تركيا تريد دعماً أطلسياً لـ«منطقة آمنة» قرب سوريا

فصيل كردي حذّر من خططها لتوطين مليون لاجئ

شاحنة مساعدات من برنامج الأغذية العالمي خلال عبورها بلدة حزانو بريف إدلب الاثنين (أ.ف.ب)
شاحنة مساعدات من برنامج الأغذية العالمي خلال عبورها بلدة حزانو بريف إدلب الاثنين (أ.ف.ب)
TT

تركيا تريد دعماً أطلسياً لـ«منطقة آمنة» قرب سوريا

شاحنة مساعدات من برنامج الأغذية العالمي خلال عبورها بلدة حزانو بريف إدلب الاثنين (أ.ف.ب)
شاحنة مساعدات من برنامج الأغذية العالمي خلال عبورها بلدة حزانو بريف إدلب الاثنين (أ.ف.ب)

في حين حذّر فصيل كردي سوري من خطط تركيا لتوطين مليون لاجئ سوري في المناطق الخاضعة لنفوذها شمال سوريا، حض الرئيس التركي رجب طيب إردوغان حلف شمال الأطلسي (الناتو) على دعم جهود بلاده لإقامة «منطقة آمنة» على حدودها الجنوبية مع سوريا لاستيعاب اللاجئين.
وقال إردوغان أمام نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم بالبرلمان التركي، أمس (الأربعاء) «الآن بدأ توطين الناس في المناطق الآمنة داخل سوريا، معظم المناطق الآمنة التي تحدثنا عنها اكتملت، وبدأ الناس يسكنون فيها، وبدأ العمل فيها من جديد»، في إشارة إلى خطة لإعادة توطين مليون لاجئ سوري من الموجودين في تركيا في 13 تجمعاً سكنياً داخل الأراضي السورية المحاذية حدود بلاده الجنوبية، بدءاً من أعزاز غرباً إلى رأس العين شرقاً. وتابع «علينا أن نخاطب كل الحلفاء في المنطقة، وأيضاً الحلفاء في حلف الناتو... فلتقفوا مع تركيا أمام هذه التحديات ولا تمنعوها من السير قدماً في إنشاء هذه المنطقة الآمنة، وإكمالها وتأمين الرفاهية فيها».
وجاء تصريح إردوغان، أمس، في وقت أعلنت الأمانة العامة لـ«المجلس الوطني الكردي» في سوريا موقفاً معارضاً لخطته الرامية إلى توطين مليون لاجئ سوري في مناطق العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا، بما في ذلك بناء 13 قرية وتجمعاً سكنياً في بلدات الباب وأعزاز وعفرين وجرابلس بريف حلب الشمالي والشرقي، ومدينة إدلب، وبلدة تل أبيض بريف الرقة الشمالي.
وأصدرت الأمانة بياناً من القامشلي (الحسكة، شرق سوريا) عبّرت فيه عن موقفها الرافض لعمليات «التغيير الديمغرافي» في أي بقعة من الجغرافيا السورية ومن أي جهة كانت.
... المزيد


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

بعد النجاة من الهبوط... إدارة توتنهام تسعى لإعادة البناء

لاعبو توتنهام هوتسبير يحيون جماهيرهم بعد النجاة من الهبوط (إ.ب.أ)
لاعبو توتنهام هوتسبير يحيون جماهيرهم بعد النجاة من الهبوط (إ.ب.أ)
TT

بعد النجاة من الهبوط... إدارة توتنهام تسعى لإعادة البناء

لاعبو توتنهام هوتسبير يحيون جماهيرهم بعد النجاة من الهبوط (إ.ب.أ)
لاعبو توتنهام هوتسبير يحيون جماهيرهم بعد النجاة من الهبوط (إ.ب.أ)

أكد صاحب أغلبية أسهم نادي توتنهام الإنجليزي التزامه التام واستعداده لتقديم الاستثمار اللازم لإعادة بناء النادي.

