«اجتماع مراكش» يجدد الالتزام بالقضاء التام على «داعش»

وزير خارجية المغرب يعتبر الانفصالية والإرهاب وجهين لعملة واحدة

الأمير فيصل بن فرحان وناصر بوريطة خلال لقاء أمس في مراكش (أ.ف.ب)
الأمير فيصل بن فرحان وناصر بوريطة خلال لقاء أمس في مراكش (أ.ف.ب)
TT

«اجتماع مراكش» يجدد الالتزام بالقضاء التام على «داعش»

الأمير فيصل بن فرحان وناصر بوريطة خلال لقاء أمس في مراكش (أ.ف.ب)
الأمير فيصل بن فرحان وناصر بوريطة خلال لقاء أمس في مراكش (أ.ف.ب)

استعرض الاجتماع الأول للتحالف العالمي ضد «داعش» في أفريقيا، الذي التأم أمس في مدينة مراكش المغربية، بدعوة مشتركة من وزيري خارجية المغرب وأميركا ناصر بوريطة وأنتوني بلينكن، الذي تغيب بسبب إصابته بـ«كورونا»، المبادرات المتعلقة بجهود ضمان الاستقرار في المناطق التي تأثرت في السابق بهجمات هذا التنظيم الإرهابي، وذلك في مجال التواصل الاستراتيجي في مواجهة الدعاية إلى التطرف ومكافحة المقاتلين الإرهابيين الأجانب. شارك في الاجتماع 84 دولة ومنظمة دولية، و42 وزير خارجية. وتوقف المراقبون أمام هذا العدد الكبير من الدول والهيئات المشاركة في اجتماع مراكش، الذي انعقد بتزامن مع زيارة وزير خارجية روسيا للجزائر. وأبرز وزير خارجية المغرب ناصر بوريطة، الروابط الخبيثة القائمة بين الإرهاب والانفصالية، معتبراً أنهما يشكلان «وجهين لعملة واحدة».
وقال بوريطة، في كلمته الافتتاحية للاجتماع الوزاري: «الانفصالية والإرهاب غالباً ما يكونان وجهين لعملة واحدة... نزعة مثيرة للقلق، تطورت من دون أن تسترعي الانتباه اللازم، وهي الصلة بين الإرهاب والانفصالية... التواطؤ على سيادة واستقرار الدول، بالإضافة إلى تضافر الوسائل المالية والتكتيكية والعملية، يفضي إلى إفراز تحالف موضوعي بين الجماعات الإرهابية ونظيرتها الانفصالية». ودعا بوريطة، باسم بلاده، إلى ردّ متعدد الأطراف في مواجهة التهديدات الإرهابية العالمية. وأوضح بوريطة أن «المغرب أمام التهديدات العالمية كالإرهاب، ما فتئ يدعو إلى ردّ متعدد الأطراف، يعزز التضامن والأخذ بزمام الأمور والإدماج، من خلال تقاسم المعلومات، وتعزيز القدرات وتكوين رجال الدين». وأبرز الوزير المغربي أن الرئاسة المشتركة المغربية لهذا الاجتماع الأول للتحالف العالمي ضد «داعش» في أفريقيا «توفر أرضية إضافية للمملكة من أجل تقاسم التجارب المستخلصة من استراتيجيتها الشاملة والمندمجة لمحاربة الإرهاب، التي تمت بلورتها، تحت القيادة المتبصرة للملك محمد السادس».

مشاركون في الاجتماع الوزاري للتحالف ضد «تنظيم داعش» في مراكش أمس (أ.ف.ب)

