{كوفيد ـ 19} يفرض قراءة جديدة لانقلاب أخناتون

إشارات ووثائق ولقى أثريّة تدعم الفرضية

أخناتون
أخناتون
TT

{كوفيد ـ 19} يفرض قراءة جديدة لانقلاب أخناتون

أخناتون
أخناتون

لا تزال الثورة السياسيّة الدينية، التي قادها الفرعون المصري أمنحوتب الرابع على نسق مستقر للثقافة المصرية (القديمة) التقليدية استمر لعشرات القرون، أحجية تثير كثيراً من التساؤلات والجدل بين المؤرخين وعلماء الآثار. فلا توجد إلى اليوم تفسيرات كافية لتبرر ذلك الانقلاب الثقافي الكامل في مختلف جوانب الحياة العامّة من ممارسة السلطة ومقرالعاصمة إلى بنية الدين الرسمي، ومن طرائق التعبير الفنيّ إلى اسم الفرعون الشخصي.
وعلى الرّغم من أن أَجَلَ العهد الجديد لم يتجاوز العقدين من الزمن، أي مجرّد موجة تغيير عابرة في بحر هائل من الاستمراريّة، فإن بصماته في الفكر والفنّ والعمارة بقيت خالدة، واستثنائيّة، ومثيرة للإعجاب، ومدعاة لإعمال الفكر والتأمل. ووصف كثيرون أخناتون بأنه «شخصية غامضة» و«ثوريّة» و«أعظم مثالي في العالم» و«أول فرد في التاريخ»، ولكن أيضا اعتبره آخرون «مهرطقاً» و«متعصباً» و«ربما مجنوناً» أو «بالفعل مجنون». ولدينا اليوم نصّ خطاب ألقاه أخناتون في بداية عامه الملكي الثاني يقول فيه إن الآلهة كانت غير فاعلة وأوقفت تحركاتها، وإن معابدها قد انهارت باستثناء قرص الشمس آتون، الذي استمر في التحرك والوجود إلى الأبد. ومن النصّ «سقطت معابد الآلهة في الخراب، وأجسادهم لا تدوم، ومنذ زمن الأجداد فإن الرجل الحكيم هو الذي يعرف هذه الأمور: هوذا أنا، الملك، أتكلم حتى أتمكن من إبلاغكم بشأن ظهور الآلهة. أعرف معابدهم، وأنا على دراية بالكتابات». كان هذا إذن انقلاباً تاماً لم يسبق له مثيل في التاريخ الفرعوني المديد كلّه.
في البداية (حوالي عام 1353 قبل الميلاد) غيّر الفرعون العاشر في الأسرة الثامنة عشرة، والذي ورث السلطة عن والده أمنحوتب الثالث، اسمه الرسميّ من أمنحوتب الرابع إلى أخناتون – أي الرّوح الحيّة للرّب آتون -، ثم أصدر مرسوماً في السنة الرابعة من حكمه يقضي ببناء عاصمة جديدة بعيداً عن العاصمة القديمة في طيبة (مدينة الأقصر اليوم) على أرض خلاء غير تابعة لأحد. وفي هذه المدينة، التي عثر على آثارها داخل منطقة تحمل الاسم المعاصر (تل العمارنة) – بالقرب من المنيا في صعيد مصر - تقرر قَصْرُ التعبّد على إله واحد، إله الحياة المعبّر عنه بقرص الشمس آتون، والتخلي عن طقم الآلهة الآخرين جميعاً.
وتبعت ذلك تحولات جذرية في طرق التعبير الأدبي والرسم، والنّحت، والمعمار والأزياء، وانعكست سلباً على نفوذ الإمبراطوريّة المصريّة التي كانت تمتد من
أعالي الفرات إلى جنوب النوبة بالسودان، فخسرت غالب مستعمراتها الآسيوية في عهد أخناتون.
ولكن اللافت أنّه بعد موت فرعون «التّوحيد» حكم شقيقه لوقت وجيز قبل أن تنتقل الخلافة إلى من يعتقد أنّه ابن أخناتون من زوجة ثانية غير الشهيرة نفرتيتي والمسمى توت عنخ آتون وكان حينها طفلاً صغير السن. ويبدو أن الكهنة القدماء والمستشارين دفعوا الفرعون الطفل إلى الرّدة عن عقيدة والده وتَرْكِ العاصمة للعودة مجدداً إلى العاصمة القديمة وكذلك التّسمي بتوت عنخ آمون – أي الإله التقليدي أمون -. وقد هدم كهنة طيبة المنتشون مجدداً بعودة نفوذهم آثار أخناتون، وأصدروا الأوامر بمحو اسمه من السجلات الرسميّة، وحطموا تماثيله وصوره، وفككوا المعابد التي شيدها، حتى كأنه لم يكن. ويقال إن الثراء الأسطوري لمقبرة الملك توت عنخ آمون كان تعبيراً عن امتنان الكهنة له لإعادة عبادة الآلهة القديمة وإنهاء الحالة الأخناتونيّة إلى الأبد.
