هل مالت كفة المحكمة الأميركية العليا؟

قصة بسط المحافظين سيطرتهم في غياب «الخيار النووي»

مناهِضة للإجهاض أمام مبنى المحكمة العليا أول من أمس (أ.ف.ب)
مناهِضة للإجهاض أمام مبنى المحكمة العليا أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

هل مالت كفة المحكمة الأميركية العليا؟

مناهِضة للإجهاض أمام مبنى المحكمة العليا أول من أمس (أ.ف.ب)
مناهِضة للإجهاض أمام مبنى المحكمة العليا أول من أمس (أ.ف.ب)

في خطوة أضرمت النار في هشيم النسيج الاجتماعي الأميركي، ألغت المحكمة العليا حق الإجهاض، فولّدت موجة من الجدل سلّط الضوء على دور المحكمة البارز والنفوذ غير المعلن الذي تتمتع به في الساحة السياسية الأميركية.
فالمحكمة التي تقع على بعد خطوات قليلة من مبنى الكونغرس، هي السلطة القضائية الأعلى في البلاد، ولها الكلمة الفصل في كل القرارات القضائية المثيرة للجدل. وعلى الرغم من أنها منفصلة كلياً عن السلطتين: التنفيذية الممثلة بالبيت الأبيض، والتشريعية الممثلة بالكونغرس، ارتكازاً على مبدأ فصل السلطات، فإن قراراتها تنعكس مباشرة على السلطتين، وتؤثر على قدرة الحزبين الديمقراطي والجمهوري في إدارة البلاد.
وتُعنى المحكمة بالنظر في قضايا مصيرية متعلقة بمستقبل الأميركيين وغيرهم، من ملف الرعاية الصحية إلى حمل السلاح، والإجهاض، وحقوق المثليين، والهجرة، وحظر السفر. لهذا حرص الرؤساء الأميركيون على تعيين قضاة يتقاربون معهم آيديولوجياً، للدفع باتجاه هذه الملفات. وبما أن منصب قاضٍ في المحكمة العليا يُعدّ من أهم المناصب في الولايات المتحدة، كون صاحبه يشغله لمدى الحياة أو حتى تقاعده، يتنازع عليه الجمهوريون والديمقراطيون بمجرد أن يصبح شاغراً.
- أوباما وعرقلة الجمهوريين
لعلّ النزاع الأبرز كان في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، عندما فارق القاضي المحافظ أنتوني سكاليا الحياة في عام 2016. حينها طرح أوباما اسم مرشحه، وزير العدل الحالي، ميريك غارلاند خلفاً لسكاليا؛ لكن مجلس الشيوخ بأغلبيته الجمهورية رفض النظر في المصادقة على غارلاند، بحجة أن الترشيح جاء في عام انتخابي. وبرر الجمهوريون معارضتهم هذه بالقول إن الرئيس المقبل هو الذي يجب أن يعين بديلاً؛ لأن التعيين لمدى الحياة؛ إلا أنّ السبب الفعلي وراء معارضتهم كمن في تخوفهم من أن يؤدي انتقال مقعد سكاليا المحافظ إلى يد الديمقراطيين، وترجيح كفة المحكمة بالتالي لصالح الليبراليين.
وخير دليل على ذلك هو عندما غيّر الحزب الجمهوري موقفه بعد وفاة القاضية الليبرالية روث بايدرغينزبرغ، في نهاية عهد ترمب في عام 2020. حينها، وافق الجمهوريون الذين سيطروا على مجلس الشيوخ على النظر في المصادقة على مرشح ترمب المحافظ، في خضم الموسم الانتخابي، لتكون الرسالة واضحة: الحزب الذي يتمتع بأغلبية الأصوات في مجلس الشيوخ هو الذي يحدد قواعد اللعبة.
- «الخيار النووي»
لكن الأمور لم تكن على هذا النحو قبل عام 2013. فقد كانت قواعد اللعبة في مجلس الشيوخ مختلفة، لتعطي مزيداً من الصلاحيات لحزب الأقلية في المجلس؛ إذ تطلّبت مصادقة مجلس الشيوخ على تعيينات الرئيس حينها 60 صوتاً، وليس الأغلبية البسيطة كما هي الحال في يومنا هذا.
في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، قرر زعيم الأغلبية الديمقراطية حينها هاري ريد إلغاء «قاعدة الستين»، بحجة أن الجمهوريين عطّلوا كثيراً من تعيينات أوباما، فاستعمل ما بات معروفاً بـ«الخيار النووي» نظراً لخطورته الفائقة على موازين القوى في الكونغرس. وتخطى المعارضة الجمهورية عبر فرض قاعدة الأغلبية البسيطة للمصادقة على كل تعيينات الرئيس، باستثناء تعيينات المحكمة العليا.

