عهد عون... اختصرته حروبه لنسف «اتفاق الطائف»

مع العد التنازلي لنهايته

عون مترئساً جلسة لمجلس الوزراء
عون مترئساً جلسة لمجلس الوزراء
TT

عهد عون... اختصرته حروبه لنسف «اتفاق الطائف»

عون مترئساً جلسة لمجلس الوزراء
عون مترئساً جلسة لمجلس الوزراء

رغم التقارير المتداولة خلال اليومين الأخيرة عن انفراج على صعيد تشكيل الحكومة العتيدة، يمكن القول أنه لم يسبق للبنان أن عايش عهداً رئاسياً استنزف سنواته الستّ بالصراعات السياسية والتعطيل الحكومي، كما فعل عهد الرئيس ميشال عون الذي شارف على نهايته. كذلك، وفق كثيرين، لم يسبق لرئيس جمهورية أن خلا سجلّه من أي انجاز كما هي مسيرة عون التي توّجت كما يقول هؤلاء بانهيار الدولة وتحلل مؤسساتها، ووصول الشعب اللبناني إلى حافة المجاعة. ويعزو هؤلاء أسباب الانهيار إلى دوافع متعددة أبرزها: خصومة عون التاريخية مع «اتفاق الطائف» والحروب السياسية التي خاضها لإسقاطه، وإلحاق لبنان بالمحور الإيراني، وصراعه المفتوح مع كلّ رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على عهده.
ثمّة في لبنان مَن يمنح عهد الرئيس ميشال عون، الآيل إلى الأفول، أسباباً تخفيفية، ويعتقد أنه ليس مسؤولاً وحده عن الواقع القائم. ويزعم أصحاب هذا الرأي أن «الانهيار أتى نتيجة تراكمات من العهود السابقة وفشل الحكومات المتعاقبة، وظروف داخلية وخارجية فجرّت الوضع». ولكن في المقابل، يحمّل آخرون «الرئيس القوي» المسؤولية وحده بفعل أدائه، ويعدّون الأيام والساعات التي يرون فيها مشهد مغادرته قصر بعبدا في 31 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
الوزير السابق رشيد درباس يعبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن أسفه للحال التي وصلت إليها حال لبنان في عهد عون، ويتضرّع إلى الله أن «يمنح اللبنانيين الصبر لتمرير الـ80 يوماً المتبقية من هذا العهد بأقل الأخطار». ويذكّر درباس بأن «ما يسمّى بالرئيس القوي مارس صلاحيات رئيس الجمهورية بأضعف الحدود، علماً أن الرئيس لديه كلّ صلاحيات وأدوات الحكم... وهو يشبه الطاولة المستديرة التي يلتفّ حولها الجميع، لكن عندما يقدّم مصالح فريقه على مصلحة البلد وباقي المكوّنات يصبح متراساً للصراعات ويقفل كلّ الطرق التي تقود إلى الإنقاذ».
- مصادمة رؤساء الحكومات
وحقاً، لم يكتب تاريخ لبنان منذ الاستقلال وحتى اليوم، أن اصطدم رئيس الجمهورية مع كلّ رؤساء الحكومات، لذا ثمّة من يعطي تفسيراً مغايراً لهذه المعضلة، فيؤكد سياسي مخضرم أن «أزمة عون الحقيقية هي مع اتفاق الطائف ومع الدولة التي رعته (في إشارة إلى المملكة العربية السعودية) وفرضته في أحلك الظروف». ويشير السياسي - الذي رفض ذكر اسمه - أن «الطائف يمثل إنجازاً تاريخياً، هو لم يوقف الحرب الأهلية في لبنان فحسب، بل ساهم في انتظام سياسة المنطقة، إذ أتى بمرحلة حساسة من مسار التاريخ فيها، وتزامن مع أزمة اجتياح صدام حسين للكويت ومع عاصفة الصحراء، وسقوط جدار برلين وانطلاق مؤتمر مدريد للسلام». واعتبر أن «التدخل السعودي الحاسم جاء في مرحلة بالغة الدقة، وأدى إلى بلورة توازنات سياسية على مستوى المنطقة ككل».
وفي استعراض السياق التاريخي لمسيرة عون، خصوصاً بعد عودته من منفاه الباريسي إثر خروج قوات النظام السوري من لبنان على دماء رفيق الحريري، يكتشف المتابعون أن هذه العودة أتت ضمن «صفقة» باتت فصولها معروفة وأهدافها محددة. وهنا يعرب درباس عن اعتقاده أن مشكلة عون وفريقه مع رؤساء الحكومات ومن يمثلون في المعادلة اللبنانية (الطائفة السنيّة) «عميقة جداً». ويعطي أمثلة حيّة على ذلك قائلاً «هؤلاء استهدفوا رفيق الحريري في قبره، ولاحقوا (رئيس الحكومة السابق) فؤاد السنيورة بشتّى التهم المضللة بما فيها كتاب «الإبراء المستحيل»، وأسقطوا سعد الحريري كرئيس للحكومة عندما كان يقابل باراك أوباما في البيت الأبيض، ووصفوا تمام سلام بالـ«داعشي» الذي يرتدي ربطة عنق، بل إنهم اصطدموا مع حسان دياب الذي أتوا به كخيار أساسي لهم... واليوم تتعمّق مشكلتهم مع نجيب ميقاتي».
ولا ينسى درباس كيف أن جبران باسيل «وفي ظلّ حكومة تمام سلام التي كانت تدير مرحلة الفراغ الرئاسي (بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان)، وفور حضوره إلى اجتماع مجلس الوزراء كان يبدأ الكلام دون أن يستأذن سلام، ويعتبر أن رئيس الحكومة يسطو على صلاحيات رئيس الجمهورية». ويختم الوزير درباس «المشكلة لدى البعض أنهم لا يريدون النظام الديمقراطي، بل أن تستتبّ السلطة بيد المستبدّ»، ويؤكد أن «هذا الفريق مستمرّ في حملة كراهية ضدّ الطائفة السنيّة، بما هي طائفة مؤسسة للدولة اللبنانية... وهذه الحملة لا تستهدف السنّة فحسب، بل صيغة لبنان الدولة والكيان».
- خيار «حلف الأقليات»
صحيح أن القاصي والداني يعرف سلوك عون منذ كان قائداً للجيش، ومن ثم رئيساً للحكومة العسكرية وتفرّده بكثير من القرارات التي كلّفت البلد أثماناً غالية، لكن لا يمكن فصل هذا السلوك عن تموضعه السياسي منذ دخل شريكاً في السلطة.
وهنا يشدد رئيس «لقاء سيّدة الجبل» النائب السابق فارس سُعَيد، على أن الرئيس عون «حسم خياره بالانخراط ضمن حلف الأقليات في المنطقة بمواجهة الغالبية السنيّة». ويلاحظ أن هذا الانخراط «ليس فقط خيار عون وحده، بل سبقه كثيرون من القوى المسيحية التي كانت ضمن مشروع أقلّوي في مقابل المشروع الآخر عند المسيحيين وهو العيش المشترك مع المسلمين».

