عصير «صبغة الخنافس»... ضجة واسعة حول مادة متداولة

خبير لـ«الشرق الأوسط»: الرفض الليبي للمنتج المصري لا يسيء له

الدودة القرمزية تنمو على التين الشوكي
الدودة القرمزية تنمو على التين الشوكي
TT

عصير «صبغة الخنافس»... ضجة واسعة حول مادة متداولة

الدودة القرمزية تنمو على التين الشوكي
الدودة القرمزية تنمو على التين الشوكي

«رجاءً لا تشتري مجدداً عصير الخنافس مره أخرى»... قال الشاب محمود حمدي «18 عاماً» هذه العبارة لوالدته، وهو يضع عبوات عصير شهير بالسوق المصرية في حاوية القمامة في منزله، بعد انتشار خبر رفض ليبيا لشحنة من هذا العصير لاحتوائها على صبغة يتم الحصول عليها من الدودة القرمزية، التي يعتقد البعض خطأً أنها من جنس الخنافس.
وأعلن مركز الرقابة على الأغذية والأدوية في ليبيا عبر صفحته على «فيسبوك»، رفضه تسلم شحنة من عصير تنتجه شركة مصرية، وهو عبارة عن مسحوق شراب صناعي سريع التحضير بنكهة البرتقال، لاحتوائه على مادة (E120).

صورة لقرار رفض الشحنة - صفحة مركز الأغذية والرقابة على الأدوية بليبيا

لم تمر دقائق وانتشر الخبر كالنار في الهشيم، لا سيما بعد أن صدرت بعض المواقع الإلكترونية عناوينها بالإشارة إلى أن هذه المادة، التي أشار إليها البيان الليبي، والمعروفة أيضا باسم «الكارمين» أو «حمض الكارمينيك»، وهي عبارة عن صبغة مصدرها الدودة القرمزية، وهو ما أعطى انطباعاً لدى حمدي وكل من قرأ هذه الأخبار، بأن الرفض الليبي سببه أن هذه المادة مصدرها الحشرات.
من جانبه، لم ينف، رئيس الهيئة القومية لسلامة الغذاء بمصر، حسين منصور، المصدر الحشري لهذه المادة. وشدد في تصريحات صحافية بأنه ليس لها أي أضرار صحية، ومعتمدة من هيئة الدستور الغذائي العالمي «الكودكس»، مبدياً استغرابه لرفض الشحنة، قائلاً إنه «لا يوجد مبرر واحد لرفضها».