أحد التفسيرات الشائعة لإقدام أخناتون على القيام بانقلابه الثقافيّ الهائل هو أنّه سئم من هيمنة الكهنة الأقوياء على السياسة في العاصمة القديمة طيبة، وأراد التخلص منهم جذرياً عبر سحب مصدر شرعيتهم الدينيّة والانتقال ببلاطه إلى عاصمة جديدة بعيداً عنهم. لكن تلك الصّورة المتخيلة لم تكن مقنعة بما فيه الكفاية إلى أن كانت جائحة كوفيد-19 التي فتحت تأثيراتها النوافذ أمام العديد من خبراء المصريات والمؤرخين وعلماء الآثار للنظر إلى عهد أخناتون بعيون جديدة. فماذا لو كان وباء مثل الطاعون قد أثخن بالمصريين القدماء في العاصمة طيبة في عهد أمنحوتب الثالث، وأن الشعب بدأ يتململ من عجز الآلهة والسلطات التقليدية على مساعدتهم بشيء، وما فعله أخناتون المثقف والذكي لم يكن سوى أنه كان يفرّ بدولته من تلك التأثيرات المدمرة للوباء؟
في الحقيقة أنّ ثمة إشارات ووثائق ولقى أثريّة تدعم سرديّة مثل تلك، رغم أن الأمراض المعدية لا تترك عموماً آثاراً في العظام. وبحسب عالم المصريات الأميركي أرييل كوزلوف فإن هنالك بالفعل علامات من عهد والد أخناتون أواخر العصر البرونزي على انتشار الطاعون الأسود، وثمّة فجوة غير مفسّرة في السجلات البيروقراطيّة للدولة المصريّة في خضم تلك الفترة ربما كانت نتيجة موت كثيرين من الكتبة أو فرارهم من العاصمة. ولاحظ كوزلوف أيضاً أن أمنحوتب الثالث أمر ببناء عدد استثنائيّ من التماثيل لإلهة الشفاء ذات الرأس الأسد، سخمت، مقارنة بأي إله آخر، كما نقل قصور الحكم في مرحلة ما من مواقعها المعتادة في محاولة ربما لعزلها عن المحيط الموبوء. وقد اقترح مؤخراً جوريت كيلدر من جامعة لايدن في هولندا أن الطّاعون نفسه ربما دفع أخناتون إلى اتخاذ إجراءات أكثر جذرية. وكتب «إن إصلاح أخناتون للدين المصري في القرن الـ14 قبل الميلاد ربما ينظر إليه على أنه خطوة استباقية للتأثيرات الاجتماعيّة المتوقعة لفشل الآلهة التقليدية في حماية مصر من تأثيرات الوباء».
ومع ذلك، سرعان ما أصبحت مدينة أخناتون الجديدة في تل العمارنة، مركزا لشبكة عالميّة للتجارة والدبلوماسية والثقافة الرفيعة فجلب إليها مع قاصديها من السفراء والوفود الأجنبيّة الطاعون الذي فرت منه، وهو ما يفسّر وفاة أخناتون نفسه وكذلك وفاة زوجته نفرتيتي وثلاث من بناتهما في وقت متقارب.
ولا يعرف علماء المصريات اليوم سوى القليل عن السنوات الخمس الأخيرة من حكم أخناتون، بدءا من حوالي 1341 أو 1339 قبل الميلاد. هذه السنوات غير موثقة بشكل جيد، ولم يتبق سوى عدد قليل من الأدلة عنها ربما نتيجة لتفشي الوباء.
ويبدو أن الطّاعون انتقل وقتها من مصر إلى الحضارات المتوسطيّة القريبة التي ضعفت دون مقدمات في الحقبة التاريخية نفسها، وانتهت تالياً لقمة سائغة لشعوب مجهولة اجتاحت شرق البحر الأبيض المتوسط بعد ما يقرب من مائة عام من اندثار تل العمارنة، ومنها المملكة الحثيّة (في تركيا الحاليّة) التي تقول سجلات تاريخية إنها تعرضت لوباء قاتل يعتقد أن أسرى مصريين جلبوه معهم من بلادهم المنكوبة.
ولا شكّ أنّ هذه التحليلات المستجدة في تفسير ذلك المنعطف الاستثنائيّ من التاريخ ستحتاج إلى المزيد من التوثيق والدعائم، لكنّها تبدو مدهشة في قدرتها على تقديم سيناريوهات مقنعة لأحداث صَعُب تفسيرها إلى الآن. وهناك بالفعل قرص من طين مخبوز عثر عليه مع كنز من المراسلات الدبلوماسيّة لحكومة تل العمارنة (تعرف برسائل تل العمارنة) يتضمن تبليغاً من ملك جزيرة قبرص للفرعون المصري بتأخر شحنة من النحاس بسبب المرض المنتشر في مصر.
ووفق تقرير لمجلّة بريطانيّة متخصصة فقد عثر علماء الآثار عام 2005 في مقابر تل العمارنة، على جانب مهم منها - المقابر الشمالية -، يدعم فكرة انتشار وباء. فالموتى من فئات عمرية شابة بين 7 و24 عاما، وحوالي 40 في المائة من مدافنها المحفورة تحوي أكثر من جثة واحدة، وأحياناً ما يصل إلى سبعة أشخاص دفنوا معاً، مما يدفع للاعتقاد وفق خبراء التنقيب في المنطقة إلى أن كثيرين ربما كانوا يسقطون ضحايا لوباء ما في وقت متزامن. ولا يمكن للآن الحسم بدقة القراءات الجديدة، وقد توجد تفسيرات أخرى مرتبطة بالملاريا أو
ربما ضعف المناعة المرتبط بسوء التغذية الذي لُحِظ في مقابر العمّال بتل العمارنة، لكن الأكيد الآن أنّه لا يمكن نفي هذه القراءات الجديدة كليّة أو استبعادها من النقاش.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