وذكرت وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا) أن توتنهام نجا بصعوبة من الهبوط للمرة الأولى منذ عام 1977، وذلك بعدما قاد حماس الجماهير فريق المدرب الإيطالي روبرتو دي زيربي للفوز على إيفرتون 1/صفر، الأحد، في الجولة الأخيرة بالدوري الإنجليزي.

أنهى توتنهام الموسم في المركز السابع عشر، متقدماً بنقطتين على وست هام الهابط لدوري «شامبيونشيب»، لكن الموسم كان كارثياً بالنسبة لتوتنهام، حيث كان دي زيربي ثالث مدرب للفريق في الموسم المنتهي.

وبعد تنحي دانيال ليفي عن منصبه رئيساً لمجلس إدارة النادي في سبتمبر (أيلول) الماضي، واجهت شركة «إيه إن آي سي» المالكة لأغلبية أسهم النادي والتي تديرها عائلة لويس، انتقادات عديدة.

وفي رسالة إلى الجماهير، قال بيتر تشارينغتون، الرئيس غير التنفيذي للنادي: «في سبتمبر الماضي، أدركنا ضرورة إجراء تغيير جذري في توتنهام. تدخلت عائلة لويس وأصدرت قراراً بإعادة هيكلة شاملة».

وأضاف: «لم يتم اتخاذ هذا القرار من قبيل الصدفة، وجاء متأخراً عما كان ينبغي، لكن ما تم تنفيذه حقيقي ويمثل انفصالاً تاماً عن النهج السابق».

وأوضح تشارينغتون: «في هذه العملية اكتشفنا بعض الحقائق غير المريحة، ولم يكن النجاح الكروي فقط هو سبب قراراتنا».

وقال: «إنهاء الموسم في المركز السابع عشر مرتين متتاليتين أمر غير مقبول، لن نبرر ذلك لأنه إخفاق كبير بالنظر للتوقعات».

وأضاف: «منذ سبتمبر الماضي أعدنا هيكلة القيادة في جميع المناحي بالنادي، حيث تم استحداث هيكل تنفيذي ورياضي جديد، معظم أعضاء هذا الهيكل يشغلون مناصبهم بالفعل، وسينضم آخرون في الأسابيع المقبلة».


«رولان غاروس»: الألمانية سيغموند لا تبالي بالسخرية من «وسادتها»

لاعبة التنس الألمانية لورا سيغموند (د.ب.أ)
لاعبة التنس الألمانية لورا سيغموند (د.ب.أ)
TT

«رولان غاروس»: الألمانية سيغموند لا تبالي بالسخرية من «وسادتها»

لاعبة التنس الألمانية لورا سيغموند (د.ب.أ)
لاعبة التنس الألمانية لورا سيغموند (د.ب.أ)

قالت لاعبة التنس الألمانية لورا سيغموند إنها لا تبالي بالآراء، وأكدت عزمها على اصطحاب وسادتها الحرارية إلى الملعب، وذلك حينما تواجه اليابانية ناومي أوساكا، الثلاثاء، في بطولة فرنسا المفتوحة للتنس (رولان غاروس).

وأوضحت سيغموند (38 عاماً) أن الجلوس على تلك الوسادة ساعدها في التخفيف من آلام الظهر، مؤكدة أنها لن تتخلى عن الوسادة أمام أوساكا الفائز بأربعة ألقاب من الألقاب الأربع الكبرى (غراند سلام).

وتابعت اللاعبة الألمانية: «سآخذها بالطبع إلى الملعب، لأن المقاعد الخشبية تكون صعبة، وكلما زاد ذلك أصبحت الأمور أكثر صعوبة».

وقالت: «الجميع يسخر من الوسادة وأصبح الأمر مادة للسخرية، لكنني وصلت إلى مرحلة في مسيرتي يمكنني القول فيها (دعهم يسخرون إذا كانوا سعداء بذلك، ولا يهمني ما يفكر فيه الناس)».

واضطرت سيغموند، المصنفة 47 عالمياً، إلى إنهاء موسم 2025 بشكل مبكر بسبب مشاكل في الظهر، وقالت في تصريحات لـ«يورو سبورت» إن الأمور كانت صعبة لدرجة أنها لم تعد قادرة على ارتداء جواربها.

