ماذا نحتاج؟ متخصّصين أم عابرين للتخصص؟

كلّ ما تقدّمه كبريات الجامعات والمعاهد العالمية المرموقة صار متاحاً عبر الإنترنت

سيهاو هوانغ  -  مانفرد شتاينر
سيهاو هوانغ - مانفرد شتاينر
TT

ماذا نحتاج؟ متخصّصين أم عابرين للتخصص؟

سيهاو هوانغ  -  مانفرد شتاينر
سيهاو هوانغ - مانفرد شتاينر

أحد الأسئلة التي تلحُّ عليّ - وقد يلحّ على معظمنا – هو؛ لماذا لا نرى نظائر لكبار فلاسفة وعلماء عصر العقلنة والتنوير في أيامنا هذه؟ لماذا لا نشهدُ «لايبنتز» أو «سبينوزا» أو «نيوتن» في ثوب معاصر؟ لا يُقصَدُ من هذا السؤال بالتأكيد القولُ بعدم وجود فلاسفة أو علماء رفيعي الطراز في عصرنا هذا ممن يماثلون رفعة أسلافهم؛ لكنّ المقصود الدقيق هو التالي؛ لماذا لم نعُدْ نشهدُ في عصرنا هذا شخصياتٍ تمتلكُ إمكانات معرفية عابرة للحدود القارّة وخارقة في مدياتها بالقدر الذي تجعل صاحبها مستحقاً لأن يوسم بخصيصة كونه خارق المعرفة في ميادين مختلفة Polymath على نحو ما فعل لايبنتز أو سبينوزا أو نيوتن أو سواهم؟ هناك بالطبع فيزيائيون عظماء في عصرنا، وكذا يوجد رياضياتيون وفلاسفة وكيميائيون وأدباء وروائيون وعلماء اقتصاد واجتماع ذائعو الصيت؛ لكن لا يوجد بينهم من جمع أطراف هذه التوجهات المعرفية في إهاب شخصية واحدة، أو في الأقلّ فإنّ سمات عصرنا وأنساقنا التعليمية وطرازاتنا الثقافية ما عادت تشجّعُ بزوغ مثل هذه الشخصيات.
قد يبدو مثال إنسان عصر النهضة Renaissance Man، المعقلن التوّاق للترحل بين غابات المعرفة، مثالاً بعيداً وعصياً على التحقق في أيامنا هذه، ولو سألنا طائفة واسعة من البشر ذوي الخلفيات المهنية والعلمية المتباينة فلعلّهم سيشتركون في رؤية واحدة؛ أنّ مثال عصر النهضة لم يعُد قائماً بيننا لأسباب كثيرة، أهمها تعقّد أبواب المعرفة، وكثرة مصادرها، والتفجر المعلوماتي الرهيب، إلى جانب جملة من أسباب أخرى استوجبت سيادة فكرة التخصص، وهكذا صار المتخصصون Specialists أحد أبرز عناوين حياتنا.
لكن في مقابل هذه المقاربة التخصصية تشيع اليوم مقاربة أخرى مضادة لها، ترى أنّ المتخصصين بمستطاعهم بلوغ سقوف بحثية ومعرفية محدّدة يقفون عندها ولا يستطيعون تجاوزها، وأنّ عدم القدرة على التجاوز لا ينبعُ من نقص في أدواتهم المعرفية، وإنما لافتقادهم إلى رؤية صورة أشمل للروابط الخفية بين الموضوعات التي قد تبدو متنافرة للوهلة الأولى. صارت الدعوة إلى إشاعة نمط العابرين للتخصصات The Generalists تلقى قبولاً متزايداً في الدوائر الأكاديمية والعامة.
ظهر في السنوات الأخيرة كثير من الكتب التي تناولت هذه الموضوعة، ولعلّ من أكثرها صيتاً وشيوعاً وتحقيقاً لمقروئية عالية هو الكتاب المعنون «المدى»؛ لماذا يحقق العابرون للتخصصات انتصارات كبرى في عالم غارق في التخصص؟
Range: Why Generalists Triumph in a Specialized World
