سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

المخرج النمساوي قال لـ«الشرق الأوسط» إن فيلمه يتجول في ذاكرة أوروبا وحاضرها

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قال المخرج النمساوي سيباستيان براميشوبر إن فكرة فيلمه «لندن» لم تبدأ من قصة تقليدية بقدر ما نشأت من ملاحظة بسيطة عاشها بنفسه خلال رحلات طويلة بالسيارة، موضحاً أن «السفر مع غرباء في مساحة ضيقة مثل السيارة يخلق نوعاً خاصاً من الحوار لا يحدث في أي مكان آخر، لأن الإنسان في هذه اللحظات يكون في حالة مغايرة، فهو في طريقه إلى مكان ما، لكنه في الوقت نفسه يعيش زمناً معلقاً يسمح للأفكار والذكريات بأن تتدفق بحرية».

وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الحالة تحديداً هي ما جذبه إلى صناعة الفيلم، لأن الحوار داخل السيارة يختلف عن أي شكل آخر من أشكال اللقاءات الإنسانية. «فعادةً ما يجلس الشخصان إلى جوار بعضهما وهما ينظران إلى الطريق أمامهما بدلاً من نظر بعضهما إلى بعض، وهو ما يخلق نوعاً من الصراحة غير المتوقعة، وهذا الوضع يجعل الحديث يتحرك ببطء، يتخلله صمت أحياناً، ثم يعود ليتحول فجأة إلى اعترافات شخصية عميقة»، على حد تعبيره.

تدور أحداث فيلم «لندن» الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» حول رجل يُدعى «بوبي» يقضي معظم وقته خلف مقود سيارته، يقود ذهاباً وإياباً على الطريق السريع الذي يربط بين مدينتي فيينا وسالزبورغ، وخلال هذه الرحلات الطويلة يلتقط ركاباً غرباء يسافرون في الاتجاه نفسه لتقاسم تكاليف الوقود، لتتحول السيارة تدريجياً إلى مساحة صغيرة للقاءات إنسانية عابرة.

المخرج النمساوي استلهم فيلمه من رحلاته (الشركة المنتجة)

وبينما تتغير الوجوه والقصص في المقعد المجاور له، يبقى الطريق الثابت الوحيد في حياة «بوبي»، الذي يبدو وكأنه يبحث عن شيء ما يتجاوز مجرد الوصول إلى وجهة محددة، ومع كل راكب جديد، ينفتح الفيلم على حكاية مختلفة، فهناك الشاب الذي يطرح أسئلة أخلاقية حول الخدمة العسكرية، والموظف الصغير الذي يسافر لزيارة عائلته، والباحث الذي يهتم بتاريخ الطريق الذي يسلكونه، وامرأة تستعد لبداية مرحلة جديدة في حياتها.

هذه اللقاءات العابرة تتحول إلى سلسلة من الحوارات التي يتداخل فيها الحديث اليومي البسيط والاعترافات الشخصية العميقة، بحيث تكشف تدريجياً عن صورة متعددة الوجوه للحياة المعاصرة في أوروبا، لكن خلف هذه الرحلات المتكررة يكمن سبب شخصي يدفع «بوبي» إلى الاستمرار في القيادة.

وأشار براميشوبر إلى أن «بطل الفيلم ليس مجرد سائق ينقل ركاباً عابرين، بل شخصية تبحث عن شيء مفقود في حياتها، فهو يقود في الظاهر إلى المستشفى حيث يرقد صديق قديم في غيبوبة، لكن الرحلة في حقيقتها رحلة داخل الذاكرة، ومحاولة لفهم ما تبقى من العلاقات القديمة، وكل راكب يصعد إلى السيارة يفتح نافذة مختلفة على الحياة، وهذه اللقاءات المتفرقة تتحول تدريجياً إلى صورة أوسع عن الإنسان الأوروبي المعاصر».

ولفت إلى أن تنوع الركاب كان جزءاً أساسياً من فكرة الفيلم، فما يهمه في هذه الشخصيات ليس تفاصيل حياتهم فقط، بل الطريقة التي تتقاطع بها حكاياتهم مع حياة «بوبي»، بحيث يصبح كل لقاء بمثابة مرآة تعكس احتمالاً مختلفاً لحياة كان يمكن أن يعيشها.

وأضاف أن الطريق السريع الذي تدور عليه الأحداث لم يُختر بشكل عشوائي، موضحاً أن طريق «ويست أوتوبان» بين فيينا وسالزبورغ يحمل تاريخاً معقداً يمتد إلى عقود طويلة، ورغم كونه يبدو في الظاهر مجرد ممر للسيارات، فإنه في الحقيقة يحمل طبقات من التاريخ السياسي والاجتماعي، بعضها يعود إلى زمن الحرب العالمية الثانية، وكان هذا البعد التاريخي كان مهماً بالنسبة إليه، لأنه يربط بين حياة الأفراد اليومية وما يسميه «التاريخ الكبير» في الذاكرة الأوروبية الذي يترك أثره في تفاصيل الحياة العادية.

وتحدث براميشوبر عن اختياره للممثل بوبي سومر في الدور الرئيسي، مؤكداً أن العلاقة بينهما بدأت قبل سنوات طويلة عندما التقيا خلال عمل سابق، وشعر منذ البداية أن سومر يمتلك حضوراً إنسانياً خاصاً وقدرة على الإصغاء للآخرين، وهي صفات عدّها أساسية للشخصية.