وأشار بوريطة إلى أن افتتاح مكتب برنامج محاربة الإرهاب والتكوين في أفريقيا التابع لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب بالرباط «يمنح آفاقاً يمكن أن تساهم أكثر في جهود تعزيز قدرات التحالف»، مضيفاً أن هذا المكتب الأممي «يشكل صرحاً جديداً في احتواء الإرهاب في أفريقيا، لكونه يقترح برامج لتقوية قدرات بلدان القارة في عدد من المجالات الأساسية».
وبعدما ذكّر بأنه ستحل بعد بضعة أيام الذكرى الحزينة للهجمات الإرهابية بمدينة الدار البيضاء في 16 مايو (أيار) 2003، قال بوريطة إن المملكة المغربية وضعت منذ هذه الأحداث التي جرت فوق أرضها، وضد شعبها، «استراتيجية فعالة، متعددة الأبعاد وشاملة لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، مكنت المغرب، من بين إنجازات أخرى، من تفكيك أزيد من 210 خلايا إرهابية منذ سنة 2002».
وأكد أن الممارسات الجيدة التي تم وضعها من قبل أجهزة الأمن المغربية، وكذا المقاربة الاستثنائية التي اعتمدتها المملكة في مجال محاربة التطرف، توفر أيضاً تجربة مشهوداً لها بالنجاعة «بفضل التزامنا على المدى الطويل مع البلدان الأفريقية الشقيقة التي تواجه تنامي التهديد الإرهابي».
وأبرز بوريطة أن هذه المقاربة تعكس قناعة عميقة بقدرات أفريقيا على عكس الاتجاه، كما أكد على ذلك الملك محمد السادس أمام القمة الـ29 للاتحاد الأفريقي حين قال: «لقد كنا دائماً واثقين بأن أفريقيا تستطيع أن تحول التحديات التي تواجهها إلى رصيد حقيقي من التقدم والاستقرار».

بوريطة وفيكتوريا نولاند خلال مؤتمر صحافي في ختام اجتماعات مراكش أمس (إ.ب.أ)

- التزام أميركي
نائبة وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية، فيكتوريا نولاند، أكدت أن أعضاء التحالف الدولي ضد «داعش» ملتزمون بضمان القضاء التام على «داعش» في العراق وسوريا، وكذا على مستوى القارة الأفريقية، والعالم كله. وقالت نولاند: «نتقاسم التزاماً مشتركاً بضمان القضاء التام على (داعش) في العراق وسوريا، وكذا على مستوى القارة الأفريقية، والعالم كله»، مشيرة إلى أن عمل التحالف يشمل تحرير الأراضي الخاضعة لسيطرة «داعش» في العراق وسوريا وتحديد مناطق العالم التي قد تشكل أرضاً خصبة لانتشار الجماعات الإرهابية، ومعالجة الأسباب الجذرية.وأشارت إلى أن المشاركين سينكبون في هذا الاجتماع على تقييم عمل التحالف وأعضائه خلال السنة الماضية في العراق وسوريا والقارة الأفريقية ومنطقة أفغانستان، فضلاً عن تحديد الهفوات التي يتعين تلافيها. وحذرت نولاند من أنه «على مدى السنوات القليلة الماضية، تم إضعاف (داعش) إلى حد كبير في العراق وسوريا، غير أنها لا تزال تشكل تهديداً، وتتحين الفرص من أجل إعادة بناء نفسها»، داعية إلى التزام اليقظة في مواجهة التهديد الذي تشكله باستمرار في جميع أنحاء العالم، ولا سيما القارة الأفريقية.
وذكّرت بأنه انطلاقاً من دول الساحل؛ حيث ارتفع عدد الاعتداءات الإرهابية بنسبة 43 في المائة خلال الفترة 2018 – 2021، وصولاً إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، «سجلنا نحو 500 اعتداء إرهابي لـ(داعش) في عام 2021، أسفرت عن مقتل أكثر من 2900 شخص بالقارة الأفريقية»، مضيفة أن «داعش» وباقي الجماعات الإرهابية عززت نفوذها وقدراتها في منطقة الساحل، فيما تهدد «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لـ«تنظيم القاعدة» دول الساحل في غرب القارة. وبعد أن ذكّرت بالجهود التي تبذلها الولايات المتحدة بالتنسيق مع شركائها في غرب أفريقيا لمواجهة التحديات التي ساهمت في تكاثر هذه الجماعات، أشارت الدبلوماسية الأميركية إلى أن حكومة بلادها تعتزم تعبئة دعم يقدر بـ119 مليون دولار لصالح أفريقيا، جنوب الصحراء، من أجل تحسين قدرات قوات النظام المدني والنظام القضائي، بهدف القبض على الإرهابيين ومقاضاتهم وإدانتهم في جميع أنحاء القارة.
وفي مؤتمر صحافي مشترك مع نولاند بعد الاجتماع، أكد وزير خارجية المغرب أنه يوجد 27 كياناً إرهابياً متمركزاً في القارة على قائمة عقوبات مجلس الأمن للأمم المتحدة.
وقال بوريطة: «لاحظنا تطور التكتيكات الإرهابية من خلال زيادة استخدام الطائرات بدون طيار لأغراض الاستطلاع والهجوم، وكذلك استخدام التكنولوجيات الجديدة للقيام بعمليات التمويل، مثل استعمال العملات المشفرة. يضاف إلى ذلك تأثير الإرهاب على التنمية. حيث بلغ الأثر الاقتصادي للإرهاب على القارة خلال العقد الماضي 171 مليار دولار، ما كان له تأثير مباشر على الاستقرار السياسي والاجتماعي للدول الأفريقية».
- أهمية جهود المدنيين
أكد البيان الصادر عن الاجتماع الوزاري أهمية الجهود التي يقودها المدنيون، باعتبارها حجر الزاوية للموجة التالية من حملة إلحاق الهزيمة بـ«داعش»؛ والالتزام القوي بمراعاة تطور التهديد الذي يشكله «داعش» في أجزاء أخرى من العالم، وفي أفريقيا خصوصاً.
وأشار البيان إلى أنه جرى الإقرار بأن أي حل دائم لوقف انتشار «داعش» في أفريقيا سيعتمد على السلطات الوطنية، وكذلك الجهود والمبادرات دون الإقليمية والإقليمية في القارة، وأن التحالف سيظل مدفوعاً بجهود المدنيين من خلال أعضائه الأفارقة، ومعهم، تماشياً مع مبدأ التملك، وبما يتناسب والاحتياجات الخاصة للدول الأفريقية. وجدد المشاركون في الاجتماع الالتزام على المستوى العالمي تجاه الناجين وأسر ضحايا «داعش» من خلال محاسبة قادة ومرتكبي هذه المجموعة والجماعات التابعة لها. لكن البيان أشار إلى أنه رغم هذا التصميم القوي «لم نهزم بشكل كامل (داعش) وخطرها في جميع أنحاء العالم». وكان وزير الخارجية المغربي أجرى أول من أمس (الثلاثاء) محادثة هاتفية مع وزير الخارجية الأميركي. وخلال هذه المحادثة الهاتفية، أعرب بلينكن عن شكره للمغرب على احتضان الاجتماع الوزاري للتحالف الدولي ضد «داعش». كما أشاد بانخراط المغرب في مكافحة الإرهاب، ودور المملكة في النهوض بالأمن والاستقرار الإقليميين.


