نيران الحرب في أوكرانيا تهدد بإحراق الاقتصاد الأوروبي

صورة مركبة تجمع أنبوباً للغاز الطبيعي وعلمَي روسيا والاتحاد الأوروبي (رويترز)
صورة مركبة تجمع أنبوباً للغاز الطبيعي وعلمَي روسيا والاتحاد الأوروبي (رويترز)
TT

نيران الحرب في أوكرانيا تهدد بإحراق الاقتصاد الأوروبي

صورة مركبة تجمع أنبوباً للغاز الطبيعي وعلمَي روسيا والاتحاد الأوروبي (رويترز)
صورة مركبة تجمع أنبوباً للغاز الطبيعي وعلمَي روسيا والاتحاد الأوروبي (رويترز)

تعددت تعريفات الحرب على مر التاريخ، لكنها أجمعت على أنها نزاع مسلح بين أمّة وأخرى أو داخل أمّة واحدة تضم مجموعات مختلفة. وإذا كانت الحساسيات القومية أو الدينية من أسباب الحرب، فإنها تبقى ثانوية أمام «المصالح»، وهي كلمة تجمع كلمتين: الأرض والموارد.
قال كلاوس فون كلاوسيفيتز (1780 – 1831)، الجنرال البروسي (الألماني) والمنظّر الإستراتيجي، إن «الحرب ليست سوى مبارزة على نطاق واسع... عمل عنيف يهدف إلى إجبار خصمنا على تحقيق ما نريد». ولعل عبارة «ما نريد» شرحها المؤرخ الألماني المعاصر يوهانز فريد عندما كتب عن أهداف الحرب أنها «الفوائد الإقليمية أو الاقتصادية أو العسكرية أو غيرها من الفوائد المتوقعة بعد الخاتمة الناجحة للحرب».
مهما تعدّدت القراءات تظل الأرض ومواردها السبب الأول للنزاعات، وبتعبير آخر الاقتصاد هو السبب الأول، وفي الموازاة هو المتأثر الأول بالحرب سلباً أو إيجاباً، سلباً للأكثرية وإيجاباً لمن يحسن اقتناص الفرص وتحويل التداعيات لمصلحته.
وبما أن أوكرانيا هي مسرح الحرب فإن اقتصادها تضرر وسيتضرر أكثر بطبيعة الحال. وعلى الطرف الآخر لا يبدو أن اقتصاد روسيا تضرر كما كان متوقعاً، لأن مبيعات الطاقة لا تزال نشطة على الرغم من عدم انتقال مشروع «نورد ستريم 2» لنقل الغاز إلى ألمانيا إلى حيّز التنفيذ، فيما الروبل يتقدم على حساب الدولار واليورو. غير أن البحث هنا لا يتصل بأوكرانيا وروسيا، بل بأوروبا، وهي «المسرح الأكبر» للحرب والمتوجس الأول من تداعياتها.
أوكرانيون ينتظرون تلقي مساعدات غذائية في بلدة قريبة من كييف (إ.ب.أ)
ورد في مدوّنة صندوق النقد الدولي أن الحرب في أوكرانيا «تمثل انتكاسة خطيرة لانتعاش أوروبا غير المكتمل بعد مرحلة جائحة كورونا، الأمر الذي جعل الاستهلاك والاستثمار أقل بكثير من المستويات التي كانا عليها ما قبل الجائحة (...). ويؤدي الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة والغذاء إلى توليد ضغوط عميقة على مالية الأُسر، كما أن حالة عدم اليقين تبطئ حركة الاستثمار».
