مواكب وحوارات تعبر العالم لتصل للرياض في «الحل والترحال»

بينالي الدرعية للفن المعاصر في نسخته الثالثة يعزف على أوتار النفس البشرية

TT

مواكب وحوارات تعبر العالم لتصل للرياض في «الحل والترحال»

في «طي الخيام» قافلة حديثة تعبر وادي حنيفة بالرياض (مؤسسة بينالي الدرعية)
في «طي الخيام» قافلة حديثة تعبر وادي حنيفة بالرياض (مؤسسة بينالي الدرعية)

المكان: حي جاكس الإبداعي بالدرعية.

المناسبة: انطلاق فعاليات النسخة الثالثة من بينالي الدرعية للفن المعاصر.

تعتبر النسخة الثالثة بمثابة الحلقة التالية في استكشاف موضوعات معاصرة تربط بين واقع المجتمع في المملكة ودول العالم، عبر حوار بصري بين أعمال فنانين من جميع أنحاء العالم، اختلفت ممارساتهم وطرق تعبيرهم عن مجتمعاتهم، ولكن يبقى كثير مما يجمع بينهم.

المجتمع وتحولاته في قلب البينالي، بحسب المنسقين الفنيين؛ صبيح أحمد، ونورا رازيان. تركز الرؤية الفنية على موضوع التنقلات والهجرات، حيث مثّلت القوافل والرحلات أساس التواصل البشري بين الجزيرة العربية والعالم قديماً وحديثاً. ليست صدفة أن تكون الفعالية الاحتفالية الأولى التي استضافها البينالي هي العمل الأدائي «طي الخيام» الذي أنتجه الفنان السعودي حمدان، بتكليف خاص، الذي عبرت فيه قافلة من السيارات «الشاص» وادي حنيفة على أنغام معاصرة حتى حطت رحالها في أرض البينالي، ليتولى مغني «راب» و«دي جي» معاصر مهمة المنشد أمام حشد كبير من الجمهور من مختلف الأعمار، تجاوب بالحركات الراقصة والغناء مع الإيقاعات السريعة.

جانب من فعالية «طي الخيام» في الليلة الأولى من البينالي (مؤسسة بينالي الدرعية)

على مستوى العرض الفني، تأخذ ثيمات التنقل والهجرات والمواكب سمات مختلفة عبر مجموعة ضخمة من الأعمال الفنية المتنوعة، ما بين اللوحات والمنحوتات وأعمال الفيديو.

الرؤية الفنية التي يطرحها البينالي المقبل تعتمد على الحكايات المشتركة الخارجة من التاريخ وقصص الأجداد والأحلام والهواجس والأغاني والإيقاعات. يعلق القيم صبيح أحمد: «بطريقة ما، يتعلق الأمر بدورات التوقف والحركة في العالم، الأشياء في حركة مستمرة، والعناصر في حركة، والناس في حركة، أحياناً باختيارهم، وأحياناً رغماً عنهم». التنقلات والهجرات حملت معها القصص والإيقاعات والموسيقى والشعر، التي تندمج لتخلق دوائر جديدة من الثقافة. وعلى المستوى البصري، نرى ذلك الاندماج والتفاعل يحدث أمامنا.

لزائر البينالي، ما الذي يعنيه الموكب؟ وكيف يمكن فهم الأعمال المعروضة في ضوئه؟

يأخذنا دليلنا إلى المعاني الأوسع لفكرة الموكب وأبعادها الاجتماعية، وصولاً لأبعاد كونية، مثل العواصف والأعاصير والأبعاد الاجتماعية المعنية بانتقال الناس معاً بفعل ظروف أو بالاختيار، وهو ما يعود بنا لعنوان البينالي «في الحل والترحال».

محملين بالأفكار العامة، لا نجد أفضل من الغوص في التعبيرات الفنية حولنا، التي تمتع العين وتحاور العقل.

