المغربي محسن الوكيلي: «أسير البرتغاليين» مغامرة سردية تُسخّر الماضي لفهم الحاضر

غلاف «أسير البرتغاليين»
غلاف «أسير البرتغاليين»
TT

المغربي محسن الوكيلي: «أسير البرتغاليين» مغامرة سردية تُسخّر الماضي لفهم الحاضر

غلاف «أسير البرتغاليين»
غلاف «أسير البرتغاليين»

بوصول روايته «أسير البرتغاليين» إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر»، يكون الروائي المغربي محسن الوكيلي قد أكد أن الحضور المتواصل للروائيين المغاربة في مشهد التتويج الثقافي العربي ليس وليد الصدفة أو فلتة إبداعية، بل نتيجة لدينامية إيجابية صارت تميز المشهد الإبداعي المغربي، في السنوات الأخيرة.
في هذا الحوار، يتحدث الوكيلي عن «بوكر»، وعن منجزه الإبداعي، قبل التركيز على روايته الأخيرة، حيث سيشدد على أن للتاريخ في السرد جاذبيته التي لا تقاوم؛ وأنه لا يوجد حاضر إلا على ما مضى، كما لا يبنى مستقبل إلا على حاضر، ومن هنا تكون «العودة إلى الماضي حاسمة في فهمنا لما يجري اليوم ولما يمكن أن يحدث مستقبلاً».
وفيما يلي نص الحوار:
> تم اختيار روايتك الأخيرة ضمن القائمة القصيرة لـ«بوكر»... أود أن أسألك عن مشاعرك وأنت تتلقى الخبر؟
- جائزة «بوكر» من الجوائز العربية والعالمية العريقة. لا يمكنني إلا أن أكون سعيداً بوصول رواية «أسير البرتغاليين» إلى القائمة القصيرة في منافستها على اللقب. نعم، أسعدني تلقي الخبر، كان لا بد للصوت أن يذهب أبعد في طريقه إلى جمهور القراء والشغوفين بالأدب عامة والرواية خاصة.
> ما رأيك في وجهات النظر والآراء التي تظهر بين الحين والآخر لتنتقص أو تنتقد الخلفيات التي تحكم الجوائز، عربيا وعبر العالم؟ وإلى أي حد يمكن لجوائز الرواية أن تؤثر بشكل إيجابي في تأكيد حضور وتطور الرواية العربية؟
- لا يوجد إجماع مطلق حول أي نشاط أو تظاهرة إنسانية. من الطبيعي جداً، لا سيما في وجود متوجين وخارجين من المنافسة، أن ترتفع أصوات منتقدة. الأمر ليس جديداً في ثقافة الجوائز العالمية، جائزة «نوبل» أكبر دليل على هذا. في الوقت نفسه يصعب على أي أحد أن ينفي الدور الذي تلعبه الجوائز بشكل عام في تكريس الرواية العربية وتطوريها. لقد بات جمهور القراء في عموم الدول العربية يتطلع إلى جائزة «بوكر». الكتب التي تنافس على الجائزة تحقق انتشاراً واسعاً وتجلب أيضا مبدعين جدداً. هذا أمر مهم للغاية وأراه ضرورياً لتكريس الرواية في مجتمعاتنا.
> هل يمكن أن تلخص لنا «أسير البرتغاليين» في بضع كلمات؟
- هي مغامرة سردية تُسخر الأدب والتاريخ لأجل فهم أدق للحاضر.