ولا ننسى أن الكارثة الإنسانية في أوكرانيا تنعكس مباشرة على كل دول أوروبا، لأن حوالى 5 ملايين أوكراني تركوا بلادهم في أكبر نزوح جماعي شهدته القارة منذ الحرب العالمية الثانية. وتوجه العدد الأكبر من النازحين إلى بولندا ورومانيا والمجر ومولدوفا. وكان لا بد للاتحاد الأوروبي من أن يحتضن الذين شردهم الغزو الروسي، ويمنحهم أذونات إقامة وعمل، ويمدّهم بالمساعدات الاجتماعية. وبالطبع يشكل هذا الأمر عبئاً اقتصادياً كبيراً على دول تعاني ماليتها العامة في الاصل عجزاً تتفاوت نسبه بين دولة وأخرى.
*توقعات سلبية
يفيد أحدث تقرير لصندوق النقد عن التوقعات الاقتصادية في أوروبا بأن النمو المقدَّر على صعيد القارة تراجع نقطة مئوية واحدة إلى 3% عام 2022 مقارنة بتوقعات يناير (كانون الثاني). أما في ما يخص الاقتصادات الناشئة في القارة، فقد تراجع النمو المتوقع بمقدار 1.5 نقطة مئوية إلى 2.7%. وتبدو المشكلة أكثر حدة في الاقتصادات الكبرى، مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، إذ إنها لن تحقق سوى نموّ ضئيل، بل مع احتمال أن يكون النمو سلبياً لربعين متتاليين هذا العام.
الموقع الإلكتروني للدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية (الاتحاد الأوروبي)، لا يرسم صورة أفضل. ويكتب في مدوّنة الموقع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد جوزيب بوريل: «الحرب في أوكرانيا هي الصدمة الثالثة غير المتكافئة، كما يسميها الاقتصاديون، التي شهدها الاتحاد في العقدين الماضيين، بعد الأزمة المالية والاقتصادية عام 2008 وأزمة منطقة اليورو التي تلتها، ثم جائحة كوفيد - 19. الصدمة غير المتكافئة هي التغيّر المفاجئ في الظروف الاقتصادية التي تؤثر على بعض دول الاتحاد الأوروبي أكثر من غيرها. في الواقع، للحرب في أوكرانيا تأثير أكبر بكثير على البلدان المجاورة بسبب تدفق اللاجئين والاعتماد الكبير على الغاز الروسي».
يحيلنا هذا الكلام مباشرة على أزمة الطاقة التي سبّبها الهجوم الروسي على أوكرانيا، وما تبعه من عقوبات على موسكو طاولت قطاع النفط، فما كان من فلاديمير بوتين إلا أن راح يقفل صمامات ضخ الغاز إلى أوروبا تدريجاً، فيما طفق يبحث عن أسواق بديلة (الصين خصوصاً) لمنتجات الطاقة التي تخرج من أرض بلاده. وهذا ما أدى إلى ارتفاعات خيالية لأسعار الطاقة، خصوصاً الغاز الذي تجعل أسعاره تفكير الدول الأوروبية في البرد الآتي مع حلول الخريف ثم الشتاء كابوساً حقيقياً...
متسوّقون في سوبرماركت بلندن (رويترز)
لا شك في أن المؤشر الاقتصادي الأكثر تعبيراً وصدقاً هو معدّل التضخم، أي الغلاء بلغة المستهلك العادي. فقد بلغ معدل التضخم السنوي في منطقة اليورو (الدول الـ19 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي تعتمد العملة الموحّدة) 8.1٪ في مايو (أيار) الماضي مقابل 7.4% في مارس (آذار)، ارتفاعًا من 7.4٪ في أبريل (نيسان)، وفقًا للجهاز الإحصائي للاتحاد الأوروبي «يوروستات». وخارج الاتحاد بلغ التضخم في بريطانيا، على سبيل المثال، 9.1% في مايو، وهو المستوى الأعلى في أربعة عقود.