عصام أبو جمرة  -  فارس سعيد  -  رشيد درباس  -  مصطفى علوش

ويؤكد سُعَيد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «مع بروز قوّة إقليمية اسمها إيران استهدفت الوضعية السنيّة، واستمالت الأقليات العلوية والمسيحية وبعض الدروز في سوريا وبعض المسيحيين في لبنان، قرّر ميشال عون الالتحاق بهذا المحور»، داعياً الفريق المسيحي المناهض لعون إلى «الالتزام باتفاق الطائف ووثيقة العيش المشترك، وأن يكون لبنان جزءاً من النظام العربي وينفذ القرارات الشرعية الدولية».
للعلم، التسوية الرئاسية التي أوصلت عون إلى قصر بعبدا، أحدثت انشقاقاً داخل صفوف ما يعرف بقوى «14 آذار» وافتراقاً بين مكوّناتها. إذ اعتبر معارضو التسوية أن عون، الذي قام تاريخه على الحروب لا يمكن أن يوصل لبنان إلى برّ الأمان، مقابل رهان مؤيدي الاتفاق على دور وسطي للرئيس عون قادر على إعادة «حزب الله» إلى لبنان ووقف حروبه في المنطقة.
ولكن سرعان ما اكتشف أطراف التسوية عقم رهاناتهم التي تسببت بإيصال لبنان لما وصل إليه. ويقول النائب السابق مصطفى علّوش في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «هذا العهد ربما صادف أو تسبب بأسوأ مصير للبنان منذ بداية الحرب الأهلية (عام 1975)، والبعض يقول إنه أسوأ بكثير من زمن الحرب». ويضيف علّوش «شيء ما يميّز عون عن باقي رؤساء الجمهورية قبل الطائف وبعده، هو أنه الوحيد الذي لم يتفق مع أحد، لأنه وضع نفسه بالكامل بتصرف معسكر الممانعة وضمن المشروع الإيراني... وهو الرئيس الوحيد الذي سعى لتوريث صهره (جبران باسيل) رئاسة الجمهورية بأي ثمن، حتى لو كان الثمن القضاء على ما تبقى من الجمهورية»، مبدياً أسفه لأن «عهد عون أوصل لبنان إلى النكبات، ووجوده على رأس الدولة بات يشبه الحرب الأهلية».
- العداء لـ«اتفاق الطائف»
وبالفعل، ولّدت «حرب البيانات» بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة قناعة لدى خصوم عون - وحتى حلفائه - بأن المشكلة تكمن بـ«الرئيس القوي» الذي حارب كلّ رؤساء الحكومات، ولم يبالِ أن يمضي أكثر من نصف عهده بفراغ حكومي، ويذكّر النائب السابق فارس سُعَيد، بأن «مشكلة عون ليست مع نجيب ميقاتي، بل سبق وفجّر الخلافات حتى مع حسان دياب، لأنه يعتقد أن اتفاق الطائف أنزل المسيحيين درجة ورفع المسلمين درجة، ولذا يتحالف مع مكوّن شيعي أساسي هو «حزب الله» لإسقاط الطائف والعودة إلى ما قبله».
ويرى سُعَيد هنا أنه «لا بدّ من بلوَرة خيارات سياسية تكرّس اعتماد قرارات الشرعية العربية والشرعية الدولية». ثم يلفت إلى أن «اتفاق الطائف لم يُنهِ الحرب الأهلية التي اندلعت العام 1975 فقط، بل أنهى صراعاً سياسياً بدأ عام 1947، فبعد الطائف أقرّ المسلمون للمرة الأولى بنهائية الكيان اللبناني، وأقرّ المسيحيون بعروبة لبنان»، محذراً من أنه «إذا خرجنا من الطائف سندخل في المجهول».
لا شكّ أن علاقة رؤساء الجمهورية مع رؤساء الحكومات، شابها بعض الفتور والتباينات، لكن ذلك لم يؤدِ يوماً إلى تعطيل تشكيل الحكومة أو شلّ الحكومة وإدخال البلاد في تصريف الأعمال لأشهر طويلة. ولذلك يرفض النائب السابق علّوش تشبيه عهد عون بأي عهد آخر، معتبراً إياه «الأكثر سواداً في تاريخ لبنان، والمفارقة أنه حتى رئيس الحكومة الذي أتى من خلال التسوية الرئاسية (سعد الحريري)، لم يدُم شهر العسل بينهما الّا فترة قصيرة»، ويلفت إلى أن «عقدة عون شملت كلّ رؤساء الحكومات... وتجربة حسان دياب كانت سيئة للغاية، إذ أتى به عون بإرادة كاملة وسرعان ما بدأ التهكم عليه واستخدام وسائل الضغط بالترغيب والترهيب. ووصل به الأمر إلى إهانته شخصياً. كما أنه عندما أفشل مساعي سعد الحريري بتشكيل الحكومة ودفعه للاعتذار، هلل لتسمية نجيب ميقاتي كرئيس توافقي قادر على تدوير الزوايا، ومن ثمّ انفجر الخلاف إلى حرب مفتوحة».