محسن الوكيلي

> تتعدد شخصيات الرواية، لنكون، مثلا، مع الأسير وهو يلعب مع سجانه «لعبة يقايض فيها السجان الأيام بالحكايات». كأنها حكاية شهرزاد من زمن آخر، بمضامين مختلفة يجمعها مبدأ المقايضة بالحكي؟
- حكاية شهرزاد مستمرة، لا تعترف بزمان أو مكان، فمبدأ المقايضة موجود في ثقافة جنس بني البشر، قد يكون عادلاً وقد يكون ظالما مثل ما في «أسير البرتغاليين». المقايضة بالحكم أقسى صور المقايضة لأنه يمتد ليطال كل شيء في حياة الفرد والجماعة.
> هذا خامس عمل سردي تنجزه في ظرف عشر سنوات... ألا يحتاج المبدع إلى بعض الوقت لإنجاز عمل روائي؟
- أستحضر، هنا، ما كتبه أمبرطو إيكو في «اعترافات روائي ناشئ» عن «جزيرة اليوم السابق» و«بندول فوكو» و«اسم الوردة»، وحديث أوهان باموك في كتابه «الروائي الساذج والروائي الحساس» عن تجربته مع كتابة الرواية، مشيراً إلى «متحف البراءة»، التي قال عنها إنها أخذت منه «عشر سنوات من التخطيط وأربع سنوات من الكتابة».