وبقليل من التفصيل، سجلت أسعار الطاقة أعلى معدل للتضخم على أساس سنوي بلغ 39.2% في مايو مقارنة بـ 37.5% في أبريل. وحلت في المرتبة الثانية أسعار الأغذية والتبغ (7.%)، تلتها السلع الصناعية (4.2%) والخدمات (3.5%).
*سلسلة تحديات
في ظل هذه الوقائع، تواجه القارة الأوروبية تحديات اقتصادية هائلة، في موازاة الأخطار الجيوسياسية والأمنية.
أول التحديات ضرورة لجم التضخم الذي يضرب القدرة الشرائية للفرد والأسرة. ولم نرَ حتى الآن من تدابير سوى رفع المصارف المركزية لأسعار الفوائد خفضاً للاستهلاك. إلا أن هذا الأمر يقوّض البيئة الاستثمارية، وبالتالي يؤدي إذا استمر إلى فقدان وظائف وإبطاء النمو وصولاً إلى الانكماش والركود...
على الدول الأوروبية التفكير في مصادر بديلة من روسيا للطاقة، خصوصاً الغاز الذي لا غنى عنه لتوليد الكهرباء والتدفئة وتحريك النشاط الصناعي... وحتى الآن لا ملامح واضحة لهذه البدائل، الأمر الذي يعطي روسيا اليد الطولى في هذا المجال، خصوصاً إذا وجدت هي البدائل لتصريف إنتاجها وتخلت عن الأسواق الأوروبية، علماً أن بعض هذه لا تريد أن تستغني عن الغاز الروسي، وهو ما ينعكس خلافات سياسية داخل عائلة الاتحاد الأوروبي.
لا تستطيع الدول الأوروبية المضيّ في فرض الحزمة تلو الأخرى من العقوبات على روسيا، لأن هذا الأمر يجعل سلاسل التوريد العالمية تضطرب، ولا سيما إمدادات الغذاء. وليس منطقياً هنا أن تطالب الدول روسيا بتسهيل تصدير الحبوب الأوكرانية من موانئ البحر الأسود، وفي الوقت نفسه تواصل مراكمة العقوبات عليها.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
إذا كان مفروغاً منه أن الدول الأوروبية ستبقى بجانب أوكرانيا في الحرب، فإن عليها أن تصارح مواطنيها أكثر بأن لذلك ثمناً، ليس أقله التضخم وأكلاف المعونات التي تقدَّم للنازحين الأوكرانيين والمساعدات العسكرية الكبيرة التي تذهب إلى كييف...
يضاف إلى ذلك كله أن على قادة أوروبا أن يفكروا أيضاً أنه بعد نهاية هذه الحرب المدمّرة لا بد من إعادة بناء أوكرانيا قوية اقتصاديًا لتشجيع اللاجئين على العودة. ولا شك في أن إعادة بناء البنية التحتية سيتطلب تمويلاً كبيراً قد يستعاد بعضه وقد يكون البعض الآخر هبات ومنحاً.
الخلاصة، أن الحرب في أوكرانيا تشكل في وجهها الاقتصادي عبئاً كبيراً على طرفيها بالطبع، ولكن أيضاً على أوروبا والعالم. وإذا كان هناك من يظن أن طريق الانتعاش والازدهار لا بد أن يمر في قيعان الانكماش والركود، فإن عليه أن يفكر في الأثمان التي تدفعها على امتداد هذا الطريق الشاق المجتمعات والشعوب...