إلا أنّ السحر انقلب على الساحر، وما فعله ريد في عام 2013 مهّد الطريق أمام زعيم الأغلبية الجمهوري ميتش مكونيل، لفرض القاعدة نفسها على تعيينات المحكمة العليا في عام 2017، للتغلب على المعارضة الديمقراطية لمرشح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمنصب قاضٍ في المحكمة العليا، القاضي المحافظ نيل غورسوتش، خلفاً لسكاليا. وتمكن مجلس الشيوخ من المصادقة على مرشحي ترمب الثلاثة: غورسوتش، ومن بعده تيد كفناه خلفاً للمعتدل أنتوني كينيدي، ثم إيمي كوني باريت خلفاً لغينزبرغ، بفضل هذا الإجراء.
ويعد ترمب من الرؤساء «المحظوظين» لأنه تمكّن من تعيين 3 قضاة محافظين في المحكمة العليا في عهده، ما أدى إلى ترجيح الكفة تماماً لصالح المحافظين في المحكمة المؤلفة من 9 قضاة، ليصبح عددهم 6 مقابل 3 ليبراليين.
- أهمية تعيين القضاة
دفع الجمهوريون خلال سيطرتهم على مجلس الشيوخ نحو تعيين قضاة محافظين، على أمل أن يؤدي هذا إلى مساعدتهم على إلغاء قضايا مهمة، أبرزها قضية الإجهاض، المعروفة بـ«رو ضد وايد». وهذا ما حصل. كما يعوّل الجمهوريون على قلب قضية «أوبرغيفل ضد هودجز» التي تعترف بحق المثليين في الزواج، وإلغاء مشروع الرعاية الصحية المعروف بـ«أوباما كير»، ورفع الحماية عن المهاجرين غير الشرعيين.
- حل الديمقراطيين: زيادة عدد القضاة
بمواجهة هذه التحديات، واعتراف الديمقراطيين الضمني بأنهم لن يتمكنوا من وقف المدّ المحافظ على المحكمة، ينظر البعض منهم إلى زيادة عدد القضاة التسعة الموجودين فيها. لكن هذه الطروحات تواجه تحديات جمة. وإذا كان التاريخ شاهداً، فإن مساعيهم هذه لن تبصر النور. إذ سبق للرئيس الأميركي السابق ثيودور روزفلت أن حاول زيادة مقاعد المحكمة العليا لـ15 مقعداً في عام 1937؛ لكنه جوبه بمعارضة شرسة في مجلس الشيوخ الذي وصف هذه الخطوة بـ«انتهاك صارخ وغير مسبوق للسلطة القضائية». وصوّت مجلس الشيوخ ضد طرح روزفلت حينها.
> المحكمة بالوقائع والأرقام
- أُسست المحكمة العليا بموجب البند الثالث من الدستور الأميركي، في 24 من سبتمبر (أيلول) 1789، وكانت المحكمة حينها مؤلفة من 6 قضاة؛ لكن الكونغرس قرّر في عام 1869 أن يحدد عدد القضاة فيها بـ9 يترأسهم كبير القضاة، ويعينهم الرئيس الأميركي ويصادق عليهم مجلس الشيوخ.
وبما أنهم يخدمون في منصبهم مدى الحياة، فلا يمكن طردهم من المنصب إلا من خلال خلعهم من قبل الكونغرس الأميركي بتهمة الفساد أو انتهاك السلطة، وهو أمر لم يحصل قط في التاريخ الأميركي.
- اجتمعت المحكمة العليا الأميركية للمرة الأولى بعد تأسيسها في الثاني من فبراير (شباط) من عام 1790، في ولاية نيويورك. بعدها انتقلت إلى مدينة فيلاديلفيا، ثم إلى العاصمة الأميركية واشنطن. ولم تحصل المحكمة على مبناها الخاص والمعروف في واشنطن حتى عام 1935، أي في الذكرى الـ146 من تأسيسها.