عشر سنوات أصدرت فيها خمس روايات وأعمالا أدبية أخرى، في القصة والمسرح. أؤمن بأن الزمن ليس محددا في جودة النصوص، هناك أعمال روائية عالمية استغرقت كتابتها بضعة شهور. الأمر يرتبط بالمبدع نفسه وقدراته الإبداعية ومدى تكريسه للوقت المخصص للكتابة. أسوق هنا مثالا بيّنا: «رواية مائة عام من العزلة» للكبير غابرييل غارسيا ماركيز.
> إلى أي حد ساعدك مسارك الجامعي كحاصل على الإجازة في التاريخ والحضارة في كتابة «رواية تاريخية»؟
- الرواية آسرة بما توفره من إمكانيات التعبير. إنها أكثر الأجناس انفتاحاً على غيرها. يمكنك أن توظف الشعر والقصة القصيرة وتقنيات الإخراج السينمائي والمسرحي بكل يسر وهو ما يتأتى في غيرها. مع ذلك أنا أعشق القصة القصيرة وأداوم على كتابتها بشكل مستمر، كما أكتب النص المسرحي بشغف. بيد أن الرواية تأخذني أكثر من غيرها. هذا أمر صحيح تماماً. أحببت الأدب، ومعه التاريخ والفلسفة. أؤمن بأن الفلسفة والتاريخ ركيزتان لكل عمل سردي متميز. درست التاريخ في الجامعة. كانت دراسة رافد مهم، لكن اهتمامي بقراءة المؤلفات التاريخية استمر. صادفت في هذا الإبحار الحر كتبا ملهمة وعبقرية. أعمال ستبقى معي إلى نهاية الدرب.
> أنت من الوجوه الروائية المغربية الشابة التي برزت عربياً، في السنوات الأخيرة. ما سر هذا الحضور، وكيف هي علاقتك بالأجيال السابقة، التي تكرست مغربياً وعربياً؟
- أعتقد أن الإبداع بكل صنوفه وعاء لرسائل إنسانية، إسهام في بناء عالم أكثر انفتاحا وتسامحا وجمالا. من هنا أعمل بجد، وبشكل يومي. الحضور هو تجل للصبر والثبات والمثابرة والإيمان بالإنسان. تربطني علاقات جميلة مع كتاب من مختلف الأجيال، بعضهم رحل، لكن أعمالهم لا تزال حاضرة معنا وبيننا، محمد شكري ومحمد زفزاف وعبد الكريم غلاب وغيرهم كانوا ملهمين بالنسبة لي. آخرون ما زالوا بيننا أشبه بفوانيس. أحترمهم جميعا، أحافظ على علاقات طيبة معهم دون استثناء لأنهم يستحقون منا كل الاحترام. دونهم ما كنا لنكون.
> من هو الروائي المغربي أو العربي الذي تجد نفسك قريباً منه؟
- روائيون كثر تعلقت بهم، مغاربة وعرب. أحببت الطاهر بن جلون ومحمد زفزاف. يبقى محمد شكري الأقرب إليّ. إنه أحد الكتاب الذين انطلقوا من الصفر وحققوا ما لم يحققه غيرهم في المغرب.
> لماذا برأيك هذا الارتفاع الملحوظ في منسوب الروايات التي تبني أحداثها انطلاقا من الماضي؟
- شخصياً أكتب أكثر الروايات التي تعنى بالحاضر كما هو الشأن مع رواية «رياح آب» و«شظايا» و«في كراهية الحدود». الروايات التي تنحاز للتاريخ ليست الأكثر انتشاراً. لننظر إلى القائمة الطويلة لـ«بوكر» وسنكتشف أن معظم ما كتب كان خارج نطاق التاريخ والذاكرة. مع ذلك فللتاريخ في السرد جاذبيته التي لا تقاوم. مرد هذا في نظري أننا في حاجة دائمة للعودة للماضي حتى نفهم حاضرنا. لا يوجد حاضر إلا على ما مضى، كما لا يبنى مستقبل إلا على حاضر. من هنا تكون العودة إلى الماضي حاسمة في فهمنا لما يجري اليوم ولما يمكن أن يحدث مستقبلاً. الرواية باعتبارها الجنس الأدبي الأكثر انتشاراً معنية بتكريس الوعي وبناء عالم أفضل. ولعلها الأجدر والأكفأ للخوض في هذه العلاقة الشائكة من جهة والممتعة من جهة أخرى.
> يتحدث بعض الروائيين عن المصادر التي اعتمدوها في بناء عوالمهم السردية ذات الخلفية التاريخية. لا بد أن هناك مراجع اعتمدتها بالنسبة لـ«أسير البرتغاليين»؟
- لا يمكن للروائي أن يكتب نص سردياً بطابع تاريخي دون أن يرجع إلى مراجع تاريخية. لا بد لنا، فضلا عن معرفة الأحداث والوقائع، أن نعرف نمط السلوك والذهنية السائدة للإنسان آنذاك. للأسف معظم المراجع التاريخية تكتفي بسرد سيرة الحكام والوقائع الكبرى على حساب حياة الشعوب، لكن بعضها يفتح أبوابا نطل عبرها على ماضينا، سأكتفي بذكر مرجع أثار اهتمامي أكثر من غيره. إنه كتاب «الدولة السعدية التكمدارتية» لمؤلف مجهول.
> بمناسبة صدور روايتك الأخيرة، هل سبق لك أن زرت البرتغال؟
- كلا، لم أزر البرتغال إلى حد اليوم، لكن آثارهم الباقية في أرضنا كانت كافية، ولعلها الأهم، بالنسبة للرواية، فمعظم الأحداث جرت على أرض مغربية في مدن وحصون كان البعض منها برتغاليا.
> ربما تستحق «أسير البرتغاليين» أن تترجم إلى البرتغالية ليستعيد بها البرتغاليون جانباً من علاقتهم مع المغرب، في قرون سابقة؟
- يحتاج الأدب للترجمة لكي يحقق غاياته القصوى في ملاقاة ثقافات جديدة. «أسير البرتغاليين»، بتطرقها لزمن سجل احتكاكاً كبيراً بين ثقافة المغرب بأبعادها المختلفة وثقافة البرتغال بأبعادها المتنوعة تكون في حاجة للترجمة إلى أكثر من لغة، على رأسها البرتغالية. سيكون جميلا أن يقرأ البرتغاليون عن ماضيهم المحفور في أرضنا.
> تَكتب الرواية والقصة. أيهما الأقرب إلى نفَسك... هل أنت قاص أكثر أم روائي أكثر أم هما معا؟
- نعم، أكتب في أجناس أدبية مختلفة، كما ذكرتُ سابقا، أعشق القصة والرواية على السواء. أجد نفسي أكثر في الرواية، ذلك أنني أكتب أحيانا القصة داخل الرواية. الرواية منفتحة أكثر، لا تعترف بحدود، لعل هذا ما يجعل منها الشكل الأدبي الأقرب إليّ. لكنني في الأخير قاص وروائي بالدرجة نفسها.
> رواية تمنيتَ لو أنك أنت من كتبها؟
-«مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.



عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية
TT

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

سواء كنتَ شاعراً تشارك في المهرجانات الشعرية في العالم العربي، أو محباً للشعر يحلو لك حضور المناسبات الشعرية، فلن تجد صعوبة في ملاحظة ما يشبه الهيمنة العمودية في التعاطي مع الشعر في مهرجاناتنا، أو البرامج الإعلامية ذات الصلة بالأدب والشعر، أو في طبيعة الجوائز المنظمة للتشجيع على هذه القصيدة بالذات دون سواها.

وللعلم، نحن هنا في قلب ماهية الشعر، بل في عمق كيفية بناء العلاقة مع الشعر. فالظاهرة ليست في وجود القصيدة العمودية بقدر ما هي في حجم هذا الوجود، وهذا الحضور القائم على الاستحضار بمختلف الأدوات الممكنة؛ أي أن هيمنة هذه القصيدة بالذات تسحب معها بُعداً مهماً من أبعاد هيمنة الماضي، ناهيك عما تعنيه من احتفالية متعالية عن الضرورة النقدية للنسق الثقافي من بوابة الشعر.

أما الرسالة الأشد دلالة فتكمن في أن ظاهرة عملية الإحياء الشعري المتكررة في العصر الحديث للقصيدة الخليلية، إنما تستبطن مقاربتنا للشعريّ في الزمن الراهن بأدوات جمالية من الماضي، ممّا يكشف أيضاً هذا القبول - ولكنه متردد واحتجاجي - لأدوات قصيدة التفعيلة بعض الشيء، وقصيدة النثر بشكل شبه كامل. لذلك، فإن كُتّاب الشعر الحديث اليوم هم مناضلون يسبحون ضد التيار منذ عقود طويلة؛ شعر يقاوم من أجل الوجود، ورغم أن من يكتبون الشعر الحديث كُثر، فإن ما يحظى به الشعر العمودي من اهتمام ودعم ومناصرة يجعل من الشعر الحديث جمالية أقليّات.

تَعيش القصيدة العمودية الكلاسيكية اليوم عهداً ذهبياً متجدداً، بفضل هندسة دعم متكاملة تجمع بين ضخ الميزانيات الضخمة وحداثة الوسائط الرقمية، مما نجح في تحويل هذا الفن التراثي النخبوي إلى ممارسة تفاعلية حيّة تستهوي الأجيال الناشئة، وتتجاوز الميزانيات السنوية المرصودة لإحياء وتكريس هذا النمط حاجزَ عشرات الملايين من الدولارات في المشهد الثقافي العربي؛ وهو استثمار معلّل برغبة مؤسساتية صريحة في صون الهوية القومية التاريخية، وحمايتها من عواصف التحولات الأدبية المعاصرة، وعلى رأس هذه العواصف: قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.

ويتجلى هذا الدعم المالي بالأرقام في الجوائز والإنتاجات الكبرى؛ حيث تمنح بعض الجوائز مكافآت نقدية مباشرة تفوق مئات آلاف الدولارات في كل دورة، منها أكثر من مائة ألف دولار لصاحب المركز الأول. ولم تقتصر محاولات تكريس البحور الخليلية هنا حكراً على المجالس المغلقة الرافضة للأدوات الشعرية الحديثة في كتابة الشعر، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي بفضل ميزانيات إنتاج تلفزيوني ضخمة تبلغ ملايين الدولارات، نجحت في جذب الجمهور الناشئ وتحقيق جماهيرية للشاعر الذي يكتب الشعر العمودي ويتنافس حوله. وفي السياق ذاته، تُرصد هذه الجوائز، إلى جانب عدد لافت من المؤسسات، ميزانيات سنوية لتكريم البنية القديمة للقصيدة الكلاسيكية الفصيحة، إضافة إلى دعم وتمويل طباعة الدواوين التقليدية وعقد الملتقيات الدولية في شأنها.

