أوروبا تندد بـ«ابتزاز الغاز» وتسارع لتعويض المتضررين

رفضت الرضوخ لشرط موسكو الدفع بالروبل

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين
TT

أوروبا تندد بـ«ابتزاز الغاز» وتسارع لتعويض المتضررين

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين

لم تتردد رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين، أمس، في الخروج عن القاموس الدبلوماسي المعهود، واستخدمت عبارة «ابتزاز» لتصف القرار الروسي بقطع إمدادات الغاز عن بولندا وبلغاريا، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي كان استعد لمثل هذا الاحتمال بوضع خطة طوارئ وطنية للبلدان المتضررة، وتعهد من الدول الأعضاء بالتضامن معها.
وقال المسؤولون في المفوضية إن قرار موسكو يؤكد تصميم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استخدام إمدادات الطاقة كوسيلة أخرى في حربه ضد أوكرانيا والدول التي تقدم لها الدعم للدفاع عن نفسها. ويخشى المسؤولون الأوروبيون أن هذا القرار الروسي ستليه قرارات أخرى مماثلة ضد الدول الأوروبية المعنية مباشرة بأنابيب الإمدادات الروسية، وذلك بهدف شق وحدة الصف الأوروبي التي بعد تراصها في الأسابيع الأولى من الحرب بدأت تظهر عليها بوادر التشقق مع اتجاه النزاع العسكري إلى حرب على الطاقة بين روسيا وأوروبا.
وكانت الذريعة التي لجأت إليها شركة «غازبروم» لقطع إمدادات الغاز عن بولندا وبلغاريا هي امتناع هذين البلدين عن سداد فاتورة الطاقة بالعملة الروسية، وذلك بهدف الالتفاف على العقوبات المالية الأوروبية التي كانت سبباً رئيسياً مباشراً في خفض قيمة الروبل ومنع موسكو من التصرف بجزء كبير من احتياطياتها بالعملات الصعبة في الخارج.