- رأي أبو جمرة
أخيراً، لا تقتصر القراءة السلبية لسنوات حكم عون على خصومه الحاليين والسابقين، بل استشرفها مَن التصق به إبان حياته العسكرية وعند تسلّمه رئاسة الحكومة العسكرية بين العامين (1988 ــ 1990). إذ يصف نائب رئيس الحكومة الأسبق اللواء عصام أبو جمرة، عهد عون بـ«عهد الفراغ والمشاكل». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «مشكلة هذا الرجل ليست في نرجسيته وحنينه للعودة إلى ما قبل الطائف، بل بإلحاق لبنان بمحور إيران متخطياً إرادة أغلبية اللبنانيين، الذين يريدون الحياد وإبعاد لبنان عن المحاور الغربية والشرقية». ويستغرب أبو جمرة كيف حفل عهد عون بأربع سنوات من الفراغ الحكومي، والباقي أمضاها بالصراع على المحاصصة حتى أوصل لبنان إلى الفوضى. ويتابع «صحيح أن عون افتعل مشاكل مع رؤساء الحكومات المتعاقبين، لكنّ ممارساته أثبتت أنه ليس رجل مؤسسات بل رجل سلطة فاشل، ويكفي أنه طبع حياته بـ«مسيرة الفراغ» الممتدّة منذ العام 1988 حتى اليوم».
- ماذا خسر رئيس الجمهورية بعد الطائف؟
> لا خلاف على أن رئيس الجمهورية في لبنان خسر جزءاً مهمّاً من صلاحياته بعد «اتفاق الطائف»، إذ لم يعد الحاكم المطلق، وإن بقي صاحب قرار وتأثير كبيرين في المعادلة الوطنية بكثير من المحطات والاستحقاقات، ولذلك فإن الحرب السياسية مستمرّة على أمل استعادة الصلاحيات المقيّدة بموجب الدستور.
قبل «الطائف» كان رئيس الجمهورية صاحب السلطة المطلقة في لبنان، فهو من يمتلك صلاحية تشكيل الحكومات، بدءاً من تعيين الوزراء وتسمية رئيسهم وإقالة الحكومة عند الاقتضاء، والمقرر في المراسيم التي تصدرها الحكومة. ولكن بعده أخضع تشكيل الحكومة لمعايير مختلفة، تبدأ بدعوة رئيس الجمهورية النواب إلى استشارات نيابية مُلزِمة لتكليف رئيس لتشكيل الحكومة، وبعد التكليف يجري الرئيس المكلّف استشارات غير مُلزِمة مع النواب، ويشكّل الحكومة بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، ويوقعان معاً مرسوم تأليف الحكومة.
أيضاً لم يقتصر نفوذ الرئيس على السلطة التنفيذية، بل كان صاحب قوّة مقرّرة في عمل السلطة التشريعية، وله الحقّ في دعوة مجلس النواب إلى عقد جلسات استثنائية واقتراح القوانين التي يراها مناسبة لإدراجها على جدول أعماله، ويمكنه أيضاً حلّ البرلمان ولكن بموجب قرارٍ معللٍ وبموافقة الحكومة التي يعينها بنفسه. لكن بعد «الطائف» فقد الرئيس هذه الميزة، إنما أجاز له الدستور توجيه كتاب إلى المجلس يطلب فيه تحديد موقفه من مسألة معينة، كما فعل عون عندما طالب المجلس النيابي بإيجاد حلّ لتكليف سعد الحريري تشكيل الحكومة، وعجز الأخير عن إنجاز هذه المهمّة بفعل رفض عون لكل التشكيلات التي كان يقدمها.
«دستور ما قبل الطائف» أعطى رئيس الجمهورية السلطة الأوسع، فهو بحكم الدستور يعدّ القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولديه سلطة مطلقة في إعطاء التوجيهات للجيش والقوى الأمنية لتنفيذ المهام، وظل ممتلكاً هذه الصفة بعد الطائف، لكنّ سلطة الأمر تخضع لمجلس الوزراء مجتمعاً كونه السلطة الإجرائية في البلاد، كما أن ترؤس رئيس الجمهورية جلسات مجلس الوزراء أثناء حضوره، حرمته من حقّ التصويت، بل أخذ دور المراقب والموجّه وليس المقرّر.
- «العهد القوي».. ولعنة الغرق في الفراغ