الكتاب منشور عام 2019، ومؤلف الكتاب هو ديفيد إبشتاين David Epstein. تكفي صورة غلاف الكتاب لتكون دلالة لا تخفى على طبيعة الموضوع؛ إذ ثمة عدد من المفاتيح مربوطة في حزمة واحدة؛ الأمر الذي يشير إلى أنّ العابرين للتخصصات صاروا بمثابة موجدي حلول لمشكلات Problem Solvers باتت تهدد وجودنا الحيوي على هذه الأرض.
«هناك أشياء كثيرة في الأرض والسماء يا هوراشيو غير التي حلمت بها في فلسفتك»، بهذه العبارة يخاطب هاملت صديقه هوراشيو، مؤشراً إلى حقيقة وجودية جوهرها «استيلاء النقص على جُملة البشر»، كما يعبر عماد الدين الأصفهاني. النقص هنا، وهو نقصٌ معرفي، ليس نقصاً معيباً أو مثلبة أخلاقية بقدر ما هو إشارة إلى طبيعة ملازمة للوجود البشري. لنقلْ إنه خصيصة أبستمولوجية لا مفرّ من نكرانها أو الالتفاف عليها، لأنها بعضُ طبائع المعرفة البشرية المقترنة بعاملين يعملان ضديدين، أحدهما للآخر؛ تفجّر معرفي من جانب، وتضاؤل في حدود المعرفة الفردية من جانب آخر.
يعيشُ أغلبنا غير مبالٍ بهذه الخصيصة الملازمة للوجود البشري؛ فهو يكتفي بأن يلمّ بجانب من المعرفة البشرية ليطوّعها بصورة عملية تكفلُ له خبرة محدّدة في نطاق ما، وهو ما يتكفّلُ بتدبير لوازم عيشه. هكذا نشأ المتخصّص Specialist، ونشأت المهنة Career المعتمدة على تخصص في نطاق عملي أو أكاديمي، وتطوّر الأمر حتى استحال قبولاً جمعياً على نطاق عالمي.
لكن ثمّة أناساً في هذا العالم لا يقتنعون بهذه الترسيمة القارّة. قد يكون هؤلاء من المتخصّصين؛ لكنّ صدورهم تضيق لو مكثوا في نطاق مهنهم أو تخصّصاتهم وقتاً طويلاً؛ لذا يفرِدُ هؤلاء جزءاً من وقت يومهم للبحث والاستكشاف في نطاقات معرفية غير تلك التي تخصّصوا فيها، وفي الغالب يتحوّل هذا الطقس إلى عادة يومية، ساعتان أو 3 ساعات ما قبل النوم - مثلاً - يفردُها المرء للقراءة في كتبٍ محدّدة، قد تكون بعيدة للغاية عن نطاقه المعرفي. هي بعيدة بحسب ما يعتقد الناس؛ لكنها ليست بعيدة بحسب ما يرى ذلك الشخص، لأنه وحده من يرى خيوطاً خفية بين الحقول المعرفية. أمثالُ هؤلاء يوصفون في الأدبيات الحديثة بأنهم عابرون للتخصصات Generalists، وتعريفهم الدقيق هو الناس الذين يجدون ولعاً طاغياً وشغفاً لا حدود له في استكشاف نطاقات معرفية مختلفة، واكتشاف روابط خفية بينها، وهم لا يطيقون المكوث في ساحة معرفية واحدة، ولو أجبروا على هذا الأمر فقد يتطوّر الأمر لديهم إلى حالات اكتئاب عنيدة وتداعٍ في القدرة على العمل والإنتاج؛ بل قد يستحيل الأمر ذهاناً عقلياً خطيراً له تبعاتٌ مأساوية.
لكن لنكنْ دقيقين ومحدّدين في توصيف الأمور؛ كثير منّا قد يجدُ لذّة في بعض القراءات المغايرة لسياق تخصصه؛ غير أنّ هذا لا يعني أنه صار من جماعة العابرين للتخصصات. ما يميّز هؤلاء الأخيرين هو شغفٌ طاغٍ لا حدود لمدياته، وعملٌ مثابر لا يعرف النكوص والتراخي، والانكباب على قراءات معرفية دقيقة، وليس محض قراءات سياحية عابرة. نحنُ إزاء أناسٍ شديدي الانضباط، ولديهم حساسية – تكاد تكون مرضية – تجاه فواعل الزمن. لا يريدون إضاعة دقيقة من غير فاعلية منتجة من وجهة نظرهم.