خرائط بديلة

تنطلق رحلتنا في «قاعة الترانيم»، حيث نرى لوحة للفنان الهندي راجيش شايتيا فاغاد، التي تبدو مثل جدارية من مجتمع بدائي تحمل الرسومات البسيطة التي تمثل الأشخاص في حالات احتفالية ومظاهر للحياة اليومية. نرى أشخاصاً متشابكي الأيدي يدورون في حركة إيقاعية حول شخص يحمل آلة موسيقية. اللوحة تحمل تفاصيل كثيرة مرسومة بأسلوب «وارلي» حيث يستخدم الفنان عصي البامبو المغمسة في دقيق الأرز للرسم. تجذبنا التفاصيل وحركة الأشخاص في اللوحة، فمن الدائرة الوسطى في اللوحة يتفرق الأشخاص ليمارسوا طقوسهم الحياتية، فنرى المزارعين والحقول والأشخاص ونهراً يشقّ اللوحة متعرجاً، هنا مشاهد للصيد والزراعة والاستقرار تحت خيمات بسيطة. يطل القمر على اللوحة محاطاً بالنجوم، بينما يحلق موكب من العصافير في أعلى اللوحة، اللوحة بديعة التفاصيل، وتستحق أن تكون نقطة البداية للعرض، فهي تختزل كثيراً من المعاني المجردة بأسلوب جمالي ممتع.

لوحة للفنان الهندي راجيش شايتيا فاغاد (الشرق الأوسط)

يعد صبيح أحمد هذا الجزء من العرض بمثابة خريطة بديلة للعالم، ليست جغرافية، ولكنها خريطة حية تتنفس وتعبر عن مجتمع وثقافة: «فكرنا أننا نحتاج إلى إيجاد تصورات بديلة ومفردات وصور ومخططات أخرى لفهم العالم».

في القاعة عمل لفنان من أثيوبيا، إلياس سيمي، يعتبرها القيم جدارية من نوع آخر، فهي مصنوعة من نفايات إلكترونية اعتاد الفنان على توظيفها وإعادة تشكيلها، لتصبح مثل «النسيج». ما الذي يمكن رؤيته في هذا العمل الضخم؟ بالاقتراب من اللوحة نتبين العناصر الصغيرة التي تتجمع لتكون صورة أقرب ما تكون لتلك التي تلتقطها الأقمار الصناعية وتختزل مظاهر الحياة على الأرض في نقاط مضيئة مبهمة.

لوحات الفنان السعودي محمد الغامدي (تصوير تركي العقيلي)

بشكل آخر ترتبط هذه اللوحة بلوحات الفنان السعودي محمد الغامدي، الذي ينسج من قطع مركبة جداريات من نوع خاص تبدو من بعيد وكأنها خريطة لمنطقة أثرية، نرى هنا قطعاً من الخشب المزخرف، ربما كانت أجزاء من باب منزل قديم، يمكننا اعتبارها نوعاً من استرجاع البيوت والأحياء القديمة، يضعها الفنان داخل إطار اللوحة، مع قطع أخرى لا تشبهها، مثل بوصلة قديمة وقطع حديدية، تحمل كلها آثاراً لحياة اجتماعية مضت، يدمجها برسومات نفّذها على الخشب. يقول الفنان: «أعمالي ليست محاولات للعودة للوراء متأثرة بالحنين للماضي، بل هي اعتراف بقوة الماضي في تشكيل المستقبل».

حكايات وقصص

التحولات المجتمعية أيضاً تظهر في عمل الفنانة السودانية، كامالا إبراهيم إسحاق، التي نرى لها لوحات بعنوان «الزار» و«وجوه مع طبل وشجر»، تبدو من خلال اللوحات صور لذكريات الفنانة من حياتها في الخرطوم، تعكس ذكرياتها وحكايات والدتها وقصص الأشباح التي سمعتها من جدتها. في لوحة «الزار» نتعامل مع الإيقاعات والحركة التي تنبع من الحركات الراقصة للنساء في حلقة الزار. تبدو النساء في الدائرة الأوسع مثل الشخوص الطائرة الهائمة، تأخذنا اللوحة لمشهد تتضافر فيه الموسيقى والحركة ورائحة البخور للوصول إلى حالة وجدانية تنشد الشفاء والتحرر.

