موسكو توجه «إنذاراً أخيراً» للغرب من مغبة تسليح كييف

التماس في مجلس الدوما لحجز ممتلكات مواطنين غادروا روسيا على خلفية معارضتهم العملية العسكرية في أوكرانيا

شحنات من صواريخ «جافلين» الأميركية لدى إفراغها في مطار كييف في 11 فبراير الماضي قبيل بدء الهجوم الروسي (أ.ف.ب)
شحنات من صواريخ «جافلين» الأميركية لدى إفراغها في مطار كييف في 11 فبراير الماضي قبيل بدء الهجوم الروسي (أ.ف.ب)
TT

موسكو توجه «إنذاراً أخيراً» للغرب من مغبة تسليح كييف

شحنات من صواريخ «جافلين» الأميركية لدى إفراغها في مطار كييف في 11 فبراير الماضي قبيل بدء الهجوم الروسي (أ.ف.ب)
شحنات من صواريخ «جافلين» الأميركية لدى إفراغها في مطار كييف في 11 فبراير الماضي قبيل بدء الهجوم الروسي (أ.ف.ب)

هددت روسيا أمس باستهداف شحنات الأسلحة التي تتدفق على أوكرانيا من الدول الغربية، محذرة من محاولة «إعاقة» عمليتها العسكرية الحالية. وجاء التهديد الروسي الذي وُصف بأنه «الأخير» في وقت أفيد بأن واشنطن تخطط لدعم حكومة كييف بكميات ضخمة من الأسلحة والمعدات العسكرية المتطورة.
وواصل الكرملين، في غضون ذلك، تأكيد التزام موسكو بمسار المفاوضات مع أوكرانيا، رغم الإقرار بالصعوبات التي تواجه هذه العملية. وقال الناطق باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف إن مساعد الرئيس الروسي فلاديمير ميدينسكي (رئيس وفد موسكو إلى المفاوضات) «يعمل بجد مع الجانب الأوكراني، حتى الآن لا يوجد شيء محدد يمكن الإعلان عنه، لكن العمل الشاق يتواصل».
وقال بيسكوف للصحافيين: «يتم الإدلاء ببيانات مع ورود معلومات حول التوصل إلى نتائج معينة. لا يوجد شيء نعلن عنه بعد. يواصل ميدينسكي العمل الشاق للغاية».
وكانت موسكو اتهمت الجانب الأوكراني بالتراجع عن بعض عناصر التفاهم التي تم التوصل إليها في جولات الحوار السابقة، واتهمت الغرب بالتأثير على كييف لعرقلة المفاوضات. وشددت، في الوقت ذاته، على أن جولات الحوار المقبلة لن تتزامن مع وقف مؤقت للعمليات العسكرية كما حصل في السابق. وأشار وزير الخارجية سيرغي لافروف إلى أن «العمل العسكري سوف يتواصل حتى يتم التوصل إلى نتائج نهائية».
وأعلنت كييف من جهتها عن رغبة في مواصلة الحوار مع روسيا رغم الضغوط العسكرية، وأكد مستشار مقرب من الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن الأخير مستعد للقاء نظيره الروسي في أي وقت.
إلى ذلك، نفت رئيسة مجلس الاتحاد (الشيوخ) فالنتينا ماتفينكو صحة معطيات أوكرانية وغربية حول استخدام روسيا أسلحة محرمة بينها مكونات كيماوية في ماريوبول جنوب البلاد في اليومين الماضيين. وقالت إن روسيا «لا تمتلك أصلاً مخزوناً كيماوياً». وزادت أن موسكو «دمرت مخزونات من الأسلحة الكيماوية، والمعلومات المتعلقة باحتمال استخدام مثل هذه الأسلحة في أوكرانيا هي مجرد كذبة».
وزادت أن «هناك محاولات لتشويه سمعة الجيش الروسي وتشويه سمعة روسيا وتكرار مثل هذه الاتهامات المزعومة ضد روسيا هذا بالطبع، مجرد تزييف للحقائق». ووفقاً لتأكيدها، فقد «التزم الاتحاد الروسي بتطبيق تعهدات سابقة، وفي عام 2017 أكملنا التدمير الكامل للأسلحة الكيماوية، على عكس الولايات المتحدة التي لم تدمر أسلحتها الكيماوية حتى الآن».
على صعيد آخر، أعلنت لجنة التحقيقات الروسية أنها تدرس التماساً قدمه نواب في مجلس الدوما بشأن حجز ممتلكات المواطنين الروس الذين غادروا روسيا على خلفية العملية العسكرية في أوكرانيا.
وأكدت المتحدثة باسم لجنة التحقيقات سفيتلانا بترينكو أن «التماس البرلمان بشأن حجز ممتلكات المغادرين لروسيا سيدرس باهتمام من ناحية التشريعات القائمة».
وكان النائب في مجلس الدوما سلطان حمزاييف أعلن أنه توجه إلى رئيس لجنة التحقيقات ألكسندر باستريكين بمقترح وضع آلية قانونية لحجز ممتلكات المواطنين الذين غادروا روسيا، وتم فتح تحقيقات معهم تحت المادة التي تعاقب على نشر «معلومات كاذبة حول القوات المسلحة الروسية».