- خدم في تاريخ المحكمة 115 قاضياً، 5 منهم فقط من النساء، وواحدة فقط من أصول لاتينية وهي سونيا سوتومايور التي عينها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في عام 2009.
- يجلس القضاة التسعة على منصة المحكمة بحسب تراتبية خدمتهم، فيحتلّ كبير القضاة مقعد المنتصف، ويتوزع إلى يمينه وشماله القضاة بحسب تاريخ خدمتهم، فيجلس الأقدم منهم إلى يمينه والذي يتبعه إلى يساره، وهكذا دواليك.
- يتقاضى كبير القضاة قرابة 267 ألف دولار سنوياً، بينما يصل راتب القضاة الآخرين إلى نحو 255 ألف دولار في العام.
- ويليام هوارد تافت، هو القاضي الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة الذي خدم أيضاً رئيساً للبلاد. وقد عُين في المحكمة بعد أعوام من انتهاء ولايته رئيساً.
> أبرز الأحكام السابقة للمحكمة العليا
- «هاواي ضد ترمب» في 2018 (5 مع - 4 ضد): هو الحكم القاضي بدعم حظر السفر الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ففي عام 2018، حكمت المحكمة لصالح الإدارة في القضية المعروفة باسم «هاواي ضد ترمب»؛ حيث قدمت ولاية هاواي دعوى بحق إدارة ترمب بسبب قرار حظر السفر بتهمة انتهاك الدستور، والانحياز ضد المسلمين. لكن المحكمة قررت بدعم 5 قضاة ومعارضة 4، أن الرئيس الأميركي لديه الصلاحيات لحماية حدود البلاد، وأن تصريحاته السابقة المعارضة للمسلمين لا تجرده من صلاحياته الدستورية.
- «رو ضد وايد» في 1973 (7 مع - 2 ضد): أقرت المحكمة حق المرأة الدستوري في الإجهاض خلال الأشهر الستة الأولى من الحمل، لتعود وتبطل قرارها هذا العام بدعم 6 ومعارضة 3.
- «الولايات المتحدة ضد نيكسون» في 1974 (8 مع - 0 ضد): هو القرار الذي أنهى عهد ريتشارد نيكسون؛ إذ حكمت المحكمة بأغلبية 8 أصوات لصالح تسليم نيكسون أشرطة «واترغايت»، وقالت إن الرئيس الأميركي لا يستطيع استعمال صلاحياته التنفيذية لإخفاء أدلة في محاكمات جنائية. حينها لم يدلِ القاضي ويليام رينكويست بصوته، بسبب دوره السابق نائباً لوزير العدل في إدارة نيكسون.
- «بوش ضد غور» في 2000 (5 مع - 4 ضد): حسمت المحكمة الخلاف بين الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن ومنافسه الديمقراطي آل غور، في الانتخابات الرئاسية. فحكمت لصالح بوش ضد إعادة احتساب الأصوات في ولاية فلوريدا.
- «مقاطعة كولومبيا ضد هيلر» في 2008 (5 مع - 4 ضد): أعطت المحكمة للأميركيين حق امتلاك السلاح في منازلهم للدفاع عن النفس.
- «اتحاد الشركات المستقلة ضد سيبيليوس» في 2012 (5 مع - 4 ضد): حمت المحكمة قرار إدارة أوباما القاضي بأن على كل الأميركيين أن يحصلوا على تأمين صحي.
- «أوبرغيفل ضد هودجز» في 2015 (5 مع - 4 ضد): شرّعت المحكمة زواج مثليي الجنس في كل الولايات الأميركية الخمسين.


