محمد خضير: الثمانون تفضح خداعَ المعادلة التي تساوي بين الزمنين الإبداعي والعُمري

الوسط الثقافي العراقي يحتفي بثمانينيات صاحب «المملكة السوداء»

محمد خضير: الثمانون تفضح خداعَ المعادلة التي تساوي بين الزمنين الإبداعي والعُمري
TT

محمد خضير: الثمانون تفضح خداعَ المعادلة التي تساوي بين الزمنين الإبداعي والعُمري

محمد خضير: الثمانون تفضح خداعَ المعادلة التي تساوي بين الزمنين الإبداعي والعُمري

يحتفي الوسط الثقافي العراقي هذا العام بثمانينية القاص والروائي محمد خضير، الذي يعد أحد الشواخص الإبداعية والرائدة في القص العراقي والعربي، ومن الرموز المهمة في الثقافة العراقية، حيث صاغ لنفسه وعبر ستة عقود من الكتابة أسلوبه الخاص، وحضوره الأدبي المتميز.
ولد خضير في مدينة البصرة عام 1942، وحصل فيها على شهادة دار المعلمين. نشر أول قصة له في مجلة «الأديب» العراقية عام 1962، وصدرت له مجموعته الأولى «المملكة السوداء» عام 1972. نال عدداً من الجوائز منها جائزة سلطان العويس عام 2004، وجائزة «القلم الذهبي» من اتحاد الأدباء في العراق عام 2008. التقته «الشرق الأوسط» لإضاءة بعض تفاصيل تجربته في الكتابة.