ركز الفيلم على جوانب إنسانية بشكل كبير (الشركة المنتجة)

وأضاف أن الفيلم لم يكن مكتوباً على شكل حوار تقليدي، بل اعتمد إلى حد كبير على تفاعلات حقيقية بين بوبي والركاب، ما منح المشاهد إحساساً بالصدق والعفوية، لافتاً إلى أن عملية اختيار الركاب كانت دقيقة؛ إذ كان يبحث عن أشخاص قادرين على الحديث عن حياتهم بصدق، لكن مع احتفاظهم بشيء من الغموض.

وقال إن «الكاميرا لا تحب الأشخاص الذين يكشفون كل شيء بسهولة، بل أولئك الذين يتركون مساحة للتأويل، ومن ثم جاءت بعض الشخصيات في الفيلم مستوحاة من تجارب حقيقية مرتبطة بقضايا مثل الحرب والهجرة، لكن الفيلم يتناول هذه الموضوعات من زاوية شخصية وإنسانية أكثر من كونه طرحاً سياسياً مباشراً».

وأشار إلى أن الفيلم صُوِّر في استوديو رغم أن أحداثه تدور في سيارة تسير على الطريق، وهو قرار جاء لأسباب فنية. فقد تم أولاً تصوير الطريق والمناظر الطبيعية بكاميرات عدة، ثم عُرضت هذه اللقطات لاحقاً على شاشات حول السيارة في أثناء التصوير، مؤكداً أن هذه الطريقة سمحت بخلق بيئة هادئة تساعد الممثلين على التركيز في الحوار، لأن الضجيج الطبيعي للطريق كان سيجعل تسجيل الصوت وإدارة الحوار أمراً أكثر صعوبة.

وأضاف أن «هذه البيئة المغلقة ساعدت أيضاً على منح الفيلم طابعاً يشبه المسرح الحميمي، حيث تتركز الكاميرا على الوجوه والتفاصيل الصغيرة في الحديث»؛ لأن ما يهمه في هذه اللحظات ليس الحدث الكبير، بل تلك الفجوات الصامتة بين الجمل، لكون الصمت أحياناً يكشف عن مشاعر أعمق من الكلمات.

وأشار إلى أن عنوان الفيلم «لندن» قد يبدو غريباً لأن الأحداث لا تدور هناك، لكنه يحمل معنى رمزياً مرتبطاً بماضي الشخصية الرئيسية، فلندن تمثل بالنسبة إلى «بوبي» مرحلة من حياته كان يشعر فيها بالحرية والانفتاح، ولذلك تتحول في الفيلم إلى رمز لمكان ذهني أكثر منها مدينة حقيقية.

وأضاف أن العنوان يفتح فضاءً أوسع خارج السيارة، وكأن الرحلة القصيرة على الطريق تتصل بخرائط أبعد من الجغرافيا المباشرة، مؤكداً أنه أراد من خلال الفيلم تقديم لحظة إنسانية بسيطة لأشخاص لا يعرفون بعضهم بعضاً يجلسون معاً لبعض الوقت، يتبادلون القصص ثم يفترقون، لكن أثر هذا اللقاء يبقى معهم لفترة أطول مما يتوقعون.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

إيرين وايزجربر: «البحار السوداء» يعيد قراءة التاريخ من الصور المنسية

يوميات الشرق قدمت المخرجة رؤية مغايرة للصور التي وثقت مراحل سابقة (الشركة المنتجة)

إيرين وايزجربر: «البحار السوداء» يعيد قراءة التاريخ من الصور المنسية

قالت المخرجة الكندية إيرين وايزجربر إن فيلمها القصير «البحار السوداء» (Black Seas) لا يتعامل مع الأرشيف السينمائي بوصفه سجلاً للماضي ينبغي الحفاظ عليه.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق اعتمدت المخرجة في التصوير على كاميرات قديمة (الشركة المنتجة)

المخرجة الكندية فيرميت: أتعامل مع الظلام بوصفه مساحة للتأمل

قالت المخرجة الكندية، راين فيرميت، إنَّ فيلمها الروائي الطويل «الروافع (Levers)» لا يقدِّم الظلام بوصفه مجرد خلفية للأحداث.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «الأوديسة»... السينما في أفضل حالاتها

«الأوديسة»... السينما في أفضل حالاتها

تجاوز فيلم «الأوديسة» The Odyssey كونه أحدث أفلام المخرج كريستوفر نولان، ليتحول إلى حدث ثقافي وسينمائي يتصدر النقاشات منذ لحظة عرضه.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق أوديسيوس يعود إلى وطنه عقب حرب طروادة، حيث يواجه خلالها آلهة ووحوشاً وعواصف وتحديات مأساوية (أ.ب)

إيرادات فيلم «الأوديسة» تتخطى تكلفة إنتاجه بعد أيام من طرحه

أعلنت شركة يونيفرسال بيكتشرز أن فيلم «الأوديسة» للمخرج كريستوفر نولان حقق إيرادات 264.1 مليون دولار من مبيعات التذاكر على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق إسماعيل ياسين مع نجله ياسين (خاص لـ«الشرق الأوسط»)

إسماعيل ياسين يعود للواجهة في معركة «حق الأداء العلني»

ما زالت تداعيات معركة تفعيل «حق الأداء العلني» تتصاعد، وهو المقترح الذي تقدّم به الفنان ياسر جلال، النائب بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان المصري).

داليا ماهر (القاهرة )