مقالات ذات صلة

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

المشرق العربي قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على المعتقلات وتتمسك بالتطبيق الكامل لمضمون الاتفاق بين دمشق و«قسد».

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا أفراد من الشرطة الهولندية في أمستردام (أرشيفية - إ.ب.أ)

هولندا توقيف 15 شخصاً بشبهة الدعاية لتنظيم «داعش»

أعلنت الشرطة الهولندية، الثلاثاء، توقيف 15 شخصاً بشبهة الدعاية لتنظيم «داعش» على تطبيق «تيك توك»، واتهمتهم بمحاولة «تحريض الآخرين على ارتكاب جرائم إرهابية».

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
المشرق العربي قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

تحقيقات العراق مع سجناء «داعش» بدأت «من الصفر»

شدد رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، الثلاثاء، على أن قرار نقل عناصر تنظيم «داعش» المحتجزين من سوريا إلى العراق جاء «بقرار سيادي».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مركبات عسكرية أميركية ترافق حافلات تنقل معتقلي تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق في مدينة القامشلي السورية - 8 فبراير 2026 (رويترز)

السوداني: نقل سجناء «داعش» من سوريا جاء بقرار عراقي

جدد رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، اليوم (الثلاثاء)، موقف العراق وحرصه على أمن ووحدة الأراضي السورية واستقرارها.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية قافلة تحمل عناصر من «داعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

أنقرة: لا انسحاب عسكرياً من سوريا بعد

أكدت تركيا أن سحب قواتها من سوريا ليس مطروحاً، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الموقّع بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.