأسد في إدلب وطريق «إم 4». وأحد الحلول أن يعكف الجانبان السوري والتركي على نسخ مسودة جديدة لاتفاق أضنة للعام 1998 الذي أسس للتعاون الأمني بينهما ضد «حزب العمال الكردستاني».
في الوقت ذاته، أكدت المصادر التركية أن أنقرة أتمت الاستعدادات العسكرية واللوجيستية للعملية العسكرية التي أعلنت عنها في مايو (أيار) الماضي بهدف استكمال إقامة مناطق آمنة لمسافة 30 كيلومتراً في العمق السوري، والتي أعلنت أن هدفها سيكون منبج وتل رفعت حيث تسيطر قوات من قسد والنظام بإشراف روسي.
ورأت المصادر أن تراجع التصريحات من جانب تركيا حول العملية العسكرية المحتملة لا يعني إلغاءها بل تعليقها، أولاً لإفساح المجال للجهود التي تبذلها روسيا للتطبيع بين أنقرة ودمشق، وثانياً لمواصلة العمل على تأمين مواقف الأطراف الأخرى المنخرطة في سوريا والرافضة للعملية العسكرية، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وروسيا، إضافة إلى إيران والدول الأوروبية.
وفي رأي بعض المحللين، ومنهم الكاتب التركي جلال باشلانجيتش، فإن العملية العسكرية ستبقى خياراً مطروحاً يلوح به الرئيس إردوغان من أجل حشد مؤيديه مع اقتراب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في 18 يونيو (حزيران) 2023، وأن التصعيد في الهجوم على اليونان والتلويح بعملية عسكرية ضدها لا ينفصل عن هذا السياق أيضاً. ولفت باشلانجيتش إلى قلق المعارضة التركية من انغماس تركيا في عمليات دموية الهدف منها فقط أن يحافظ حزب «العدالة والتنمية» الحاكم برئاسة إردوغان على بقائه على رأس السلطة، مدفوعاً بالنزعة المتشددة لحليفه حزب «الحركة القومية» لتكرار سيناريو انتخابات عام 2015 التي خسرها الحزب في 7 يونيو (حزيران)، ولجأ بعد ذلك إلى انتخابات مبكرة في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، لكن البلاد شهدت عمليات دموية وهجمات أشعلت حماس القوميين.
ولا ترفض المعارضة التركية فكرة الحوار مع دمشق ونظام بشار الأسد بشأن تهيئة مناخ يسمح بإعادة السوريين اللاجئين في تركيا إلى بلادهم، إلى الحد الذي أعلنت فيه رئيسة حزب «الجيد» القومي، ميرال أكشينار استعدادها للقاء الأسد في دمشق لحل المشكلة، وهو ما سبقها إليه أيضاً رئيس حزب «الشعب الجمهوري» زعيم المعارضة، كمال كليتشدار أوغلو، والحزبان منضويان تحت راية «تحالف الأمة» المعارض.
وتعتقد المعارضة، التي ترفض العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا، أن أخطاء الحكومة في التعامل مع الملف السوري منذ البداية والتي بنيت على تقديرات خاطئة بأن سقوط نظام الأسد سيكون سريعاً جداً، هي التي قادت إلى الوضع الراهن.


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الحوثيون ينفقون الملايين على أتباعهم ويثيرون استنكار المحرومين

جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)
جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)
TT

الحوثيون ينفقون الملايين على أتباعهم ويثيرون استنكار المحرومين

جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)
جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)

أعلنت الجماعة الحوثية في اليمن عن تخصيص نحو 10 ملايين دولار للإنفاق على عائلات قتلاها وجرحاها ومفقوديها في التصعيد العسكري خلال أسبوع واحد، في إجراء يثير استنكاراً واسعاً داخل مناطق سيطرتها التي تشهد أزمة معيشية حادة وانقطاع رواتب الموظفين العموميين منذ سنوات.

ودشنت الهيئة العامة لرعاية أسر قتلى الجماعة، أواخر الشهر الماضي، برنامجاً واسعاً للإنفاق على أتباع الجماعة وأسر قتلاها وجرحاها، بتكلفة إجمالية بلغت نحو 9.34 مليون دولاراً (5 مليارات و443 مليون ريال يمني، حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 530 ريالاً)، ضمن فعالياتها السنوية التي تطلق عليها «أسبوع الشهيد».