وأضافت أن المشاكل التي عانت منها في الظهر قد تم حلها إلى حد كبير، لكنها بسبب صعوبات في الجلوس قامت بشراء تلك الوسادة.

وصلت سيغموند إلى دور الثمانية في بطولتين من البطولات الأربع الكبرى في فردي السيدات، لكنها أكثر نجاحاً في منافسات الزوجي بالبطولات الكبرى، حيث فازت بلقب في زوجي السيدات ولقبين في الزوجي المختلط.


لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟
TT

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم وهو يحمل في جيبه جهازاً ذكياً يمنحه وصولاً فورياً إلى مكتبات الموسيقى العالمية، وآلاف الأفلام، وملايين الكتب، وتدفقات لا تتوقف من النصوص والصور؟

تثبت هذه المفارقة أن الملل ليس غياباً للمثيرات، بقدر ما هو أزمة في صيغة «استجابتنا» لها. لقد تحول في عصر ما بعد الحداثة من حالة عابرة ناتجة عن نقص الخيارات إلى ركودٍ وجوديٍ معقد ناتج عن إفراطها. إنه اللحظة التي يفقد فيها كل شيء معناه، ليس لأن الإنسان لا يملك شيئاً ليفعله، بل لأن كل ما يمكنه فعله يبدو فجأة وكأنه بدون قيمة.

تقلّب مفهوم الملل عبر التاريخ الإنساني بين الإدانة الأخلاقية والتحليل الفلسفي. في العصور الوسطى، أطلق الرهبان عليه اسم «السأم الوجودي»، وعدّوه خطيئةً كبرى تندرج تحت بند الكسل الروحي الذي يصيب النفس في عزلتها. ومع صعود الرومانسية في القرن التاسع عشر، تحول إلى «الضجر» سمة لمثقفين وشعراء رأوا في العالم واقعاً أضيق من خيالهم.

أما اليوم، فيُجمع علماء النفس والباحثون على أن الملل أداة تنبيه تطورية حيوية لا تختلف عن الألم الجسدي. فتقول د. جوزيفا روس فيلاسكو (2026) في كتابها عن الملل (2026)، «إن الوظيفة الحيوية للملل تشبه تماماً وظيفة الألم؛ إنه كما جرس إنذار يخبرنا بأن علاقتنا بالمحيط قد تضررت، وأن النشاط الحالي استُنزف ولم يعد يقدم لعقولنا أي حافز حقيقي للنمو».

الملل بهذا المنطق «صوت رغبةٍ في الرغبة»؛ حالة من التوق الحاد لشيءٍ يعيد إلينا الشغف، دون أن نمتلك القدرة على تحديد ماهية هذا الشيء.

يتخذ الملل المعاصر شكلاً مغايراً تماماً لصورته التقليدية. قديماً، كان الملول شخصاً يجلس في غرفة فارغة وينتظر مرور الوقت؛ اليوم، الملول شخص يستلقي على أريكته ويمسك بهاتفه، يتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي، يفتح عشرات التبويبات على شاشته، ويمارس ما يمكن تسميته بالهرولة الرقميّة دون استقرار.

تفسر النظريات السلوكية الحديثة هذا التحول بظاهرة «الإغراق الدوباميني». إن التدفق المستمر للمثيرات السريعة (الفيديوهات القصيرة، الإشعارات، التحديثات اللانهائية) يرفع سقف التوقعات الكيميائية للدماغ. وعندما يعتاد العقل على هذا المستوى المرتفع من التحفيز، يصبح الواقع العادي بقراءته الهادئة، وحواراته العميقة، ولحظات سكونه بطيئاً ومملاً بالمقارنة بشكل لا يطاق. إننا نعيش في بيئة تقدم تسليةً هائلةً ومعنىً ضئيلاً. وهذا التباين الحاد بين وفرة المحتوى وغياب القيمة تربة لا شك خصبة لينمو فيها الملل المزمن.

