السينما السعودية... هل تملك هوية؟

ستظل غائبة لزمن غير معلوم

السينما السعودية... هل تملك هوية؟
TT

السينما السعودية... هل تملك هوية؟

السينما السعودية... هل تملك هوية؟

الهوية، أياً يكن نوعها، هي مُنشأٌ ومبنى حكائي. تنسج من خيوط حكائية، وتتغير تبعاً لتغير الخيوط والنسّاج أو النسّاجين والظروف التي يحدث فيها النسج. لا وجود لهوية خارج الحكاية أو دونها سواء أكانت هوية إنسان، أو مكان، أو أمة أو شعب من الشعوب. فعندما يُطلب من فرد أن يُعَرِّف بنفسه، أن يقول من هو، فإن ما يقول أو يكتب عن نفسه يأخذ شكلاً سردياً؛ ويأتي حكاية، قصة، موقعة منها في المركز، لأنه «بطل» حكايته بلا منازع، والشخصية المحورية فيها. وهويات الأمم تنسج وتحاك من مروياتها المتوارثة والمتغيرة، ومن تصوراتها عن نفسها، وعن أهمية موقعها ومكانتها في التاريخ. تتغير الحكايات بتغير الأزمنة والأحوال والظروف، بمحتوياتها ومضامينها التي يختلط فيها الحقيقة والخيال، والحقيقي والزائف، والمستعار أو المسروق في غفلة من حكايات الآخرين، فتتغير الهويات نتيجة لذلك؛ إذ لا توجد هوية في حالة ثبات دائم ومستمر على امتداد الأزمنة؛ كما لا توجد في حالة نقاء خالص.
أعتقد أن هذا ينطبق إلى حد ما على هوية السينما في أي قطر من الأقطار بقدر وبنفس درجة انطباقه على الهويات الأخرى الفردية والجمعية، والقطرية والقومية. لذا أرى أن ما نسميه السينما السعودية أو المحلية، لا هوية لها، والحديث عن هويتها سابق لأوانه لسبب أنها لم تقدم حتى الآن، وهذا شيء طبيعي ولا يثير الاستغراب إطلاقاً، ما يمكن أن يشكل مادة لحكاية أو حكايات عنها، أو موضوعاً لدراسات تتقصى وتستجلي ملامحها وخصائصها الفنية والجمالية ومضامينها الخاصة، التي تؤسس تميزها، هويتها، فالهوية في المقام الأول والأخير هي ما يميز شخصاً عن آخر، وأمة عن أخرى، وما يصنع اختلاف سينما في بلد ما عن نظيرتها في بلد آخر. الاختلاف أس الهوية وجوهرها، ومن الصعوبة بمكان القول إن السينما المحلية أنتجت وقدمت ما يمكن أن يكون أساساً لاختلافها وتميزها. عندما يذكر متحدثٌ أو كاتبٌ كلاماً مثل التالي عن أفلام معينة: تحكي قصصاً تقع أحداثها في الزمن الحاضر وليس في الماضي سواء البعيد أم القريب، تقدم شخصيات من الطبقة الدنيا، تركز على العمال والفقراء، وعلى الإنسان العادي، تنبع أزمات وصراعات ومشاكل الشخصيات المحورية «الأبطال» فيها من اضطرابات نفسية داخلية وليس من الخارج، انفصلت عن أعراف وممارسات السينما السائدة التي تستهدف إلهاء الجماهير، تُصورُ مشاهدها في المواقع، يدرك المستمع أو القارئ الذي لديه أدني مقدارٍ من المعرفة عن السينما أن المتحدث أو الكاتب يشير إلى سينما الواقعية الإيطالية الجديدة.
أوردت ذلك على سبيل المثال فليس الهدف المقارنة، أو التقليل من أهمية ما أُنجزَ محلياً على الصعيد السينمائي، أو لمطالبة السينمائيات والسينمائيين السعوديين بتبني مبادئ سينما الواقعية الإيطالية الجديدة واستنساخ تجارب مخرجيها. أوردته لتوضيح فكرة أنه لا يمكن أن «نشخص» ونسرد خصائص السينما المحلية. إن المرء لا يستطيع أن يضع إصبعه على ما يميز السينما المحلية عن غيرها من الناحيتين الفنية والجمالية، ما يكون نواة وأساساً لِتَشَكُلِ هوية لها.