ويذكر أن بلدان الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في مجموعة الدول الصناعية السبع كانت رفضت الرضوخ للضغوط الروسية، واستمرت في سداد فواتير الطاقة الروسية باليورو أو الدولار الأميركي كما هو ملحوظ في العقود المبرمة مع غازبروم. وكانت موسكو عرضت، كبديل، فتح حساب بالروبل في مصرف غازبروم، الذي لم يخضع للعقوبات الغربية، لإيداع المدفوعات بالروبل مقابل إمدادات الطاقة. وفيما تؤكد أوساط المفوضية أنها لا تملك معلومات عن أي دولة في الاتحاد قبلت سداد فاتورة الطاقة الروسية بالروبل، تقول مصادر الشركة الروسية إن أربعة بلدان أعضاء في الاتحاد تجاوبت مع طلب موسكو، لكنها لم تكشف عن هويتها. وكانت النمسا، التي أشارت بعض الجهات أنها واحدة من هذه البلدان الأربعة، نفت الأنباء عن قبولها المطلب الروسي في تصريحات أمس للمستشار النمساوي كارل نيهامر، قال فيها: «قبل أن تنتشر الأنباء الكاذبة التي تروج لها البروباغاندا الروسية، أود التأكيد أن شركة الطاقة النمساوية OMV ستواصل سداد إمدادات الغاز الروسي باليورو».
وتجدر الإشارة إلى أن بولندا تعتمد على صادرات الغاز الروسي لسد احتياجاتها بنسبة 50 في المائة، فيما تعتمد عليها بلغاريا بنسبة 75 في المائة. وفيما أكدت أمس رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين أن الدول الأوروبية ستتصرف بتضامن تام مع الدول المتضررة جراء هذا التحدي الروسي الجديد، قال نائب وزير الخارجية البولندي إن بلاده لم تفاجأ بقرار قطع إمدادات الغاز الروسي، وإنها كانت تستعد لذلك منذ أكثر من عامين. وأضاف «تعرضنا للانتقاد من شركائنا في الاتحاد بسبب خطط تنويع مصادر إمدادات الطاقة، لكن تبين اليوم أننا كنا على صواب ونحن على استعداد لتقاسم خبرتنا مع الجيران».
وبعد ساعات من إعلان القرار الروسي بقطع إمدادات الغاز عن بولندا وبلغاريا، اجتمع أمس في بروكسل «فريق تنسيق الغاز» الأوروبي الذي يضم الهيئات الناظمة لقطاع الطاقة في بلدان الاتحاد الأوروبي، وممثلين عن القطاع الصناعي وجمعيات المستهلكين، بهدف توحيد الاستجابة إزاء التهديدات الروسية وتحديد سبل مساعدة الدول المتضررة من قرار قطع الإمدادات. وأفادت مصادر المفوضية بأن آلية التضامن بين البلدان الأعضاء أصبحت نافذة بعد ساعات من إعلان القرار الروسي، وأن كمية الغاز التي تصل بولندا من ألمانيا عبر أنبوب «يمال - أوروبا» تضاعفت خمس مرات أمس الأربعاء، فيما أعلنت الحكومة البولندية أن بوسعها تعويض الغاز الروسي بالاستيراد من النرويج والولايات المتحدة وقطر.
وتجدر الإشارة إلى أن المفوضية الأوروبية كانت حددت أواخر العام الماضي مجموعات الدول المرشحة للتعرض لصعوبات يمكن أن تنجم عن وقف إمدادات الطاقة أو خفضها، وجاءت بولندا وبلغاريا في طليعتها، تلتها النمسا وألمانيا وإيطاليا واليونان ورومانيا، بحيث إن هذه الأخيرة قد تكون المستهدفة في المرحلة الثانية من القرار المتوقع بقطع إمدادات الغاز الروسي. وصرحت وزيرة البيئة البولندية آنا موسكفا أن مخزون الغاز في بلادها يقارب 80 في المائة، وأنه لا توجد حاجة في الوقت الراهن للبحث عن مصادر أخرى للإمدادات، مشيرة إلى أن بولندا لن تعاني من نقص في الغاز، وأنه بإمكانها أيضاً الحصول على كميات إضافية من الأنابيب التي تمر في الجمهورية التشيكية وليتوانيا. من جهته، قال رئيس الوزراء البلغاري كيريل بتكوف إن القرار الروسي بقطع إمدادات الغاز هو «ابتزاز غير مقبول وانتهاك للعقود الموقعة»، مؤكداً أن بلاده «لن ترضخ لهذا الابتزاز».
وكان «فريق تنسيق الغاز» الأوروبي ناقش في اجتماعه الأخير نهاية الشهر الماضي التهديدات الناشئة عن طلب موسكو سداد فواتير الغاز بالروبل، وشدد على ضرورة الاستمرار في السداد باليورو أو الدولار الأميركي، لأن الرضوخ لمطلب موسكو يوازي تعديل العقد من طرف واحد من دون موافقة الطرف الآخر. ورغم أن الفريق كان سلم يومها بحتمية قرار القطع في حال استمرار المعارك وعدم الرضوخ لشروط موسكو، فضل عدم الإيحاء بذلك منعاً لارتفاع أسعار الطاقة الذي تستفيد منه روسيا.
وبات من المؤكد إثر هذا التطور الأخير أن «حرب الطاقة» بين روسيا وأوروبا تتجه إلى المزيد من التصعيد، بعد أن كان الطرفان يكتفيان حتى الآن بتوجيه الضربات لإيقاع أكبر ضرر ممكن لدى الطرف الآخر والتخفيف قدر الإمكان من الأضرار الذاتية. ويذكر أن ألمانيا كانت قررت تجميد أنبوب الغاز «نوردستريم 2» فور بداية الاجتياح الروسي، فيما حذرت روسيا من أنها قد تلجأ إلى وقف الإمدادات عبر «نوردستريم 1»، لكنها حتى الآن لم تفعل ذلك. وفي تحذير مباشر، دعا رئيس البرلمان الروسي «دوما»، أمس، إلى «قطع إمدادات الغاز عن البلدان التي رفضت الاستفادة من العرض الذي قدمه الرئيس فلاديمير بوتين».
وكان الاتحاد الأوروبي قرر مطلع هذا الشهر وقف جميع الواردات الروسية من الفحم الحجري التي توازي قيمتها 4 مليارات يورو سنوياً، وهي تدرس منذ فترة قراراً بفرض حظر جزئي وتدريجي على صادرات النفط الروسي ضمن الحزمة السادسة من العقوبات التي ما زالت موضع تجاذبات داخل النادي الأوروبي. وتجدر الإشارة إلى أن صادرات النفط تشكل المورد الرئيسي بالعملات الصعبة لروسيا بمقدار 99 مليار يورو سنوياً. وتعارض عدة بلدان أوروبية، في طليعتها ألمانيا، حظر النفط الروسي خشية لجوء موسكو إلى الانتقام بقطع الغاز الذي تعتمد عليه العديد من الصناعات الأوروبية الكبرى.
ويميل الخبراء الأوروبيون إلى الاعتقاد بأن دوامة التصعيد بين الطرفين باتت محسومة، وأن قطع أواصر الطاقة بين أوروبا وروسيا سيحصل قبل الموعد المتوقع الذي كانت المفوضية الأوروبية حددته أواخر العام 2026. ويعتبر الخبير في شؤون الطاقة، ويليام كوبولز، القرار الروسي في جوهره ليس سوى تلاعب في السوق العالمية للغاز لرفع الأسعار، إذ إن العقود الآجلة الموقعة مع روسيا مربوطة بأسعار الغاز الطبيعي في السوق الهولندية المعتمدة مرجعاً تجارياً افتراضياً لهذه المادة. وكان سعر الغاز قد سجل ارتفاعاً أمس بنسبة 10 في المائة.


