السويد تعزز قدراتها الدفاعية... وفنلندا تقترب من حسم ترشيحها لـ«الناتو»

جنود من قوات الاحتياط يشاركون في تدريبات جنوب شرقي فنلندا 9 مارس (أ.ب)
جنود من قوات الاحتياط يشاركون في تدريبات جنوب شرقي فنلندا 9 مارس (أ.ب)
TT

السويد تعزز قدراتها الدفاعية... وفنلندا تقترب من حسم ترشيحها لـ«الناتو»

جنود من قوات الاحتياط يشاركون في تدريبات جنوب شرقي فنلندا 9 مارس (أ.ب)
جنود من قوات الاحتياط يشاركون في تدريبات جنوب شرقي فنلندا 9 مارس (أ.ب)

بعد 3 أيام من الإعلان الرسمي لنهاية الحرب الباردة في مالطا، عقب سقوط جدار برلين مطالع نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1989، بدأت السويد في تقليص عديد قواتها المسلحة، وخفض موازنتها الدفاعية تماشياً مع رياح الانفراج التي كانت تهبّ على القارة الأوروبية، بعد عقود من التوتّر الذي ساد العلاقات بين المعسكرين الغربي والشرقي، وأوشك أن يؤدي إلى صدام نووي بين واشنطن وموسكو مطالع ستينات القرن الماضي، بسبب أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا.
استمرّت هذه السياسة السويدية حتى بداية عام 2014، عندما اندلعت الأزمة بين روسيا وأوكرانيا، وقرّر فلاديمير بوتين ضمّ شبه جزيرة القرم إلى روسيا، بذريعة أن الرئيس الأوكراني آنذاك فكتور يانوكوفيتش طلب منه التدخّل لقمع الاحتجاجات التي كانت أدّت إلى سقوطه.
في العام التالي لضمّ شبه جزيرة القرم إلى روسيا، قرّرت السويد استعادة الخدمة العسكرية الإلزامية التي كانت ألغتها بعد نهاية الحرب الباردة، ووضعت خطة لإعادة تسليح جيشها وتجهيزه بمعدات حديثة، كما أعادت نشر قواتها في المناطق الاستراتيجية التي كانت سحبتها منها؛ خصوصاً في جزيرة غوتلاند، وسط بحر البلطيق، التي يصفها العسكريون بأنها حاملة طائرات ضخمة يستحيل إغراقها، والتي سبق وتعرّضت للاجتياح الروسي عدة مرات، كانت آخرتها في عام 1808، عندما احتلّتها قوات القيصر ألكسندر الأول لفترة دامت 26 يوماً قبل أن تنسحب منها.
وعندما كانت القوات الروسية تنتظر الأوامر لعبور الحدود الأوكرانية أواسط فبراير (شباط) الماضي، أعلن وزير الدفاع السويدي التعبئة العامة، وأمر بإرسال مئات الجنود وأجهزة الدفاع الجوي على وجه السرعة إلى غوتلاند التي كانت القوات المسلحة السويدية انسحبت منها كلياً في عام 2005، وقال: «لا نستبعد أن تتعرّض السويد لهجوم من القوات الروسية».
ومع بداية الحرب الروسية في أوكرانيا، تداعى عشرات الآلاف من السويديين للتطوع من أجل الخدمة في وحدات الدفاع المحلية التي تشكّلت في جميع أنحاء البلاد، بينما كانت ترتفع نسبة المواطنين المؤيدين لانضمام السويد إلى الحلف الأطلسي، لتصل إلى 61 في المائة حسب الاستطلاع الأخير، بعد أن كانت دون 20 في المائة أواخر العام الماضي.
يوم الجمعة الماضي، كشفت الحكومة السويدية عن تقرير توافقت عليه جميع الكتل البرلمانية، باستثناء الخضر والشيوعيين، يشير إلى أن «انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف الأطلسي يضع جميع البلدان الإسكندنافية ودول بحر البلطيق في حماية ضمانات الدفاع المشترك».
في موازاة ذلك، صدر بيان مشترك عن رئاستي الحكومة والجمهورية في فنلندا، يؤكد أن الانضمام إلى الحلف الأطلسي يجب أن يتمّ بأقصى سرعة ممكنة، ويدعو البرلمان إلى مناقشته بدءاً من الاثنين المقبل، مذكّراً بأن غالبية ساحقة من المواطنين تؤيد هذه الخطوة.
وتجدر الإشارة أن فنلندا كانت قد نالت استقلالها عن روسيا في عام 1917، بعد أن تخلّت عن جزء كبير من أراضيها، ثم عاشت عقوداً تحت هيمنة موسكو التي فرضت عليها اتفاقية دفاعية مشتركة.
وبينما كان الأمين العام للحلف الأطلسي، ينس ستولتنبرغ، يعرب عن ترحيبه بالخطوتين السويدية والفنلندية، متوقعاً أن تبدأ عملية الانضمام رسمياً في القمة المقبلة التي سيعقدها الحلف في مدريد نهاية الشهر المقبل، وبينما كانت موسكو تحذّر من عواقب هذا القرار وتهدد بنشر أسلحة نووية وتعزيز قواتها على الحدود مع فنلندا، اكتفى الموقف الأميركي بالإشارة إلى أن انضمام هذين البلدين إلى الحلف الأطلسي «ليس مفترضاً أن يواجه أي عراقيل».
لكن المفاجأة جاءت من تركيا التي تملك ثاني أكبر جيش في الحلف الذي تنتمي إليه منذ عام 1952، والتي قال رئيسها رجب طيب إردوغان: «نتابع الوضع بالنسبة إلى السويد وفنلندا؛ لكننا لا ننظر إليه بإيجابية»، ليضيف أن هذين البلدين تحوّلا إلى مأوى لمنظمات وعناصر إرهابية، في إشارة إلى حزب العمال الكردي الذي تطالب أنقرة بتسليم عدد من أعضائه الموجودين في هذين البلدين.
وتجدر الإشارة إلى أن البلدين الإسكندنافيين يأويان منذ سنوات ناشطين سياسيين أتراكاً ينتمون إلى الأحزاب الكردية واليسارية والإسلامية، وبينهم من ينتمي إلى تنظيمات مسلّحة مصنّفة إرهابية في الاتحاد الأوروبي.
هذا الموقف التركي من شأنه أن يجمّد عملياً إجراءات الانضمام التي تقتضي موافقة الأعضاء بالإجماع، لإطلاق المرحلة التمهيدية التي ينتظر أن تدوم سنة كاملة، تكون الدولة المرشحة خلالها تحت المظلة الدفاعية للحلف. ويذكر أن تركيا كانت حتى الآن تؤيد انضمام أعضاء جدد إلى الحلف؛ خصوصاً في الفترة الأخيرة عندما انضمت إليه بلدان تربطها معها علاقات وثيقة، مثل ألبانيا ومقدونيا الشمالية.
معظم القراءات الأوروبية لهذا الموقف التركي ذهبت إلى اعتباره مناورة من أنقرة، للحصول على تنازلات من بعض البلدان وتسليمها بعض المعارضين الذين تطالب بهم، وأيضاً لرفع الحظر الذي فرضته بعض الدول، مثل الولايات المتحدة والسويد، في السنوات الأخيرة، على تزويد تركيا بالأسلحة والتكنولوجيا الحربية المتطورة.
لكن تصريحات إردوغان قد لا تكون بعيدة عن المساعي التي تبذل على أعلى المستويات، لفتح ثغرة في جدار الحرب في أوكرانيا التي تراوح مكانها منذ أيام وتهدد بالخروج عن المسار التقليدي، أمام الانتكاسات التي تواجه القوات الروسية وعجزها عن تحقيق اختراقات ميدانية.
إلى جانب ذلك، بدا أن موسكو «خففت» أمس من حدّة تحذيراتها لفنلندا والسويد؛ حيث صرّح نائب وزير الخارجية ألكسندر غروشكو، بأن الكرملين ليست لديه «نيات عدوانية» تجاه هذين البلدين في حال قررا الانضمام إلى الحلف الأطلسي؛ مضيفاً أن موسكو ستردّ بالشكل المناسب إذا نشر الحلف ترسانته النووية على الحدود مع روسيا.
وكانت لافتة أمس المكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس الفنلندي ساولي نينستو مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، حول احتمال انضمام فنلندا إلى الحلف الأطلسي، بينما قال مصدر أوروبي مطّلع إن اتصالات تجري منذ أيام على أرفع المستويات بين واشنطن وبكين وبروكسل وبعض العواصم الأوروبية الكبرى، بمشاركة الأمين العام للأمم المتحدة والفاتيكان، للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، يتيح فتح المعابر الإنسانية، وتنفيس الاحتقان الذي تراكم نتيجة مراوحة العمليات العسكرية في مكانها على معظم الجبهات، وربما التمهيد للعودة إلى طاولة المفاوضات تحت مظلّة دولية.