هل يمكنُ أن يكون أحدنا واحداً من هؤلاء العابرين للتخصصات؟ نعم بالتأكيد، لو تملك ذلك النوع الخارق وغير المعهود من الشغف، وامتلك وصلة إنترنت. الإنترنت صار صندوق أعاجيب الدنيا، وكلّ ما تقدّمه كبريات الجامعات والمعاهد العالمية المرموقة صار متاحاً لنا، وليس ثمّة من حجّة نقص المصادر المعرفية تقف عائقاً. يقدّم لنا الإنترنت كلّ يوم نماذج متقدّمة من هؤلاء، وهم كثرٌ. هاكم مثالاً؛ سيهاو هوانغ Sihao Huang، الصيني السنغافوري الأصل، الذي هاجر إلى الولايات المتحدة وهو شاب، يدرسُ الفيزياء والرياضيات والهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب في معهد MIT المعروف بسمعته الأكاديمية العالمية، ويخطّط لتطبيق رياضيات النظم المعقدة على نطاق العلوم السياسية، وقبل مواصلة دراسته في قسم العلوم السياسية في MIT ارتأى أن يأخذ فسحة دراسية يقضيها في جامعة أكسفورد لدراسة منهاجها الدراسي الثلاثي الشهير في الفلسفة والاقتصاد والسياسة.
مثال آخر، تابعتُ قبل بضعة أشهر حكاية البروفسور مانفرد شتاينر Manfred Steiner، المواطن النمساوي – الأميركي، الذي احتفل قبل بضعة أشهر بعيد ميلاده التسعين، وسيكون لهذه الاحتفالية طعمٌ خاص، لأنّ شتاينر سُجّل اسمه في موسوعة غينيس للأرقام القياسية أكبر شخص حصل على الدكتوراه الثانية، وهو بهذا العمر.
المثيرُ في حياة شتاينر أنه ظلّ مشغوفاً كلّ حياته المهنية بالعمل على تحقيق حلمه، أن يكون فيزيائياً. أنهى شتاينر دراسته الثانوية في فيينا مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ونصحه حينئذ عمه وأمه ألا يغامر بدراسة الفيزياء، لأنها قد تكون توجهاً مهنياً بعيداً عن متطلبات أوروبا عقب نهاية الحرب. كان الطب هو ما نصحاه به؛ فلم يخذلهما، وفي الوقت ذاته لم يخذل حلمه ويتركه ينزوي في قعر النسيان. درس شتاينر الطب، وحصل على شهادة M.D المعروفة فيه، ثمّ هاجر إلى الولايات المتحدة ودرس في جامعات عدّة حتى حصل على شهادة الدكتوراه الأولى في حقل الكيمياء الحيوية، وعمل في الوقت ذاته أستاذاً لعلم أمراض الدم Hematology في جامعة براون. تقاعد شتاينر من عمله عام 2000 وهو في سن السبعين، وهنا بدأ بالإمساك بحلمه القديم الذي لم يطوِهِ النسيان؛ فحضر دروس فيزياء أولية ومتقدّمة في MIT الشهير في مدينة بوستن، ثم نقل دراساته إلى جامعته القديمة، جامعة براون. توّج شتاينر حلمه بالحصول على دكتوراه في الفيزياء النظرية قبل بضعة أسابيع من يومنا هذا. كان شتاينر يبتغي أول الأمر الحصول على دكتوراه في الفيزياء النووية؛ لكنّه فضّل الفيزياء النظرية آخر الأمر لأنه لم يشأ أن يستخدم في دراسته أكثر من عقله مدعوماً بحاسوب وأقلام وأوراق. ثمة كثير من الحديث المسهب عن عمل شتاينر في الموقع الرسمي لجامعة براون، وسأكتفي بالقول إنه عمل ينتمي لحقل البحوث الأساسية في الفيزياء. ليس بوسع الواحد منا سوى أن يمتلئ نشوة وبهجة عند قراءة مثل هذه الأخبار التي تكشف لنا حيوية العقل البشري وقدرته اللانهائية على الإبداع الخلاق.
هاملت على حقّ بالطبع. سيكون طموحاً غير قابل للتحقق إن نحنُ سعينا لمعرفة كلّ ما في السماء والأرض؛ لكن يمكن لكلّ منّا أن يفهم أشياء – ولو قليلة – مما في السماء والأرض لو امتلك شغفاً لا حدود له، ووصلة إنترنت. تلك حقيقة ماثلة لا أظنها ستكون موضع نزاع بعد اليوم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر: تطوير تشريعات لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت والألعاب الإلكترونية

اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر: تطوير تشريعات لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت والألعاب الإلكترونية

اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)

بدأت لجنة الاتصالات في مجلس النواب (البرلمان المصري) جلسات استماع لتطوير تشريعات تهدف إلى حماية الأطفال والنشء من مخاطر الإنترنت والألعاب الرقمية، بحضور وزراء الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والتربية والتعليم والتعليم الفني، والتضامن الاجتماعي.

وكان النائب أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات في مجلس النواب، قد أعلن عقد أولى جلسات الاستماع بشأن هذه التشريعات، بحضور عدد من الوزراء، وممثلي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والمجلس القومي للأمومة والطفولة، والأزهر الشريف، والكنيسة المصرية، إضافة إلى الفنان أحمد زاهر، بطل مسلسل «لعبة وقلبت بجد»، وممثلين عن المنصات الدولية.

وفي بداية الاجتماع، ثمَّنت اللجنة مقترح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بشأن التنسيق بين الحكومة والبرلمان لإعداد هذا التشريع المهم لحماية النشء من سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكدت الدكتورة سحر السنباطي، رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة، أن المجلس يعمل وفق نهج يجمع بين التوعية المجتمعية، والدعم النفسي، والتعاون المؤسسي، والتدخل التشريعي، بما يضمن حماية الطفل في البيئة الرقمية المتطورة.

واستعرضت الجهود التي يبذلها المجلس لدعم حماية الأطفال وأسرهم، والتي تشمل رفع الوعي المجتمعي عبر حملات ومبادرات توعوية لحماية الأطفال من العنف والتنمر الإلكتروني، والتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية غير الآمنة.

وأوضحت أن المجلس، في إطار تعزيز التعاون المؤسسي، تعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات و«اليونيسف» لإعداد أدلة تدريبية متكاملة حول دور الأسرة والمؤسسات التعليمية في حماية الأطفال من مخاطر سوء استخدام الإنترنت والألعاب الإلكترونية.

وأكدت أن المجلس أعدّ رؤية استراتيجية لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عاماً، بهدف حمايتهم من مخاطر الابتزاز والتنمر والتحرش الإلكتروني، ومخاطر بعض الألعاب الإلكترونية. وأشارت إلى أن هذه الرؤية استندت إلى نماذج تشريعية دولية؛ من بينها التجربة الأسترالية، وقد قُدِّمت إلى وزارة العدل لدراسة إمكانية اعتمادها إطاراً تشريعياً وطنياً.