منتجات تدخل في إنتاجها الصبغة القرمزية

ورغم تأكيده على أنها مادة معتمدة ولا توجد مشاكل في استخدامها بالصناعات الغذائية، فإنه لم يبخس الجانب الليبي حقه في رفض أي شحنة غذائية. وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أي دولة رفض أي شحنة، لكني أعترض وبشدة على الإعلان عن ذلك في وسائل الإعلام، وبالطريقة التي تمت على صفحة (الفيسبوك)». وأضاف: «مصر ترفض أيضاً مئات من الشحنات الواردة لاحتوائها على نسب عالية من الملوثات، ولم يحدث أن تم الإعلان في الصحف عن رفض شحنه من أي دولة».
ويلمح منصور لـ«(أغراض) قد تكون خلف هذا التشهير (غير المسبوق)»، مضيفاً: «لم أحزن لرفض الشحنة؛ لكن التشهير الذي صاحب الرفض، يبدو كأن خلفه (أهدافاً معينة) وهذا ما أعترض عليه».
ويتفق أشرف مهدي شروبة، أستاذ التصنيع الغذائي بكلية الزراعة بجامعة بنها المصرية، مع رئيس هيئة سلامة الغذاء، في أن «هذه المادة ليست لها أضرار صحية»، ولكنه أشار إلى أنها «مثل أي مادة حتى لو كانت طبيعية، يكون لها أضرار جانبية».
ويقول شروبة لـ«الشرق الأوسط»، إن «الدواء غير ضار بالصحة، ولكن يكون له أضرار جانبية، تجب الإشارة إليها، وهذه المادة ينطبق عليها نفس الشيء، فهي مسموح بها دولياً، ولكن تسبب لدى البعض ردود فعل تحسسية».
ووفق آخر مراجعة لإدارة الغذاء والدواء الأميركية حول هذه المادة، نشرتها الجريدة الرسمية للحكومة الاتحادية في الولايات المتحدة (Federal Register)، بتاريخ 1 مايو (أيار) 2009، فإنه «يتعين الإعلان بالاسم على ملصق جميع المنتجات الغذائية ومستحضرات التجميل التي تحتوي على هذه الإضافة اللونية».
وأشارت الجريدة الرسمية للحكومة الأميركية إلى أن هذه القاعدة جاءت كرد فعل لتقارير عن ردود الفعل التحسسية الشديدة، بما في ذلك الحساسية المفرطة، للأطعمة المحتوية على هذه المادة، وبالتالي فإن التنبيه على العبوة، يسمح للمستهلكين الذين لديهم حساسية من هذه الإضافات اللونية بتجنبها.
وإذا كانت الولايات المتحدة لا تمنع المادة، شريطة الإعلان عن استخدامها على عبوة المنتج، فإن بعض الدول قد تمنعها نهائياً، فيما تضع دول أخرى ضوابط لاستخدامها.
ويقول شروبة: «وفق البيان الليبي، فإنه تم المنع لمجرد احتواء العصير على تلك المادة، وهذا لا يعيب المنتج، ولكننا نستطيع فقط أن نقول إنه لا يتوافق مع المواصفات القياسية المعمول بها هناك، والمسؤولية في رأيي تقع على مسؤولي المصنع، الذين كان يتعين عليهم التأكد قبل إرسال العصير ليبيا، بأن هذه المادة مسموح بها هناك».
ولفت شروبة إلى أن التركيز على أن المادة (E120) مصدرها الحشرات، أدى إلى ضجة «واسعة» ليس لها داعٍ، لأن كثيراً من المنتجات الغذائية والدوائية الموجودة في الأسواق يدخل في إنتاجها مواد مستخرجة من الحشرات، وأبسط مثال على ذلك، أن الأدوية التي نتناولها، كثير منها يستخدم بروتينات مصدرها العقارب والثعابين.
وتسمية هذه المادة بـ(E120)، مصدرها الاتحاد الأوروبي، الذي قامت إحدى لجانه المعنية بسلامة الغذاء بعمل مراجعة لكل المواد المستخدمة في صناعة الغذاء، وأعطت أرقاماً لكل مادة، على أن يسبقها حرف «E» كاختصار لكلمة الاتحاد الأوروبي، وهذه المادة حمراء، وهي مركب طبيعي يستخدمه البشر منذ مئات السنين، وتوفر مصدراً مهماً للدخل لكثير من سكان الريف في أميركا الوسطى والجنوبية، وتعد بيرو أكبر منتج تجاري للمادة، تليها دول مثل المكسيك وتشيلي والأرجنتين وجزر الكناري الإسبانية.
ووفق تقرير نشرته في 18 سبتمبر (أيلول) 2015 «مجلة وايرد» الأميركية، التي تهتم بالتجارة والأعمال والحياة اليومية والاجتماعية، فإن هذه المادة تنتشر بأسماء مختلفة على ملصقات الطعام ومستحضرات التجميل في أميركا، استجابة للتوجيه الصادر من إدارة الغذاء والدواء في 2009.

الحشرات المجففة التي سيتم طحنها لاستخراج الصبغة

وفي حين يسميها البعض مادة قرمزية، يطلق عليها البعض الآخر حمض كارمينيك، أو أحمر طبيعي 4، أو E120. وتوفر هذه المادة اللون للنقانق وكذلك المعجنات الوردية، وتستخدم في العديد من أنواع الزبادي والعصائر القرمزية، وهي شائعة في أحمر الشفاه وأحمر الخدود، ومن مزاياها أنها مستقرة بشكل ملحوظ أثناء الطهي أو التجميد أو في بيئة حمضية، ما يجعلها مادة مثالية للتصنيع.
وكما جاء في تقرير المجلة الأميركية، فإن الدودة القرمزية المنتجة لهذه الصبغة تتميز بأنها صغيرة الحجم، وبدون أرجل أو قرون استشعار مرئية، وتعيش هذه الدودة على التين الشوكي، وتغطي أجسامها بشمع أبيض رقيق، يوجد تحته حمض الكارمينيك (الصبغة الحمراء)، وهذا الحمض مفيد في صد النمل، حيث يعد سلاحاً كيميائياً ضد الافتراس.
وتشكل الصبغة الحمراء نحو 20 في المائة من الوزن الجاف لجسم الدودة القرمزية، ويتم استخلاصها عن طريق تجفيف الحشرات، ثم طحنها لتتحول إلى مسحوق، ثم يتم إقران المسحوق بالأملاح لعزل الصبغة القرمزية.
ويقول تقرير نشره موقع مجلة سميثسونيان الأميركية في 29 مارس (آذار) الماضي إنه «مع طرق الحصاد الحالية، هناك حاجة إلى ما يقدر بنحو 70 ألف حشرة لإنتاج رطل واحد من مسحوق الحشرات المجففة، وخُمس رطل من الصبغة القرمزية.
ومع ارتفاع الطلب العالمي الإجمالي على تلك المادة، نتيجة تزايد الصناعات الغذائية التي تحتاج إليها، إلى جانب ارتفاع تكاليف العمالة، ومحدودية موطن التين الشوكي الذي تنمو عليه الحشرة المنتجة للصبغة، فقد قفز سعر الطن من الصبغة القرمزية بنسبة 40 في المائة بين عامي 2013 و2019، كما يوضح تقرير مجلة سميثسونيان.

رسم توضيحي من القرن الثامن عشر يُظهر الحصاد التقليدي للحشرات القرمزية

ويشير التقرير إلى أنه في السنوات الأخيرة، تحول الباحثون إلى هندسة التمثيل الغذائي، عن طريق التلاعب بيولوجيا بمسارات التمثيل الغذائي داخل الميكروبات لإنتاج الصبغة القرمزية من مصادر أخرى.
وتحمل دراسة نشرتها دورية «نيتشر» في 27 أغسطس (آب) 2018، أنباء عن نجاح باحثين من قسم البيولوجيا التركيبية بالجامعة التقنية في الدنمارك، في هندسة «فطر الرشأشيات» لتحويله إلى مصدر إنتاج لحمض كارمينيك (الصبغة القرمزية)، وذلك عن طريق إضافة جين من الحشرة القرمزية، أدى إلى توفير إنزيم يحول حمض القرميسيك في الفطر إلى حمض كارمينيك.
وابتكرت دراسة أخرى أجراها فريق من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا، ونشرت في 2 أبريل (نيسان) 2021 بدورية «الجمعية الكيميائية الأميركية»، مساراً حيوياً بديلاً لإنتاج حمض الكارمينيك، وهذه المرة عن طريق إدخال الجينات في بكتيريا «الأشركية القولونية» المعروفة. وتعد هذه المساعي الدولية للحفاظ على تلك الصبغة بتوفير مصادر بديلة لإنتاجها، خير رسالة لطمأنة حمدي ورفاقه ممن هالهم ارتباطها بالحشرات، فقاموا بإفراغ محتويات العصير في حاويات القمامة.


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
TT

«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)

كان دخول الدراما الكورية وموسيقى الـK-Pop (كي بوب) إلى قلوب الناس حول العالم سريعاً. سبقَ التبنّي الجماهيري لتلك المسلسلات والأغاني الناطقة بلغةٍ غير مفهومة، اعترافَ المحافل الفنية العالمية بالصناعة الترفيهية الكورية الجنوبية.

لكن خلال السنوات القليلة الماضية، توالت الإنجازات الدرامية والموسيقية الكورية على منابر عريقة مثل حفلَي جوائز «إيمي» و«غرامي». من فريق BTS الغنائي المحبوب، مروراً بمسلسل «لعبة الحبّار Squid Game»، وليس انتهاءً بفيلم «فرقة البوب الكورية: صائدات الشياطين K-Pop Demon Hunters».

K-Pop Demon Hunters أحدث إنجازات الآلة الترفيهية الكورية (نتفليكس)

الـ«كي بوب» إلى الأوسكار

هذا الفيلم الذي أنتجته منصة «نتفليكس» وحقق أرقاماً مليونيّة عليها، يتّجه صوب الأوسكار منافساً على جائزتَين: أفضل فيلم رسوم متحركة وأفضل أغنية. وإذا جاءت الجائزتان أو إحداهما من نصيب الفيلم، فإنه سيحقق بذلك إنجازاً تاريخياً للبوب الكوري في هوليوود.