يكشف تتبع هذا المفهوم عن تبدل كامل في تمظهراته السلوكية؛ إذ تميز الملل التقليدي قديماً ببطء إيقاع الزمن والشعور بثقله الشديد، بينما يتسمّ الملل المعاصر بتسارع ركيك للوقت عبر تشتيت الانتباه المستمر بين الشاشات. وفي حين كان يعاني النمط القديم من نقص حاد في الفرص والخيارات المتاحة، يواجه إنسان ما بعد الحداثة تخمة في الخيارات تؤدي إلى شلل الإرادة وعجز الاختيار. كما كان يعبر الملل سابقاً عن نفسه عبر السكون الجسدي التامّ وانتظار المثير الخارجي، بينما يرتدي في عصرنا الحالي قناع الحركة المحمومة والمطاردة الدائمة للتجارب الجديدة لملء الفراغ.

لقد تحول هذا الهوس بالإنتاجية، وتكديس الشهادات، والاشتراك في الأنشطة المتلاحقة إلى قناعٍ سميك يخفي وراءه رعباً حقيقياً من مواجهة الذات حين تصبح الجرأة على ألا نفعل شيئاً غائبة تماماً؛ فالإنسان المعاصر يخشى الصمت الداخلي الذي ينتظره إذا ما توقف، لأن الصمت يثير الأسئلة الوجودية المؤجلة حول جدوى ما يفعل وجدوى الطريق الذي يسلكه.

لا تتوقف خطورة الملل المزمن عند حدود الشعور بالضيق، بل تمتد لتلقي بظلالها على الخيارات الأخلاقية والسلوكية للفرد. إذ عندما يستقر السأم في أعماق النفس، تبهت الألوان في عين الإنسان، ولا تعود المحفزات المعتادة كافية لتحريك مشاعره. وتقود هذه الحالة، بحسب دراسات علم النفس الاجتماعي، إلى سلوك ركوب المخاطر والبحث عن حوافز متطرفة لكسر الرتابة. قد يتجلى ذلك في الاستهلاك الاندفاعي، أو الانغماس في عوالم افتراضية بديلة، أو حتى تبني مواقف وأفكار متطرفة لمجرد الشعور بالانتماء لحدث صاخب.

وفي هذه الحال، يتضاءل اهتمام الفرد بالمعايير العقلانية أو الأخلاقية للخيارات، ويصبح المعيار الوحيد الحاكم هو قدرة الفعل على انتشاله من البلادة الشعورية ومنحه جرعة إثارة فورية، حتى وإن كان ذلك الفعل مؤذياً للذات أو للآخرين.

مع ذلك كله، فإن ثمة فلسفات ترى في الملل نافذةً لا تعوض للاستبصار وتجعل من النظر إليه بوصفه عدواً تنبغي مواجهته بالتسلية الفورية خطأ نكرره يومياً. فإذا كان الملل إنذاراً يخبرنا بأن علاقتنا بالعالم قد تضررت، فإن الحل لا يكون في تجاهل الإنذار، بل في قراءة الرسالة. يمنحنا الملل، إذا ما واجهناه بشجاعة، فرصةً ذهبيةً لإعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن مصادر حقيقية للمعنى والاتصال الإنساني العميق عوضاً عن المثيرات السطحية المؤقتة. إن لحظات الفراغ والسكون، التي نهرب منها اليوم برعب، هي ذاتها المساحات التي ولدت فيها عبر التاريخ أعظم الأفكار الفلسفية، والإبداعات الفنية، والاكتشافات العلمية.

ليست أزمة الإنسان المعاصر في قلة ما يملك من أدوات لإزجاء الوقت، بل في عجزه عن استيعاب ما يملك ومنحه قيمته الحقيقية. إن مواجهة الملل في عصر ما بعد الحداثة تتطلب شجاعةً من نوع خاص: شجاعة التوقف عن الهرولة، والقدرة على معاقرة الصمت، والامتناع الإرادي عن الاستهلاك اللانهائي للمثيرات.

لن تتأتى السعادة من أن نملأ أوقاتنا بأي شيء كي ننجو من الملل، بل حين ندرك لماذا لم يعد هذا العالم، بكل وفرته وصخبه، كافياً لمنحنا الطمأنينة والرضا.