وكان الرئيس المصري قد طالب، في خطاب قبل أيام، بإصدار تشريعات تحدّ من استخدام الهواتف الجوالة حتى سنّ معينة، مستشهداً بتجارب دولية سابقة.

وأكدت رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة ضرورة نقل عبء الحماية من المستخدم إلى مقدّم الخدمة، من خلال الالتزام بمبدأ الحد الأدنى من البيانات، وعدم جمع معلومات الأطفال إلا للضرورة، وتوفير إعدادات خصوصية وأمان افتراضية عالية للفئة العمرية (16 - 18 عاماً)، وإلزام المنصات بإنشاء فرق عمل محلية لمراقبة المحتوى باللغة العربية واللهجة المصرية، واستخدام خوارزميات ذكاء اصطناعي مخصّصة لاكتشاف التنمر والتحرش باللهجات المحلية.

وقبل أيام، أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حجب لعبة «روبليكس» الإلكترونية، بالتنسيق مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، عقب مناقشات مجتمعية وإعلامية حول خطورة التطبيق على الشباب.

ويتيح التطبيق بيئة افتراضية تفاعلية تجمع ملايين المستخدمين، مع وجود أقسام مخصّصة للبالغين تتضمن مشاهد عنف وقتل، وقد صُنِّف في دول عدّة تطبيقاً غير آمن.

كما أعلن رئيس لجنة الاتصالات في مجلس النواب، في تصريحات متلفزة، حجب تطبيق مراهنات وصفه بـ«الخطير» يُدعى «إكس بيت»، مؤكداً أن الحجب سيمتد ليشمل مواقع المراهنات المخالفة التي تمارس ما وصفه بـ«القمار الإلكتروني».

ويرى خبير وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، محمد فتحي، أن الجهود التشريعية لحماية الأطفال من مخاطر بعض الألعاب والتطبيقات الرقمية، على الرغم من أهميتها، لن تكون كافية وحدها لحل المشكلة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أنه لا بدَّ من تنفيذ برامج تثقيف رقمي في المدارس، وتدريب أولياء الأمور على التعامل مع الأجهزة والتطبيقات، إلى جانب إطلاق حملات إعلامية عبر منصات التواصل لجذب انتباه الشباب والأسر إلى مخاطر الاستخدام غير الآمن.

وأشار إلى ضرورة تغليظ العقوبات على من ينشر صوراً أو مقاطع فيديو للأطفال دون موافقة، وحجب الحسابات أو الخدمات الرقمية التي تروّج لسلوكيات مسيئة أو تستهدف القُصَّر، بما يسهم في توفير بيئة رقمية آمنة، وتمكين الأسر من أدوات حماية تقنية وقانونية، مع إلزام الشركات التكنولوجية بتطبيق معايير خاصة لحماية المستخدمين من الأطفال.

وأوضح أن التحديات الرقمية الحالية ليست مجرد مشكلة تقنية؛ بل قضية اجتماعية تتطلب تنفيذاً فعالاً وتوعية مستمرة، إلى جانب تشريعات قوية، بهدف تمكين الأجيال القادمة من استخدام الإنترنت بأمان وثقة، لا عزلها عن التكنولوجيا.


مصر: «الأعلى لتنظيم الإعلام» يبحث شكوى نقيب «المهن التمثيلية» ضد «تيك توكر»

الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
TT

مصر: «الأعلى لتنظيم الإعلام» يبحث شكوى نقيب «المهن التمثيلية» ضد «تيك توكر»

الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)

أعلن «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عن تلقيه شكوى من الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين، ضد «تيك توكر»، تدعى «أم جاسر»، لنشرها فيديو تهكَّمت خلاله على نقيب المهن التمثيلية بطريقة غير لائقة، مدعية قدرتها على العمل في التمثيل من دون الحاجة إلى العضوية، أو الحصول على التصاريح اللازمة لممارستها.