الفنانة السودانية كاملا إبراهيم إسحاق التي نرى لها لوحات بعنوان «الزار» (تصوير تركي العقيلي)

في المعرض، نعود لأعمال الفنانة السعودية شادية عالم، من خلال عمل «تحولات - جنيات لار». نحن أمام مجموعة من الرسومات البديعة لأشكال غرائبية لشخصيات خيالية مستلهمة من التاريخ القديم لشبه الجزيرة العربية على امتداد نهر لار، الوارد ذكره في أطلس بطليموس في القرن الثاني الميلادي، الذي اختفت معالمه. بحسب بيان العرض، العمل هنا يعدّ استعارة لما تحمله النفس البشرية من خيالات صامتة تنتظر أن تبعث بقوة الفن.

عمل شادية عالم (تحولات-جنيات لار) (تصوير تركي العقيلي)

الفنان أيمن يسري ديدبان يأخذنا لذاكرة اجتماعية أخرى عبر مجموعة من ملصقات الأفلام المصرية القديمة، غير أن يد الفنان تدخلت باللون الداكن لتحجب تفاصيل وأجزاء من الصور. يتعامل ديدبان مع الحساسيات الثقافية والرقابة في القرن العشرين، حيث حوّلت الملصقات إلى مظاهر للإخفاء والمحو من خلال الألوان التي تخفي أجزاء كبيرة من كل ملصق. بشكل ما، لا تعيدنا الملصقات إلى حالة وجدانية من الحنين للماضي، بل تبعث إحساساً مثقلاً من عدم الارتياح.

ملصقات الأفلام للفنان أيمن يسري ديدبان (تصوير تركي العقيلي)

من الماضي للمستقبل وخيالاته، يقدم الفنان تيو ميرسييه أعمالاً منحوتة من الرمل، تحمل عنوان «موطن الأبدية»، تقام على امتداد مساحة عرض كاملة. نحن أمام أربع منحوتات ضخمة تعبر عن الصخور الصحراوية التي نحتتها يد الرياح عبر العصور، الأشكال سوريالية ما بين تلة من الرمل الأبيض، وأخرى تحمل في طياتها هيكل سيارة، وثالثة تحمل في طياتها أحافير وأصدافاً.

أعمال منحوتة من الرمل تحمل عنوان «موطن الأبدية» للفنان تيو ميرسييه (تصوير تركي العقيلي)

يقول دليلنا إن الفنان جسّد في عمله هنا آثار الطبيعة والثقافة، ولكن ما يدهش هنا هو أن عوامل الطقس سجّلت حضورها في عمل الفنان، حيث بدأت ذرات الملح في تكوين علامات على كل منحوتة، ليتحول العمل إلى حالة فنية في طور التشكل أمامنا.

الجروح المبهمة

في القاعة الثالثة من العرض، لا نملك إلا أن نتوقف عند أعمال نابعة من الواقع القريب والمؤلم، فالفنان الفلسطيني تيسير البطنيجي يعرض في عمله «بقايا» مجموعة من اللوحات الزيتية الغائمة الملامح، قد نميز وجهاً لشخص أو هيكلاً ما، خلف تلك الطبقة المبهمة من الضوء والألوان. نفّذ البطنيجي العمل في عام 2024، واعتمد فيه على تجربته خلال أحداث غزة الأخيرة ومحاولة التواصل مع مواطنيه وأقاربه عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات التواصل، حيث كانت الصور والمقاطع تتواتر ببطء، فتظهر أولاً كأشكال ضبابية مجردة ثم تتضح، نحن هنا أمام اللحظات الفاصلة من الانتظار التي قد تخفي وراءها أهوالاً لا طاقة له بها، لا نرى هنا الصورة الواضحة، بل يتركنا الفنان أمام لحظات الترقب والانتظار لما تحمله الصور من حقيقة.