مقالات ذات صلة

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

الولايات المتحدة​ إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

أشاد وفد من الكونغرس الأميركي، يقوده رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي مايك روجرز، مساء أول من أمس في العاصمة المغربية الرباط، بالتزام الملك محمد السادس بتعزيز السلام والازدهار والأمن في المنطقة والعالم. وأعرب روجرز خلال مؤتمر صحافي عقب مباحثات أجراها مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، عن «امتنانه العميق للملك محمد السادس لالتزامه بتوطيد العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والمغرب، ولدوره في النهوض بالسلام والازدهار والأمن في المنطقة وحول العالم».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

أصدرت محكمة فيدرالية أميركية، الخميس، حكماً يدين 4 أعضاء من جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، أبرزهم زعيم التنظيم السابق إنريكي تاريو، بتهمة إثارة الفتنة والتآمر لمنع الرئيس الأميركي جو بايدن من تسلم منصبه بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الماضية أمام دونالد ترمب. وقالت المحكمة إن الجماعة؛ التي قادت حشداً عنيفاً، هاجمت مبنى «الكابيتول» في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، لكنها فشلت في التوصل إلى قرار بشأن تهمة التحريض على الفتنة لأحد المتهمين، ويدعى دومينيك بيزولا، رغم إدانته بجرائم خطيرة أخرى.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

أدانت محكمة أميركية، الخميس، 4 أعضاء في جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، بالتآمر لإثارة الفتنة؛ للدور الذي اضطلعوا به، خلال اقتحام مناصرين للرئيس السابق دونالد ترمب، مقر الكونغرس، في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021. وفي محاكمة أُجريت في العاصمة واشنطن، أُدين إنريكي تاريو، الذي سبق أن تولَّى رئاسة مجلس إدارة المنظمة، ومعه 3 أعضاء، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية. وكانت قد وُجّهت اتهامات لتاريو و4 من كبار معاونيه؛ وهم: جوزف بيغز، وإيثان نورديان، وزاكاري ريل، ودومينيك بيتسولا، بمحاولة وقف عملية المصادقة في الكونغرس على فوز الديمقراطي جو بايدن على خصمه الجمهوري دونالد ترمب، وفقاً لما نق

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

وجّه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، الأربعاء، انتقادات لقرار الرئيس جو بايدن، عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز الثالث، وذلك خلال جولة يجريها الملياردير الجمهوري في اسكتلندا وإيرلندا. ويسعى ترمب للفوز بولاية رئاسية ثانية في الانتخابات التي ستجرى العام المقبل، ووصف قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج ملك بريطانيا بأنه «ينم عن عدم احترام». وسيكون الرئيس الأميركي ممثلاً بزوجته السيدة الأولى جيل بايدن، وقد أشار مسؤولون بريطانيون وأميركيون إلى أن عدم حضور سيّد البيت الأبيض التتويج يتماشى مع التقليد المتّبع بما أن أي رئيس أميركي لم يحضر أي مراسم تتويج ملكية في بريطانيا. وتعود آخر مراسم تتويج في بري

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

هناك شعور مرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية والاكتئاب والسكري والوفاة المبكرة والجريمة أيضاً في الولايات المتحدة، وهو الشعور بالوحدة أو العزلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب يستبعد عودة مسبح البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يستبعد عودة مسبح البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

استبعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعادة إنشاء المسبح التاريخي في باحة البيت الأبيض، مؤكداً في منشور عبر منصته «تروث سوشيال»، السبت، أنه لن يعود أبداً.

وقبل أيام، ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن ترمب (80 عاماً) درس إمكانية اتخاذ هذه الخطوة، بالتزامن مع فرض حظر على وجود جميع الصحافيين في البيت الأبيض.