إن قوائم الفلموغرافيا لا تنشئ هوية أيضاً، فما هي إلاّ فهارس مرتبة زمنياً للأفلام المُنْتَجَّة خلال فترات معينة، تكمن أهميتها في أنها تقود وتدل إلى ما قد يكون موضوعاً للمشاهدة والدراسة والتحليل واستخلاص الملامح الفنية والجمالية والأعراف والمضامين التي تمثل بمجملها مكونات الهوية للسينما المحلية. وبطاقة الأحوال لا تؤسس، هي الأخرى، هوية؛ إنها مجرد دال على انتماء صانع أو صُنّاع الأفلام إلى بلدٍ معين أو بلدان معينة. اللافت في الأمر أن بطاقة الأحوال أو الجنسية قائمة على فكرة التجانس والتشابه وليس على فكرة الاختلاف والتميز عن الآخرين كما هو الحال مع الهوية. فبطاقة الأحوال تُمْنَحُ في حال انطباق شروط استحقاقها على طالبها، وهي ذات الشروط التي تُطبقُ على الآخرين، بخلاف الهوية القائمة على الاختلاف والتميز عن الآخرين، الدالة على من هو الشخص أو الشيء. وهي المقصودة هنا.
وحتى لو سلمنا جدلاً أن بطاقة الأحوال هي أحد محددات الهوية ودال على الانتماء والارتباط بوطن ما، فإنها لا تفعل ذلك دائماً، ولا يسري مفعولها في كل الأحوال والأوقات، إذ ليس من الحتمي والمؤكد أن تقيم دائماً صلة ورابطاً بين الفيلم ووطن المُخْرِجِ أو المُخْرِجَة. فعلى سبيل المثال، فيلما المخرجة هيفاء المنصور
«Mary Shelley» و«Nappily Ever After» لا يُعَدّان فيلمين سعوديين. إنهما فيلمان أميركيان، لم تكن المنصور في أحسن أحوالها عند إخراجهما من وجهة نظري، كما أنهما لا يشكلان إضافة عظيمة إلى رصيدها الإخراجي أو إلى السينما في الولايات الأميركية.
إن فيلمي المنصور أميركيان مثل أفلام من سبقها من المخرجين الذي هاجروا إلى الولايات المتحدة واشتغلوا في هوليوود على سبيل المثال المخرج النمساوي فريتز لانغ، الذي حصل على الجنسية الأميركية، وكذلك مخرج أفلام التشويق الشهير ألفريد هيتشكوك. إن أفلام الأخيرين أميركية، ولا تُنسبُ بأثر رجعي إلى وطنيهما الأصليين.
من السابق لأوانه الحديث عن هوية السينما السعودية. كانت تلك الفكرة التي دارت في ذهني خلال الندوة التي ناقش المشاركون فيها هذا الموضوع ضمن برنامج الندوات في الدورة الثامنة من مهرجان أفلام السعودية. الندوة سابقة لأوانها من وجهة نظري، لأنه لم يتحقق لدينا تراكم سينمائي نوعي وعلى مستوى الشكل والمضمون والتنوع الأجناسي؛ ذلك التراكم الذي يخرج الدارس والباحث من دراسته وتفحصه بمجموعة من السمات والخصائص الفنية والجمالية والتنوع المضموني التي تشكل لَبنات هويته.
الهوية في نظري تنبع من الداخل، وتستنبط مقوماتها وعناصرها من الأفلام نفسها، من القواسم المشتركة والمتكرر والمهيمن فيها لتتشكل بالتالي، أي الهوية، حكاية في أحاديث الناس وكتابات النقاد والباحثين. لكي يتحقق هذا لا بد من التحول والانتقال من صناعة أفلام إلى صناعة سينما، إلى إنتاج متواصل ومستمر يحقق تراكماً كمياً ونوعياً. فما نشهده الآن هو صناعة أفلام من هنا وهناك، الغالبية العظمى منها أفلام قصيرة يُصنع بعضها قبل مواعيد المهرجانات بأسابيع قليلة. لا أقول هذا تقليلاً من أهمية تلك الأفلام أو تعبيراً عن موقف ازدرائي تجاهها، إنما لوصف واقع الحال.
- ناقد وأكاديمي سعودي


مقالات ذات صلة

حسين فهمي: «بوستر القاهرة السينمائي» يعبر عن موقف سياسي

يوميات الشرق حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)