> عندما استفحل الفراغ في قصر بعبدا لعامين ونيّف، إثر انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، انقسم اللبنانيون بين رافض لانتخاب عون رئيساً للجمهورية، على اعتبار أن التفاهم معه مستحيل، بالاستناد إلى تجاربه السابقة، وبين مؤيد لانتخابه على قاعدة «أبغض الحلال»، وأن وجود أي رئيس أفضل من الفراغ، لكن سرعان ما اكتشف الفريق الثاني عقم رهاناته.
في الأشهر التي تلت انتخاب عون رئيساً، اكتشف الجميع أن الرجل لم يغادر تاريخه البعيد والقريب، ويرى متابعون أنه «يمارس السلطة وكأنه ما زال رئيساً للتيار الوطني الحرّ وحليفاً أساسياً لـ«حزب الله» ولصيقاً به، والمدافع عن دور سلاحه بالداخل والخارج».
ويلحظ المتابعون كيف أن الرئيس القوي «كرّس كلّ طاقاته وصلاحياته لترسيخ دور صهره جبران باسيل في اللعبة الداخلية، وتهيئة الظروف ليكون خليفته في رئاسة الجمهورية». ويقول هؤلاء «لتحقيق هذا الهدف أطلق (عون) يد جبران باسيل في عملية تشكيل الحكومات، إذ أنه بعد انتخابات العام 2018 وتكليف سعد الحريري تشكيل حكومة العهد الثانية، بقيت عملية التأليف معطلة لعشرة أشهر، إلى أن شكّلت حكومة نال فيها باسيل الثلث المعطل وبات صاحب السلطة المطلقة».
وإثر استقالة حكومة الحريري غداة اندلاع انتفاضة 17 أكتوبر 2019 وتحت ضغط الشارع، حاول الحريري تشكيل حكومة من اختصاصيين ومن خارج منظومة أحزاب السلطة (يقول المتابعون)، لكنّ عون «رفض هذه الصيغة وأصرّ على حكومة سياسية أو تكنوقراط، ما دفع بالحريري للعزوف عن التشكيل. وبعدها استحدث عون بدعة «التأليف قبل التكليف» وراح يلتقي المرشحين لرئاسة الحكومة للاتفاق معهم مسبقاً على شكل الحكومة وأسماء الوزراء، وشملت هذه المشاورات أسماء عدة، أبرزهم الوزراء السابقون بهيج طبارة، محمد الصفدي وخالد قباني ورجل الأعمال سمير الخطيب، لكنهم رفضوا جميعاً الخضوع لشروط مسبقة، إلى أن وقع الخيار على وزير التربية السابق حسّان دياب، الذي قبل بمهمة تكليفه وشكّل حكومته بعد أربعة أشهر من المراوحة. لكن هذه الحكومة فشلت بتحقيق أي إنجاز للشعب المنتفض، لا بل عمّقت الأزمة المالية والاقتصادية، إلى أن استقالت إثر انفجار مرفأ بيروت الذي وقع في الرابع من أغسطس (آب) 2020».
بعدها طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مبادرة، تقضي بتشكيل «حكومة إنقاذ» من أصحاب الاختصاص، تعمل بمساعدة الدول الشقيقة والصديقة على معالجة آثار انفجار المرفأ، ووضع خطة اقتصادية في غضون أشهر قليلة، وجرى تكليف سفير لبنان في برلين مصطفى أديب لتشكيل الحكومة. ولكن بعد 40 يوماً من المحاولات، اعتذر أديب عن المهمة بعد اصطدامه بشروط عون و«حزب الله» التي تناقض مضامين مبادرة «الإنقاذ». ويضيف المواكبون لتلك المرحلة أن سعد الحريري «تلقف اعتذار مصطفى أديب، وسارع إلى تقديم نفسه مرشحاً طبيعياً لرئاسة الحكومة مجدداً، واشترط تشكيل حكومة تنسجم مع روحية المبادرة الفرنسية، ولكن بعد 10 أشهر على تكليفه وتقديم صيغ مختلفة للحكومة، رفضها عون كلها سارع الحريري إلى الاعتذار وتعليق عمله السياسي. وعلى الأثر كُلف نجيب ميقاتي من قبل فريق عون وحلفائه في الثنائي الشيعي، ولكن سرعان ما عصفت بحكومة ميقاتي الخلافات، وتسبّب بتعطيلها لأكثر من شهرين غداة فشلها في إقالة المحقق العدلي بجريمة انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار. وبعد انتخابات مايو (أيار)، أعيد تكليف ميقاتي بتشكيل الحكومة بخلاف إرادة عون وفريقه، وها هو الفراغ الحكومي مستمرّ بعد مرور أربعة أشهر على الانتخابات، وقد سجّلت هذه الوقائع أن عهد عون غرق بلعنة الفراغ الحكومي، ومعه غرق البلد في الكوارث والأزمات».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان

زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)
زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)
TT

مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان

زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)
زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)

عاد مشهد النزوح ليطلّ من جديد على بلدات جنوب لبنان، مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ مساء الجمعة، وما رافقها من غارات واستهدافات طالت عدداً من المناطق. وشهدت الطرقات الجنوبية باتجاه بيروت وصيدا، يومي السبت والأحد، حركة سير كثيفة، في مؤشر إلى بدء موجة نزوح جديدة من عدد من البلدات الجنوبية، ولو أن حجمها لا يزال مرتبطاً بتطورات الساعات والأيام المقبلة.

زوطر النموذج

وتمثل زوطر الغربية، إحدى البلدات التي كان الجيش اللبناني قد انتشر فيها قبل أن ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، أولى «المناطق التجريبية»، نموذجاً عما يعاني منه أهالي الجنوب الذين يعيشون على وقع القلق وعدم الاستقرار.

يحمل عمال الإنقاذ كيساً بلاستيكياً يحتوي على جثة شخص قُتل في منزل تعرض لغارة جوية إسرائيلية في قرية دير الزهراني بجنوب لبنان يوم السبت (أ.ب)

ويقول رئيس بلدية زوطر الغربية عبد عز الدين لـ«الشرق الأوسط» إن التصعيد العسكري الذي شهده الجنوب ليل السبت، وما رافقه من مقتل عائلة كاملة في بلدة أنصار، أعاد الخوف إلى نفوس الأهالي، مشيراً إلى تسجيل حركة نزوح من زوطر، كما من بلدات عدة في الجنوب، خشية اتساع التصعيد العسكري، ولا سيما في ظل التهديدات الإسرائيلية.

ويضيف عز الدين: «غادر عدد كبير من العائلات من زوطر، لا سيما التي تضم أطفالاً وكباراً بالسن. من لديه مأوى بقي فيه، مثل العائلات التي احتفظت بالبيوت التي كانت قد استأجرتها خلال الحرب، ومن ليس لديه منزل يغادر خلال الليل ويعود خلال النهار».

ويصف رئيس البلدية واقع الأهالي بالقول: «يفضلون إخراج الأطفال وكبار السن من المناطق الخطرة ولو سيجلسون في الشوارع».

وأضاف أن «هذه حال أهالي الجنوب، الخوف وعدم الاستقرار بانتظار ما ستؤول إليه الأمور».

ولا يقتصر القلق على المناطق التي تتعرض مباشرة للقصف، إذ إن مجرد استمرار التصعيد والتهديدات يعيد دفع العائلات إلى البحث عن أماكن أكثر أمناً، في حركة يصعب تقدير حجمها النهائي في ظل عدم وضوح المسار العسكري والسياسي.

مبنى متضرر في بلدة أنصار بعد تعرضه لقصف إسرائيلي سقطت نتيجته عائلة بأكملها (إ.ب.أ)

الدولة تستنفر

وفي موازاة حركة الأهالي، بدأت السلطات المعنية الاستعداد لاحتمال توسع موجة النزوح. وأكدت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد أنها تتابع تطورات التصعيد الأخير، مشيرة إلى تنسيق متواصل مع الوزارات والجهات المعنية ووحدة إدارة مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء والمحافظات، لضمان الجهوزية لمواكبة أي حركة نزوح أو احتياجات طارئة.

ودعت السيد كل مواطن يحتاج إلى أي نوع من المساعدة إلى التواصل مع غرف إدارة الكوارث في المحافظات، عبر خطوط الاتصال الساخنة المخصصة لمراكز الإيواء، لتوجيهه ومتابعة احتياجاته بالشكل المناسب. وشددت على أنه «لا يجوز أن يبقى اللبنانيون عرضة لدورات متكررة من الخوف والنزوح»، مؤكدة أن الأولوية تبقى لوقف التصعيد وتجنيب لبنان وأهله المزيد من الدمار والنزوح.

إقليم الخروب يستعد

وتستعد منطقة إقليم الخروب في الشوف، التي تعتبر من أكثر المناطق التي استقبلت نازحين خلال الحرب، لمواكبة أي موجة نزوح جديدة، وتشير معطيات سابقة إلى أن المنطقة استقبلت نحو 100 ألف نازح، ما شكّل ضغطاً كبيراً على البلديات والقدرات المحلية.

ومع عودة حركة النزوح باتجاه الإقليم، دعا رئيس اتحاد بلديات إقليم الخروب الشمالي ماجد ترو في بيان له «جميع السكان وأصحاب الشقق والمنازل المؤجرة في المنطقة إلى تسجيل أسماء المهجرين والنازحين الوافدين إليهم، وكذلك الذين يستأجرون شققاً لديهم منذ فترة سابقة، لدى البلديات المعنية».

كما طلب ممن سبق أن قدموا معلومات إلى البلديات المبادرة إلى تحديث البيانات المتعلقة بالمهجرين والنازحين المقيمين لديهم، بما يضمن دقة المعلومات ومواكبة حركة النزوح المستجدة، مشدداً على ضرورة الالتزام بهذه الإجراءات لما لها من أهمية في تنظيم ومتابعة أوضاع النازحين.


قآاني يضبط إيقاع الردود العراقية على ملف «حصر السلاح»

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)
TT

قآاني يضبط إيقاع الردود العراقية على ملف «حصر السلاح»

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)

في وقت تواصل الحكومة العراقية جهودها لضمان حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الرسمية فقط، تسرّبت معلومات عن عدم تمكن قائد «فيلق القدس» الإيراني، إسماعيل قآاني، من تحقيق اختراق خلال زيارته الأخيرة لبغداد، لجهة التأثير على خطط رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، لنزع سلاح «الفصائل المسلحة» مع نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل.