وقرر رئيس المجلس، في بيان، الاثنين، إحالة الشكوى إلى لجنة الشكاوى، برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وكيل المجلس، لبحثها ودراسة ما ورد بها، واتخاذ الإجراءات القانونية، وفقاً لما تقضي به القوانين واللوائح المنظمة.

وظهرت «أم جاسر»، في الفيديو المشار إليه في البيان، عقب إصدار «نقابة الممثلين» بياناً صحافياً، أكدت خلاله إيقاف مسلسل «روح OFF»، للمنتج بلال صبري، ومنعه من العرض خلال موسم رمضان 2026، لمخالفته الصريحة لتعليمات النقابة وقراراتها.

وأكدت النقابة في بيانها أن قرار إيقاف المسلسل جاء بعد توجيه أكثر من تنبيه وتحذير للمنتج بلال صبري بضرورة الالتزام بلوائح النقابة والقوانين المنظمة للعمل الفني، لكنه استمر في تجاهل تلك التعليمات ومخالفتها، على خلفية إعلان إحدى الجهات مشاركة «أم جاسر» في المسلسل.

فريق مسلسل «روح OFF» (الشركة المنتجة)

تعليقاً على قرار إيقافها عن العمل، تحدثت «أم جاسر» في مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي بسخرية، قائلة: «في الوقت الذي كنتُ أصوّر فيه إعلانات ستُعرض على الشاشة خلال موسم رمضان، فوجئتُ بـ(النقابة) ووسائل الإعلام تعلنان منعي من الظهور في مسلسلات هذا العام، رغم أنني لم أشارك من الأساس، وكنت أنتظر التقديم في العام المقبل، حيث يجري تقييمي سلباً أو إيجاباً»، مؤكدة أنها ستشارك في التمثيل خلال العام المقبل بالفعل.

وعَدَّ الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «ما حدث لا يمكن أن نطلق عليه تصعيداً، بل هو تنظيم لمسألة استباحة الشخصيات العامة والكيانات النقابية والتعامل معها بسخرية، وهو ما يستوجب رداً»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمر معروض حالياً أمام المجلس، وسيتخذ ما يلزم حياله. ومن حق نقابة المهن التمثيلية تنظيم المهنة، كما أن من حق المتضرر التوضيح والرد بشكل مناسب، وليس بهذه الطريقة».

وشددت النقابة في بيان سابق، على أنها لن تتهاون مع أي تجاوزات أو محاولات للتحايل على القوانين، مؤكدة أن حماية المهنة وصون حقوق أعضائها يأتيان على رأس أولوياتها، وأن أي عمل فني لا يلتزم بالضوابط ستتخذ ضده إجراءات حاسمة، مؤكدة ترحيبها بالتعاون مع شركات الإنتاج الملتزمة بالقواعد والقوانين المنظمة للعمل الفني.

في السياق، أعلن عدد من صناع «روح OFF»، على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، حل أزمة المنع، واستكمال التصوير، وعرض العمل في موسم رمضان، بعد التأكيد على عدم وجود مشاركات تمثيلية مخالفة لقواعد النقابة.


مهرجان «الثقافة والفنون» ينعش الموسم السياحي في أسوان

فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)
فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مهرجان «الثقافة والفنون» ينعش الموسم السياحي في أسوان

فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)
فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)

يُعدّ مهرجان «أسوان الدولي للثقافة والفنون» في دورته الـ13 محطة بارزة على أجندة الفعاليات الثقافية في جنوب مصر، ورافداً مهماً لدعم الحركة السياحية، وتعزيز الحضور الفني للمدينة التي تُعرف بـ«عروس المشاتي». ويأتي المهرجان العام الحالي ليؤكد دور الفنون الشعبية في تنشيط السياحة، وتوسيع جسور التبادل الثقافي بين الشعوب، عبر برنامج حافل بالعروض، والأنشطة التراثية.