حسين فهمي: «بوستر القاهرة السينمائي» يعبر عن موقف سياسي

قال حسين فهمي إن الجدل حول ملصق المهرجان تجاهل دلالة استحضار شخصية «فؤادة» ومشهد فتح الهويس في فيلم «شيء من الخوف».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان طوكيو السينمائي ( الشركة المنتجة)

ميلتشو مانشيفسكي لـ«الشرق الأوسط»: أعالج القضايا الجادة بالسخرية

قال المخرج المقدوني ميلتشو مانشيفسكي إن فيلمه «أخت، أخ، غطاء بالوعة» بدأ من رغبته في حكي قصة عن أشخاص يعيشون على هامش المجتمع

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق مهرجان غزة لأفلام المرأة أقيم بين الأنقاض (إدارة المهرجان)

رئيس مهرجان غزة لأفلام المرأة: المخرجات الصاعدات وثقن «جرائم الاحتلال»

في مواجهة الظروف القاسية، استطاع مهرجان «غزة لأفلام المرأة» أن يُرسِّخ حضوره، ليس في المشهد السينمائي فحسب، بل في المشهد الفلسطيني أيضاً.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق ينطلق «ويك إند السينما الفرنسية» في 12 نوفمبر الحالي (المعهد الفرنسي في لبنان)

«ويك إند السينما الفرنسية» يحطّ في بيروت

تتنقّل البرمجة بين الكوميديا والمغامرات والتشويق والأعمال التاريخية والرسوم المتحرّكة، بما يتيح للجمهور اكتشاف عوالم مختلفة...

فيفيان حداد (بيروت)

صوَّر السماء فأذهل الملايين... واتُّهم بالذكاء الاصطناعي

 ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)
ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)
TT

صوَّر السماء فأذهل الملايين... واتُّهم بالذكاء الاصطناعي

 ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)
ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)

قضى المصوِّر بريندان لارسن ساعات طويلة في التقاط مئات الصور للسماء فوق أحد الجبال في نيوزيلندا. وتجلَّت ثمرة هذا المجهود في صورة تظهر فيها آلاف المسارات التي خلّفتها الأقمار الاصطناعية، وهي تتقاطع في سماء الليل، إلى درجة جعلت الصورة تبدو استثنائية جداً، ودفعته إلى خوض معركة للدفاع عن عمله ضدّ اتّهامات بأنه صُنِع بالذكاء الاصطناعي.

وذكرت «الغارديان» أنه لإنتاج هذه الصورة المذهلة، التي شاهدها ملايين الأشخاص عبر الإنترنت، قضى لارسن (51 عاماً) ساعتين خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، يلتقط مئات الصور لسماء الليل فوق جبل تاراناكي في الجزيرة الشمالية.

وقال إنه ضبط كاميرته لالتقاط عدد غير محدود من الصور، مدّة كل منها 8 ثوانٍ، مع فاصل زمني مدته ثانيتان بين كلّ صورة وأخرى. وأضاف: «تركتُ الكاميرا تعمل لمدة ساعتين، والتقطت 578 صورة... وكان ذلك الجزء السهل».

أما الجزء الصعب فجاء لاحقاً، عندما قضى لارسن نحو 40 ساعة في دمج الصور الفردية بعضها فوق بعض، باستخدام برنامج «أدوبي فوتوشوب»، وأمضى وقتاً طويلاً في محو النجوم بعناية لإظهار مسارات الأقمار الاصطناعية.

وقال: «بدأتُ أرى النمط يتشكّل، وقلتُ في نفسي: (يا له من أمر رائع!)، وكنت أعلم أنه كلما واصلت العمل، سيبدو الأمر أفضل وأكثر إبهاراً لجهة عدد الأقمار الاصطناعية».

وتُظهر الصورة السماء وقد امتلأت بمسارات نحو 1400 قمر اصطناعي، بلغ عددها نحو 14 ألف مسار، شكّلت نمطاً متشابكاً وكثيفاً فوق الجبل.

منح ساعتين من الليل في صورة (فيسبوك المصوِّر)

وعندما نشر لارسن الصورة على حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي، منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، انتشرت بسرعة فائقة، وأكسبته 15 ألف متابع جديد، وحصدت عشرات الملايين من المشاهدات، وأثارت آلاف التعليقات.