يوميات أسرة سودانية نازحة... كفاح من أجل البقاء

أسرة رحمة عبد الرحمن تقيم في منزل متواضع (الشرق الأوسط)
أسرة رحمة عبد الرحمن تقيم في منزل متواضع (الشرق الأوسط)
TT

يوميات أسرة سودانية نازحة... كفاح من أجل البقاء

أسرة رحمة عبد الرحمن تقيم في منزل متواضع (الشرق الأوسط)
أسرة رحمة عبد الرحمن تقيم في منزل متواضع (الشرق الأوسط)

يقف طارق عبد الرحمن خلف «طبلية» صغيرة في إحدى أسواق أم درمان، يبيع عليها مستلزمات منزلية. وفي موضع آخر من السوق، تبيع شقيقته مودة مأكولات خفيفة، مثل: الطعمية، والفول، والتوابل وحبّ التسالي. يعود الاثنان آخر النهار بما حصَّلاه لمساعدة أسرتهما، النازحة من الفاشر، على شراء الطعام والدواء.

منذ سيطرة «قوات الدعم السريع» على الفاشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، لا تعرف الأسرة مصير الأب عبد الرحمن إدريس، وهو عسكري، ولا مصير ابنه إدريس. تقول الأم، رحمة آدم، لـ«الشرق الأوسط»: «لم أتسلّم راتب زوجي حتى الآن، ونعتمد على عمل طارق ومودة ودعم متقطع يأتينا ممن حولنا».

وصلت الأسرة إلى الخرطوم حاملة معها قلقها على المفقودين، ووجدت نفسها أمام أعباء السكن والمعيشة والعلاج. في البداية.