هذا الزخم المالي واكبه تطور تقني بارز؛ حيث تم رصد ميزانيات حكومية لتطوير تطبيقات ذكية متخصصة تعمل كأدوات عروضية متطورة تُعنى بضبط الأوزان والقوافي وتنبيه الشعراء الشباب لمواضع الكسر العروضي بدقة فائقة. علاوة على ذلك، أسهمت المنصات الرقمية في خلق فضاءات تفاعلية مخصصة لتدريب وصقل مواهب الناشئة؛ فمن خلال الورش الافتراضية والتدريبية المفتوحة، نجحت هذه الأدوات في تبسيط المفاهيم المعقدة لعلم العروض والبيان العربي. إن هذا التمازج الفريد بين الجوائز التقديرية والتطبيقات التكنولوجية يؤكد هذا الدعم اللامتناهي من أجل نجاح مجهودات إعادة إحياء الشعر العمودي، وتمكينه من الصمود والامتداد داخل الوعي الرقمي المعاصر، بوصفه هوية بصرية وجمالية متجددة ترتكز على بنية مالية صلبة ومستدامة تضمن تفوقها واستمرارها، واستمرار هيمنتها على شعر التفعيلة وقصيدة النثر. إنّها معادلة صعبة بين قصيدة تتمتع بالاعتراف والدعم، وقصيدة تفتقد إلى الاعتراف، ومنظوراً إليها ناقصةَ الشرعية والشعرية. إننا في وضع شعري يمكن توصيفه بديكتاتورية نظام القصيدة العمودية. ذلك أنه لو كان الشعر القديم والحديث يحظيان معاً بالاهتمام والدعم نفسيهما أو بشكل متقارب لتلاشى المشكل من أصله ولظفرنا بمشهد ثري إنتاجاً وتلقياً.

هنالك نزاع صامت وخفي ينتصر للقصيدة العمودية، ولا يكاد يعترف إلا بالقصيدة العمودية وما سواها من منتجات الغَيرية المهدِّدة للهوية العربية في مفهومها الواسع العام. ومن المهم التذكير بأن من أربعينات القرن الماضي ومحاولات إحياء الشعر العربي القديم متواصلة؛ تهدأ فترة ثم تعود حيث عرف الشعر العربي في العصر الحديث مدارس وتيارات واتجاهات عدّة ظهرت بشكل متعاقب منذ بداية عصر النهضة في الفضاء العربي الإسلامي. لذلك، فإن عصر النهضة يمثل تاريخاً مفصلياً في تاريخ الشعر العربي ككل، وعاملاً مهماً في انبثاق النهضة الأدبية في العصر الحديث، خصوصاً أنه بعد عصور ازدهار الشعر العربي، التي تعود إلى الشعر الجاهلي وصولاً إلى الشعر العباسي، شهدت الحياة الأدبية العربية نوعاً من الخمول والضعف، أصاب اللغة العربية والكتابة الشعرية والنثرية، ومسّ كذلك ميولات الثقافة الشعبية التي كانت تجنح إلى الإنتاجات الهزلية والخرافية، الشيء الذي مثّل بدوره سبباً أساسياً من أسباب ظهور النهضة الأدبية في القرن التاسع عشر، وأكّد الحاجة إليها؛ إذ النهضة مدلولياً تشير إلى حالة من التعارض مع ما سبق، وإلى طموح تجاوز حالة الوهن الحضاري وملامحه الدالة عليه كافة.

