هل يصمد الاتحاد الأوروبي بوجه «العاصفة الأوكرانية»؟

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقر المفوضية في بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقر المفوضية في بروكسل (رويترز)
TT

هل يصمد الاتحاد الأوروبي بوجه «العاصفة الأوكرانية»؟

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقر المفوضية في بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقر المفوضية في بروكسل (رويترز)

هي حرب عالمية تدور على الأرض الأوكرانية. لا خلاف على ذلك. والأرض الأوكرانية جزء من أوروبا التي لا تكاد تجد سبيلا للاستقرار حتى تهب عليها عاصفة جديدة. هكذا هي الحال منذ القرون الوسطى على الأقل...
بعد الحرب العالمية الثانية «اندلعت» الحرب الباردة، وفي خضمها عمد الأوروبيون الغربيون إلى إنشاء السوق الأوروبية المشتركة التي تحولت إلى الاتحاد الأوروبي، بهدف طيّ صفحة الحروب المدمّرة وفتح صفحة السلام والازدهار... تلك كانت رؤية الألماني كونراد أديناور والفرنسي روبير شومان والإيطالي ألتشيدي دي غاسبيري وسواهم من «الآباء المؤسسين».
بعدما وضعت الحرب الباردة أوزارها، توسع الاتحاد ليضم، خصوصاً، دولاً خرجت من المعسكر الشرقي، على أمل ترسيخ الاستقرار والازدهار. (لا ننسى الإشارة إلى أن بريطانيا التي تأخرت في الدخول، مع أنها دولة غربية كبرى، بكّرت في الخروج).
اليوم يخضع الاتحاد الأوروبي لامتحان كبير ملفوحاً بنيران الحرب الأوكرانية، لأن هذه ليست مجرد أزمة كبيرة ستجد لها حلاً في غضون مهلة معقولة. ومن تداعياتها المؤكدة ضرورة التفكير في تغيير بعيد المدى لمشروع التكامل الأوروبي، خصوصاً أن مواقف اللاعبين الكبار وإمدادت الأسلحة السخية التي «تهطل» على أوكرانيا كالسيل المدرار تنذر بأن الحرب ستطول، وبالتالي لن يستطيع الاتحاد الأوروبي العودة إلى العمل كالمعتاد.
*تصدّعات
صحيح أن الاتحاد تحرك بسرعة في بداية الحرب، والتقى زعماؤه على فرض العقوبات على روسيا ودعم كييف، وتلقّف اللاجئين الأوكرانيين. لكن على الرغم من هذه الوحدة بدأت تصدعات واضحة تظهر، وبمرور الوقت سوف تتعمق الانقسامات. وعندما تنتهي الحرب سيكون على الاتحاد الأوروبي ابتكار سياسة خارجية وأمنية ودفاعية قوية، والبحث عن أسباب وعناصر تحمي هذا البنيان، أقلّه من الآثار الاقتصادية المدمّرة والديون الهائلة التي ستتراكم على أكثرية دوله السبع والعشرين.
ومن التصدّعات الظاهرة، نظرة إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا وسلوفاكيا وتشيكيا، إلى الغزو الروسي لأوكرانيا. فبالنسبة إلى هذه الدول يتعلق الأمر بإعادة رسم خريطة ما بعد الحرب الباردة. وحكامها لا يريدون أن يكونوا تحت وصاية موسكو مجدداً. لذا نراهم يدعمون طلب أوكرانيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ولطالما حذرت هذه الدول شركاءها في أوروبا الغربية من خطأ الاعتماد على النفط والغاز الروسيين، وهي تذكّرهم بذلك الآن.