مقالات ذات صلة

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

العالم أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز) p-circle

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

قالت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها يستقبل رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في محطة للقطارات بكييف اليوم (رويترز) p-circle

مسؤولون أوروبيون يزورون كييف في يوم الاستقلال

قال وزير الخارجية ​الأوكراني أندري سيبيها إن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ‌ورئيس ‌وزراء بريطانيا ​آندي ‌بيرنهام ⁠وصلا، ​اليوم الاثنين، ⁠إلى العاصمة كييف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رجال الإنقاذ في موقع مبنى سكني تعرض لهجوم صاروخي روسي في خاركيف (رويترز) p-circle

مقتل 3 في هجوم روسي بالقرب من خاركيف في شمال شرق أوكرانيا

قال حاكم منطقة خاركيف الأوكرانية، في وقت متأخر من مساء الأحد، إن هجوماً روسياً على ضواحي مدينة خاركيف في شمال شرق أوكرانيا أسفر عن مقتل 3 أشخاص.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس ​الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (قناته عبر تلغرام) p-circle

زيلينسكي: بوتين سيجند 300 ألف جندي إضافي بعد انتخابات سبتمبر

قال الرئيس ​فولوديمير زيلينسكي إن أوكرانيا تعتقد أن روسيا تخطط لتعبئة ‌300 ألف ​جندي إضافي لدعم جهودها ​الحربية بعد الانتخابات البرلمانية المقررة في سبتمبر.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا ​الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في طريقه لزيارة كاتدرائية الكرملين في موسكو (الكرملين) p-circle

بوتين: أوكرانيا «فتحت على نفسها أبواب الجحيم» بقصف أهداف اقتصادية

قال ​الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ‌في تصريحات ‌نشرت ​اليوم ‌السبت، إن ​أوكرانيا «فتحت على نفسها أبواب الجحيم» بغاراتها ‌على ‌أهداف ​اقتصادية ‌روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.