في المقابل، نجح المسؤول الأمني الإيراني، كما يبدو، في ضبط إيقاع القوى السياسية الشيعية لجهة كيفية التعامل مع هذا الملف الحساس، وهو أمر تجلَّى في تصاعد الأصوات الرافضة تسليم السلاح.

وبات مراقبون سياسيون في العاصمة العراقية يربطون بين عزم رئيس الحكومة على إتمام مهمة حصر السلاح كاملة، مع انسحاب آخر جندي أميركي من العراق بنهاية سبتمبر المقبل، طبقاً للتعهد الذي ألزم نفسه به، وبين حاجة طهران للمناورة في سياق مواجهتها مع الولايات المتحدة وحاجتها إلى ربط بعض أذرع ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، ومنها الفصائل العراقية، مع مجريات المفاوضات المتعثرة بين الطرفين.

وفي سياق ربط الوقائع مع بعضها، يبدو أن الزيارة الأخيرة التي قام بها قآاني للعراق، وهي زيارة غير معلنة كالعادة، رسمت ملامح المرحلة المقبلة لجهة كيفية التعامل مع ملف الفصائل الرافضة تسليم سلاحها تحت ذريعة «عقائدية السلاح».

وتُطالب قوى وأطراف سياسية وعقائدية مرتبطة بإيران برفض الشروط الأميركية على إيران والشروط الأميركية على الحكومة العراقية فيما يخص نزع سلاح الفصائل، على أساس أن ذلك جزء من عملية تجريد طهران من مصادر قوتها، سواء في داخل إيران أو مع أذرعها في عدد من دول المنطقة، ومنها العراق.

جانب من أحد اجتماعات «الإطار التنسيقي» بحضور رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (إكس)

وفيما تُحاول قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي، المنقسمة أصلاً على نفسها، مسك العصا من الوسط في العلاقة بين الزيدي والفصائل المسلحة من جهة، وبين الزيدي وإيران من جهة ثانية، يبدو موعد الثلاثين من سبتمبر المقبل من أكثر المواعيد صعوبة في العراق في الفترة المقبلة. ويمثّل هذا التاريخ اختباراً للتحالف الحاكم منذ عام 2003 حينما ساعد الأميركيون، بعد إسقاطهم نظام صدام حسين، القوى الشيعية في الوصول إلى السلطة ببغداد. وفي السنوات اللاحقة، تحوّل بعض القوى الشيعية المسلحة إلى طرح مسألة شرعية «مقاومة المحتل»، بذريعة أن عودة الولايات المتحدة للعراق عام 2014، بعد انسحابها منه عام 2011، تُمثّل احتلالاً جديداً للبلاد.

وفي هذا السياق، وفي ضوء التوتر الجاري حالياً بين مشروع رئيس الوزراء الهادف إلى حصر السلاح بيد الدولة وعدم قبوله بأي ثنائية مسلحة بعد موعد سبتمبر المقبل، ومشروع الفصائل الرافضة تسليم سلاحها تحت حجة «المقاومة»، يقول سياسي شيعي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «القول بالخطر الذي يواجه نظام الحكم الذي نشأ في مرحلة ما بعد عام 2003، في حال جرى نزع سلاح القوى المسلحة، إنما هو كلام يراد به تخويف المواطن العراقي البسيط الواقع حالياً بين مطرقة قوى السلاح بذريعة المقاومة وسندان الضغوط الأميركية التي يمكن أن تصل إلى حد حرمان العراق من مبيعات نفطه التي تذهب إلى الخزانة الأميركية، وتأتي إلى العراق بالطائرات لتوزيعها كرواتب».

ويشير هذا السياسي، وهو قيادي حزبي سابق، إلى «فشل قوى المحاصصة السياسية والطائفية في بناء دولة بعد عام 2003»، موضحاً أن التقصير في هذا المجال «لا يقتصر على الشيعة وحدهم بل أيضاً على أبرز شريكين لهم، وهما الشريك السني والشريك الكردي».

ويتابع أن «التركيز على التحالف الحاكم (الشيعي) يأتي من منطلق أن الشيعة هم الأغلبية السكانية، ومن ثم الأغلبية السياسية الحاكمة في البلاد»، لافتاً إلى أن أصحاب هذا الرأي يعدّون أن مخاطر نزع السلاح تواجه الشيعة تحديداً، لا الأكراد ولا السنة. ويرى هذا السياسي الشيعي أن طرح الأمر من هذا المنظور «يعقّد على الحكومة الإجراءات الخاصة في مسألة حصر السلاح».

إسماعيل قاآني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني (أ.ب)

إلى ذلك، يُخطط رئيس الوزراء علي الزيدي للدخول إلى أهم معاقل فصيل «كتائب حزب الله» بالعراق، وهي منطقة «جرف الصخر» بمحافظة بابل. ويسيطر على هذه المنطقة في شكل تام مسلحون مرتبطون بـ«الحرس الثوري» الإيراني. وتحرك حكومة الزيدي لاستعادة السيطرة على «جرف الصخر» جزء من الإجراءات الخاصة بحصر السلاح، وإعادة نازحي هذه المنطقة إلى ديارهم.