> في وقت نحتفل فيه بثمانينيتك، نتذكر أن علينا الاحتفاء بستينيتك في الكتابة، حيث كانت أول قصة نشرتها عام 1962 في مجلة «الأديب العراقي»... عندما تنظر إلى الخلف وبمسافة ستين عاماً، ما الذي تتحدث فيه عن تجربتك؟
- الثمانون حد زمني افتراضي أستعيد من عنده محطات عُمرية سابقة، وذكريات هادئة وعنيفة، وأياماً حافلة بالدهشة والأسى اللذيذ. عندما ألتفت للوراء، ألفي الفتى الشاب وقد انتقل من عمل «النشرات الحائطية المدرسية» إلى كتابة القصة القصيرة، وسط مجرى اجتماعي مضطرب. لم يكن ذاك انتقالاً هادئاً، فقد كانت «الستون» قفزة فوق سياج المدرسة النظامية إلى شارع الثورة الصاخب. لم يكن ذلك الحد البعيد سنة التخرج فقط من الدراسة الثانوية، بل عاصر أيضاً محاولة اغتيال الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم، وتحليق يوري غاغارين في الفضاء، وتظاهرات التأييد الجماهيرية لثورة الجزائر. وحدث أن عُينت بعد سنة من تخرجي عام 1959 معلماً في مدرسة ابتدائية في ريف محافظة «الناصرية». حملتُ معي حماقاتي ولذاتي المدنية وخلطتُها بدهشة الأهوار وسكونها وعمقها الاجتماعي والطبيعي. ونتجت عن هذه الخلطة كتابة أول قصة ناضجة تحت عنوان «النيساني» نشرتها مجلة اتحاد الأدباء العراقيين عام 1962، اشتمل موضوع القصة على مناظر حصاد القمح الذي يشارك فيه عمال المزارع الوافدون من محافظات جنوبية مجاورة إلى جانب فلاحي الأهوار. كان عملاً جنيتُ منه فكرة اختيار شخصيات بأسمائها الحقيقية، وهو خلل بنيوي لم أكرره في قصصي التالية، التي احتوتها مجموعتي الأولى (المملكة السوداء) الصادرة عام 1972.
> في «كتاب العقود» يرى بعض النقاد أن النصوص التي تضمنته، هي مقتطفة من سيرتك الذاتية، وتحاكي حياتك، وإن حاولت نفي هذه «الشبهة» بجرعات من الخيال، وافتراض حيوات ومصائر... ماذا تقول في ذلك؟
- تضمن «كتاب العقود» بابين مهمين، مخصصين لسرد خبراتي الشخصية البعيدة. ففي باب «الثمانون» كتبتُ قصصاً تجري أحداثها تحت الأرض، أستبق بها حياتي التي يشاركني في تخيلها مجموعة سكان مدينة تحت لهب الشمس. أما باب «التسعون» الافتراضي فقد احتوى استباقاً من نوع آخر تحت تسمية «تجارب في الموت». والأهم من ذينك التصورين الخياليين ما حققتُه في البابين من ترابط روائي تجلى في كتبي الأخيرة، التي أنتجتها تحت شعور فلسفي ذاتي، وضحته في أحد مقالاتي. أعتقد أن حياة الكاتب العراقي، والعربي عموماً، تنقسم إلى فصلين، أو حدين افتراضيين، هما فصل «الكاووس» وفصل «الناموس». ففي الفصل الأول تتخذ حياة الكاتب منحى فوضوياً جامحاً، يأخذ به وبنصوصه إلى عنان السماء؛ لكنها تستقر وتهدأ ولا تغادر الأرض في فصل «الناموس». ولعل الفصل الثاني «الناموس» هو الذي طبعَ نصوصي الأخيرة بطابع السيرة الذاتية، حيث يتزود الكاتب لنصوصه السردية من خزين العمر المنسي والمهمل في زوايا السنين المواضي.
> بين «المملكة السوداء» مجموعتك المهمة الأولى، وسردياتك التي كتبتها أخيراً صلة ما... هل تعتقد أن هناك تواصلاً طبيعياً بينها؟ أم تراه نضجاً في الكتابة؟
- بل هو انتقال بنيوي أساسي في الرؤية والتشكيل يعكس بحث الذات الساردة عن مستقر أخير في خضم رحلة «الثمانين» المتعرجة بين الفصول والمحطات العُمرية. ولا أعني انتظام الحياة والكتابة في جوابي السابق عن فصلي «الكاووس والناموس»، إذ أنني لا أشعر بتطور تقني متجاوب قطعياً مع مرحلة متقدمة من عمري، بل عكس ذلك، فالثمانون تفضح خداعَ المعادلة التي تساوي بين الزمنين الإبداعي والعُمري. فقد يسبق الكاتب زمنَه التطوري بما ينتجه من نصوص «حكيمة» في شبابه، وقد يشعر بتيار السنين المتسارع في كهولته فينتج ما كان قد أبطأ في إنتاجه من قبل (عدد الكتب المنشورة في المدة الأخيرة وكثرتها قياساً إلى فترة الكاووس الأولى). ولكي أبرهن على هذا التداخل بين الحدين الافتراضين، الكاووس والناموس، أضرب مثلاً بصبي «الكُتاب» الذي يشعر باستباقه عمره ونموه الزمني عندما يختم القرآن الكريم (يحفظه عن ظهر قلب). إني في مرحلة ما من عمري ذلك الطفل - صبي الكُتاب - الذي تعملق بسبب «ختمته» القرآن فظن أنه عاش عمر واحدٍ من «أهل الكهف».
> اللغة هي الهاجس الأساس في عالم محمد خضير السردي، على حساب الحدث والحوار. في نصوصك منذ البدايات، جمل سردية مشحونة بالدلالة، أرى أنها خارج فن القصة القصيرة، بتعريفها المتعارف عليه... ما رأيك؟