مقالات ذات صلة

موسكو تتمسك بتوافقات «قمة ألاسكا» وتعدّها أساس التسوية الأوكرانية

أوروبا أضرار في شارع جراء مسيَّرة روسية في أوديسا (أوكرانيا) الاثنين (رويترز)

موسكو تتمسك بتوافقات «قمة ألاسكا» وتعدّها أساس التسوية الأوكرانية

أكد الكرملين أن التوافقات التي تم التوصل إليها بين الرئيسين، فلاديمير بوتين ودونالد ترمب، خلال قمتهما الوحيدة في ألاسكا في أغسطس (آب) من العام الماضي «جوهرية».

رائد جبر (موسكو)
أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف نائب رئيس المخابرات العسكرية الروسية (لقطة من فيديو لوزارة الدفاع الروسية-أ.ب) p-circle

روسيا: محاولة اغتيال الجنرال ‌أليكسييف جرت بأوامر من أوكرانيا

نقلت وكالة ​أنباء «إنترفاكس» الروسية عن جهاز الأمن الاتحادي القول إن محاولة اغتيال ‌الجنرال فلاديمير ‌أليكسييف ‌جرت بأوامر ​من ‌جهاز الأمن الأوكراني.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أواكرنيون نجوا من قصف روسي على حي في كراماتورسك غرب أوكرانيا (إ.ب.أ)

ثلاثة قتلى في غارات روسية ليلية على أوكرانيا

قُتل ثلاثة أشخاص جراء غارات جوية روسية خلال الليلة الماضية على منطقتي خاركيف في شرق أوكرانيا وأوديسا في جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)

زيلينسكي يدعو لتشديد الضغط على روسيا بعد إطلاقها 2000 مُسيّرة خلال أسبوع

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الأحد، إن روسيا أطلقت أكثر من 2000 طائرة مُسيّرة و116 صاروخاً على أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي فقط.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية («أ.ب» نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية) p-circle

بوتين يشكر رئيس الإمارات على اعتقال مشتبه به في إصابة جنرال روسي

أعلنت روسيا، الأحد، أن الرجل الذي يُشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.