«شاش» للفنان الفلسطيني حازم حرب (الشرق الأوسط)

بمجموعة من اللوحات المتتالية، يعزف الفنان الفلسطيني حازم حرب على نفس الجرح، فلوحاته التي تحمل عنوان «الشاش» تستخدم قطعاً من ذات النسيج، الذي يبعث بإيحاءات المرض والألم حتى الموت، ليشكل أشكالاً مبهمة قد تمثل أشخاصاً مصابين أو جرحى من جراء الحرب على غزة، أو قد تكون أشكالاً مجردة، ولكن العمل يترك تأثيراً قوياً لدى الناظر لا يمكن تجاوزه بسهولة، وتصبح أشكال حرب الملتفة بالشاش رموزاً للمقاومة والمعاناة.

أصوات شابة

تعرض الفنانة السعودية عهد العمودي عمل فيديو، بعنوان «الجري»، تظهر فيه الفنانة وهي تجري في محيط طبيعي مألوف في الصحراء العربية، وتحديداً في مدينة نيوم، وهي منطقة حضرية ذات توجه مستقبلي. في الفيلم نراقب حركة عداء وحيد، يجري على أرض صحراوية، بينما تُعرض مجموعة متتالية من الصور الثابتة للموقع على صوت وقع أقدام العداء الماضي بثبات نحو طموحات قادمة.

الفنانة لين عجلان تقدم عملاً بعنوان «تكي» يصور رقة ألعاب ضخمة ترتبط بذكريات اجتماعية في الحجاز، تدعو المارّ للجلوس والاسترخاء واللعب.

نصيحة للزائر: من المفيد قراءة اللوحات الإرشادية للعرض، ولكن لا شيء يعادل النظر للأعمال والتوقف عندها ومحاولة سبر تفاصيلها، فكل عمل له حياة خاصة وقصة تستحق التروي قليلاً أمامها.

معلومة: يشارك في البينالي 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، ويُضم العرض أكثر من 25 عملاً فنياً جديداً تم إنتاجها بتكليف خاص من مؤسسة بينالي الدرعية.


مقالات ذات صلة

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

يوميات الشرق قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

في الكلمة التي ألقاها، قال ماكرون إنّ المعرض «يروي كثيراً عن مصير لبنان ومقاومته للإمبراطوريات»...

ميشال أبونجم (باريس )
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته لمعرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ب)

ماكرون يحذّر من «احتلال» لبنان خلال افتتاحه معرضاً عن مدينة جبيل الأثرية

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، أن أي «احتلال» لا يضمن «أمن أيّ شخص كان»، محذراً إسرائيل من مخاطر عملياتها البرية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق لوحات المعرض تضمَّنت قصصاً من فسطين (الشرق الأوسط)

«الاسم: فلسطين»… فنانون بالقاهرة يواجهون حذف الاسم من المتحف البريطاني

الفن يعرف ما لا تقوله الخرائط؛ لذلك اجتمع فنانون ليشهدوا على أرضٍ وشعبٍ وذاكرة… ذاكرة لا يمكن لأي بطاقة تعريف على جدار متحف أن تمحوها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

 يبدو عالم الفنان المصري الراحل حسن الشرق، بفضائه الحالِم المشبع بموتيفات الفلكلور الشعبي، متناغماً مع الأصداء الروحية التي يستدعيها معرض «مدد... مدد».

منى أبو النصر (القاهرة )
يوميات الشرق طقوس رمضان والفوانيس في لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

«رمضانيات»... معرض قاهري يحتفي بـ«نوستالجيا» شهر الصوم

تحت عنوان «رمضانيات» استضاف غاليري «دروب» وسط القاهرة معرضاً فنياً يستلهم فضاءات ومشاهد تستدعي روح الشهر، وتعيد قراءتها بصرياً عبر حالة من «النوستالجيا».