- على العكس من ذلك، أعتقد أن اللغة السردية تكونت ونَمَت واستقرت على سُوقها (حقلها السردي الأخير خصوصاً، أي حقل النصوص السيرية الذاتية، بقوة وتمرس). والسبب في هذا الاتساق والنمو اللغوي يرجع إلى قوة المرجع الحكائي الذي شحنَ النصوص بالدلالة القصوى والمرمى البعيد. فاللغة كائن ينمو ويشتد عوده باستمرار التثقيف الذاتي والاختبار العمري للثيمات الفريدة التي لا يشترك الكاتب في صياغتها مع غيره. ومن دون ثيمة قوية، تتعطل اللغة ولا تؤدي دورها في الإشعار و«التشعير» - من الشِعرية - وتخمد كموقد النار. تصور معي ثيمة قصة «حكاية الموقد» من مجموعتي الأولى، هل لها أن تتقد بغير حكايات العجوز التي تزور أسرة الجندي الغائب بانتظام كل مساء؟ ليست الحرب من تؤجج موقد الحكايات، ولكن القلوب المكتوية بها هي من تكتب قصتَها بما تملك من مرجعيات الألم والفراق عبر لسان الجدات المعمرات فوق سن الثمانين، أو أن أولئك تجاوزنَ الأعمار فبلغنَ نهاية الحد الافتراضي للقول الحكائي المتوارث عبر القرون.
> في مجموعتك «المحجر» تتناول تظاهرات تشرين 2019، وتضع ثوار تشرين مقابل الثوار الألمان الذين أسقطوا جدار برلين عام 1989... إلى أي مدى أسهمت قصص «المحجر» في وصف هذه الحدث التاريخي؟
- في مقالة لي من كتاب «رسائل من ثقب السرطان» عنوانها «فوات ما فات وما يأتي» استعرضتُ «فواتات» كاتبٍ هرِم، عاصرَ أحداثاً مهمة كالثورة والحرب والديكتاتورية والحصار والاحتلال، طيلة قرن كامل، من دون أن يُدلي بشهادة قوية عنها. تركَ تلك الحوادث الخطيرة تذهب وكأنها طيف مرعب مسه في الحلم وسلبه إرادته ولسانه؛ فإذا هو في كهولته أمام حدثٍ من نوع خاص، احتجاج أو انتفاضة شعبية، لها طعم خاص يجمع نكهات الماضي «الفائت» مع «شعواط» الحاضر في مطبخ واحد. اندلعت حوادث تشرين 2019 لتؤجج النبرة الخافتة في نصوص سابقة دارت حول الواقع ولم تقتحمه من الداخل. أصبح الواقع جاهزاً على طبق من إعداد ماركس وحنة أرندت في نص المجموعة الأول «تحت الجسر»، واجتمعت شخصيات مركبة هبطت من «الفوات» الأعظم لحياة الكاتب الثمانيني. أعتقد أن قصص المحجر تعويض عادل، لا لكاتب النص الأول، بل لشخصيات ولِدت من رحم الأجيال الجديدة، وعاصرت الانقلاب الكبير في تعبير الأجيال القديمة الواقعي. صار كسر «التابو» الثوري ممكناً ومباحاً، من خلال تعويض الخيال الديستوبي بالخيال اليوتوبي الذي ساد زمناً في قصص الماضي. اشتغلت ثيمة الديستوبيا في الطبقة العميقة من نصوص «المحجر»، خصوصاً في القصة المفردة بهذا العنوان، من خلال المزاوجة بين الثورة والوباء (كوفيد - 19) لتدل دلالة مباشرة على مرحلتها.
> قلت لي مرة في أحد حواراتنا: إن من يساق إلى مشغل الكتابة مثل سجين محكوم بالأبدية، وهو قدر مخيف، لأنه يصلبني مثل بروميثيوس... هل هو ما يجعلك تميل إلى الجوهري والأساسي من التجارب والمعارف، وتؤمن بأن «ليس كل ما نكتبه ذا قيمة»؟
- في مراجعات عديدة (ضمنتُها سيرتي النظرية في ثلاثة كتب: الحكاية الجديدة/ السرد والكتاب/ الحديقة في الصيف) تساءلتُ عن جدوى الكتابة، فيما إذا لازمتْ جنساً أدبياً واحداً، وطريقة واحدة في رؤية الواقع. وفي هذا الحد الافتراضي - الثمانين - أطرح السؤال ذاته: أكتبنا شيئاً ذا قيمة؟ ألم نحصر ذواتنا في زاوية ضيقة، ولم نفتحها على إمكانات كثيرة أدركها كتاب مختلفون من العالم قبلنا؟ وما هذه الإمكانات في أقرب التسميات؟
لقد نبهنا تفكك نظُم العالم المركزية (الآيديولوجيات المهيمنة) إلى موت السرديات الكلاسيكية الكبرى: الواقعية والرمزية والسريالية، وشهدت السرديات الفرعية تحولاً أساسياً نحو «سرد الحقيقة»، وهو نوع يكسر حاجز التخييل ويزيح وهم المحاكاة الواقعية لصالح كتابة هي أشبه بالتقرير الصحافي، وفي أحسن الأشكال هو أقرب للسيرة الشخصية. وفي هذا النوع من السرد يتولى «الساردون الحقيقيون» تقديم شهادات مهمة عن عصرهم (كونديرا، ساراماغو، غاليانو، إيزابيل إليندي، كنزو بورو أوي، بول أوستر، كارول جويس أوتس...). وفي هذا الحد من الإزاحة الكبرى لمحاكاة الواقع، فقد يتحول اتجاه فن عريق، ومنضبط، كالقصة القصيرة وينحاز لسرد الحقيقة، الذي يتولاه سارد فعال، لا يختفي وراء ظهر راوٍ متخيل وحوادث مصطنعة. وبصفتي سارداً للقصة القصيرة، فقد جربت شكلاً ثانوياً من القص هو «السكيتش السردي»، محاولاً اكتشاف إمكانيته وإعادته إلى سكة السرد الرئيسة، بعد تطوير لطبيعته الصحافية. إنه انتقال شبيه بتطور فنون التشكيل والسينما، المستند إلى التجارب الجديدة في فن البوب والميديا الرقمية. كما أنه خلاص مؤقت من أزمات السرد وانسداد مجراه الحقيقي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مواكب وحوارات تعبر العالم لتصل للرياض في «الحل والترحال»