وهكذا يتضح لنا أن كل مقاربة للشعر العربي في العصر الحديث، وبشكل خاص تلك التي اهتمت بالمدارس الشعرية الأولى وتحديداً مدرسة الإحياء والبعث، إنما هي بالضرورة مقاربة تتنزل في جزء من تحليلها ومن استنتاجاتها في إطار عصر النهضة؛ باعتبار أن عوامل النهضة الأدبية العربية تساعدنا على فهم طبيعة الخطاب الشعري الإحيائي، وعلى تفسير مضامينه وخياراته الفنية الجمالية وتأويلها. فشأن الشعر، من منظور بنيوي وظيفي ماكرو-سوسيولوجي كشأن سائر مجالات الإبداع كافة، فهو نتاج ظروف تاريخية واجتماعية في أحد أهم وجوهه، وذلك من منطلق أن الشعر جزء من الفعل الاجتماعي وأحد الحقول الاجتماعية المهمة، ويخضع في إنتاجه وتلقيه إلى عملية مركبة من التواصلية والتفاعلية. بمعنى آخر، فإنه كما أبرز ذلك بيير ماشري (Pierre Macherey)؛ لا ينبغي التعامل مع المنتج الأدبي الإبداعي كما لو كان منغلقاً على نفسه، متمركزاً فيها، ولا يرتبط بأي شيء خارجه. فهو - أي الخلق الثقافي الإبداعي - وفق ما ذهب إليه لوسيان غولدمان، نتاج ذاتٍ جماعية، ويحمل في باطنه رسائل ومعاني كاشفة عن طبيعة ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو «نسق الإحالات المشتركة» للذات الجماعية.

إذاً، ظهرت في العصر الحديث مدارس شعرية عربية متعددة، افتتحتها مدرسة الإحياء والبعث، ثم جاءت جماعة «الديوان»، وتولدت المدرسة الرومنطيقية، وذلك في بداية القرن العشرين متأثرة برموز الرومنطقية في الآداب الفرنسية والإنجليزية. وبعدها عرف الشعر العربي جماعة «أبولو»، وأيضاً ما سُمي «أدب المهجر»، وصولاً إلى مدرسة الواقعية في الأدب، ويليها ظهور حركة الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة، ثم قصيدة النثر من السبعينات من القرن الماضي، التي انطلقت بأعلامٍ ذوي مواهب مجيدة ونظرة نقدية كرّست أحد أهم شروط الحداثة في الثقافة العربية.

ومن الملاحظات الخاطفة التي نسوقها بشكل عاجل، أن اقتران التجديد الشعري مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب أظهر خصوصية البيئة العراقية الشعرية في هذا النزوع للتجديد والتجريب، الذي تواصل إلى اليوم؛ حيث نجد حالة من الانفتاح الجمالي فريدة من نوعها من الناحيتين: على مستوى الإنتاج الإبداعي، وأيضاً التلقي.

ولعل هذا الكم من المدارس والاتجاهات الذي شهده الشعر العربي في العصر الحديث يكشف بدقة ووضوح عن حالة من الحراك الشعري، من أهم مظاهرها وعناوينها استعادةٌ قوية لمكانة الشعر في الثقافة والحضارة العربيتين، واستنهاضٌ لوظيفة الشعر عند العرب وتلبيةٌ لحاجة اجتماعية وثقافية ملحة للشعر، بوصفه مجالاً من مجالات النهضة وأحد أبرز مضامينها ومسوغاتها. ولكن علاقة العرب بالشعر ظلت في الغالب سكونية في ارتباطها بالقصيدة العمودية؛ إذ نلحظ أن النزعة الإحيائية تظهر ثم تخفت قليلاً ولكن لا تغيب أبداً، الشيء الذي يعني أننا أمام مظهر من مظاهر الهوية التي تمارس الانكفاء من خلال القصيدة العمودية والتي تشغل مقام مقوِّمٍ من مقومات الهوية العربية.