وكانت المفاجأة أن بعض المشاهدين شكّكوا في حقيقة الصورة، معتبرين إياها من صنع الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تقبّل لارسن الأمر، قائلاً إن برمجيات توليد الصور بالذكاء الاصطناعي أصبحت شديدة التطوّر، إلى درجة يصعب معها التمييز بين الصور الحقيقية والزائفة، خصوصاً لمَن لا يعرفون المكان أو لا يملكون دراية بالتصوير الفلكي، مؤكداً في الوقت ذاته أن الأمر «محبِط».

وأوضح كذلك أنه يشعر بالاستياء عندما يرى صورته تُحمَّل ويُعاد إنتاجها باستخدام الذكاء الاصطناعي، مع ظهور عيوب واضحة فيها.

وتحسّباً لموجة الاتّهامات وردود الفعل الغاضبة، وثَّق لارسن عملية إنتاج صورته في مقطع فيديو، ويأمل في أن يمكّن ذلك المشاهدين من بناء ارتباط عاطفي بالمشهد الطبيعي الظاهر فيها.

في طفولته، كان لارسن مندهشاً جداً من عدد النجوم التي تملأ السماء في أجزاء من الريف النيوزيلندي، لكنه لاحظ زيادة في التلوث الضوئي وعدد الأقمار الاصطناعية خلال الأعوام الستة التي قضاها في تصوير السماء.

وقال: «من المثير والمذهل رؤية الأقمار الاصطناعية، لكنه أمر يبعث على القلق»، مضيفاً: «لدي نحو 10 آلاف تعليق على صفحتي في (فيسبوك)، و9 من كلّ 10 تعليقات تقول: (يا لها من صورة بديعة، لكنه أمر مرعب ومخيف ويثير القلق حقاً حيال ما يحدث لسماء الليل)».

يُذكَر أن نحو 16 ألف قمر اصطناعي عامل تدور حول كوكب الأرض، إلى جانب عشرات الآلاف من المركبات الفضائية المُعطّلة وأجزاء الصواريخ والحطام الناتج عن تفكّك الحمولات الفضائية.

وقد حذَّرت دراسات بالفعل من أن جزيئات المعادن الناتجة عن الأنشطة الفضائية، مثل عمليات إطلاق الصواريخ وعودة الأقمار الاصطناعية إلى الغلاف الجوّي، قد تؤثر في كيمياء الغلاف الجوي وطبقة الأوزون، بينما حذَّرت الأمم المتحدة من أن زيادة الأنشطة الفضائية تشكّل مخاطر على السلامة على الأرض وظلام السماء والرصد الفلكي.

وفي حين أن الأقمار الاصطناعية لا تملأ السماء تماماً للعين المجرّدة حتى الآن، يساور لارسن القلق إزاء الحالة المستقبلية لسماء الليل، ويأمل في أن تثير صورته نقاشات وتأملات حول كيفية استخدام الأقمار الاصطناعية بمسؤولية.

وختم: «يمكننا تعزيز الوعي، ومن خلال ذلك نحقّق زخماً شعبياً لدعم الجهود الرامية إلى حماية سماء الليل».


«وهم المركز»... رؤية تشكيلية فلسفية للقيود التي يواجهها الإنسان

تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
TT

«وهم المركز»... رؤية تشكيلية فلسفية للقيود التي يواجهها الإنسان

تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)

ماذا لو أزحنا الإنسان عن مركز اللوحة الفنية، وأفسحنا مكانه لفراغ واسع تتوزع حوله أشكال وخطوط وعناصر تبدو للوهلة الأولى هامشية؟ وإلى أي مدى يمكن لهذا التحول أن يعكس واقع مجتمعات يتقدّم فيها حضور الجماعة على إرادة الفرد واختياراته؟

من هذا السؤال يبدأ الفنان التشكيلي المصري محمد الجنوبي تجربته في معرضه «وهم المركز... التحرك أسفل اللوحة»، المقام حتى 12 نوفمبر (تشرين الثاني) في «مركز الجزيرة للفنون» بالقاهرة، مستكشفاً عبر التكوينات البصرية علاقة الفرد بالجماعة، وما تفرضه من قيود على حريته واستقلاله، في تطلع إلى مجتمع يمتلك فيه الإنسان حق الاختيار وتقرير مصيره؛ حيث ينقل الجنوبي إلى مساحة التصوير تساؤلات تتعلق بموقع الفرد داخل المجتمع، وهيمنة الجماعة على اختياراته، وما يترتب على ذلك من تراجع استقلاليته وحريته.