نادية عبد الحليم (القاهرة )

قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
TT

قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

أظهرت دراسة جديدة أنّ العلاقة الوثيقة بين البشر والكلاب استمرّت لأكثر من 14 ألف عام، واكتشف باحثون أدلة على أنّ الكلاب كانت تعيش جنباً إلى جنب مع البشر خلال العصر الجليدي، أي قبل أكثر من 5 آلاف عام من الاعتقاد السائد بشأن تدجينها.

وتعود عظام عُثر عليها في كهف غوف في سومرست، وفي بينارباشي في تركيا، إلى أواخر العصر الحجري القديم الأعلى، أي قبل ظهور الزراعة بزمن طويل. وفي هذا السياق، أوضح البروفسور أوليفر كريغ، من قسم الآثار بجامعة يورك أنه: «لطالما اعتقدنا أن الكلاب تطوّرت من الذئاب الرمادية خلال العصر الجليدي الأخير، لكن الأدلة المادية على ارتباطها بالبشر كان من الصعب تأكيدها».

وخلال المراحل الأولى من التدجين، كانت الكلاب والذئاب متطابقة تقريباً في الشكل، ولم تظهر اختلافات سلوكية واضحة في السجل الأثري. واعتمدت الدراسات السابقة على أجزاء صغيرة من الحمض النووي وقياسات الهياكل العظمية، لكن هذه الدراسة الأخيرة تمكنت من إعادة بناء جينومات كاملة من بقايا يزيد عمرها على 10 آلاف عام.

وبعد ذلك، قارن علماء جامعة يورك هذه البقايا بأكثر من ألف نوع حديث وقديم من فصيلة الكلاب، مما أكَّد أنّ الكلاب كانت منتشرة على نطاق واسع في أوروبا وغرب آسيا منذ 14 ألف عام على الأقل.

كما قاس تحليل غذائي نظائر الكربون والنيتروجين المحفوظة في كولاجين العظام، ما أظهر أنّ الكلاب كانت تتبع نظاماً غذائياً يُشبه النظام الغذائي لدى البشر.

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، قالت طالبة الدكتوراه ليزي هودجسون التي أسهمت في الدراسة: «جاءت إحدى أهم النتائج من بينارباشي، إذ أظهرت البيانات أن الكلاب المنزلية كانت تستهلك نظاماً غذائياً غنياً بالأسماك، يُشابه إلى حد كبير النظام الغذائي للسكان المحليين»، مضيفةً أنه «من غير المرجَّح أنّ الكلاب كانت تصطاد كميات كبيرة من الأسماك بنفسها، ما يُشير إلى أنّ البشر كانوا يُطعمونها بنشاط».

كما تُشير الدراسة، التي نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلتها «الإندبندنت»، إلى أنّ الكلاب كانت موجودة بين مجموعات مختلفة من الصيادين وجامعي الثمار قرب نهاية العصر الجليدي، وأنها كانت أقرب صلةً بسلالات الكلاب الأوروبية والشرق أوسطية الحديثة منها بالكلاب القطبية.

وعلَّق الدكتور ويليام مارش، من متحف التاريخ الطبيعي: «سمحت لنا هذه العيّنات بتحديد أنواع إضافية من الكلاب القديمة من مواقع في ألمانيا وإيطاليا وسويسرا، ما يُظهر أنها كانت منتشرة على نطاق واسع في جميع أنحاء أوروبا وتركيا منذ 14 ألف عام على الأقل».

بدوره، قال الدكتور لاكي سكارزبروك، من جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ، إنّ هذا يشير إلى أنّ سلالات الكلاب الرئيسة كانت موجودة بالفعل منذ نحو 15 ألف عام. وأضاف: «كانت الكلاب ذات الأصول المختلفة موجودة بالفعل في جميع أنحاء أوراسيا، من سومرست إلى سيبيريا».

ويرى خبراء أنّ هذا يثير احتمال أن تكون الكلاب قد استُؤنست قبل أكثر من 10 آلاف عام من استئناس أيّ حيوانات أو نباتات أخرى.