كانت الفاشر، عاصمة شمال دارفور، قد أمضت نحو 18 شهراً تحت حصار فرضته «قوات الدعم السريع»، وسط قصف متكرر ونقص حاد في الغذاء والرعاية الطبية. وفي أكتوبر 2025، سيطرت القوات على المدينة، ففرّ سكان منها عبر طرق محفوفة بالمخاطر، في حين تفرّقت عائلات وفقدت الاتصال بأفرادها. ومن بين تلك العائلات أسرة رحمة، التي وصلت إلى الخرطوم من دون أن تعرف مصير الأب وابنه.

رحمة آدم تعجز عن تحمل تكلفة الغذاء والعلاج المرتفعة (الشرق الأوسط)

كانت رحمة تُعدّ الطعمية والتوابل وتبيعها لتشتري الدقيق والسكر والصابون وغيرها من الضروريات. لكنها توقفت عن العمل منذ نحو شهر بعدما تدهورت صحتها.

تقول: «وجعني قلبي، وحين راجعت اختصاصياً في مدينة عطبرة، قالوا لي إن لديّ تضخماً في عضلة القلب». وتضيف أنها تلقت أدوية، لكن حالتها ساءت مجدداً، ولم يعد لديها المال الكافي لشرائها. وتأمل في السفر إلى القاهرة للعلاج إذا سمحت ظروفها، غير أنها تقول: «حالياً لا نملك شيئاً تقريباً».

وحسب رصد للأسواق في فبراير (شباط) 2026، بلغت قيمة سلة الحد الأدنى من النفقات الأساسية للأسرة في السودان نحو 515 ألف جنيه شهرياً (نحو 50 دولاراً). وهذا تقدير على المستوى الوطني، وليس حساباً لنفقات أسرة رحمة، لكنه يوضح حجم تكلفة الاحتياجات الأساسية قبل إضافة العلاج والمواصلات.

وتزيد تقلبات الأسعار صعوبة تدبير تلك الاحتياجات. ففي 22 سبتمبر (أيلول)، نقلت «رويترز» عن متسوقة في أم درمان أن سعر لتر زيت الطعام ارتفع خلال أسبوع من 17 ألفاً إلى 23 ألف جنيه. ونقلت عن عامل في المدينة يتقاضى نحو 500 ألف جنيه شهرياً أنه اضطر إلى العمل سائقاً بدوام جزئي لتغطية نفقاته. ولا يمثل راتبه متوسط الأجور أو دخلاً لأسرة رحمة، لكنه يعطي صورة عن ضغط الأسعار على العاملين في المدينة.

يخرج طارق صباحاً إلى السوق ويعود مساءً بما تيسر من المبيعات. يقول لـ«الشرق الأوسط» إن دخله محدود، لكنه أصبح مورداً أساسياً للأسرة بعد مرض والدته: «أصبح همّنا الأساسي أن نعمل كل يوم ونوفر ما نستطيع حتى تمر هذه الظروف».

مودة عبد الرحمن تعمل لمساعدة أسرتها في توفير دخلها اليومي (الشرق الأوسط)

وتواصل مودة العمل الذي كانت تقوم به الأم، فتبيع الطعام والتوابل، ثم تعود لمساعدتها في المنزل ومرافقتها إلى الطبيب. تقول: «ما نحصل عليه لا يكفي لتغطية كل احتياجاتنا، لكنه يساعدنا في شراء الطعام وبعض الضروريات». وبالنسبة إليها، أصبح العمل «وسيلة للبقاء وتدبير اليوم» في غياب دخل ثابت.

أما شقيقتهما منال، فكانت في السنة الثالثة بقسم علم الاجتماع في كلية الآداب بجامعة الفاشر. حاولت مواصلة دراستها بعد انتقال الجامعة إلى أم درمان، لكن أجرة الذهاب والعودة من مكان إقامة الأسرة لم تكن تتوفر بانتظام. تقول: «أريد إكمال تعليمي، لكن أجرة الطريق أصبحت تنافس احتياجات الطعام وعلاج والدتي على المال القليل المتاح، فتركت الدراسة».