وتحظى قاعة الإحاطات الصحافية في البيت الأبيض بشهرة عالمية، إذ تُعقد فيها مؤتمرات صحافية مهمة. وكانت المنطقة نفسها تضم في السابق مسبحاً داخلياً، قبل أن تحل محله قاعة الصحافة قبل عقود، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي نهاية سبتمبر (أيلول)، نشر ترمب عبر «تروث سوشيال» صورة مركبة تجمع بين قاعة الإحاطات الصحافية الحالية والمسبح.

وكتب ترمب في منشوره الجديد أنه قد ينقل الصحافيين إلى موقع آخر، مستخدماً تعبير «الأخبار الزائفة» الذي كثيراً ما يلجأ إليه للتعبير عن رفضه للتغطيات الإعلامية التي لا تعجبه.

وقال ترمب في منشوره: «هناك تقرير من الأخبار الزائفة يزعم أنني سأزيل قاعة الصحافة في البيت الأبيض وأعيد المسبح القديم الموجود أسفلها مباشرة. وعلى الرغم من أنني قد أنقل وسائل الإعلام التي تروج للأخبار الزائفة إلى موقع أقل إزعاجاً، فإن المسبح القديم لن يعود أبداً».


معركة مجلس النواب الأميركي... خرائط جديدة وسباقات حاسمة على الأغلبية

زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز أمام الكونغرس في 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز أمام الكونغرس في 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

معركة مجلس النواب الأميركي... خرائط جديدة وسباقات حاسمة على الأغلبية

زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز أمام الكونغرس في 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز أمام الكونغرس في 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

معركة السيطرة على الكونغرس ليست معركةً واحدةً فحسب. فالسلطة التشريعية تتألف من مجلسين، هما مجلس النواب ومجلس الشيوخ، ولكل منهما تركيبته وصلاحياته الخاصة، التي تتقاطع في بعض المجالات وتختلف في أخرى. ويُعدُّ مجلس النواب الأقرب إلى ما يمكن وصفه بمجلس الشعب، ويتألف من 435 نائباً يمثلون الدوائر الانتخابية في الولايات الأميركية الخمسين، ويُنتخَبون لولاية مدتها سنتان.

وفي الكونغرس الحالي، الـ119، يتمتع الجمهوريون بأغلبية هشة في مجلس النواب. وفي هذه الجولة الانتخابية، يسعى الديمقراطيون إلى انتزاع الأغلبية، وهو ما يتطلب منهم تحقيق مكسب صافٍ بـ3 مقاعد مقارنة بنتائج انتخابات 2024، حين فاز الجمهوريون بـ220 مقعداً مقابل 215 للديمقراطيين. رقم قد يبدو صغيراً وبسيطاً، لكن تحقيقه ليس سهلاً، خصوصاً في ظلِّ خريطة انتخابية جديدة رُسمت في بعض الولايات بعد معركة محتدمة بين الحزبين حول إعادة ترسيم الدوائر.

التاريخ في مواجهة حزب الرئيس

تاريخياً، غالباً ما يخسر حزب الرئيس مقاعد في الانتخابات النصفية، لا سيما في مجلس النواب، حيث أدت هذه الخسائر في محطات سابقة إلى انتقال الأغلبية من حزب إلى آخر.

زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز مع ريبيكا بينيت المرشحة الديمقراطية في نيوجيرسي يوم 9 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

ففي عام 1994، خسر الديمقراطيون أغلبيتهم في مجلس النواب خلال عهد الرئيس بيل كلينتون. وفي عام 2006، انتقلت الأغلبية إلى الديمقراطيين خلال ولاية الرئيس جورج بوش الابن، قبل أن يستعيدها الجمهوريون عام 2010، إثر خسارة الديمقراطيين أكثر من 60 مقعداً في عهد الرئيس باراك أوباما.

وتكرَّر المشهد عام 2018، عندما خسر الجمهوريون أغلبيتهم في مجلس النواب خلال ولاية الرئيس دونالد ترمب الأولى. وفي عام 2022، فقد الديمقراطيون أغلبيتهم في عهد الرئيس جو بايدن. غير أن هذه القاعدة التاريخية لا تنطبق بالضرورة على جميع الانتخابات. ومن أبرز الاستثناءات انتخابات عام 2002، حين عزَّز الجمهوريون أغلبيتهم في مجلس النواب خلال عهد جورج بوش الابن، في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، وسط التفاف شعبي حول الرئيس وتصدّر قضايا الأمن القومي المشهد الانتخابي.