كل الذين تبنّوا الموسيقى الكورية أو أيّ محتوى ترفيهي آتٍ من سيول، وهُم بمعظمهم من «الجيل زد»، يظنّون أنّ تلك الظاهرة حديثة العهد. لكن فيلم «صائدات الشياطين» حَرص في مقدّمته على التذكير بأنّ لهذا الفنّ رائدات مؤسِّسات. في مشهدٍ افتتاحيّ يرجع الفيلم 65 سنة إلى الوراء، ليقدّم تحية مصوّرة إلى فريق «الشقيقات كيم The Kim Sisters».

إعدامات ولجوء وجوع

ألهمَت تلك الفتيات الثلاث أجيالاً من مغنّي البوب الكوري، بمَن فيهم البطلات الافتراضيات لفيلم «صائدات الشياطين». فمَن هنّ «الشقيقات كيم» اللواتي أسّسن البوب الكوري وصدّرنه إلى العالم، قبل حتى أن يصير اسمه K-Pop؟ وكيف تحوَّلت حكايةُ القهر التي طلعن منها إلى قصة مجدٍ على الأراضي الأميركية؟

بدأ كل شيء في مطلع خمسينيات القرن الماضي، بينما كان الاجتياح الكوري الشمالي يعصف بكوريا الجنوبية. وجدت المغنّية الشهيرة لي نان يونغ نفسها بلا مالٍ ولا مأوىً، بعد إعدام زوجها المايسترو كيم ها سونغ على أيدي قوات كوريا الشمالية. لم تكن يونغ بمفردها، بل كانت مسؤولة عن أولادها السبعة، ومن بينهم ابنتَاها سو وآيجا، وابنة عمّهما ميا التي توفّي والدُها الموسيقيّ هو الآخر فتبنّتها يونغ.

في المخزن الذي لجأت إليه بعد أن أحرق الشماليون بيتها، عاشت يونغ وأولادها في مساحة ضيّقة مع 22 شخصاً لا تربطها بهم أي صِلة. أمضوا أياماً من دون طعام وتشاركوا الحمّام ذاته مع اللاجئين الآخرين، وفق ما توثّق سو كيم في حوار مع منصة «هيستوري». بقيت الأوضاع على حالها إلى أن حلّ يونيو (حزيران) 1950 وجلبَ معه الجيش الأميركي إلى سيول، بعد أن انضمّت واشنطن إلى الحرب الكورية مسانِدةً الجنوبيين.

الشقيقات كيم كما ظهرن في فيلم K-Pop Demon Hunters (يوتيوب)

سو وآيجا وميا يغنّين للمارينز

وجدت يونغ الخلاص في «المارينز» فاسترجعت صوتها وبدأت بإقامة الحفلات في المخيّمات العسكرية الأميركية. سرعان ما جلبَ ذلك طعاماً إلى المائدة وسدّ جوع الأولاد، فالجنود كانوا يقدّمون لها صناديق المشروبات الكحولية بدلاً عن أتعابها فتستبدلها بالأرزّ والمواد الغذائية في السوق السوداء.

من السوق السوداء، أحضرت يونغ كذلك أسطوانات لأغانٍ أميركية معروفة. من بين الأولاد انتقت سو وآيجا وميا لتدرّبهنّ على حفظ تلك الأغاني من دون أي معرفةٍ للّغة الإنجليزية. وهي أيضاً لم تكن تنطق بتلك اللغة. كانت الفتيات حينها بين الـ8 والـ9 من العمر، لكنّ ذلك لم يَحُل دون اعتلائهنّ الخشبة والغناء والعزف أمام الجنود.

الشقيقات سو وآيجا وميا كيم (إنستغرام)

المنتج الأميركي في كوريا من أجلهنّ

بآلاتهنّ الموسيقية المتعددة وأصواتهنّ البريئة، لفتن الأنظار والأسماع وأيقظن الحنين إلى الأرض رغم اللكنة الكورية في أداء الأغاني. كبرت الفتيات بين صفوف الجنود واحتكرن الترفيه الفنيّ عنهم، فاستحققنَ اسماً رسمياً عام 1953: The Kim Sisters أي «الشقيقات كيم».

استمرت الحال هذه حتى 1958 وكانت قد بلغت شعبية الأخوات الثلاث ذروتها بين الجنود، الذين خطّوا رسالة للمنتج الأميركي طوم بال مطالبين إياه بزيارة كوريا الجنوبية لمشاهدة عرضٍ للفرقة. لبّى بال الطلب، وكما جنود بلاده، أُعجب كثيراً بهنّ فقدّم لهنّ عقدَ عمل في الولايات المتحدة.

تميزت الشقيقات كيم في الغناء والعزف على آلات متعددة (إنستغرام)

من لاس فيغاس إلى التلفزيون

تأخّر الحصول على فيزا لكن بحلول 1959، حطّت الشقيقات كيم رحالهنّ في لاس فيغاس. بدأت هناك رحلة الغناء في الفنادق من دون أي ضمانات لناحية الحصول على إجماع الحاضرين. فالجنود الأميركيون في كوريا الجنوبية تعلّقوا بهنّ لأنهن جلبن إليهم نفحةً من هواء الوطن، لكنّ التحدّي في لاس فيغاس كان التميّز بين عشرات الفنانين الأميركيين والعالميين الذين لا يتعثّرون في اللغة الإنجليزية.

لم تكن المهمة صعبة، إذ أسرت الفتيات قلوب الجماهير، وسرعان ما انتقلن من فنادق لاس فيغاس وقاعات الرقص فيها، إلى شاشات التلفزة الأميركية. ظهرن في 22 حلقة من «برنامج إد سوليفان» والذي كان يُعدّ الأكثر جماهيريةً حينذاك. بالزيّ التقليديّ الكوريّ أو الـ«هانبوك»، كرّرن الإطلالات التلفزيونية إلى أن بتنَ وجوهاً وأصواتاً معروفة على امتداد الولايات الأميركية.

قصة نجاح أو دعاية سياسية؟

غير أنّ الرحلةَ لم تَخلُ من الصعوبات، فالشقيقات كيم واجهنَ العنصريّة حيال العرق الآسيويّ والنظرة الدونيّة تجاه المرأة ذات البشرة الصفراء. مع ذلك، هنّ تصدّرن أغلفة أهمّ المجلّات كـ«نيوزويك» و«لايف»، وأصدرن ألبومهنّ الأول عام 1963 ليصبحن بذلك أول فريق آسيوي ينتج الموسيقى داخل الأراضي الأميركية.

كانت المنفعةُ متبادلة، فمع تراجع الدعم الشعبي الأميركي للحرب الكورية، جرى استخدام قصة نجاح الشقيقات كيم كبروباغندا أو دعاية سياسية ساعدت في تبرير القرار الأميركي بالدفاع عن كوريا الجنوبية. كما شكّلن الدليل القاطع على أنّ تحقيق «الحلم الأميركي» ليس مستحيلاً، مما أدّى إلى نشوء ظواهر مشابهة في سيول من دون أن تحقّق النجاح ذاته.

الشقيقات كيم على غلاف مجلة «لايف» عام 1960 (إنستغرام)

جدّات الكي بوب

في حوارها مع «هيستوري» عام 2019، أي بعد 44 سنة على اعتزال الفريق، تقول سو كيم إنها «متأكدة من أن الشقيقات كيم مهّدن الطريق أمام نجوم الـK-Pop الحاليين».

صحيح أنّ الموسيقى الكورية المعاصرة لا تُشبه في شيء ما كانت الشقيقات يقدّمنه، غير أنّ ثمة نقاطاً مشتركة. تجتمع النسختان القديمة والجديدة على مسار المثابرة والقصة الملهمة التي يطلع منها الفنانون. كما أنّ المظهر الموحّد أساسي في الإطلالة. ليست الأصوات الجميلة مهمة بقَدر أهمية الصورة البرّاقة والقدرات الاستعراضية.

ليس مُستغرباً إذن أن تؤدّي بطلات «صائدات الشياطين» التحيّة لجدّاتهنّ «الشقيقات كيم»، وذلك نيابةً عن سائر نجوم الكي بوب الذين يغزون العالم بأغانيهم ورقصاتهم وألوانهم.


97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».