مقالات ذات صلة

خلاف «النسبة» يهيمن على {المركزي} الأوروبي

الاقتصاد خلاف «النسبة» يهيمن على {المركزي} الأوروبي

خلاف «النسبة» يهيمن على {المركزي} الأوروبي

يتجه المصرف المركزي الأوروبي الخميس إلى إقرار رفع جديد لمعدلات الفائدة، وسط انقسام بين مسؤوليه والمحللين على النسبة التي يجب اعتمادها في ظل تواصل التضخم والتقلب في أداء الأسواق. ويرجح على نطاق واسع أن يقرّر المصرف زيادة معدلات الفائدة للمرة السابعة توالياً وخصوصاً أن زيادة مؤشر أسعار الاستهلاك لا تزال أعلى من مستوى اثنين في المائة الذي حدده المصرف هدفاً له.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد انقسام أوروبي حول خطط إصلاح قواعد الديون

انقسام أوروبي حول خطط إصلاح قواعد الديون

واجه وزراء مالية دول الاتحاد الأوروبي، يوم الجمعة، اقتراحا من قبل المفوضية الأوروبية لمنح دول التكتل المثقلة بالديون المزيد من الوقت لتقليص ديونها، بردود فعل متباينة. وأكد وزير المالية الألماني كريستيان ليندنر أن مقترحات المفوضية الأوروبية لمراجعة قواعد ديون الاتحاد الأوروبي «ما زالت مجرد خطوة أولى» في عملية الإصلاح.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
الاقتصاد نمو «غير مريح» في منطقة اليورو... وألمانيا تنجو بصعوبة من الركود

نمو «غير مريح» في منطقة اليورو... وألمانيا تنجو بصعوبة من الركود

ارتفع الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو بنسبة بلغت 0,1 % في الربع الأول من العام 2023 مقارنة بالربع السابق، بعدما بقي ثابتا في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام 2022، وفق أرقام مكتب الإحصاء الأوروبي (يوروستات). بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي برمّته، انتعش نمو الناتج المحلي الإجمالي بزيادة بلغت نسبتها 0,3 % بعد انخفاض بنسبة 0,1 % في الربع الأخير من العام 2022، وفق «يوروستات». وفي حين تضررت أوروبا بشدة من ارتفاع أسعار الطاقة عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، وهو ما يغذي تضخما ما زال مرتفعا للغاية، فإن هذا الانتعاش الطفيف للنمو يخفي تباينات حادة بين الدول العشرين التي تشترك في العملة الموحدة. وخلال الأش

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد «النقد الدولي» يدعو البنوك المركزية الأوروبية لعدم التوقف عن رفع أسعار الفائدة

«النقد الدولي» يدعو البنوك المركزية الأوروبية لعدم التوقف عن رفع أسعار الفائدة

قال مدير صندوق النقد الدولي لمنطقة أوروبا اليوم (الجمعة)، إنه يتعين على البنوك المركزية الأوروبية أن تقضي على التضخم، وعدم «التوقف» عن رفع أسعار الفائدة، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية». وأوضح ألفريد كامر، خلال إفادة صحافية حول الاقتصاد الأوروبي في استوكهولم، «يجب قتل هذا الوحش (التضخم).

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
الاقتصاد أوروبا تشتري الوقت لتقليص الديون

أوروبا تشتري الوقت لتقليص الديون

من المقرر أن تحصل دول الاتحاد الأوروبي المثقلة بالديون على مزيد من الوقت لتقليص الديون العامة، لتمكين الاستثمارات المطلوبة، بموجب خطط إصلاح اقترحتها المفوضية الأوروبية يوم الأربعاء. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين: «نحتاج إلى قواعد مالية ملائمة لتحديات هذا العقد»، وأضافت «تمكننا الموارد المالية القوية من الاستثمار أكثر في مكافحة تغير المناخ، ولرقمنة اقتصادنا، ولتمويل نموذجنا الاجتماعي الأوروبي الشامل، ولجعل اقتصادنا أكثر قدرة على المنافسة». يشار إلى أنه تم تعليق قواعد الديون والعجز الصارمة للتكتل منذ أن دفعت جائحة فيروس «كورونا» - حتى البلدان المقتصدة مثل ألمانيا - إلى الا

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

أسعار الواردات الأميركية تستقر على أساس سنوي في ديسمبر

حاويات شحن صينية مكدسة في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
حاويات شحن صينية مكدسة في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
TT

أسعار الواردات الأميركية تستقر على أساس سنوي في ديسمبر

حاويات شحن صينية مكدسة في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
حاويات شحن صينية مكدسة في ميناء لوس أنجليس (رويترز)

أفاد مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل الأميركية، يوم الثلاثاء، بأن أسعار الواردات الأميركية ظلت ثابتة على أساس سنوي في ديسمبر (كانون الأول)، بعد انخفاضها بنسبة 0.1 في المائة في نوفمبر (تشرين الثاني).