سباقات متقاربة

أما هذا العام، فيبدو المشهد أكثر تعقيداً واختلافاً. فمن جهة، شهدت بعض الولايات إعادة ترسيم دوائرها الانتخابية وسط معارك سياسية وقانونية بين الحزبين. ومن جهة أخرى، تتصدر اهتمامات الناخب الأميركي ملفات عدة، من الاقتصاد وتكلفة المعيشة، مروراً بالحرب مع إيران، وصولاً إلى الهجرة.

وقد انعكست هذه العوامل على المنافسة في عدد من الدوائر الانتخابية الـ435. وبحسب تصنيفات «كوك بوليتيكال ريبورت»، يُصنَّف 21 سباقاً ضمن فئة «المنافسة المتكافئة»، ما يسلّط الضوء على الدور الحاسم الذي قد تؤديه مجموعة محدودة من الدوائر في تحديد هوية الأغلبية المقبلة.

وتبرز نيويورك في مقدمة الولايات الجديرة بالمتابعة، وتحديداً دائرتها الانتخابية الـ17. فهذه الدائرة، التي صوّتت للمرشحة الديمقراطية كامالا هاريس في انتخابات 2024، تشكّل اختباراً مهماً للديمقراطيين، إذ يمثلها النائب الجمهوري مايك لاولر منذ عام 2023، ويواجه في السباق الحالي المرشحة الديمقراطية كايت كونلي. وإذا تمكَّن لاولر من الاحتفاظ بمقعده، فسيثير ذلك تساؤلات بشأن قدرة الديمقراطيِّين على استعادة المقاعد في الدوائر المتأرجحة.

وتأتي بنسلفانيا في مقدمة الولايات الأخرى الجديرة بالمراقبة، وتحديداً 3 دوائر يدافع فيها الجمهوريون عن مقاعدهم، هي الـ7، والـ8، والـ10، وقد صوّتت جميعها لترمب في الانتخابات الرئاسية عام 2024. وستشكّل نتائج هذه الدوائر مؤشراً على مدى قدرة الجمهوريين على الاحتفاظ بدعم ناخبي ترمب في انتخابات الكونغرس، ومدى انعكاس المزاج السياسي الوطني على خيارات الناخبين في المنافسات المحلية.

المرشحة الديمقراطية في ولاية أيوا ليندسي جايمس يوم 10 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

أما استياء الناخبين من الأوضاع الاقتصادية وتكلفة المعيشة، فيُتوقّع أن يبرز بصورة خاصة في ولاية أيوا، التي صوَّتت لصالح ترمب في انتخابات 2024. ففي هذه الولاية، تتصدَّر قضايا تكلفة المعيشة والرسوم الجمركية وأسعار الوقود والأسمدة أولويات المنافسة الانتخابية، خصوصاً في الدوائر الأولى والثانية والثالثة.

واللافت أن «كوك بوليتيكال ريبورت» عدّل تصنيفه لهذه الدوائر الـ3 في اتجاه أكثر ملاءمة للديمقراطيِّين، فنقل الدائرتين الأولى والثالثة من خانة المنافسة المتكافئة إلى خانة الميل للديمقراطيين، بينما نقل الدائرة الثانية من خانة الميل للجمهوريين إلى خانة المنافسة المتكافئة.

إعادة رسم الخرائط

تبرز أيضاً الولايات التي شهدت إعادة ترسيم دوائرها الانتخابية، وفي مقدمتها تكساس، حيث أعاد الجمهوريون رسم الخريطة سعياً إلى انتزاع 5 مقاعد إضافية في مجلس النواب.