وعلى امتداد نحو 80 عملاً، موزعة على 3 قاعات تحمل أسماء الفنانين أحمد صبري وراغب عياد والحسين فوزي، بالمركز، يقدم الجنوبي مشروعاً تشكيلياً فلسفياً عمل عليه طوال 4 سنوات، محاولاً من خلاله إعادة النظر في مفهوم المركز والهامش، انطلاقاً من قراءة ثقافية وتاريخية لطبيعة المجتمعات الشرقية، وما يميزها من حضور قوي للعائلة والعشيرة والجماعة في تشكيل حياة الفرد.

ويقول الجنوبي لـ«الشرق الأوسط»: «الأساس في الفن أن الإنسان يكون مركز اللوحة، لكنني أزحته من هذا الموقع ووضعته في الهامش، وتركت المركز فراغاً لونياً أو خطوطاً وأشكالاً هندسية».

يغيب الإنسان عن المساحة الرئيسية في رمز لهيمنة الجماعة (الشرق الأوسط)

ويتابع: «أردت أن أتأمل الفكرة من منظور ثقافتنا؛ فالإنسان الفرد لم يكن دائماً مركز الحياة في مجتمعاتنا، إذ لعبت العائلة والعشيرة والجماعة الدور الأكبر في تشكيل وجوده وفكره، فيما اتخذ الإنسان موقع المركز في الثقافة الغربية، قبل أن تبدأ الحداثة وما بعدها مساءلة هذه الفكرة».

ويضيف الجنوبي: «أنا مع أن يكون الإنسان في المركز، لكنني أريد أن يصل إلى هذا الموقع فعلياً، وأن يمتلك حقوقه وحرياته واستقلاله؛ فالمسألة تتعلق بمدى قدرته على اتخاذ قراراته، واختيار حياته ومستقبله واتجاهاته الفكرية والثقافية. وإلى أن يتحقق ذلك، سأظل أرسمه في الهامش أو أسفل اللوحة».

بهذا المعنى يتخذ عنوان المعرض دلالته الأساسية؛ فـ«وهم المركز» يحيل إلى تصور ثقافي واجتماعي يمنح الجماعة سلطة واسعة على الفرد الذي تظل استقلاليته محدودة.

ويؤكد الفنان أن انشغاله بالهامش لا ينطلق من مقاربة سياسية، وإنما من محاولة فهم جذور هذه العلاقة في التاريخ والثقافة، وكيف يمكن لهيمنة الجماعة أن تحد من ظهور الشخصيات المستقلة وأصحاب الرؤى المختلفة والمبدعة.

ولا يقتصر حضور الهامش على بنية اللوحة، وإنما يمتد إلى الشخصيات والحكايات التي يستحضرها الفنان. فتظهر المرأة في عدد من الأعمال باعتبارها موضوعاً لحكايات يرويها الشريط السفلي، في محاولة لإبراز أدوارها وما تعرضت له ـ رغم ذلك ـ لتهميش داخل بعض الأنساق الاجتماعية والثقافية، وهو ما يتيح قراءة إضافية للعلاقة بين الحضور الفعلي للشخصيات ومكانتها في الذاكرة الجمعية.

تفاصيل لونية وهندسية من تجربة محمد الجنوبي في معرض «وهم المركز» (الشرق الأوسط)

وتحضر الطبيعة بدورها في بعض التكوينات، من خلال نباتات ضخمة تتجاوز أحجامها المعتادة، ويضعها الفنان في علاقة متوترة مع البيئة العمرانية.

ويشرح أن هذه النباتات تبدو في حالة غضب من العشوائيات التي تزاحم المكان وتحتل مساحاته، في إشارة إلى اختلال التوازن بين الطبيعة، وما يطرأ على البيئة من تغيرات.

أما الأشكال الهندسية والتجريدية، فتؤدي دوراً أساسياً في ضبط التكوين، خصوصاً مع اتساع المساحات الخالية وتراجع العناصر البشرية.