TT

مواكب وحوارات تعبر العالم لتصل للرياض في «الحل والترحال»

في «طي الخيام» قافلة حديثة تعبر وادي حنيفة بالرياض (مؤسسة بينالي الدرعية)
في «طي الخيام» قافلة حديثة تعبر وادي حنيفة بالرياض (مؤسسة بينالي الدرعية)

المكان: حي جاكس الإبداعي بالدرعية.

المناسبة: انطلاق فعاليات النسخة الثالثة من بينالي الدرعية للفن المعاصر.

تعتبر النسخة الثالثة بمثابة الحلقة التالية في استكشاف موضوعات معاصرة تربط بين واقع المجتمع في المملكة ودول العالم، عبر حوار بصري بين أعمال فنانين من جميع أنحاء العالم، اختلفت ممارساتهم وطرق تعبيرهم عن مجتمعاتهم، ولكن يبقى كثير مما يجمع بينهم.

المجتمع وتحولاته في قلب البينالي، بحسب المنسقين الفنيين؛ صبيح أحمد، ونورا رازيان. تركز الرؤية الفنية على موضوع التنقلات والهجرات، حيث مثّلت القوافل والرحلات أساس التواصل البشري بين الجزيرة العربية والعالم قديماً وحديثاً. ليست صدفة أن تكون الفعالية الاحتفالية الأولى التي استضافها البينالي هي العمل الأدائي «طي الخيام» الذي أنتجه الفنان السعودي حمدان، بتكليف خاص، الذي عبرت فيه قافلة من السيارات «الشاص» وادي حنيفة على أنغام معاصرة حتى حطت رحالها في أرض البينالي، ليتولى مغني «راب» و«دي جي» معاصر مهمة المنشد أمام حشد كبير من الجمهور من مختلف الأعمار، تجاوب بالحركات الراقصة والغناء مع الإيقاعات السريعة.

جانب من فعالية «طي الخيام» في الليلة الأولى من البينالي (مؤسسة بينالي الدرعية)

على مستوى العرض الفني، تأخذ ثيمات التنقل والهجرات والمواكب سمات مختلفة عبر مجموعة ضخمة من الأعمال الفنية المتنوعة، ما بين اللوحات والمنحوتات وأعمال الفيديو.

الرؤية الفنية التي يطرحها البينالي المقبل تعتمد على الحكايات المشتركة الخارجة من التاريخ وقصص الأجداد والأحلام والهواجس والأغاني والإيقاعات. يعلق القيم صبيح أحمد: «بطريقة ما، يتعلق الأمر بدورات التوقف والحركة في العالم، الأشياء في حركة مستمرة، والعناصر في حركة، والناس في حركة، أحياناً باختيارهم، وأحياناً رغماً عنهم». التنقلات والهجرات حملت معها القصص والإيقاعات والموسيقى والشعر، التي تندمج لتخلق دوائر جديدة من الثقافة. وعلى المستوى البصري، نرى ذلك الاندماج والتفاعل يحدث أمامنا.

لزائر البينالي، ما الذي يعنيه الموكب؟ وكيف يمكن فهم الأعمال المعروضة في ضوئه؟

يأخذنا دليلنا إلى المعاني الأوسع لفكرة الموكب وأبعادها الاجتماعية، وصولاً لأبعاد كونية، مثل العواصف والأعاصير والأبعاد الاجتماعية المعنية بانتقال الناس معاً بفعل ظروف أو بالاختيار، وهو ما يعود بنا لعنوان البينالي «في الحل والترحال».

محملين بالأفكار العامة، لا نجد أفضل من الغوص في التعبيرات الفنية حولنا، التي تمتع العين وتحاور العقل.