جاءت هذه البيانات بعد أن حال إغلاق الحكومة الفيدرالية العام الماضي دون جمع بيانات المسح لشهر أكتوبر (تشرين الأول)، مما أدى إلى عدم نشر مكتب إحصاءات العمل للتغيرات الشهرية في أسعار الواردات لشهري أكتوبر ونوفمبر. وسجلت أسعار الواردات ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.1 في المائة على أساس شهري في ديسمبر.

ولم يُصدر مكتب إحصاءات العمل بياناً صحافياً مفصلاً، نظراً إلى ضيق جدول النشر عقب الإغلاق الذي استمر 43 يوماً. ومع ذلك، أوضح المكتب أن الإغلاق الأخير الذي دام ثلاثة أيام لم يؤثر على جمع بيانات مؤشرات الأسعار.


استقرار «غير متوقع» لمبيعات التجزئة الأميركية في ديسمبر الماضي

رجل يتسوق في سوق إيسترن بمدينة واشنطن (رويترز)
رجل يتسوق في سوق إيسترن بمدينة واشنطن (رويترز)
TT

استقرار «غير متوقع» لمبيعات التجزئة الأميركية في ديسمبر الماضي

رجل يتسوق في سوق إيسترن بمدينة واشنطن (رويترز)
رجل يتسوق في سوق إيسترن بمدينة واشنطن (رويترز)

استقرت مبيعات التجزئة الأميركية، بشكل غير متوقع، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ما أدى إلى تباطؤ نمو الإنفاق الاستهلاكي والنشاط الاقتصادي بشكل عام مع بداية 2026.

جاء هذا الاستقرار بعد زيادة بلغت 0.6 في المائة، في نوفمبر (تشرين الثاني)، دون تعديل، وفقاً لما أعلنه مكتب الإحصاء، التابع لوزارة التجارة، يوم الثلاثاء. كان خبراء اقتصاديون، استطلعت «رويترز» آراءهم، قد توقعوا استمرار نمو مبيعات التجزئة، التي تشمل في معظمها السلع، وغير مُعدّلة وفقاً للتضخم.

ولا يزال مكتب الإحصاء يعمل على استكمال بياناته، بعد التأخيرات الناجمة عن إغلاق الحكومة العام الماضي. ورغم تشاؤم المستهلكين بشأن الاقتصاد نتيجة ارتفاع الأسعار الناجم عن الرسوم الجمركية وتراجع سوق العمل، شهدت مبيعات التجزئة أداء قوياً، على حساب الادخار إذ انخفض معدل الادخار إلى أدنى مستوى له في ثلاث سنوات، مسجلاً 3.5 في المائة خلال نوفمبر، مقارنةً بـ3.7 في المائة خلال أكتوبر (تشرين الأول)، بعد أن بلغت نسبة الاستهلاك ذروتها عند 31.8 في المائة خلال أبريل (نيسان) 2020. في المقابل، شهدت ثروة الأُسر ارتفاعاً ملحوظاً، مدفوعةً بانتعاش قوي في سوق الأسهم واستمرار ارتفاع أسعار المنازل.

وعلى صعيد مبيعات التجزئة الأساسية؛ أيْ باستثناء السيارات والبنزين ومواد البناء وخدمات الطعام، سجلت انخفاضاً بنسبة 0.1 في المائة خلال ديسمبر، بعد تعديلها نزولاً إلى 0.2 في المائة خلال نوفمبر. وتتوافق هذه المبيعات، المعروفة بمبيعات التجزئة الأساسية، بشكل وثيق مع عنصر الإنفاق الاستهلاكي في الناتج المحلي الإجمالي، علماً بأن التقارير السابقة أشارت إلى ارتفاعها بنسبة 0.4 في المائة خلال نوفمبر.

وقد يدفع انخفاض مبيعات ديسمبر والتعديل النزولي لبيانات نوفمبر، الاقتصاديين إلى مراجعة توقعاتهم للإنفاق الاستهلاكي والناتج المحلي الإجمالي للربع الأخير.