لكن المفارقة أن 3 دوائر في جنوب تكساس ظلّت موضع منافسة رغم تعديل حدودها، وهي الدوائر الـ28 والـ34 والـ35. ولا تقتصر السباقات الجديرة بالمتابعة في هذه الولاية الجمهورية بامتياز على تلك الدوائر، إذ سيكون من المهم أيضاً مراقبة الدائرة الـ15، التي قد تعكس اتجاهات تصويت الناخبين من أصول لاتينية، خصوصاً فيما يتعلق بملف الهجرة.

حاكم تكساس غريغ أبوت ونائب الرئيس جي دي فانس في تكساس يوم 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

وتشهد فلوريدا مشهداً مماثلاً، بعدما أعادت رسم خريطتها الانتخابية لتعزيز فرص الجمهوريين في انتزاع مقاعد إضافية من الديمقراطيين، في ولاية يشكّل فيها ملف الهجرة قضية أساسية لدى شريحة واسعة من الناخبين من أصول لاتينية. وفي هذا السياق، تبرز الدائرتان الـ19 والـ14، حيث يسعى الديمقراطيان دارين سوتو وكاثي كاستور إلى الاحتفاظ بمقعديهما، بعدما أصبحت الحدود الجديدة للدائرتين أكثر ملاءمة للجمهوريين.

أما الدائرة الـ27، فتختلف فيها طبيعة المنافسة، إذ تسعى النائبة الجمهورية ماريا إلفيرا سالازار إلى الاحتفاظ بمقعدها في منطقة ذات كثافة لاتينية، وسط جدل بشأن سياسات إدارة ترمب المتعلقة بالهجرة والترحيل. وقد انتقدت سالازار علناً هذه السياسات، في موقف يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها بعض النواب الجمهوريين في الموازنة بين توجهات الإدارة ومواقف ناخبيهم.

كاليفورنيا... الخريطة الديمقراطية المضادة

غير أنَّ إعادة رسم الخرائط الانتخابية لم تقتصر على الولايات الجمهورية. كاليفورنيا، التي تمتلك أكبر وفد في مجلس النواب بـ52 مقعداً، تليها تكساس بـ38 مقعداً، ثم فلوريدا بـ28 مقعداً، تتصدَّر ما يمكن وصفه بالتحرك الديمقراطي المضاد على صعيد إعادة ترسيم الدوائر.

حاكم كاليفورنيا غافين نيوسم في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

فقد أعادت الولاية رسم دوائرها بما يعزِّز فرص الديمقراطيين في الفوز بعدد من المقاعد التي يسيطر عليها الجمهوريون. وفي كاليفورنيا، لا ينحصر هدف الديمقراطيِّين في الحفاظ على أغلبيتهم داخل الولاية، بل يتعداه إلى توسيعها عبر استهداف 5 مقاعد يشغلها جمهوريون، في ردٍّ مباشر على الخطوات التي اتخذها الجمهوريون في تكساس.

ومن الولايات التي تستحق المتابعة أيضاً نورث كارولاينا، التي شهدت تعديلاً لحدود الدائرة الانتخابية الأولى، جعلها أكثر ميلاً للجمهوريين. هناك، يسعى النائب الديمقراطي دون ديفيس إلى الاحتفاظ بمقعده في مواجهة الجمهورية لوري باكهاوت، في سباق يشكّل اختباراً لمدى تأثير إعادة ترسيم الدوائر على موازين القوى الانتخابية، وقدرة النواب الحاليِّين على الحفاظ على تأييد ناخبيهم رغم تغيّر الحدود.

سلطة التشريع والمال والرقابة

تتجاوز أهمية السيطرة على مجلس النواب مسألة التوازن الحزبي داخل الكونغرس. فالمجلس يتمتع بصلاحيات تشريعية ورقابية واسعة، ويؤدي دوراً محورياً في إقرار القوانين والميزانية الفيدرالية، فضلاً عن تمتّعه بحق المبادرة في طرح مشروعات القوانين المتعلقة بالإيرادات والضرائب.

النائب الديمقراطي آل غرين يدعو لعزل ترمب في كلمة أمام الكونغرس يوم 14 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

ويملك أيضاً صلاحيات واسعة لمساءلة الإدارة من خلال لجانه المختصة، التي تستطيع استدعاء المسؤولين وفتح التحقيقات، إلى جانب صلاحية توجيه الاتهامات في إطار إجراءات عزل الرئيس وكبار المسؤولين.