خرائط بديلة

تنطلق رحلتنا في «قاعة الترانيم»، حيث نرى لوحة للفنان الهندي راجيش شايتيا فاغاد، التي تبدو مثل جدارية من مجتمع بدائي تحمل الرسومات البسيطة التي تمثل الأشخاص في حالات احتفالية ومظاهر للحياة اليومية. نرى أشخاصاً متشابكي الأيدي يدورون في حركة إيقاعية حول شخص يحمل آلة موسيقية. اللوحة تحمل تفاصيل كثيرة مرسومة بأسلوب «وارلي» حيث يستخدم الفنان عصي البامبو المغمسة في دقيق الأرز للرسم. تجذبنا التفاصيل وحركة الأشخاص في اللوحة، فمن الدائرة الوسطى في اللوحة يتفرق الأشخاص ليمارسوا طقوسهم الحياتية، فنرى المزارعين والحقول والأشخاص ونهراً يشقّ اللوحة متعرجاً، هنا مشاهد للصيد والزراعة والاستقرار تحت خيمات بسيطة. يطل القمر على اللوحة محاطاً بالنجوم، بينما يحلق موكب من العصافير في أعلى اللوحة، اللوحة بديعة التفاصيل، وتستحق أن تكون نقطة البداية للعرض، فهي تختزل كثيراً من المعاني المجردة بأسلوب جمالي ممتع.

لوحة للفنان الهندي راجيش شايتيا فاغاد (الشرق الأوسط)

يعد صبيح أحمد هذا الجزء من العرض بمثابة خريطة بديلة للعالم، ليست جغرافية، ولكنها خريطة حية تتنفس وتعبر عن مجتمع وثقافة: «فكرنا أننا نحتاج إلى إيجاد تصورات بديلة ومفردات وصور ومخططات أخرى لفهم العالم».

في القاعة عمل لفنان من أثيوبيا، إلياس سيمي، يعتبرها القيم جدارية من نوع آخر، فهي مصنوعة من نفايات إلكترونية اعتاد الفنان على توظيفها وإعادة تشكيلها، لتصبح مثل «النسيج». ما الذي يمكن رؤيته في هذا العمل الضخم؟ بالاقتراب من اللوحة نتبين العناصر الصغيرة التي تتجمع لتكون صورة أقرب ما تكون لتلك التي تلتقطها الأقمار الصناعية وتختزل مظاهر الحياة على الأرض في نقاط مضيئة مبهمة.

لوحات الفنان السعودي محمد الغامدي (تصوير تركي العقيلي)

بشكل آخر ترتبط هذه اللوحة بلوحات الفنان السعودي محمد الغامدي، الذي ينسج من قطع مركبة جداريات من نوع خاص تبدو من بعيد وكأنها خريطة لمنطقة أثرية، نرى هنا قطعاً من الخشب المزخرف، ربما كانت أجزاء من باب منزل قديم، يمكننا اعتبارها نوعاً من استرجاع البيوت والأحياء القديمة، يضعها الفنان داخل إطار اللوحة، مع قطع أخرى لا تشبهها، مثل بوصلة قديمة وقطع حديدية، تحمل كلها آثاراً لحياة اجتماعية مضت، يدمجها برسومات نفّذها على الخشب. يقول الفنان: «أعمالي ليست محاولات للعودة للوراء متأثرة بالحنين للماضي، بل هي اعتراف بقوة الماضي في تشكيل المستقبل».

حكايات وقصص

التحولات المجتمعية أيضاً تظهر في عمل الفنانة السودانية، كاملا إبراهيم إسحاق، التي نرى لها لوحات بعنوان «الزار» و«وجوه مع طبل وشجر»، تبدو من خلال اللوحات صور لذكريات الفنانة من حياتها في الخرطوم، تعكس ذكرياتها وحكايات والدتها وقصص الأشباح التي سمعتها من جدتها. في لوحة «الزار» نتعامل مع الإيقاعات والحركة التي تنبع من الحركات الراقصة للنساء في حلقة الزار. تبدو النساء في الدائرة الأوسع مثل الشخوص الطائرة الهائمة، تأخذنا اللوحة لمشهد تتضافر فيه الموسيقى والحركة ورائحة البخور للوصول إلى حالة وجدانية تنشد الشفاء والتحرر.

الفنانة السودانية كاملا إبراهيم إسحاق التي نرى لها لوحات بعنوان «الزار» (تصوير تركي العقيلي)

في المعرض، نعود لأعمال الفنانة السعودية شادية عالم، من خلال عمل «تحولات - جنيات لار». نحن أمام مجموعة من الرسومات البديعة لأشكال غرائبية لشخصيات خيالية مستلهمة من التاريخ القديم لشبه الجزيرة العربية على امتداد نهر لار، الوارد ذكره في أطلس بطليموس في القرن الثاني الميلادي، الذي اختفت معالمه. بحسب بيان العرض، العمل هنا يعدّ استعارة لما تحمله النفس البشرية من خيالات صامتة تنتظر أن تبعث بقوة الفن.

عمل شادية عالم (تحولات-جنيات لار) (تصوير تركي العقيلي)

الفنان أيمن يسري ديدبان يأخذنا لذاكرة اجتماعية أخرى عبر مجموعة من ملصقات الأفلام المصرية القديمة، غير أن يد الفنان تدخلت باللون الداكن لتحجب تفاصيل وأجزاء من الصور. يتعامل ديدبان مع الحساسيات الثقافية والرقابة في القرن العشرين، حيث حوّلت الملصقات إلى مظاهر للإخفاء والمحو من خلال الألوان التي تخفي أجزاء كبيرة من كل ملصق. بشكل ما، لا تعيدنا الملصقات إلى حالة وجدانية من الحنين للماضي، بل تبعث إحساساً مثقلاً من عدم الارتياح.

ملصقات الأفلام للفنان أيمن يسري ديدبان (تصوير تركي العقيلي)

من الماضي للمستقبل وخيالاته، يقدم الفنان تيو ميرسييه أعمالاً منحوتة من الرمل، تحمل عنوان «موطن الأبدية»، تقام على امتداد مساحة عرض كاملة. نحن أمام أربع منحوتات ضخمة تعبر عن الصخور الصحراوية التي نحتتها يد الرياح عبر العصور، الأشكال سوريالية ما بين تلة من الرمل الأبيض، وأخرى تحمل في طياتها هيكل سيارة، وثالثة تحمل في طياتها أحافير وأصدافاً.

أعمال منحوتة من الرمل تحمل عنوان «موطن الأبدية» للفنان تيو ميرسييه (تصوير تركي العقيلي)

يقول دليلنا إن الفنان جسّد في عمله هنا آثار الطبيعة والثقافة، ولكن ما يدهش هنا هو أن عوامل الطقس سجّلت حضورها في عمل الفنان، حيث بدأت ذرات الملح في تكوين علامات على كل منحوتة، ليتحول العمل إلى حالة فنية في طور التشكل أمامنا.

الجروح المبهمة

في القاعة الثالثة من العرض، لا نملك إلا أن نتوقف عند أعمال نابعة من الواقع القريب والمؤلم، فالفنان الفلسطيني تيسير البطنيجي يعرض في عمله «بقايا» مجموعة من اللوحات الزيتية الغائمة الملامح، قد نميز وجهاً لشخص أو هيكلاً ما، خلف تلك الطبقة المبهمة من الضوء والألوان. نفّذ البطنيجي العمل في عام 2024، واعتمد فيه على تجربته خلال أحداث غزة الأخيرة ومحاولة التواصل مع مواطنيه وأقاربه عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات التواصل، حيث كانت الصور والمقاطع تتواتر ببطء، فتظهر أولاً كأشكال ضبابية مجردة ثم تتضح، نحن هنا أمام اللحظات الفاصلة من الانتظار التي قد تخفي وراءها أهوالاً لا طاقة له بها، لا نرى هنا الصورة الواضحة، بل يتركنا الفنان أمام لحظات الترقب والانتظار لما تحمله الصور من حقيقة.

«شاش» للفنان الفلسطيني حازم حرب (الشرق الأوسط)

بمجموعة من اللوحات المتتالية، يعزف الفنان الفلسطيني حازم حرب على نفس الجرح، فلوحاته التي تحمل عنوان «الشاش» تستخدم قطعاً من ذات النسيج، الذي يبعث بإيحاءات المرض والألم حتى الموت، ليشكل أشكالاً مبهمة قد تمثل أشخاصاً مصابين أو جرحى من جراء الحرب على غزة، أو قد تكون أشكالاً مجردة، ولكن العمل يترك تأثيراً قوياً لدى الناظر لا يمكن تجاوزه بسهولة، وتصبح أشكال حرب الملتفة بالشاش رموزاً للمقاومة والمعاناة.