وكان ملف التعامل مع «الخونة» بحسب الوصف الذي يطلق في روسيا على المواطنين المعارضين للحرب على أوكرانيا، سيطر على النقاشات الداخلية خلال الفترة الأخيرة. وسبق أن أعلن مجلس الدوما عن دراسة مشروع قانون بحرمان «الخونة» من الجنسية الروسية ومصادرة ممتلكاتهم.
تحذير روسي... ومساعدات أميركية
في غضون ذلك، توعدت موسكو دول الغرب بأنها «ستتصدى بشدة» لأي محاولات لإعاقة عمليتها العسكرية في أوكرانيا، مهددة مرة أخرى باستهداف شحنات أسلحة تصل هذا البلد من خارج حدودها.
ونقلت وسائل إعلام روسية عن مصادر قولها إن هذا «ربما يعد الإنذار الأخير».
وفي تأكيد على هذا التوجه، قال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، في مقابلة نشرتها وكالة «تاس» الحكومية، إن موسكو تعتبر أي اتصالات كاملة النطاق مع الولايات المتحدة بخصوص أوكرانيا في الوقت الحالي «عديمة الجدوى»، محملاً واشنطن المسؤولية عن «دعم الأطماع العدائية لنظام كييف بشكل متهور» ومواصلة ضخ أسلحة حديثة إلى أوكرانيا. وزاد الدبلوماسي المسؤول عن ملف الأمن الاستراتيجي في الخارجية الروسية: «مع ذلك، ندفع الأميركيين وغيرهم من دول الغرب إلى إدراك أننا سنتصدى بشدة لأي محاولات لإعاقة عمليتنا العسكرية الخاصة وإلحاق أكبر ضرر ممكن بالقوات الروسية والتشكيلات التابعة لجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين». وأضاف «نحذر من أننا نرى في قوافل الأسلحة التابعة لأميركا وحلف الناتو خلال تحركاتها في الأراضي الأوكرانية أهدافاً عسكرية مشروعة»، مؤكداً أن بلاده ستستهدف أي شحنات تصل إلى الأراضي الأوكرانية.
وفي واشنطن، أفيد بأن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تخطط لتقديم مساعدات عسكرية أخرى بقيمة 750 مليون دولار لأوكرانيا في حربها ضد القوات الروسية. وتشمل التعزيزات العسكرية الأميركية لأوكرانيا عربات همفي المصفحة ومدافع هاوتزر وطائرات دون طيار للدفاع الساحلي ومعدات لحماية الأفراد في حالة وقوع هجوم كيماوي أو بيولوجي أو نووي. بينما تدور مناقشات حول إمكانية توفير طائرات Mi - 17 لأوكرانيا، وهي مروحيات هليكوبتر سوفياتية المنشأ يمكن استخدامها لمهاجمة المركبات الروسية. وترسم هذه التعزيزات العسكرية الأميركية المتزايدة صورة لحرب متطورة توفر فيها لأوكرانيا طائرات دون طيار بحرية توقعاً لقيام روسيا بتكثيف الهجمات البرمائية، في حين أن معدات السلامة البيولوجية والكيميائية والنووية هي إشارة إلى أن الأوكرانيين يخشون أن الروس قد يشنون مثل هذه الهجمات خلال الأيام والأسابيع المقبلة. وستزيد مدافع الهاوتزر من قوة النيران الأوكرانية ضد القوات الروسية من الجو والأرض.
ويقول المسؤولون العسكريون إن هذه المساعدات العسكرية ستثبت أهميتها مع دخول الحرب في أوكرانيا مرحلة حرجة، حيث تعيد روسيا تجميع قواتها في منطقة دونباس الشرقية بأوكرانيا، ويستعد الطرفان لخوض معركة دموية طويلة من أجل السيطرة عليها.
وتضاف هذه المساعدات الجديدة بقيمة 750 مليون دولار إلى مبلغ 1.7 مليار دولار من المساعدات الأمنية التي قدمتها الولايات المتحدة منذ أن شنت روسيا عمليتها العسكرية في أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) الماضي. وقد وافق الكونغرس على مبلغ 13.6 مليار دولار من المساعدات المتعلقة بأوكرانيا كجزء من مشروع قانون تمويل ضخم وقعه الرئيس بايدن ليصبح قانوناً في مارس (آذار) الماضي.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز) p-circle

مسيَّرات أوكرانية تهاجم مصنعاً روسياً لوقود الصواريخ

كشف مسؤول ​في جهاز الأمن الأوكراني، اليوم السبت، عن أن طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت ‌مصنعاً لإنتاج مكونات ‌وقود ‌الصواريخ ⁠في ​منطقة ‌تفير غرب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».