«كبيرة الممرضات» في إنجلترا تصنع لحظة تاريخية في الكنيسة الأنجليكانية

ما كان مستحيلاً يصبح واقعاً (أ.ف.ب)
ما كان مستحيلاً يصبح واقعاً (أ.ف.ب)
TT

«كبيرة الممرضات» في إنجلترا تصنع لحظة تاريخية في الكنيسة الأنجليكانية

ما كان مستحيلاً يصبح واقعاً (أ.ف.ب)
ما كان مستحيلاً يصبح واقعاً (أ.ف.ب)

تُنصَّب، اليوم الأربعاء، سارة مولالي، أول امرأة تتولّى منصب رئيسة أساقفة كانتربري والزعيمة الروحية لنحو 85 مليون مسيحي في الكنيسة الأنجليكانية العالمية، وذلك خلال مراسم تجمع بين التقاليد والرمزية العالمية في كاتدرائية كانتربري.

ونقلت عنها «رويترز» قولها في مقابلة مع «بي بي سي» قبل المراسم: «أدرك أهمية كوني أول امرأة تتولَّى منصب رئيسة أساقفة»، مضيفة أنّ الحفل سيشهد مشاركة أصوات نسائية.

خطوةٌ تغيّر ملامح الحكاية (أ.ف.ب)

وبمناسبة بدء توليها المنصب، ستجلس كبيرة الممرّضات في إنجلترا والموظفة الحكومية سابقاً على كرسي القديس أوغسطين العائد إلى القرن الثالث عشر أمام نحو ألفَي ضيف مدعو، بينهم ولي العهد البريطاني الأمير ويليام وزوجته كيت، ورئيس الوزراء كير ستارمر، إلى جانب عدد من القادة الدينيين.

وفي حين أثار تعيين مولالي في أكتوبر (تشرين الأول) انتقادات حادة من تكتّل محافظ داخل الكنائس الأنجليكانية يُعرف باسم (جافكون)، ويضم في معظمه كنائس من أفريقيا وآسيا، تخلّى هذا التكتل الشهر الحالي عن خططه السابقة لتعيين شخصية رمزية موازية لمولالي، وأنشأ بدلاً من ذلك مجلساً جديداً.

ورغم أنّ التوتّر بين التيارات المسيحية التقدمية والمحافظة ليس حكراً على الأنجليكانية، فإنّ دور رئيس أساقفة كانتربري يظلّ رمزياً إلى حد كبير، بخلاف بابا الفاتيكان الذي يتمتّع بصلاحيات واضحة على الكاثوليك حول العالم.

بابٌ يُفتح وزمن يتبدّل (أ.ف.ب)

وخلال المراسم، ستدخل مولالي الكاتدرائية عبر الطرق على بابها الغربي اليوم الأربعاء، مرتدية تاجاً وعباءة مثبتة بمشبك مستوحى من الحزام الذي كانت ترتديه خلال عملها ممرضةً في هيئة الخدمات الصحية الوطنية، ثم سيستقبلها الأطفال.

وسترتدي خاتماً كان البابا بولس السادس قد أهداه في عام 1966 إلى أحد أسلافها، وهو مايكل رامزي، في إشارة إلى تحسُّن العلاقات بين الأنجليكان والكاثوليك، بعد قرون من انفصال الملك هنري الثامن عن كنيسة روما.

بداية تُشبه التحوّل (أ.ف.ب)

وستُقام الصلوات بلغات عدّة، من بينها الأردية، إلى جانب الترانيم الأفريقية.

وقال الأسقف نيكولاس بينز: «تمنح رئيسة الأساقفة سارة الكنيسة فرصة لفتح صفحة جديدة من الحوار تقوم على قدر أكبر من الثقة. إنها تمتلك المهارات والخبرة اللازمة لمثل هذا الوقت».


بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب

الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)
الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)
TT

بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب

الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)
الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)

«إن لم أركض فسوف أمشي. وإن لم أستطع المشي فسأزحف»... بهذه العبارة وعدت سيلين ديون جمهورها قبل سنتَين بالعودة الحتميّة إلى المسرح، حتى وإن عاندَها جسدُها ووضعُها الصحيّ. لكن يبدو أن المغنّية الكندية العالمية كانت أعند من المرض، وها هي ذي تستعدّ لاعتلاء الخشبة من جديد.

استفاقت باريس قبل يومين على لوحات ضوئية تغزو شوارعها، وتحمل عدداً من عناوين أغاني سيلين ديون باللغتَين الفرنسية والإنجليزية، من دون أي إشارة إضافية.

كلمات أغاني سيلين ديون تملأ الشوارع في العاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب)

تزامنت تلك الحملة الدعائية الغامضة مع خبرٍ تفرّدت به صحيفة «لا بريس» الكنَديّة، مفادُه أنّ ديون عائدة إلى الغناء أمام الجمهور، وذلك ضمن سلسلة حفلات تستضيفها العاصمة الفرنسية مطلع الخريف المقبل. وينسب الصحافي الذي نشر الخبر معلوماته إلى مصدر موثوق أبلغه بأنّ ديون ستقدّم مجموعة حفلات بدءاً من شهر سبتمبر (أيلول) في ميدان «باريس لا ديفانس» المغلق، الذي يتّسع لأكثر من 40 ألف متفرّج.

وفي وقتٍ لم تؤكّد إدارة أعمال الفنانة الخبر ولم تَنفِه، أثارت ديون شخصياً فضول معجبيها ومتابعيها بنَشرِ مجموعة من الصور عبر حسابها على «إنستغرام». وتوثّق تلك الصور لمحطات باريسية في مسيرة المغنية، منذ سنوات المراهقة وحتى اليوم. وقد أرفقت ديون المنشور بعبارة بالفرنسية تعطي انطباعاً بأنها عنوان لأغنية جديدة.

وفق معلومات الصحيفة الكنديّة، فإنّه من المرتقب أن تحيي سيلين ديون حفلَين أسبوعيين في «لا ديفانس» خلال شهرَي سبتمبر وأكتوبر (تشرين الأول)، أي ما مجموعُه 16 حفلة. مع العلم بأنّ الميدان المذكور يُعدّ أضخم قاعة حفلات في أوروبا. واللافت أنّ الموقع الإلكتروني الخاص بالحجوزات فارغٌ حتى اللحظة من أي مواعيد في تلك التواريخ، ما يوحي بأنّ المعلومة دقيقة على الأرجح، بانتظار إعلانٍ رسميّ من قبل ديون حول انطلاق بيع البطاقات.

سيلين ديون في الرياض عام 2024 احتفاءً بالمصمم اللبناني العالمي إيلي صعب (رويترز)

تثير أي عودة محتملة لسيلين ديون إلى الغناء والعروض الموسيقية الاهتمام حول العالم، لأنّ الفنانة أمضت سنواتها الـ6 الأخيرة شبه غائبة عن الأضواء، ورهينة الآلام والعلاج من «متلازمة الشخص المتيبّس» (Stiff Person Syndrome). وقد استحقّت تلك العودة المرتقبة عدداً خاصاً من مجلة «باري ماتش» الفرنسية، تصدّرته صورة ديون وملأت سيرتُها صفحاته الداخلية. أما العنوان الرئيسي فجاء ليؤكّد الخبر: «سيلين ديون... إنها عائدة».

عدد خاص من مجلّة «باري ماتش» مخصص لعودة سيلين ديون (موقع المجلّة)

العدد الذي صدر مطلع هذا الشهر، بالتزامن مع استعداد ديون لإطفاء شمعتها الـ58، خصّها بـ92 صفحة من الصور الأرشيفية والتحقيقات الحصرية. ورغم الاستفاضة في سيرتها الذاتية، بدءاً بطفولتها في مونتريال، مروراً بارتباطها بمدير أعمالها وزوجها لاحقاً رينيه أنجليل، وليس انتهاءً بوفاته وإصابتها بالمرض، إلا أنّ العدد الخاص من المجلّة لم يتضمّن أي حوار مع الفنانة.