ويشمل الإنفاق مشروعات غذائية وطبية وتقديم معونات نقدية. ووفقاً لكلمة القيادي الحوثي صالح حمزة، نائب رئيس الهيئة، خلال فعالية التدشين، فإن المشروعات المُعلنة تستهدف إحياء الذكرى السنوية لقتلى الجماعة، فضلاً عن تنفيذ برامج الرعاية الدورية والتمكين الاقتصادي، وتوسيع مجالات الدعم الموجهة لأسر القتلى والجرحى والمفقودين.

وإلى جانب ذلك، تهدف الجماعة إلى توزيع سلال غذائية بقيمة 3.36 مليون دولاراً (1.8 مليار ريال)، وهدايا رمزية بقيمة 2.61 مليون دولاراً (1.4 مليار ريال)، بالإضافة إلى مشروعات تمكين اقتصادي ورعاية دورية موجهة حصراً لمنتسبي الجماعة وعائلاتهم.

غالبية الموارد المالية الخاضعة للحوثيين تذهب لصالح التعبئة والحشد والدعاية (إعلام حوثي)

وضاعفت الجماعة الحوثية، خلال الأعوام الأخيرة، من تسخير الموارد المالية والاقتصادية في خدمة مشروعها، حيث تحدث القيادي حمزة عن تسخير مليارات الريالات خلال العام الماضي، لتنفيذ مشروعات نقدية وصحية وغذائية موجهة حصراً لأسر القتلى والجرحى والمفقودين.

حصر المساعدات بالولاء

تُتَّهم الجماعة بتوظيف موارد الدولة وعائدات هيئتي «الزكاة» و«الأوقاف»، وهما كيانان موازيان أنشأتهما خلال السنوات الماضية، لتعزيز التعبئة العسكرية والولاء السياسي، بدلاً من توجيهها لتخفيف المعاناة الاقتصادية العامة.

ويرى سكان في صنعاء أن الجماعة تواصل تبديد الأموال على مشروعات تستهدف ذوي قتلاها وجرحاها، بالتوازي مع إحياء مناسبات تروج لأفكارها الطائفية، بينما تتجاهل معاناة الملايين الذين يواجهون أوضاعاً معيشية قاسية، في ظل أزمة إنسانية تتفاقم عاماً بعد آخر.

قيادات حوثية أثناء تدشين برنامج الرعاية الاجتماعية الخاص بأتباع الجماعة (إعلام حوثي)

ويقول موظف عمومي في صنعاء، طلب إخفاء اسمه، إنه، وبينما بات عاجزاً عن توفير الاحتياجات الأساسية لعائلته التي تضم 5 أطفال، تذهب الجماعة إلى تخصيص المليارات لعائلات قتلاها، وبرامج لا تتجاوز أتباعها، ما يثير شعوراً بالغاً بالمرارة لديه والآلاف الذين لا يستطيعون تلبيه احتياجات عائلاتهم.

ويستنكر حرمان ملايين اليمنيين من الطعام والعلاج والتعليم، مقابل تخصيص هذه المبالغ لعدد محدود من العائلات بسبب ولائها.

استمالة العائلات الفقيرة

يرى مراقبون أن الجماعة تسعى إلى استمالة الأسر الفقيرة واستثمار أوضاعها المعيشية لتعزيز ولائها، وإقناعها بدفع مزيد من أبنائها للانخراط في القتال على الجبهات.

من جهته، يبدي رب عائلة فقيرة حسرته من سماعه عن إنفاق المليارات على فعاليات ومشروعات الجماعة، بينما توضع الأسر الفقيرة أمام خيارات قاسية؛ بين تقليص احتياجاتها الأساسية أو الاستدانة، في ظل غياب مصادر دخل مستقرة وتراجع فرص الحصول على المساعدات.

عناصر حوثيون بينهم طفل في فعالية مؤيدة لإيران و«حزب الله» اللبناني في صنعاء (أ.ف.ب)

وفي ريف العاصمة المختطفة صنعاء، يقول موظف تربوي إن استمرار انقطاع الرواتب دفع آلاف المعلمين إلى البحث عن أعمال بديلة لتوفير الحد الأدنى من احتياجات أسرهم، في وقت تتواصل فيه الحملات التعبوية والإنفاق الحوثي على الأتباع، مشيراً إلى عجز المعلمين عن توفير احتياجات أبنائهم بعد سنوات طويلة قضوها في خدمة التعليم.

ويأتي هذا الإنفاق الموجه في وقت تصنف فيه الأمم المتحدة الوضع في اليمن بوصفه إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعاني ملايين السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين من انعدام الأمن الغذائي وتدهور الخدمات الأساسية.


التصعيد الحوثي يضاعف الضحايا ويهدد بانهيار إنساني شامل

استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)
استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)
TT

التصعيد الحوثي يضاعف الضحايا ويهدد بانهيار إنساني شامل

استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)
استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)

سجّلت منظمات طبية محلية ودولية عاملة في اليمن ارتفاعاً ملحوظاً في المعدل اليومي لضحايا التصعيد العسكري الحوثي إلى 132 شخصاً، مقارنة بنحو 93 ضحية خلال الأسبوع الماضي، وتصدرت محافظة لحج قائمة المحافظات المتضررة نتيجة استمرار المعارك وقصف الحوثيين للتجمعات السكانية بالصواريخ والمسيّرات.

وأظهر أحدث تقرير لـ«كتلة الصحة» أن إجمالي الضحايا المسجلين لدى مركز عمليات الطوارئ الصحية حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بلغ 9730 شخصاً (7959 مصاباً و1771 وفاة)، بزيادة قدرها 658 حالة خلال 5 أيام فقط.

وشهدت محافظة لحج (الجنوب الغربي) 309 حالات تشكل 47 في المائة من إجمالي الضحايا الجدد، في حين سجلت محافظة مأرب أعلى معدل للوفيات بـ36 حالة وفاة من أصل 172 ضحية (بنسبة 21 في المائة)، من بينها 117 ضحية (شملت 20 وفاة) سُجلت في يوم 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وحده بمديريتي الجوبة وحريب وجبهة الجوف.

الحوثيون تسببوا في مقتل وإصابة أكثر من 9.7 ألف يمني (إعلام محلي)

وعلى الصعيد الميداني والإنساني، حذّر التقرير الصادر عن الكتلة (التي تضم 31 قطاعاً صحياً) من تدهور الخدمات في الساحل الغربي؛ حيث توقفت المرافق الصحية الثلاثة المدعومة من الشركاء في مديرية الوازعية، وتَعذّر جمع بيانات شهر أكتوبر في مديرية ذباب جراء قيود الوصول.

وتزامن ذلك مع تجاوز أعداد النازحين 320 ألف شخص، وفق منظمة الهجرة الدولية، تركز معظمهم في الشهرين الماضيين.

مؤشرات وبائية

وشهدت مديرية المضاربة والعارة بلحج نزوح 43 ألف شخص منذ مطلع العام الماضي، وتستضيف عدن حالياً أكثر من 56 ألف نازح، بينما تضاعفت أسعار السلع الأساسية في تعز بين 3 إلى 5 أضعاف.

21 ألف نازح يعيشون في مخيمات لا تخضع لأي إشراف (الأمم المتحدة)

ورصد التقرير ظهور 28 موقعاً جديداً أو معاد فتحها للنازحين تؤوي 21273 شخصاً دون أي إدارة متخصصة أو إشراف إنساني، إلى جانب 105 مواقع تضم 74456 شخصاً في مديريات غرب تعز، التي انتقلت السيطرة عليها إلى الحوثيين خلال الشهر ذاته.

وتواجه الاستجابة الإنسانية عجزاً حاداً؛ إذ تموِّل منظمة الصحة العالمية 9 فرق طبية متنقلة فقط من أصل 30 إلى 40 فرقة مستهدفة، و4 مراكز ثابتة من أصل 25 إلى 35 مركزاً، وسط حاجة ملحة للتنسيق مع الوحدة التنفيذية للمخيمات لتحديد نقاط تجمع مناسبة لتقديم الخدمات.

وفي الجانب الوبائي، سُجل انخفاض مستمر في إصابات الكوليرا بالمحافظات الخمس الأكثر تضرراً، متراجعة من 639 حالة في الأسبوع الأربعين إلى 443 حالة في الأسبوع الثالث والأربعين، مع الإشارة إلى أن بيانات الأسبوع الرابع والأربعين غير مكتملة بنسبة 23 في المائة.

تراجع في الإصابة بالكوليرا بنحو 200 حالة خلال أسبوع (الأمم المتحدة)

وبناءً على ذلك، حدّدت منظمة الصحة العالمية 23 مديرية، يقطنها 2.25 مليون نسمة كأولوية لطلب جرعة واحدة من لقاح الكوليرا الفموي من المجموعة التنسيقية الدولية.

فجوات الرعاية الصحية

وعلى مستوى الإمدادات والتمويل، تسببت القيود بتعطيل حركة المساعدات، حيث أُلغيت رحلات الجسر الجوي إلى صنعاء، المقررة يومي 29 أكتوبر و3 نوفمبر (تشرين الثاني)، ولا تزال الشحنة الطبية التجريبية الثانية للمنظمة (بوزن 10 أطنان) بانتظار التنسيق مع برنامج الأغذية العالمي لنقلها إلى تعز.

ويأتي ذلك في ظل أزمة تمويل خانقة، حيث لم يتم تمويل سوى 12 في المائة فقط من الخطة الإنسانية التي تغطي 90 يوماً؛ إذ تلقت منظمة الصحة العالمية 3.7 مليون دولار من أصل 31 مليون دولار مطلوبة، ما يترك عجزاً قدره 27.3 مليون دولار.

يمنيون نزحوا بسبب الهجمات الحوثية في تعز يتجمعون لتلقي مساعدات بضواحي عدن (أ.ب)

حتى في حال إقرار دعم إضافي بقيمة 7.3 مليون دولار يجري نقاشه مع الجهات المانحة الأوروبية والصندوق المركزي للطوارئ، فإن 65 في المائة من الخطة سيبقى بلا تمويل، ما يهدد استمرارية الاستجابة لما بعد نهاية العام.

واختتم التقرير بالإشارة إلى 4 حلقات مفقودة وغير ممولة في سلسلة رعاية المصابين. تشمل: نظام إحالة المرضى، وتوفير موقع جراحي من المستوى الثاني، وتوسيع وحدات العناية المركزة (بما في ذلك توفير الوقود لـ77 مرفقاً صحياً)، إلى جانب خدمات إعادة التأهيل بعد الخروج.

وبين أن غياب خدمات إعادة التأهيل بعد الخروج يؤدي إلى تكدس المرضى في الأقسام الجراحية لعدم إمكانية تسريحهم بأمان، ما يقلص القدرة الاستيعابية للمستشفيات ويحرم الحالات الجديدة من تلقي العلاج.


مقتل بحّار بهجوم صاروخي على ناقلة نفط في الخليج

صورة أرشيفية بالأقمار الاصطناعية تُظهر الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عُمان (د.ب.أ)
صورة أرشيفية بالأقمار الاصطناعية تُظهر الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عُمان (د.ب.أ)
TT

مقتل بحّار بهجوم صاروخي على ناقلة نفط في الخليج

صورة أرشيفية بالأقمار الاصطناعية تُظهر الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عُمان (د.ب.أ)
صورة أرشيفية بالأقمار الاصطناعية تُظهر الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عُمان (د.ب.أ)

قالت ​شركة مشغلة لناقلة منتجات نفطية، الجمعة، إن بحّاراً قُتل في ‌انفجار يُعتقد أنه ‌ناجم ​عن ‌هجوم ⁠صاروخي ​استهدف الناقلة ⁠في الخليج، الخميس.

وأضافت شركة «فيلوس تانكرز» اليونانية، في ⁠بيان، أن ‌الناقلة ‌«إم تي فيلوس» ​كانت ‌تبحر من دون ‌حمولة متجهة نحو البحرين عندما تعرّضت للهجوم.

وتابعت: «تعلن ‌الشركة بحزن بالغ وفاة أحد ⁠بحارتها، ⁠الذي عُثر عليه مصاباً بجروح مميتة على متن السفينة بعد الإبلاغ في البداية عن فقدانه ​في ​أعقاب الانفجار».