منال عبد الرحمن تترك الدراسة لعجز أسرتها عن توفير تكاليفها (الشرق الأوسط)

عندما وصلت الأسرة إلى الخرطوم، قدم لها جيران ملابس وملايات وأسرّة وبعض الأواني المنزلية، فساعدتها على بدء حياتها في مكان النزوح. لكن تلك المساعدة لم توفر دخلاً مستمراً. ومع توقف رحمة عن العمل، صار الأبناء يواجهون كل صباح سؤالاً واحداً: هل تكفي مبيعات اليوم لطعام البيت وعلاج الأم؟

بين أب وابن لا يُعرف مصيرهما، وأم تنتظر العلاج، وابنة انقطعت عن الجامعة، يظهر أثر الحرب في تفاصيل يومية صغيرة: وجبة ينبغي توفيرها، ودواء قد يتأخر شراؤه، وأجرة مواصلات لا تتوفر. وفي نهاية كل يوم، تعود الأسرة بما جمعته من السوق، ثم تستعد لمحاولة جديدة في الصباح التالي.


مسيّرات «الدعم السريع» تستهدف مدينة الأُبيّض في السودان

حطام متناثر داخل مبنى كلية التنمية والعلوم التكنولوجية عقب هجوم بمسيّرة في مدينة الأُبيّض يوم 15 سبتمبر (رويترز)
حطام متناثر داخل مبنى كلية التنمية والعلوم التكنولوجية عقب هجوم بمسيّرة في مدينة الأُبيّض يوم 15 سبتمبر (رويترز)
TT

مسيّرات «الدعم السريع» تستهدف مدينة الأُبيّض في السودان

حطام متناثر داخل مبنى كلية التنمية والعلوم التكنولوجية عقب هجوم بمسيّرة في مدينة الأُبيّض يوم 15 سبتمبر (رويترز)
حطام متناثر داخل مبنى كلية التنمية والعلوم التكنولوجية عقب هجوم بمسيّرة في مدينة الأُبيّض يوم 15 سبتمبر (رويترز)

قصفت طائرات مسيّرة يُرجّح أنها تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، صباح الاثنين، المدينة الرياضية وكلية شيكان الجامعية ومنشآت عامة في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان غرب البلاد، في أحدث هجوم من نوعه على المدينة. وقال مصدر عسكري إن قصفاً استهدف ملعباً رياضياً شمال غربي المدينة أسفر عن مقتل شخص وإصابة عشرة آخرين.

وقال الناطق باسم حكومة ولاية شمال كردفان، جماع المهدي جماع، في بيان، إن مسيّرات «قوات الدعم السريع» استهدفت منشآت مدنية وتعليمية ورياضية، أبرزها المدينة الرياضية وكلية شيكان الجامعية، معتبراً الهجوم اعتداءً على المواطنين ومقدراتهم، ودعا المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية إلى توثيق الهجوم ومحاسبة المسؤولين عنه.

في المقابل، قالت «قوات الدعم السريع» إن مسيّراتها استهدفت مخازن للأسلحة والذخائر داخل مقر «الفرقة الخامسة مشاة»، المعروفة باسم «الهجانة» التابعة للجيش، إلى جانب مواقع عسكرية أخرى في الأُبيّض، مدعية أنها ألحقت بالجيش خسائر فادحة.

الهجوم على ولاية الجزيرة

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وجاء الهجوم على الأُبيّض غداة استهداف مسيّرة مستودعات «أم عليلة» للوقود قرب أبو حراز، على مسافة نحو 20 كيلومتراً شمال شرقي مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة في وسط السودان. ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية»، حينها، أن مسيّرة ضربت خزانات الوقود، بينما أفاد شاهد بأنه رأى ألسنة اللهب تتصاعد من موقع الحريق من مسافة نحو 3 كيلومترات.

واتهمت حكومة ولاية الجزيرة «قوات الدعم السريع» بتنفيذ الهجوم.

وقالت هيئة إذاعة وتلفزيون ولاية الجزيرة إن القصف أصاب خزانين للغازولين من أصل 4 خزانات في المستودع، مشيرة إلى أن فرق الدفاع المدني تمكنت من السيطرة على الحريق دون تسجيل وفيات.