المستشار الألماني أولاف شولتس (إ. ب. أ)
لكن كيف يقنع هؤلاء ألمانيا – الدولة الصناعية الكبرى – بالاستغناء عن الغاز الروسي السهل الوصول والأقل كلفة؟ والواضح أن هذا الواقع الاقتصادي ينعكس خلافاً سياسياً بين الدول يترجَم حالياً بطبيعة الدعم العسكري الذي يجب تقديمه لأوكرانيا. لذا نرى المستشار الألماني أولاف شولتس متحفظاً جداً عن تقديم أسلحة هجومية بدعوى أن ذلك سيؤدي إلى مزيد من التصعيد، فيما تقدّم دول أوروبية شرقية إلى كييف دبابات وصواريخ هجومية وحتى مقاتلات نفاثة ضمن حدود قدراتها...
وإذا تحدثنا عن إيطاليا مثلاً، نرى رئيس حكومتها ماريو دراغي، وهو الخبير الاقتصادي المحنّك، داعماً كلامياً كبيراً لأوكرانيا، لكنه في الحقيقة يتخوف كثيراً من الآثار الاقتصادية لهذه الحرب. فإذا قرر البنك المركزي الأوروبي – على سبيل المثال – رفع الفوائد لجماً للتضخم المتصاعد، كيف ستتمكن إيطاليا من تحمل أعباء دينها العام الذي يفوق 2500 مليار يورو تمثل نحو 140 % من ناتجها المحلي الإجمالي؟
وإذا سقطت إيطاليا في دوامة أزمة اقتصادية ومالية هل سيكون الاتحاد الأوروبي في منأى عن شظاياها، وتحديداً هل ستسلم عملته الموحّدة اليورو؟
رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي (إ.ب.أ)
*فرنسا والقيادة
لا يمكننا هنا إلا أن نتحدث عن فرنسا، الدعامة الثانية الكبرى للاتحاد الأوروبي بعد ألمانيا. فها هو إيمانويل ماكرون يبقى في قصر الإليزيه لخمس سنوات أخرى. إلا أن هذا النصير الكبير لفكرة التكامل الأوروبي يطل من شرفته على مشهد مختلف عما كان عليه في خمسيته الأولى. فالقارة العجوز تمر بتحوّل جذري في وقائعها الجيوسياسية يجعل مواقف الشركاء الأوروبيين تقف عائقاً دون أفكار الرئيس الفرنسي ورؤاه التي حددها في «خطاب السوربون» بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية عام 2017.
السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن هو: كيف سيتعامل ماكرون مع الحرب الأوكرانية التي تدل كل المؤشرات على أنها ستطول؟ وماذا سيكون موقف الرجل من السياسة الأمنية والدفاعية للاتحاد الأوروبي وهو الذي لطالما دعا إلى إنشاء جيش أوروبي يتيح تخفيف الاعتماد على حلف شمال الأطلسي (ناتو)، فيما نرى الآن الحلف يستعيد «بريقه» ويوسع حضوره بالعديد والعتاد في مختلف الدول الأوروبية المجاورة لروسيا؟ بل إنه يستعد لضمَ السويد وفنلندا إلى حضنه بعد طول انتظار، وهي خطوة سيكون لها وقع زلزالي يستحق بحثاً مستقلاً ومعمقاً.
كذلك يجدر السؤال: كيف سيتصدى ماكرون لأزمة الطاقة التي ستقع حتماً بدءاً من الخريف المقبل مع توقف إمدادات الغاز الروسي، سواء بقرار من موسكو أو من خصومها؟ واستطراداً كيف ستجد فرنسا، بالتكافل والتضامن مع ألمانيا، حلولاً للأزمات الاقتصادية التي نشأت وستتفاقم بالتأكيد في ظل الحرب الأوكرانية، لا سيما في الدول الأوروبية غير المقتدرة؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ)
وهنا نورد مثالاً غير حصري: قدّرت «وحدة الإيكونوميست للمعلومات» أن الناتج المحلي الإجمالي لأوكرانيا البالغ 164 مليار دولار عام 2021 سينخفض إلى النصف تقريبًا هذا العام. فهل سيترك الاتحاد الأوروبي الدولة الطامحة إلى نيل عضويته تتخبط في أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة عندما تنتهي الحرب؟
وعندما نتحدث عن نهاية الحرب التي ستأتي يوماً ما، نسأل ايضاً: كيف سيتعامل الاتحاد الأوروبي مع روسيا بوجود بوتين على رأسها أو بوجود سواه؟ هل ستحصل مصالحة؟ تباعد؟ قطيعة؟...
في ولايته الثانية يجد إيمانويل ماكرون نفسه بحكم الأمر الواقع يمسك بدفة القيادة في الاتحاد الأوروبي، بعدما فقد بتقاعد المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل شريكه القوي في القيادة. فهل سيتمكن من التصدي للقضايا المصيرية ومن معالجة التباينات والخلافات داخل عائلة بروكسل؟
خلاصة القول إن أوروبا برمّتها تدفع ثمن الحرب في أوكرانيا لا هذه وحدها. وكذلك تدفع روسيا ثمناً كبيراً... أما الذين يحاربون بالنظارات فمهمتهم هي الأسهل.


مقالات ذات صلة

أوكرانيا: مقتل أربعة أشخاص في ضربة روسية... وزيلينسكي يبحث تحسين الدفاعات الجوية

أوروبا رجل إطفاء في أحد المواقع التي استُهدفت بقنابل روسية موجهة في سلوفيانسك (د.ب.أ)

أوكرانيا: مقتل أربعة أشخاص في ضربة روسية... وزيلينسكي يبحث تحسين الدفاعات الجوية

قتل أربعة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال في ضربة جوية روسية استهدفت مدينة بوغودوخيف في شرق أوكرانيا، وفق ما أفاد مسؤول أوكراني الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير 2026 (رويترز)

موسكو: الطريق لا يزال طويلاً أمام السلام الأوكراني

هوّن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أوروبا وأوكرانيا، مشيراً إلى أن الطريق لا يزال طويلاً أمام تحقيق.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)

رئيس استخبارات إستونيا: لا يمكن لروسيا مهاجمة «الناتو» هذا العام... لكنها تخطط لتعزيز قواتها

قال رئيس استخبارات إستونيا إن روسيا لا تستطيع شن هجوم على حلف «الناتو» هذا العام، لكنها تخطط لزيادة قواتها بشكل كبير على طول الجناح الشرقي للحلف.

«الشرق الأوسط» (تالين)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ من نظام متعدد باتجاه القوات الروسية بالقرب من بلدة بوكروفسك الواقعة على خط المواجهة بأوكرانيا يوم 9 ديسمبر 2025 (رويترز) p-circle

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن... الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن: الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية، والكرملين لم يحدد موعداً لمحادثات أوكرانيا ويرى أن «الطريق لا تزال طويلة».

إيلي يوسف (واشنطن) «الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي ببروكسل (رويترز)

الاتحاد الأوروبي: سنقترح قائمة بالتنازلات الروسية في إطار اتفاق سلام

قالت كايا كالاس، ​مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إنها ستقترح قائمة بالتنازلات التي ‌على أوروبا ‌مطالبة ⁠روسيا ​بتقديمها لإنهاء ‌الحرب في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».