خلال سنوات المعاناة التي عبرتها، التزمت ديون باحتجاب جزئيّ عن الأضواء والإعلام. لكنها حافظت على تواصلِها مع متابعيها عبر «السوشيال ميديا»، فدأبت على مصارحتهم بوضعها الصحي ومشاركتهم أخبارها. وفي سياق تلك المنشورات، كان لافتاً ذلك الذي خصّصته لوالدها الراحل مطلع الشهر الحالي بمناسبة ذكرى ميلاده.

جاء ذلك المنشور بمثابة وعد لجمهور ديون؛ إذ كتبت فيه متوجّهةً إلى والدها الراحل وعبرَه إلى منتظريها: «أحبّك وعندما أصعد مجدداً إلى المسرح، أعرف أنك ستكون معي».

إذا صدَقت المعلومات المتداولة فإنّ صعود ديون إلى المسرح من جديد سيكون الأوّل بعد سنتَين على آخر إطلالة جماهيريةٍ لها. ففي يوليو (تموز) 2024، افتتحت المغنية الألعاب الأولمبية في باريس مقدّمةً أداءً آسراً لأغنية «إديث بياف» (نشيد الحب)، من قلب برج إيفل ووسط أنواره الساحرة. وهي فاجأت العالم حينذاك؛ إذ أتت تلك الإطلالة بعد شهرٍ على عرض الفيلم الوثائقيّ الذي واكب جلجلة آلامها.

كانت 2024 السنة التي عقدت فيها سيلين ديون العزم على الوقوف من جديد، وكانت باكورة القرار حلولها ضيفة شرف على حفل جوائز «غرامي» الموسيقية في شهر فبراير (شباط) من ذلك العام. رافقها ابنُها البكر رينيه شارل إلى المسرح، حيث استُقبلت بدقائق من التصفيق، كما قدّمت جائزة ألبوم العام للمغنية الأميركية تايلور سويفت.

سيلين ديون خلال حلولها ضيفة شرف على حفل «غرامي» عام 2024 (رويترز)

بكامل طاقتها وحيويّتها المعهودة، ختمت سيلين ديون العام بمشاركة خاصة في عرض أزياء المصمم اللبناني العالمي إيلي صعب في الرياض. غنّت «I’m Alive» (أنا على قيد الحياة) احتفاءً بمرور 45 عاماً على انطلاق مسيرة صعب في عالم الأزياء، وتوسطت ديون العارضات اللواتي مررن بأثوابهنّ الذهبية.

أين تلك «السيلين» المتوهّجة، من المرأة المكسورة والمسحوقة ألماً التي شاهدها العالم في وثائقي «أنا: سيلين ديون» على منصة «أمازون برايم» في يونيو (حزيران) 2024؟

أمام عيون الملايين، قررت الفنانة الملقّبة بـ«الديفا»، أن تفرد أوجاعها حتى أعلى صرخة وأحَرّ دمعة. سلبتها «متلازمة الشخص المتيبّس» قدرتها على الحركة والكلام والغناء. ضرب المرض جهازيها العصبيّ والمناعيّ. وجدت ديون نفسها مرغمة على إلغاء حفلاتها وتعليق مشاريع ألبوماتها.

اليوم وبعد أن شارفت رحلة الآلام على نهايتها، تعود سيلين ديون إلى شغفها الذي صمتَ قسراً. ترجع إلى الموسيقى التي تجري في صدرها مثل الهواء. فوحدَها معجزةُ الصوت أخرجت الطفلة سيلين من ثلوج قريتها شارلمان إلى مسارح المجد، ولا شيءَ سوى تلك المعجزة يستطيع أن يمنح النجمة العالمية ولادة جديدة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended