الجزائر وباريس لإطلاق مرحلة جديدة من التهدئة الدبلوماسية

لقاء الوزير نونيز بالرئيس تبون يفتح الباب لعودة سفير فرنسا إلى الجزائر

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر وباريس لإطلاق مرحلة جديدة من التهدئة الدبلوماسية

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

تسارعت خطوات التقارب بين الجزائر وفرنسا في الأسابيع الأخيرة، بما يؤكد وجود إرادة سياسية قوية لطيّ الخلافات التي اندلعت في صيف 2024. كما لوحظ غياب حدّة التصريحات من الجانبين، لتحلّ محلها لغة التهدئة، واستحضار القواسم المشتركة، ما يوحي بأن التطبيع بات وشيكاً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وتلوح في الأفق مؤشرات قوية إلى قرب عودة السفير الفرنسي ستيفان روماتيه إلى الجزائر؛ حيث كشفت تقارير متطابقة نقلتها مجلة «جون أفريك» الفرنسية نصف الشهرية، في آخر عدد لها، عن «عدم ممانعة» الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في عودة الدبلوماسي الفرنسي لممارسة مهامه بالعاصمة الجزائرية.

وقد برز هذا الملف بوضوح خلال زيارة وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، إلى الجزائر يومي 16 و17 فبراير (شباط) الماضي؛ إذ أكد الرئيس تبون خلال محادثات جمعته بالوزير الفرنسي أن السفير روماتيه يمكنه استئناف عمله، حسب التقارير نفسها.

السفير الفرنسي في الجزائر (السفارة)

وفُسر «ترحيب» تبون المفترض بعودة روماتيه بأنه خطوة ملموسة نحو التهدئة، تهدف إلى كسر جمود التوتر الذي طبع علاقات البلدين منذ أن أعلن الإليزيه في يوليو (تموز) 2024، دعمه الصريح لمخطط الحكم الذاتي الخاص بالصحراء تحت السيادة المغربية. وعلى أثرها سحبت الجزائر سفيرها من باريس، ولم يعد إلى منصبه حتى اليوم.

سفير في قلب العاصفة

غاب ستيفان روماتيه عن منصبه منذ أبريل (نيسان) 2025، حين قرر الرئيس إيمانويل ماكرون استدعاءه إلى باريس في ذروة أزمة دبلوماسية حادة، جاءت إثر سلسلة من الأحداث المعقدة، كان أبرزها «قضية خطف اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص»، وقرار الجزائر ترحيل 12 دبلوماسياً فرنسياً، إثر اتهام موظف قنصلي جزائري بباريس بالوقوف وراء عملية الاختطاف، التي لم تُحقق هدفها في النهاية وهو تصفيته، أو على الأقل ترحيله سراً إلى الجزائر.

وزير الداخلية الفرنسي مع عميد مسجد باريس ورئيسة بلدية باريس (مسجد باريس)

وردّت باريس على طرد دبلوماسييها بإجراء مماثل، شمل استدعاء سفيرها وطرد 12 دبلوماسياً جزائرياً. كما زاد تقرير بثته قناة «فرانس 2» من حدّة الخلافات، بعد أن أثار محتواه غضب السلطات الجزائرية التي عدّته مسيئاً.

وبلغت الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وباريس منعطفاً حاداً في الأسبوع الأخير من شهر يناير (كانون الثاني)، بعدما أعلنت «القناة الدولية الجزائرية» الحكومية أن السفير الفرنسي ستيفان روماتيه أصبح «غير مرحب به» في الجزائر، رداً على مشاركته في وثائقي بثه التلفزيون العمومي «فرانس 2»، عدّته السلطات الجزائرية «اعتداءً على مؤسسات الدولة، وتجاوزاً للأعراف الدبلوماسية».

وزير الداخلية الفرنسي خلال إلقاء كلمة في الإفطار الرمضاني السنوي بمسجد باريس الكبير (المسجد)

وتناول التحقيق ما وصفه بـ«حرب خفية» بين البلدين، تقوم على صراع الروايات وتبادل الاتهامات. كما ظهر فيه المعارض أمير بوخرص مهاجماً الرئيس تبون؛ حيث اتهمه بإعطاء الضوء الأخضر لمحاولة خطفه عام 2024 قرب باريس، وهي قضية تقول التحقيقات الفرنسية إنها تورط فيها 8 جزائريين بينهم دبلوماسيان.

وظهر السفير ستيفان روماتيه في التقرير، معتبراً أن البلدين قادران على تجاوز الخلافات، غير أن الجزائر عدّت مشاركته «خطأ جسيماً»، ورأت فيها مؤشراً على دعم من الحكومة الفرنسية لمضمونه.

بوادر الانفراج

وشكّلت زيارة لوران نونيز إلى الجزائر في فبراير (شباط) الماضي نقطة تحول محورية؛ حيث ناقش الوزير الفرنسي مع مسؤولين جزائريين ملفات أمنية وسياسية حساسة، كان من بينها الوضع القانوني والبروتوكولي للسفير.

ويُنظر اليوم إلى «الضوء الأخضر»، الذي منحه الرئيس تبون لعودة روماتيه، بوصفه بادرة حسن نية لترميم جسور الثقة، وفق التقارير نفسها التي استندت إليها «جون أفريك». وفي تقدير متتبعي تطورات الأزمة، ستضع عودة روماتيه، في حال تأكدت، حجر الأساس لمرحلة جديدة من الحوار الدبلوماسي المستقر، وتنهي واحدة من أصعب فترات الفتور بين باريس والجزائر.

وسبق هذا المؤشر الإيجابي، مبادرة لافتة على تحسن تدريجي في العلاقات الثنائية، تمثلت في موافقة فرنسا على اعتماد 9 دبلوماسيين جزائريين جدد، معلنة بذلك عن طي «أزمة تبادل طرد الدبلوماسيين». وتم ذلك في سياق نتائج زيارة نونيز.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وعاد لوران نونيز، الخميس الماضي، إلى العلاقات مع الجزائر بمناسبة حضوره الإفطار السنوي الرمضاني، الذي ينظمه «مسجد باريس الكبير» المموَل جزائرياً، مشيداً في كلمة قرأها، بأهمية الحوار بين باريس والجزائر، منتقداً في الوقت نفسه مواقف سلفه برونو روتايو، الذي تصدّر الأزمة لمدة عام تقريباً، وبعض القوى اليمينية التي تدعو إلى التصعيد مع الجزائر.

وشدد نونيز في خطابه، الذي نشره «مسجد باريس» بموقعه، على أن «الحوار (مع الجزائر) يبقى الخيار الأكثر فاعلية لتجاوز الخلافات»، مشيراً إلى أن زيارته للجزائر ولقاءه رئيسها، أسهم في إعادة إطلاق التعاون بين البلدين في مجالي الأمن والهجرة بعد نحو 18 شهراً من الجمود.

وتطرّق نونيز أيضاً إلى أوضاع المسلمين في فرنسا، مشيراً إلى إحصاء 326 اعتداءً معادياً للمسلمين خلال عام 2025، وذلك بزيادة بلغت نحو 90 في المائة مقارنة بالسنوات السابقة. ومن بين الحوادث التي أثارت صدمة واسعة، أشار إلى مقتل الشاب المالي أبو بكر سيسي داخل مسجد في منطقة غارد بجنوب غربي فرنسا في أبريل 2025، ومقتل التونسي هشام مراوي في منطقة فار بالجنوب الشرقي نهاية مايو (أيار) من العام نفسه، واصفاً مرتكبي هذه الجرائم بأنهم «أعداء للجمهورية».

وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو تصدر الأزمة مع الجزائر (رويترز)

وفي ملف الحجاب، جدّد نونيز رفضه المقترح، الذي تدعمه بعض أحزاب اليمين بمنع القاصرات من ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، قائلاً: «لن أكون الشخص الذي يذهب ليقول للأطفال إن ارتداء الحجاب يُهدد العيش المشترك الجمهوري»، عاداً أن مثل هذه الإجراءات «قد تصرف الانتباه عن التحدي الحقيقي المتمثل في مواجهة التطرف الديني».


مقالات ذات صلة

تحذيرات دولية للجزائر من «نزيف العجز» بعد شطبها من «القائمة الرمادية»

شمال افريقيا نواب جزائريون يبحثون مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)

تحذيرات دولية للجزائر من «نزيف العجز» بعد شطبها من «القائمة الرمادية»

صندوق النقد الدولي يشيد بخروج الجزائر من «القائمة الرمادية» للدول التي تعاني أنظمتها من ثغرات في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا فرز الأصوات في أحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)

«أصوات الموتى» تُشعل الطعون في «تشريعيات» الجزائر

بدأت الطعون في نتائج الانتخابات التشريعية بالجزائر تتقاطر، اليوم (الثلاثاء)، على المحكمة الدستورية، عقب 24 ساعة من إعلان «سلطة الانتخابات» النتائج المؤقتة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا كريم خلفان الرئيس المؤقت للهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات يتحدّث خلال مؤتمر صحافي للإعلان عن نتائج الانتخابات البرلمانية الجزائرية في العاصمة الجزائر - 6 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

«جبهة التحرير الوطني» تتصدر الانتخابات التشريعية في الجزائر

حصلت «جبهة التحرير الوطني» الجزائرية على 90 مقعداً من أصل 407 في الانتخابات التشريعية التي شهدتها الجزائر فيما سجّلت نسبة المشاركة أرقاماً متدنية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع كبار المسؤولين خلال ذكرى الاستقلال (الرئاسة)

تبون وشنقريحة يهاجمان «أعداء الجزائر» ويستعرضان مكاسب التنمية والردع

هاجم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش الفريق أول السعيد شنقريحة «أعداء وخصوم» الجزائر الذين ينكرون ما تحقق من مشاريع خدمية مهمة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية عنتر يحيى يستعد لتدريب الجزائر (أ.ف.ب)

عنتر يحيى يستعد لتدريب الجزائر

ما زال الغموض يحيط بمستقبل المنتخب الجزائري لكرة القدم، بعد 3 أيام من خروجه من كأس العالم 2026، عقب خسارته أمام سويسرا صفر- 2 يوم الجمعة الماضي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الجيش السوداني يستعيد الكرمك الاستراتيجية مع الحدود الإثيوبية

جنود من الجيش السوداني (متداولة)
جنود من الجيش السوداني (متداولة)
TT

الجيش السوداني يستعيد الكرمك الاستراتيجية مع الحدود الإثيوبية

جنود من الجيش السوداني (متداولة)
جنود من الجيش السوداني (متداولة)

استعاد الجيش السوداني، الأربعاء، سيطرته على مدينة الكرمك الاستراتيجية في ولاية النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، قرب الحدود مع إثيوبيا، والتي كانت تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» منذ مارس (آذار) الماضي.

وقال المتحدث باسم الجيش، عاصم عوض، في بيان صحافي نُشر في صفحته الرسمية على «فيسبوك»، «تمكنت القوات المساحة والقوات المساندة من تحرير مدينة الكرمك عنوة واقتدراً، بعد معارك شرسة، خاضتها ضد (قوات الدعم السريع)». وأضاف أن «الدعم السريع» والقوات المتحالفة معها «تكبدت خسائر فادحة في الأرواح، والعتاد».

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأكد البيان «أن حماية المدنيين، والعمل على استعادة الخدمات، وتهيئة الظروف لعودة الحياة، تمثل أولوية قصوى للجيش في المرحلة المقبلة».

وجدد المتحدث باسم الجيش التأكيد على «استمرار معركة الكرامة حتى القضاء على (قوات الدعم السريع) وأعوانها، وتأمين كامل تراب الوطن».

وبثت عناصر من الجيش السوداني مقاطع مصورة تؤكد سيطرتها على مدينة الكرمك.

من جانبه قال حاكم إقليم النيل الأزرق، أحمد العمدة، إنه «في ملحمة بطولية تم اليوم تحرير مدينة الكرمك من دنس (قوات الدعم السريع) ومتمردي جوزيف توكا».

وأضاف في منشور على موقع «فيسبوك» «أن هذا الانتصار العظيم يُعد خطوة نحو استعادة الأمن والاستقرار في الإقليم، وجميع أنحاء السودان».

وخلال الأيام الماضية حقق الجيش تقدماً ملحوظاً في جبهة النيل الأزرق، تمثّل في استعادة السيطرة على بلدات الكيلي، ومقجة، وسركم، الواقعة على الطريق الرئيس الرابط بين الدمازين، عاصمة الإقليم، ومدينة الكرمك.

في المقابل، لم تصدر «قوات الدعم السريع» أي تعليق رسمي بشأن المعارك الدائرة في المنطقة، بينما بثت عناصرها مقاطع مصورة تنفي بشدة دخول الجيش المدينة.

جنود تابعون للجيش السوداني خلال دورية في شوارع مدينة القضارف (أرشيفية-أ.ف.ب)

وكان الجيش السوداني عبر «الفرقة الرابعة مشاة» نفّذ في الأيام القليلة الماضية ضربات جوية مكثفة باستخدام الطائرات المسيّرة، والمدفعية الثقيلة، استهدفت مواقع وخطوط دفاع متقدمة لـ«الدعم السريع» في محيط المدينة.

وتكتسب الكرمك أهمية استراتيجية نظراً إلى موقعها الحدودي مع إثيوبيا، وكانت قد سقطت قبل أشهر في قبضة قوات تحالف «تأسيس» الذي تقوده «قوات الدعم السريع» بالتنسيق مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال»، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو.

وشهد الإقليم خلال الشهرين الماضيين تصاعداً ملحوظاً في العمليات العسكرية، تبادل خلالها الجيش و«قوات الدعم السريع» السيطرة على عدد من البلدات الصغيرة في المنطقة.

وتأتي هذه التطورات الميدانية بعد اتهامات وجهها الجيش السوداني إلى دولة إثيوبيا بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها للسيطرة على المدينة، وكامل إقليم النيل الأزرق.

وفي السياق ذاته، أعلنت «شبكة أطباء السودان» الأربعاء مقتل 10 أشخاص -بينهم خمس نساء- جراء استهدافهم من قبل «الدعم السريع» بمسيرة بطريق الصادرات غربي أم درمان.

وقالت الشبكة، في بيان صحافي، «إن القتلى جميعهم من أسرة واحدة، وقضوا إثر استهداف سيارتهم بمسيرة تتبع لـ(الدعم السريع) على طريق الصادرات غربي أم درمان أثناء توجههم لحضور مناسبة زواج، ما أدى إلى احتراقها بالكامل، ومقتل جميع من كانوا على متنها».

فتاة سودانية مصابة في قصف تجلس على كرسي متحرك بفناء منزلها في الخرطوم في أبريل الماضي (أ.ب)

وأكدت الشبكة أن «استهداف المدنيين ووسائل النقل المدنية يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني علماً بأن الاستهداف تم بطريقة متعمدة عبر مسيرة موجهة القيادة، وغير عشوائية، مما يعكس حجم الاستهداف الممنهج للمدنيين بالمنطقة».

وكانت مجموعة «محامو الطوارئ» أفادت أيضاً بأن «طائرة مسيرة استهدفت الاثنين الماضي عربة مدنية كانت تقل مواطنين في طريقهم إلى مناسبة زواج ببلدة الشعطوط، شرق محلية جبرة الشيخ بولاية شمال كردفان، ما أسفر عن مقتل 13 مدنياً، بينهم 5 نساء»، كما أن طائرة مسيرة استهدفت، صباح الثلاثاء، مركبة مدنية كانت تنقل المياه بالقرب من مورد للمياه في منطقة حمرة الشيخ، ما أدى إلى مقتل شخصين.

الاتحاد الأفريقي

وفي سياق متصل، التقى رئيس «مجلس السيادة»، القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، بالخرطوم، مبعوث الاتحاد الأفريقي، محمد بلعيش.

وقال بلعيش في تصريحات صحافية إن اللقاء يأتي في «إطار حرص مفوضية الاتحاد الأفريقي على مواصلة التشاور مع القيادة السودانية حول مستجدات الأوضاع السياسية، والميدانية»، وفقاً لإعلام «مجلس السيادة».

لقاء البرهان مع سفير الاتحاد الأفريقي بالخرطوم (إعلام السيادة)

وأضاف أن اللقاء «ناقش التحديات الراهنة التي تعترض تحقيق السلام»، مشدداً على «أهمية تكثيف الجهود في المرحلة المقبلة لتجاوز هذه العقبات».

وأكد «حرص المفوضية والتزامها بمواصلة المساعي الرامية لخفض التصعيد، باعتباره خطوة أساسية نحو التوصل إلى وقف إطلاق النار، مع الدفع قدماً بعملية سياسية شاملة تقوم على إشراك جميع الأطراف السودانية».

وجدد بلعيش تأكيد مفوضية الاتحاد الأفريقي على «أولوية الحل السياسي، وإطلاق حوار وطني جامع، يقوم على المصالحة الوطنية».

وقال: «ستظل المفوضية ملتزمة بدعم وحدة السودان وسيادته الوطنية، ومواكبة التطورات السياسية، والأمنية، والإنسانية إلى أن يتحقق الأمن والاستقرار في السودان». وكشف عن أن الفترة المقبلة «ستشهد زيارة رفيعة المستوى لقيادة الاتحاد الأفريقي إلى الخرطوم».


واشنطن تُكثف حراكها في العاصمة الليبية لدفع مبادرة بولس

المنفي والكوني مع بولس في طرابلس الأربعاء (المجلس الرئاسي)
المنفي والكوني مع بولس في طرابلس الأربعاء (المجلس الرئاسي)
TT

واشنطن تُكثف حراكها في العاصمة الليبية لدفع مبادرة بولس

المنفي والكوني مع بولس في طرابلس الأربعاء (المجلس الرئاسي)
المنفي والكوني مع بولس في طرابلس الأربعاء (المجلس الرئاسي)

كثّفت الولايات المتحدة تحركاتها السياسية في العاصمة الليبية طرابلس، عبر سلسلة لقاءات أجراها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، مع كبار المسؤولين الليبيين، في مسعى لحل الأزمة في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً مزمناً.

وجاء هذا الحراك في وقت يُحيط فيه الغموض بموقف رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، من المبادرة التي يقودها بولس، والتي تتحدث تسريبات بشأنها عن صيغة لتقاسم السلطة بين أبرز الفاعلين في شرق البلاد وغربها، تقوم على تولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، صدام حفتر، رئاسة المجلس الرئاسي، مقابل استمرار الدبيبة على رأس حكومة موحدة تقود المرحلة الانتقالية إلى الانتخابات.

الدبيبة مع بولس في طرابلس الثلاثاء (حكومة الوحدة)

ولليوم الثاني على التوالي، واصل بولس لقاءاته في طرابلس؛ حيث اجتمع الأربعاء مع رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، بحضور نائبه عبد الله اللافي، والفريق السياسي بالسفارة الأميركية.

وشدد المنفي من جانبه على أن «نجاح أي تسوية سياسية يتطلب أن تكون شاملة، وأن تتم عبر حوار مباشر بين المؤسسات الرسمية الوطنية، بما يمنع العودة إلى الترتيبات المؤقتة، أو التفاهمات المحدودة التي قد تُعيد إنتاج الانقسام». كما أكد انفتاح المجلس على جميع المبادرات الدولية «شريطة أن تستند إلى توافق وطني واسع، وتُحافظ على التوازن بين المؤسسات والمكونات الليبية، بعيداً عن فرض حلول جزئية».

تقوم المبادة الأميركية على تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي (أ.ف.ب)

وفي لقاء منفصل، بحث اللافي مع بولس آليات الدفع نحو توحيد المؤسستين العسكرية والأمنية، مؤكداً أن تجاوز حالة الانسداد السياسي «يتطلب مقاربة وطنية تضمن ملكية الليبيين لمسارهم السياسي، وصولاً إلى الانتخابات على أسس دستورية وقانونية متوافق عليها».

ونقل اللافي عن بولس تأكيده «دعم الولايات المتحدة لمسار سياسي شامل يقود إلى تهيئة الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات»، مع حرص واشنطن على استثمار «الزخم الحالي» لتعزيز توحيد المؤسسات وتحقيق الاستقرار.

وكان عضو المجلس الرئاسي، موسى الكوني، قد أعلن عقب اجتماعه مع بولس، مساء الثلاثاء، أن الجانبين شددا على أهمية مواصلة التنسيق لدعم المبادرات الرامية إلى ترسيخ الأمن والاستقرار، والحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها، وصولاً إلى تسوية سياسية شاملة.

وفي إطار انفتاحه على مختلف الأطراف، التقى بولس قيادات بلدية مدينة مصراتة، في أول اجتماع من نوعه، مشيداً بما وصفه بـ«الوعي السياسي للمدينة، وإدراك قادتها المنتخبين لمتطلبات إنجاح الانتخابات».

في المقابل، اكتفى الدبيبة، في بيان أصدره عقب اجتماعه مع بولس بحضور وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، الثلاثاء، بالإشارة إلى أن المحادثات تناولت «مستجدات الأوضاع السياسية والاقتصادية، وتبادل وجهات النظر بشأن عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك»، مع تأكيد أهمية مواصلة التنسيق بين الجانبين، بما يدعم الاستقرار ويُعزز العلاقات الثنائية.

ورغم هذا البيان، لا يزال موقف الدبيبة من مبادرة بولس غير واضح، في وقت سبق أن أعلنت فيه القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» في شرق البلاد ترحيبها بالمبادرة نهاية الشهر الماضي.

كما التزمت حكومة «الوحدة» الصمت حيال تصريحات الناطق باسم ميليشيات ما تُعرف بـ«كتيبة صلاح بادي»، حميدة الجرو، الذي قال إن الدبيبة عقد اجتماعات في مدينة مصراتة، طالب فيها شخصيات محلية بالتحرك لرفض مبادرة بولس. ولم يصدر أي تعليق رسمي من الحكومة على هذه التصريحات.

وفي موازاة الحراك السياسي، استحوذ الملف الاقتصادي على جانب مهم من لقاءات بولس، إذ أعلن محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، أنه بحث مع الوفد الأميركي مستجدات الأوضاع الاقتصادية والمالية، وسبل دعم الاستقرار النقدي والمالي.

ناجي عيسى (متداولة على صفحات التواصل الاجتماعي)

وقال المصرف المركزي إن المشاركين أكدوا «دعمهم الكامل لاستقلالية المصرف ومحافظه والمؤسسات السيادية»، كما شددوا على أهمية تنفيذ اتفاق الميزانية الموحدة، والالتزام بأحكامه لتعزيز الانضباط المالي والشفافية وكفاءة الإنفاق العام.

وأضاف «المصرف» موضحاً أن الاجتماع شهد أيضاً تجديد الدعم الأميركي، إلى جانب ديوان المحاسبة، للمؤسسة الوطنية للنفط، مع التشديد على ضرورة الحفاظ على استقرار إنتاج النفط واستدامته، باعتباره «الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني»، فضلاً عن دعم جهود تعزيز الحوكمة والشفافية وصون المال العام.

فيما أوضح بولس عبر حسابه على منصة «إكس» أنه شارك، الاثنين، في اجتماع ضم مسؤولين كباراً من شرق ليبيا وغربها في مالطا، مبرزاً أن اللقاء استهدف «دعم الجهود الليبية الرامية إلى توحيد مؤسسات الدولة»، وأن المناقشات كانت «بنّاءة»، مؤكداً أن «ليبيا الموحدة ستكون أكثر استقراراً وازدهاراً، كما ستكون شريكاً اقتصادياً وأمنياً أقوى للولايات المتحدة وللمجتمع الدولي».


العجز المائي يثير مخاوف وسط سكان غرب ليبيا

خزان القرضابية التابع للنهر الصناعي في مدينة سرت الليبية (الصفحة الرسمية للجهاز)
خزان القرضابية التابع للنهر الصناعي في مدينة سرت الليبية (الصفحة الرسمية للجهاز)
TT

العجز المائي يثير مخاوف وسط سكان غرب ليبيا

خزان القرضابية التابع للنهر الصناعي في مدينة سرت الليبية (الصفحة الرسمية للجهاز)
خزان القرضابية التابع للنهر الصناعي في مدينة سرت الليبية (الصفحة الرسمية للجهاز)

عادت أزمة المياه إلى واجهة المشهد في غرب ليبيا، بعد تحذيرات رسمية من تفاقم العجز المائي نتيجة انتشار التوصيلات غير الشرعية على مسار منظومة «الحساونة - سهل الجفارة»، في وقت توعد فيه جهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي بإطلاق «حملة أمنية» لإزالة هذه التعديات، وحماية إمدادات المياه المتجهة إلى العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية.

ويُعد «النهر الصناعي العظيم» المصدر الرئيسي لمياه الشرب في معظم المدن الليبية منذ عقود، ويُعرف محلياً بـ«شريان الحياة»، إذ ينقل هذا المشروع المياه الجوفية من الأحواض الصحراوية في جنوب البلاد إلى المناطق الساحلية في الشمال، عبر شبكة من الأنابيب تمتد مئات الكيلومترات.

رئيس اللجنة الإدارية لجهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي المهندس أحمد الذيب (صفحة الجهاز)

وتفجرت هذه المخاوف والتحذيرات عقب جولة ميدانية أجراها رئيس اللجنة الإدارية للجهاز في غرب البلاد، أحمد الديب، على امتداد المسار الأوسط للمنظومة، شملت ترهونة وبني وليد ومحطة التحكم بالشويرف، وصولاً إلى حقول آبار الحساونة، للوقوف على حجم التعديات المقامة على خطوط نقل المياه، بحسب بيان للجنة فجر الأربعاء.

يشار إلى أن منظومة «الحساونة - سهل الجفارة»، التي تعرضت للاعتداءات هي المرحلة الثانية من المشروع، وقد صُممت لنقل نحو 2.5 مليون متر مكعب من المياه يومياً من حقول آبار جبل الحساونة إلى الشريط الساحلي حتى العاصمة طرابلس.

وكشفت جولة المسؤول الليبي عن انتشار توصيلات غير قانونية تُستخدم لري مزارع عشوائية بطريقة الغمر، وهو ما اعتبره الجهاز سبباً في «نقص الإمداد المائي» إلى العاصمة طرابلس وبلديات المنطقة الغربية، ونتج عنه «عجز مائي خطير» بسبب «الاستنزاف غير القانوني للمياه».

مزرعة غير شرعية جرى ريها بتوصيلات مخالفة من النهر الصناعي في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية لإدارة النهر)

وحمّل الجهاز المزارعين الذين يمدون هذه التوصيلات «المسؤولية المباشرة عن الأزمة المائية الحالية»، محذراً من أن استمرار هذه الممارسات «سيؤدي إلى زيادة العجز المائي»، وقد يفضي إلى «إيقاف الإمداد المائي عن العاصمة والبلديات الغربية بالكامل».

وفي مؤشر على تصعيد الإجراءات، أعلن الجهاز الشروع «فوراً» في «حملة أمنية» بالتنسيق مع الأجهزة المختصة لإزالة التوصيلات غير الشرعية، مؤكداً أنه «لن يسمح باستمرار هذه الأعمال العبثية»، التي قال إنها «أتلفت المكونات الميكانيكية للمسار»، و«زادت معاناة المواطنين». وشدد الجهاز على أن «الأمن المائي للدولة خط أحمر»، مؤكداً أنه «لن يُسمح لأي طرف بتهديده أو العبث به».

وبرزت مؤشرات الأزمة منذ يوم الجمعة الماضي، مع تعرض منظومة آبار النهر الصناعي لتذبذبات متتالية في الجهد الكهربائي، أسفرت عن فقدان أكثر من 120 ألف متر مكعب من المياه، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، وما صاحب ذلك من زيادة في الاستهلاك، واتساع نطاق التوصيلات غير الشرعية على مسارات النهر.

ودفعت هذه التطورات الجهاز إلى تسيير دوريات تابعة لـ«كتيبة حماية النهر» لإزالة التجاوزات، بالتوازي مع أعمال تركيب مضخات بديلة للمضخات، التي تعرضت للأعطال، في محاولة لضمان استمرار تدفق المياه إلى المدن المستفيدة وتقليص آثار الأزمة.

مشروع «النهر الصناعي العظيم» أحد أكبر مشروعات نقل المياه في العالم الذي أطلقه الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (رويترز)

ويُعد مشروع «النهر الصناعي العظيم» أحد أكبر مشروعات نقل المياه في العالم، وقد أطلقه الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي في ثمانينات القرن الماضي لنقل المياه الجوفية من أحواض الجنوب إلى المدن الساحلية في الشمال، بتكلفة قُدرت آنذاك بنحو 35 مليار دولار، ليصبح المصدر الرئيسي لمياه الشرب لملايين الليبيين.

ومنذ سقوط نظام القذافي عام 2011، لم تتوقف الاعتداءات على المشروع، سواء عبر إغلاق الآبار، أو تعطيل محطات الضخ عبر مجموعات مسلحة، أو تنفيذ توصيلات غير قانونية تستخدم في ري الأراضي الزراعية، أو تزويد تجمعات سكانية بالمياه خارج الشبكة الرسمية، الأمر الذي أدى إلى تكرار أزمات الإمدادات، لا سيما خلال أشهر الصيف، إلى جانب انقسام إدارته بين طرابلس وبنغازي.

ورغم الحديث عن حملة أمنية لكبح الاعتداءات على مشروع النهر الصناعي، فإنها «تبقى أزمة مفتوحة»، بحسب رؤية الدكتور سيف الله الحطاب، الأكاديمي الليبي والباحث المتخصص في التنمية المستدامة، في ظل ما عدّه «استمراراً لغياب سلطة الدولة على كامل مواردها ضمن سياق عام من العدالة الاجتماعية».

وقال الحطاب لـ«الشرق الأوسط» إن «ضعف القبضة الأمنية سمح باستمرار التعديات على مسارات النهر، ويضع مناطق غرب ليبيا على حافة عطش حقيقي»، لكنه اعتبر أن «المشكلة لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل ترتبط أيضاً باختلالات متجذرة في توزيع الثروة والتنمية بين المناطق الليبية، ما يدفع بعض الفئات إلى محاولة انتزاع ما تعتبره حقوقاً لها عبر التعدي على هذا المورد».

وانتهى الحطاب إلى أن معالجة الأزمة «لا يمكن أن تقتصر على إزالة التوصيلات غير الشرعية أو تنفيذ حملات أمنية»، مؤكداً أن الحل يتطلب «معالجة جذرية في إطار دولة مستقرة تقوم على قواعد جديدة للحكم والإدارة وتوزيع عادل للثروة، بما يضمن حماية الموارد الاستراتيجية، ويحد من اللجوء إلى فرض الأمر الواقع».