وقادت «منظمة بدر»، بزعامة هادي العامري، مهمة الوقوف في وجه رئيس الوزراء في هذا المجال. فبعد يوم من بيان لرئيس المكتب السياسي للمنظمة رفض فيه تسليم السلاح بالقوة، دعا المسؤول الأمني في مجلس محافظة بابل، التابع لـ«منظمة بدر» نفسها، الزيدي إلى ما سمّاه «ترك اللعب للكبار» في مساحة حصر السلاح.

ولم ترد الأوساط المقربة من رئيس الوزراء على ما بدا تحدياً واضحاً لأعلى سلطة حكومية في البلاد. لكن ردود الفعل على كلام المسؤول الأمني في مجلس محافظة بابل، والذي ورد في مقطع فيديو متداول على نطاق واسع، عكس إشكالية «الدولة واللادولة» في العراق. وتركزت غالبية ردود الفعل على أهمية إنزال أقصى العقوبات بحق الأصوات التي ترى أن «صوت السلاح الموازي» أقوى من الدولة التي يُفترض أنها وحدها من يحتكر السلاح.

ويأتي ذلك في وقت أكد رئيس «خلية الإعلام الأمني»، الفريق سعد معن، أن هيبة الدولة لا تُبنى بالتصعيد وإنما بقدرتها على تطبيق القانون، مشيراً إلى أن الحكومة العراقية تعمل على توحيد القرار الأمني، وجعل القوة العسكرية تحت مظلة الدولة بوصفها قوة واحدة، وفق ما أوردت «وكالة الأنباء العراقية (واع)».

وقال الفريق معن إن «موعد 30 سبتمبر ليس مصدر قلق، إذ إن قنوات التفاهم والمسارات الدستورية والقانونية والإدارية مفتوحة أمام الجميع، مع تثمين بطولاتهم السابقة في مناهضة عصابات (داعش) الإرهابية، في حين تقتضي مصلحة العراق الحالية المضي في المسار القانوني الصحيح».

وأضاف أن «قرار السلم والحرب محصور بيد الدولة، ولا يمكن القبول بتعدد القرارات أو خلق قوى موازية للقوات الرسمية؛ فالبلاد تحكمها دولة واحدة، وحكومة واحدة، وقانون واحد، مع حفظ الاحترام للجميع».


«مؤامرة» الإطاحة بنتنياهو شملت جنرالات ومعارضين وأحزاباً عربية

اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)
اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)
TT

«مؤامرة» الإطاحة بنتنياهو شملت جنرالات ومعارضين وأحزاباً عربية

اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)
اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)

كشفت معلومات جديدة أدلى بها وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، عن أن المحاولة التي جرت للإطاحة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في صيف عام 2024 لم تكن تقتصر على تحرك داخل حزب «الليكود»، وإنما جرت بالتنسيق مع أطراف واسعة في معسكر المعارضة، بما في ذلك الأحزاب العربية، وبمشاركة شخصيات عسكرية وسياسية بارزة.

وحسب ساعر، كانت الخطة تهدف إلى تشكيل حكومة أقلية بدعم من الأحزاب العربية، بحيث يكون منصور عباس، رئيس «القائمة العربية الموحدة»، جزءاً من الترتيب، فيما تقدم أيمن عودة وأحمد الطيبي بدعم عبر الامتناع عن التصويت. إلا أن نتنياهو تمكن من إحباط الخطة من خلال توسيع ائتلافه وضم ساعر وكتلته إليه، ليرتفع عدد مقاعد الائتلاف من 64 إلى 68 مقعداً.

وكان الصحافي اليميني المقرب من نتنياهو، عميت سيغال، قد كشف في نهاية الأسبوع الماضي عن جانب آخر من المحاولة، عندما تحدث عن تحرك داخل حزب «الليكود» للإطاحة بنتنياهو بعد أشهر قليلة من هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وقال سيغال إن وزير الاقتصاد نير بركات قاد هذا التحرك، مستفيداً من علاقاته الواسعة ومن نفوذه السياسي، بعد أن شغل سابقاً منصب رئيس بلدية القدس لمدة عشر سنوات.

إفشال قانون الموازنة العامة

جلسة الكنيست يوم 16 يوليو قبل بدء العطلة التي تسبق الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر (أ.ف.ب)

ووفقاً للرواية، أجرى بركات اتصالات مع وزراء ونواب في محاولة لإقناعهم بضرورة الإطاحة بنتنياهو، عبر إفشال قانون الموازنة العامة، إذ ينص القانون على سقوط الحكومة في حال عدم إقرار الموازنة.

كما حاول بركات، حسب سيغال، استمالة نواب من خارج الائتلاف، وأنشأ جهازاً من المستشارين الذين عملوا على تنفيذ الخطة. وكان الهدف أن يحل بركات محل نتنياهو رئيساً للحكومة ورئيساً لحزب «الليكود»، وقد تمكن من حشد نحو ثلث أعضاء الكتلة البرلمانية.

إلا أن المحاولة تعثرت بسبب خلافات داخلية حول الشخصية التي ينبغي أن تخلف نتنياهو، إذ رفض قسم من المشاركين أن يكون بركات هو البديل.