أصوات شابة

تعرض الفنانة السعودية عهد العمودي عمل فيديو، بعنوان «الجري»، تظهر فيه الفنانة وهي تجري في محيط طبيعي مألوف في الصحراء العربية، وتحديداً في مدينة نيوم، وهي منطقة حضرية ذات توجه مستقبلي. في الفيلم نراقب حركة عداء وحيد، يجري على أرض صحراوية، بينما تُعرض مجموعة متتالية من الصور الثابتة للموقع على صوت وقع أقدام العداء الماضي بثبات نحو طموحات قادمة.

الفنانة لين عجلان تقدم عملاً بعنوان «تكي» يصور رقة ألعاب ضخمة ترتبط بذكريات اجتماعية في الحجاز، تدعو المارّ للجلوس والاسترخاء واللعب.

نصيحة للزائر: من المفيد قراءة اللوحات الإرشادية للعرض، ولكن لا شيء يعادل النظر للأعمال والتوقف عندها ومحاولة سبر تفاصيلها، فكل عمل له حياة خاصة وقصة تستحق التروي قليلاً أمامها.

معلومة: يشارك في البينالي 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، ويُضم العرض أكثر من 25 عملاً فنياً جديداً تم إنتاجها بتكليف خاص من مؤسسة بينالي الدرعية.


ساعة ذكية تتنبأ بانتكاسات الاكتئاب

تنذر اضطرابات النوم بزيادة خطر الانتكاس (إيفان أوبولينوف - بيكسلز)
تنذر اضطرابات النوم بزيادة خطر الانتكاس (إيفان أوبولينوف - بيكسلز)
TT

ساعة ذكية تتنبأ بانتكاسات الاكتئاب

تنذر اضطرابات النوم بزيادة خطر الانتكاس (إيفان أوبولينوف - بيكسلز)
تنذر اضطرابات النوم بزيادة خطر الانتكاس (إيفان أوبولينوف - بيكسلز)

أفادت دراسة جديدة، أجراها فريق من الباحثين من جامعة ماكماستر الكندية، بأن اضطرابات النوم والروتين اليومي للشخص، يمكن الآن رصد ذلك عبر ساعة ذكية تُرتدى على المعصم، قد تُنذران بزيادة خطر الانتكاس والعودة إلى عوالم الاكتئاب الحاد. وكشفت نتائج الدراسة أن أجهزة التتبع القابلة للارتداء قادرة على رصد انتكاسات الاكتئاب قبل أسابيع من عودتها.

ويعتمد الرصد الحالي بشكل كبير على الأعراض، التي عادةً ما تظهر لاحقاً مقارنةً بما يمكن رصده عبر الأجهزة القابلة للارتداء التي تمتلك قدرات تنبؤية مبكرة.

وتُسلط الدراسة المنشورة في مجلة «جاما سيكاتري»، الأربعاء، الضوء على طريقة بسيطة وفعّالة لمراقبة خطر الانتكاس لدى الأشخاص المصابين باضطراب الاكتئاب الحاد، حيث ترصد احتمالية الانتكاس قبل أسابيع أو أشهر من حدوثه.

يقول بينيسيو فراي، الأستاذ في قسم الطب النفسي وعلم الأعصاب السلوكي بجامعة ماكماستر: «تُبشّر التطورات في التكنولوجيا الرقمية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي بإمكانات هائلة للوقاية من انتكاسات الصحة النفسية».

ويضيف في بيان: «تخيّل مستقبلاً تستطيع فيه ساعة ذكية تنبيه الأشخاص المصابين بالاكتئاب عبر رسالة بسيطة: (من المرجح جداً حدوث نوبة اكتئاب جديدة خلال الأسابيع الأربعة المقبلة. ما رأيك بزيارة طبيبك؟)».

يُذكر أن حوالي 60 في المائة من المصابين باضطراب الاكتئاب الحاد ينتكسون خلال خمس سنوات من بدء التعافي، حتى مع تلقيهم العلاج.

ويُعد اضطراب الاكتئاب الحاد حالة طبية شائعة وخطيرة تصيب ملايين الأشخاص حول العالم. ويؤثر الاكتئاب على كيفية شعور الشخص وتفكيره وأدائه، ويمكن أن يسبب أعراضاً مستمرة مثل انخفاض المزاج، وفقدان الشهية، والشعور بالذنب، وفقدان الاهتمام بالأنشطة.