وفي حال انتزع الديمقراطيون الأغلبية، فسيجد الرئيس دونالد ترمب نفسه أمام واقع سياسي مختلف خلال النصف الثاني من ولايته. إذ سيتمكَّن الديمقراطيون من عرقلة أولويات الجمهوريين التشريعية، والتفاوض بشأن الإنفاق الحكومي والتمويل الفيدرالي، من دون أن يعني ذلك قدرتهم على تمرير أجندتهم التشريعية منفردين، في غياب موافقة مجلس الشيوخ والرئيس.

والأهم أنهم سيتولون رئاسة لجان مجلس النواب، ما يتيح لهم تشديد الرقابة على الإدارة، وفتح تحقيقات بشأن سياساتها وقراراتها، واستدعاء مسؤولين للإدلاء بشهاداتهم. وبذلك، لا تقتصر المعركة على انتزاع الأغلبية في مجلس النواب، بل تتعداها إلى تحديد هامش المناورة السياسية المتاح لترمب في واشنطن خلال النصف الثاني من ولايته.


القواعد المتعلقة بـ«التحرش الجنسي في الكونغرس الأميركي» تخضع للمراجعة

نائبتا الكونغرس الأميركي كات كاماك وتيريزا ليجير فرنانديز (أ.ب)
نائبتا الكونغرس الأميركي كات كاماك وتيريزا ليجير فرنانديز (أ.ب)
TT

القواعد المتعلقة بـ«التحرش الجنسي في الكونغرس الأميركي» تخضع للمراجعة

نائبتا الكونغرس الأميركي كات كاماك وتيريزا ليجير فرنانديز (أ.ب)
نائبتا الكونغرس الأميركي كات كاماك وتيريزا ليجير فرنانديز (أ.ب)

عندما بدأت كات كاماك العمل هذا الربيع على فريق عمل مكلف بمكافحة سوء السلوك الجنسي في الكونغرس الأميركي، سرعان ما تلقت النائبة الجمهورية عن ولاية فلوريدا اتصالات من موظفات سابقات أردن مشاركة قصصهن وتجاربهن.

ووفق وكالة «أسوشييتد برس»، قالت كاماك إنهن «ظهرن فجأة»، موضحة أنهن التزمن الصمت لأن الاعتقاد السائد كان أن التقدم للإبلاغ عما تعرضن له سينهي مسيرتهن المهنية التي بذلن جهداً كبيراً لبنائها.

وأضافت كاماك: «كانت تلك من أصعب المحادثات التي خضتها، وكانت القصص مفجعة للغاية».

ودفعت الزيادة الكبيرة هذا العام في التحقيقات التي تجريها لجنة الأخلاقيات بمجلس النواب والمتعلقة بسوء السلوك الجنسي، القيادات في الكونغرس إلى تشكيل مجموعة عمل تقودها كاماك والنائبة تيريزا ليجير فرنانديز، الديمقراطية عن ولاية نيو مكسيكو.

وقالت كاماك إن ما توصلت إليه المجموعة «مثير للقلق».

وأوضحت أن الضحايا لا يعرفن بوضوح الجهات التي يمكنهن اللجوء إليها طلباً للمساعدة، كما أنهن لا يثقن بأن الجناة سيواجهون عواقب.

وأضافت أن متطلبات الإبلاغ المعمول بها حالياً عن التحرش قد تأتي بنتائج عكسية، ومن ذلك المهلة المحددة بـ180 يوماً، التي تشبه «ساعة العد التنازلي»، لتقديم شكوى بعد وقوع الانتهاك المزعوم.

وقالت كاماك: «إنه وضع كارثي. فالنظام بأكمله في الكونغرس مصمم في الواقع لخلق تأثير مثبط للضحايا».

ومن المتوقع أن يعلن فريق العمل توصياته لإجراء تعديلات بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، بهدف اتخاذ إجراءات قبل نهاية العام.