وفي تلك الأثناء، أبلغ الوزير حاييم كاتس نتنياهو بالخطة، فباشرا العمل بهدوء لإفشالها، وهو ما تم بالفعل. لكن رواية ساعر، التي عرضها خلال مقابلة مع قناة «كان 11» التلفزيونية ليلة السبت - الأحد، تضيف بعداً آخر إلى القصة، إذ يقول إن التحرك ضد نتنياهو لم يبدأ فقط من داخل «الليكود»، وإنما تزامن مع صراع سياسي وعسكري واسع حول إدارة الحرب والمفاوضات المتعلقة بالرهائن الإسرائيليين لدى «حماس».

محور القيادات العسكرية

رؤساء أركان الجيش الإسرائيلي السابقون (من اليسار) أفيف كوخافي - غادي أيزنكوت - غابي أشكينازي - بيني غانتس خلال جنازة هَدار غولدِن (أرشيفية - أ.ب)

وحسب ساعر، بدأت العملية في شتاء عام 2024 بمبادرة من الجنرالين بيني غانتس وغادي آيزنكوت، اللذين كانا في الحكومة آنذاك. ويرى ساعر أن غانتس وآيزنكوت شكّلا، عملياً، محوراً من القيادات العسكرية السابقة في مواجهة القيادة السياسية.

وكان ساعر يومها جزءاً من حزب غانتس وآيزنكوت، لكنه يقول إن غانتس رفض اختياره ممثلاً للحزب في هيئة إدارة الحرب، واختار آيزنكوت بدلاً منه. كما جرت محاولات لضم أفيغدور ليبرمان إلى الائتلاف، لكنه اشترط المشاركة في إدارة الحرب، وهو ما عارضه غانتس وآيزنكوت أيضاً.

ويربط ساعر هذا الموقف بما يعتبره توجهاً لدى غانتس وآيزنكوت إلى إعطاء الأولوية لمواقف المؤسسة الأمنية. ويقول إن هذا التوجه كان يلقى دعماً من وزير الدفاع السابق يوآف غالانت، ومن عدد من كبار قادة الأجهزة الأمنية، بينهم رئيس أركان الجيش هرتسي هاليفي، ورئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) رونين بار، ورئيس جهاز «الموساد» دافيد برنياع.

وحسب رواية ساعر، كان هؤلاء يتفقون على سياسة تقوم على إنهاء الحرب والدفع نحو صفقة لتبادل الأسرى، في مقابل موقف نتنياهو وعدد من وزرائه. وفي يونيو (حزيران) 2024، انسحب غانتس وحزبه من الحكومة، لتدخل الساحة السياسية مرحلة جديدة من التحركات ضد نتنياهو.

دعم الأحزاب العربية

منصور عباس رئيس القائمة العربية الموحدة (يمين) يوقِّع اتفاق ائتلاف حكومي مع يائير لبيد (يسار) ونفتالي بنيت في تل أبيب يونيو 2021 (أ.ف.ب)

وفي موازاة ذلك، يقول ساعر إن غانتس وآيزنكوت سعيا إلى حشد دعم الأحزاب العربية لأي حكومة بديلة. فقد جرى، وفق روايته، الاتفاق مع منصور عباس، رئيس «القائمة العربية الموحدة»، على الانضمام إلى الحكومة، فيما طُلب من أيمن عودة وأحمد الطيبي دعمها من الخارج، من خلال امتناع كتلتيهما عن التصويت.

في تلك المرحلة، انشق ساعر عن حزب غانتس، مبرراً خطوته باعتراضه على ما اعتبره نكثاً بالوعود، وبأنه لم يكن مقتنعاً بالمشاركة في تحرك لإسقاط رئيس الحكومة أثناء الحرب. وشكّل كتلة مستقلة من أربعة نواب.

وهنا، حسب ساعر، تدخل نتنياهو مستفيداً من خبرته في إدارة التحالفات الحزبية. فعرض على ساعر العودة إلى «الليكود» بوصفه أحد قادته المستقبليين، ومنحه حقيبة الخارجية، كما ضمن له الاستمرار في الكنيست (البرلمان) خلال الدورة المقبلة. وحصل شريكه زئيف إلكين بدوره على حقيبة وزارية ثانية.

وبانضمام ساعر وكتلته إلى الائتلاف، ارتفع عدد مقاعد الحكومة إلى 68 مقعداً، ما جعل خصوم نتنياهو عاجزين عن تأمين العدد اللازم لإسقاط الحكومة. وبذلك، انتهت محاولة الإطاحة به إلى الفشل.

سيناريو قد يتكرر

ولا يستبعد هذا السيناريو، وفق المعطيات التي يطرحها ساعر، أن يعود إلى الواجهة بعد الانتخابات المقبلة. فإذا صدقت استطلاعات الرأي التي تتوقع خسارة نتنياهو، فقد يحاول آيزنكوت تشكيل حكومة أقلية من دون الاعتماد على الأحزاب العربية في البداية، ثم يضم «القائمة العربية الموحدة» لاحقاً، مع التوصل إلى تفاهم مع «الجبهة» لدعم الحكومة من الخارج.

ويرى قادة «الليكود» أن طرح هذا السيناريو يخدم حملتهم الانتخابية، لأنه يسمح لهم بتقديم الصراع السياسي باعتباره امتداداً لما يسمونه «المؤامرة المستمرة ضد نتنياهو»، وتصوير أي حكومة بديلة محتملة على أنها قد تعتمد على دعم الأحزاب العربية، وهو ما لا يريده الناخب الإسرائيلي.