تابعت الدراسة 93 بالغاً في جميع أنحاء كندا ممن تعافوا سابقاً من الاكتئاب، وارتدوا جهازاً لقياس النشاط الحركي عالي الدقة، لمدة تتراوح بين سنة وسنتين، مما أدى إلى جمع بيانات عن النوم والنشاط اليومي لهم.

وكشفت النتائج أن الأفراد الذين يعانون من اضطراب في النوم كانوا أكثر عُرضةً للانتكاس بمقدار الضعف تقريباً؛ إذ تبين أن مدة اليقظة الليلية بعد الخلود إلى النوم تتنبأ بزيادة خطر الانتكاس.

ويؤكد هذا البحث على الإمكانات غير المستغلة للتقنيات القابلة للارتداء في دعم المتعافين من اضطراب الاكتئاب الحاد، إذ تجمع هذه التقنيات البيانات تلقائياً، وتوفر رؤية مستمرة بين المواعيد الطبية.

ويشير الباحثون إلى وجود فرص لتطوير النظام الصحي، حيث يمكن للتنبيهات المستمدة من الأجهزة القابلة للارتداء أن تساعد الأطباء على توجيه الرعاية نحو الأشخاص الأكثر عُرضة للخطر، مما يحسن النتائج، ويقلّل من عبء النوبات المتكررة.


تصرف لا يستغرق دقيقة قد يعزز مزاجك

هناك تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص (رويترز)
هناك تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص (رويترز)
TT

تصرف لا يستغرق دقيقة قد يعزز مزاجك

هناك تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص (رويترز)
هناك تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص (رويترز)

كشفت عالمة نفس أميركية عن تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة، يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص وزيادة شعورهم بالسعادة.

وقالت الدكتورة ليندسي غودوين لموقع «سايكولوجي توداي» إن هذا التصرف يتمثل في «تقديم مجاملة صادقة واحدة يومياً لمدة أسبوع لشخص لا نعرفه جيداً».

ولفتت غودوين إلى أن تقديم مجاملة صادقة لشخص آخر قد يكون كافياً لإحداث تغيير ملموس في المزاج والشعور بالرضا لدى الطرفين.

وأضافت أن الشرط الأساسي هو أن تكون المجاملة محددة وتعتمد على سلوك أو ملاحظة حقيقية، بعيداً عن الإطراءات العامة، لافتة إلى أن الأبحاث تشير إلى أن المديح المحدد أكثر مصداقية وتأثيراً من العبارات العامة؛ لأنه يعكس انتباهاً حقيقياً للطرف الآخر.

أدلة علمية

وأشارت غودوين إلى وجود أدلة علمية على فائدة المجاملات للصحة النفسية لقائلها وللمتلقي.

وأشارت دراسة أجريت عام 2021 إلى أن الناس غالباً ما يستخفون بتأثير المجاملات على الآخرين، إذ يتوقع مقدمو المجاملة شعوراً بالحرج أو الرفض، بينما يُظهر المتلقون مستويات أعلى بكثير من السعادة والتقدير مما يتوقعه الطرف الآخر.

كما أظهرت أبحاث أخرى أن ممارسة أعمال اللطف الصغيرة بانتظام ترتبط بارتفاع مستويات السعادة والرضا عن الحياة.

ووفقاً لنظرية «التوسيع والبناء للمشاعر الإيجابية» لعالمة النفس الشهيرة باربرا فريدريكسون، تسهم المشاعر الإيجابية في توسيع أنماط التفكير وبناء علاقات اجتماعية أقوى بمرور الوقت. وعندما يعتاد الفرد البحث عما يستحق التقدير، يتحول تركيزه من رصد السلبيات إلى اكتشاف الجوانب المضيئة في محيطه.

كما تشير النظرية إلى أن المجاملة وإظهار التقدير للآخرين قد يخففان من حدة النقد الذاتي، إذ يصبح من الصعب الاستمرار في القسوة على النفس أثناء الاعتياد على رؤية الجيد في الآخرين.

لماذا نتردد في الإطراء؟

يرجع التردد غالباً إلى القلق الاجتماعي والخوف من التطفل أو إساءة الفهم. كما أن الثقافة السائدة تشجع على التنبيه عند وجود خطأ، لكنها نادراً ما تحث على التعبير عند ملاحظة شيء إيجابي.

مجاملات بلا مبالغة

تؤكد غودوين على أهمية تجنب المجاملات المبالغ بها. ولفتت إلى أن المجاملة المثالية «قصيرة، وواضحة، ولا تنتظر مقابلاً».