وفي سياق متصل، أعلنت ما تُعرف بـ«هيئة مؤتمر الجزيرة» سقوط 3 مسيّرات في حقول زراعية بقرية ود البر الخوالدة، دون أن تتضح ملابسات سقوطها أو ما إذا كانت قد أُسقطت بفعل الدفاعات الجوية. ولم يشر إليها مصدر عسكري ضمن المسيّرات التي أعلنت القوات المسلحة إسقاطها.

هجمات متكررة

وتتعرض مدينة الأُبيّض لهجمات متكررة بالطائرات المسيّرة منذ أشهر، تصاعدت وتيرتها خلال سبتمبر (أيلول) الحالي. ففي 25 سبتمبر، قالت حكومة الولاية إن هجوماً بمسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» أسفر عن مقتل شخصين، وإصابة 20 آخرين، بعدما استهدف مركزاً لإيواء النازحين ومواقع مدنية.

وفي اليوم نفسه، اتهم تحالف «تأسيس»، المتحالف مع «قوات الدعم السريع»، الجيش السوداني بقصف منطقة المزروب بطائرة مسيّرة، قائلاً إن الهجوم أسفر عن مقتل 9 أشخاص، وإصابة 24 آخرين.

وفي 20 سبتمبر، أفادت مصادر محلية بأن 4 مسيّرات هاجمت الأُبيّض، مستهدفة مقر قيادة الجيش ومبنى وزارة المالية. كما قُتل حارس كلية العلوم التنموية والتكنولوجية في المدينة، في 9 سبتمبر، إثر قصف بمسيّرات ألحق أضراراً بمباني الكلية، وفق مصادر محلية.

وامتدت الهجمات إلى مناطق أخرى، إذ قُتل ما لا يقل عن 18 شخصاً، وأصيب 22 آخرون في هجوم استهدف محكمة أم روابة في 8 سبتمبر. وفي مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور التي تتخذها حكومة «تأسيس» الموازية مقراً لها، سُجلت أيضاً هجمات نُسبت إلى مسيّرات الجيش.

وأفاد سكان بمقتل شخص وإصابة طفليه في ضربة وقعت في 8 سبتمبر، بينما قالت مصادر محلية إن هجوماً آخر استهدف مقراً لـ «قوات الدعم السريع» في المدينة يوم 27 سبتمبر، وأوقع خسائر لم تُحدد حصيلتها.


مقتل 23 شخصاً على الأقل في اشتباكات بجنوب غرب الصومال

جنود من الجيش الوطني الصومالي (أ.ف.ب)
جنود من الجيش الوطني الصومالي (أ.ف.ب)
TT

مقتل 23 شخصاً على الأقل في اشتباكات بجنوب غرب الصومال

جنود من الجيش الوطني الصومالي (أ.ف.ب)
جنود من الجيش الوطني الصومالي (أ.ف.ب)

لقي ما لا يقل عن 23 شخصاً حتفهم في قتال بين قوات الحكومة الصومالية والميليشيات الموالية لرئيس ولاية سابق في مدينة بيدوا جنوب غرب البلاد.

وقال النائب الصومالي حسن عبد النور لوكالة الأنباء الألمانية إن الميليشيات الموالية لعبد العزيز حسن محمد لفتاغرين، الرئيس السابق لولاية جنوب غرب البلاد، هاجمت المدينة في وقت مبكر من صباح اليوم (الاثنين).

وتردد أن القتال استمر أكثر من خمس ساعات، واستخدم فيه الطرفان الأسلحة الثقيلة. ولحقت أضرار بالمنازل والمتاجر، ولجأ السكان إلى المساجد.

وتردد أن عدداً من القتلى سقطوا من الجانبين، في حين لم ترد تقارير فورية عن سقوط ضحايا بين المدنيين.

وقال نائب وزير الإعلام عبد الرحمن يوسف إن مقاتلين من «حركة الشباب» الإسلامية المتشددة شاركوا في الهجوم، وهو ما رفضه عبد النور. ولم يتسنَّ التحقق من الروايات المتضاربة بشكل مستقل.

وهناك صراع على السلطة منذ أشهر في المنطقة الجنوبية الغربية من الصومال. وبعد سيطرة القوات الاتحادية على بيدوا في مارس (آذار) استقال لفتاغرين. ومنذ ذلك الحين وقعت اشتباكات متكررة بين أنصاره والقيادة الإقليمية المدعومة من مقديشو.