وكان الإنفاق الاستهلاكي قد ازداد بوتيرة سريعة في الربع الثالث، مساهماً بشكل كبير في معدل النمو السنوي للاقتصاد البالغ 4.4 في المائة خلال تلك الفترة. ويتوقع بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا نمو الناتج المحلي الإجمالي بمعدل 4.2 في المائة خلال الربع الأخير.

ومن المقرر أن تنشر الحكومة، الأسبوع المقبل، تقديراتها الأولية المتأخرة للناتج المحلي الإجمالي للربع الأخير.


«بي بي» تطلب ضوءاً أخضر أميركياً لتطوير غاز فنزويلا

عامل نفط فنزويلي من شركة النفط الحكومية الفنزويلية «PDVSA» يشارك في تعبئة ناقلة نفط بمحطة الشحن والتخزين في خوسيه (رويترز)
عامل نفط فنزويلي من شركة النفط الحكومية الفنزويلية «PDVSA» يشارك في تعبئة ناقلة نفط بمحطة الشحن والتخزين في خوسيه (رويترز)
TT

«بي بي» تطلب ضوءاً أخضر أميركياً لتطوير غاز فنزويلا

عامل نفط فنزويلي من شركة النفط الحكومية الفنزويلية «PDVSA» يشارك في تعبئة ناقلة نفط بمحطة الشحن والتخزين في خوسيه (رويترز)
عامل نفط فنزويلي من شركة النفط الحكومية الفنزويلية «PDVSA» يشارك في تعبئة ناقلة نفط بمحطة الشحن والتخزين في خوسيه (رويترز)

قالت الرئيسة التنفيذية المؤقتة لشركة «بي بي»، كارول هاول، لوكالة «رويترز» يوم الثلاثاء، إن الشركة تسعى للحصول على ترخيص من الحكومة الأميركية لتطوير حقل غاز ماناكين-كوكوينا، الذي يمتد عبر الحدود بين ترينيداد وتوباغو وفنزويلا.

منذ اعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، يسعى عديد من شركات الطاقة إلى المضي قدماً في مشاريعها في الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية، بما في ذلك شركة «شل» بمشروعَي دراغون وماناتي، وشركة «بي بي» بمشروع ماناكين.

وترغب «بي بي» في تطوير الحقل لتوفير أكثر من تريليون قدم مكعبة من الغاز لترينيداد لتحويلها إلى غاز طبيعي مسال للتصدير. تمتلك شركة «بي بي» 45 في المائة من محطات أتلانتيك للغاز الطبيعي المسال الرئيسية في ترينيداد، التي شكَّلت 15 في المائة من إجمالي إنتاج «بي بي» من الغاز الطبيعي المسال في عام 2025، وفقاً لبيانات شركة «إل إس إي جي» المالية.

وقالت هاول، في اتصال هاتفي مع «رويترز»: «نحن مهتمون بحقل ماناكين-كوكوينا، وهو حقل عابر للحدود بين ترينيداد وفنزويلا. لذا نعمل على الحصول على الترخيص اللازم، وهذه هي أولويتنا القصوى حالياً».

وتحتاج «بي بي» إلى ترخيص من الحكومة الأميركية لإنتاج الغاز في هذا الحقل نظراً لاستمرار العقوبات الأميركية المفروضة على شركة النفط الفنزويلية الحكومية «PDVSA»، التي تعمل على الجانب الفنزويلي من الحدود.

كانت شركة «بي بي» تمتلك في الأصل ترخيصاً من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) من الولايات المتحدة وترخيصاً من فنزويلا لتطوير الحقل، إلا أن إدارة ترمب ألغته في عام 2025. وتعاني ترينيداد من نقص في الغاز الطبيعي لتشغيل قطاع الغاز الطبيعي المسال وقطاع البتروكيميائيات الأوسع. وتسعى ترينيداد إلى تطوير حقولها الحدودية مع فنزويلا، التي تحتوي مجتمعةً على احتياطيات مؤكَّدة تبلغ 11 تريليون قدم مكعبة.