انطلقت فعاليات المهرجان قبل أيام، وتُختتم اليوم الاثنين، بمشاركة 14 فرقة للفنون الشعبية من مصر، ومن دول عربية، وأجنبية عدّة. نظمته وزارة الثقافة ممثلة في الهيئة العامة لقصور الثقافة بالتعاون مع محافظة أسوان، وشهد حضور وفود الدول المشاركة، إلى جانب جمهور من أهالي أسوان، والسائحين زائري المدينة.

وأكد وزير الثقافة المصري، الدكتور أحمد فؤاد هنو، أن مهرجان «أسوان الدولي للثقافة والفنون» يمثل «منصة مهمة للاحتفاء بالتنوع الثقافي، وتبادل الخبرات الفنية، وترسيخ قيم التفاهم والسلام من خلال الفنون»، مشيراً إلى أن اختيار أسوان لاستضافة هذا الحدث الدولي يعكس مكانتها التاريخية، والحضارية، ودورها بوصفها بوابة مصر إلى أفريقيا، وملتقى للثقافات عبر العصور، وذلك وفق بيان للوزارة.

عروض فولكلورية متنوعة في المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

من جانبه، وصف محافظ أسوان، اللواء إسماعيل كمال، المهرجان بأنه إضافة مهمة إلى الخريطة السياحية، والثقافية، والفنية للمحافظة، وفرصة لإبراز ما تتمتع به أسوان من مقومات طبيعية، وتراثية فريدة، مؤكداً استمرار دورها جسراً للتواصل مع أفريقيا. وأوضح أن المحافظة تمتلك إمكانات اقتصادية، وسياحية، وعلمية متنوعة، إلى جانب مخزون كبير من الإبداع، والموروث الثقافي الذي يعكس عراقة التاريخ، وروح الأصالة.

وأشار إلى حصول أسوان على جوائز دولية سياحية، وثقافية، وفنية عدّة، من بينها إعلان فوزها بجائزة «مدينة العام السياحية» لعام 2026 التي تنظمها منظمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي.

وتُعد أسوان من أبرز المقاصد السياحية الشتوية في مصر، حيث تبلغ الحركة السياحية ذروتها خلال هذا الموسم، وتضم عدداً من المعالم الأثرية البارزة، مثل معبد فيلة، ومعبدي أبو سمبل، وقبة الهوا، وجزيرة النباتات، فضلاً عن إطلالتها المميزة على نهر النيل.

فرق أجنبية شاركت في المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

وشهدت عروض المهرجان مشاركة فرق للفنون الشعبية من محافظات مصرية مختلفة، عكست تنوع الفولكلور المحلي بين النوبي، والصعيدي، والبدوي، والفلاحي، والساحلي. كما شاركت فرق عربية وأجنبية من السودان، وفلسطين، والجبل الأسود، ولاتفيا، والهند، واليونان، وكازاخستان، وتونس، وقدمت عروضاً فولكلورية متنوعة.

وأقيمت الفعاليات في مواقع ثقافية وسياحية عدّة بمختلف مدن ومراكز المحافظة، في إطار الربط بين الأنشطة الثقافية والحركة السياحية.

وتستضيف أسوان على مدار العام مهرجانات، وفعاليات ثقافية وفنية عدّة، من أبرزها احتفالية تعامد الشمس على قدس الأقداس في معبد أبو سمبل، والتي تتكرر مرتين سنوياً في فبراير (شباط)، وأكتوبر (تشرين الأول).

وتراهن مصر على تنويع أنماطها السياحية، بما يشمل السياحة الثقافية، وسياحة المؤتمرات، والمهرجانات، والسفاري، والسياحة الشاطئية، والعلاجية، وغيرها، وقد سجلت خلال العام الماضي رقماً قياسياً في عدد السائحين بلغ نحو 19 مليون زائر.