ويوضح الجنوبي أن طبيعة المشروع فرضت عليه البحث عن حلول بصرية تحفظ توازن اللوحة؛ بحيث لا يبتلع الفراغ بقية عناصرها، ولا تفقد الأشكال المحدودة قدرتها على بناء إيقاع متماسك.

وتكشف الألوان عن صلة واضحة بذاكرة المكان الذي نشأ فيه الفنان بأسوان؛ إذ تتقدم الدرجات الترابية والبنيات الداكنة، إلى جانب الأصفر ولمسات محدودة من الأخضر.

الفنان محمد الجنوبي داخل معرضه (الشرق الأوسط)

ويقول: إن «طبيعة الجنوب، بما تحمله من صحراء وجبال وبيئة خشنة، تركت أثرها في اختياراتي اللونية، كما انعكست في بعض المفردات التي أستحضرها».

ومع ذلك لا يعد الفنان أن المعرض يُمثل نهاية مشروعه؛ فهو لا يزال يعمل على تطوير التجربة، ويتركها مفتوحة لمزيد من البحث والتجريب.


تمساح يقتحم مخبزاً... وصاحبه: لم أتوقَّع هذا ولو بعد مليون عام

دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
TT

تمساح يقتحم مخبزاً... وصاحبه: لم أتوقَّع هذا ولو بعد مليون عام

دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)

تسلّل تمساح صغير الحجم إلى مخبز في ولاية كارولاينا الشمالية الأميركية، ممّا أثار حالة من الهلع بين العاملين والزبائن.

ووفق صحيفة «نيويورك بوست»، دخل تمساح يبلغ طوله نحو 3 أقدام (91 سنتيمتراً)، مخبز «باجل دوك إكسبريس» بمدينة ساوثبورت عبر باب خلفي كان مفتوحاً.

ورصدته كاميرات المراقبة وهو يتجوَّل في غرفة التخزين، ثم يمرّ بالمطبخ وصولاً إلى المنطقة الأمامية للمخبز، قبل أن يستقرّ خلف منضدة البيع. وما إن لمح مالك المخبز جيسي دريسكول الزائر غير المتوقَّع، حتى انتفض مذعوراً وهرع إلى الخارج، ليعود سريعاً مصطحباً رجلاً آخر ليريه المشهد الصادم.

وقال دريسكول لشبكة «دبليو دبليو إيه واي» الإخبارية: «إنه أمر خارج عن المألوف تماماً بالنسبة إلى مخبز. يمكنك أن تتوقَّع رؤية كثير من الأشياء، مثل دخول الزبائن أو الأصدقاء لإلقاء التحية، لكنني لم أتخيّل طوال حياتي أن أرى تمساحاً هنا، ولو بعد مليون عام».

زائرٌ بأنياب لا تصلح لابتسامة الصباح (فيسبوك)

وأوضح مالك المخبز أنه سارع إلى الاتصال برقم الطوارئ، فتدخّلت شرطة ساوثبورت بالتعاون مع خدمات حماية الحيوانات، ونجحت في الإمساك بالتمساح ونقله بأمان إلى مكان آخر، من دون وقوع إصابات.

ونشرت شرطة ساوثبورت صوراً للزاحف الصغير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مرفقة بتعليق طريف عن وجود تمساح في الممر الأول.

وأشار دريسكول إلى أنه كان منشغلاً بتركيب فرن جديد عندما تسلّل هذا الدخيل المغطَّى بالحراشف إلى المخبز.

بدوره، علّق المخبز مازحاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن أخبار المخبوزات الطازجة التي يقدّمها وصلت، على ما يبدو، إلى المستنقعات، مضيفاً أنّ الحادثة انتهت من دون إصابات، وإنما بزيارة زبون غير مألوف.

وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة «الغارديان» أنّ لجنة موارد الحياة البرّية في كارولاينا الشمالية سبق أن حذّرت السكان والزائرين في المناطق الساحلية من إطعام التماسيح أو الاقتراب منها، في ظل ازدياد اللقاءات بينها وبين البشر.

وأوضح عالم الأحياء جون هنري هارلسون أنّ إطعام التماسيح يجعلها تربط وجود البشر بالحصول على الطعام، وقد يفقدها خوفها الطبيعي منهم، ممّا يزيد احتمالات وقوع مواجهات خطرة. وتوصي السلطات بعدم محاولة الإمساك بهذه الحيوانات أو التعامل معها، وتوخّي الحذر قرب المسطحات المائية.