في المقابل، يُعاني الشعر الحديث والمعاصر - بشكل أقل بكثير شعرُ التفعيلة وبشكل أكبر قصيدة النثر - من غياب شبه تام للدعم المؤسساتي المنظم، وضآلة الاعتراف الرسمي بِمُنْجَزِه الجمالي (طبعاً باستثناء بعض القامات الشعرية التي استطاعت الإقناع بالشعر الحديث، واستغلت جيداً فترة الركود «العمودي» الظرفي التي تحصل دائماً)، مقارنة بالحفاوة التي تحظى بها الأنماط التقليدية. فرغم أن الحداثة الشعرية تمثل الوجه الأكثر تعبيراً عن حيوية الإنسان المعاصر وتحولاته النفسية، فإنها لا تزال تُدفع بعيداً نحو الهامش والمبادرات الفردية. ولا يكاد يُرصد لهذا النمط التجديدي ميزانيات تُذكر، ولا توجد تطبيقات ذكية ممولة حكومياً تُعنى بجماليات البناء البصري والتدوير الحداثي، مما يترك الموهبة الشابة المعاصرة في عزلة رقمية وتواصلية رغم ما نراه من تهافت على كتابته والطريقة ذات الأثر العكسي التي يغزو بها وسائل التواصل الاجتماعي وهذا في حد ذاته موضوع جدير بالاهتمام.

ويتجلى هذا التهميش بوضوح في ندرة الجوائز الكبرى المخصصة حصرياً للتجريب النثري، وحرمان الأصوات الجديدة من منصات التكريس اللائقة وتدريب الناشئة، مما يجعل طباعة الدواوين الحديثة ونشرها عبئاً مالياً يقع على كاهل الشاعر نفسه وعدد من دور النشر الطلائعية. إن هذا التفاوت الصارخ في الضخ المالي والاهتمام المؤسساتي لا يعكس قيمة الفن الحقيقية، بقدر ما يكرس قطيعة تجعل الشعر الحديث محاصراً في النطاقات النخبوية الضيقة، ومحروماً من أدوات الانتشار التي تضمن له الحضور والامتداد في الوعي الجمعي؛ ناهيك عن أن الشعر الحديث بقدرته الخاصة على تدوين الراهن وتصوير تفاصيله بحساسية جديدة مع اللغة والواقع والروح المختلفة، سينتهي بنا إلى إيقاف الزمن الشعري عند العمودي، إذ الجماليات المختلفة هي أزمنة وأمكنة مختلفة أيضاً.

من باب الموضوعية، ربما يمكن القول إنه بحكم أن الإعلام الثقافي تشرف عليه في الغالب أصوات حداثية ومتشبعة بالإبداع العالمي، وعاشت في عواصم عربية وغربية جُبلت على التجديد، فإن الصفحات الثقافية تحتفي بالتجارب الشعرية الحداثية أكثر من الأخرى الكلاسيكية.

الفكرة باختصار لا تكمن في مناصرة القصيدة العمودية وتوفير آليات دعم قوية لتأمين البقاء وتأثيرها، فذاك أمر طبيعي ويؤدي وظيفة سوسيولوجية ذات علاقة بالهوية الجمعية، إضافة إلى ما تعنيه مناصرتها من حفظ للغة العربية كمقوِّم رئيسي من مقومات البناء الرمزي للهوية العربية. فالمشكلة - كما تبدو لنا - في هيمنة العمودي وغياب ممارسة ديمقراطية تجاه التعبيرات الجمالية كافة. كما أنه ليس من صالح الشعر العربي ولا الثقافة العربية ألا يوجَّه الضوء للدعم والمناصرة لتجارب شعرية غاية في الإبداع وصنع الدهشة، فقط لأنها من خارج أوزان القصيدة الخليلية. فلتتبارَ الأشكال الشعرية كافة، والرابح دوماً هو الشعر، الذي لا يحدده شكل ولا جماليات بعينها؛ فالشعر انفتاح وانقلاب متواصل تماماً كما هو العقل النقدي الذي محركه النقد.

بيت القصيد أو الجملة الشعرية المراد تسويقها: الشعر لا يضره إحياء القديم ولكن يزهر عندما ننصت لقلبه الحيّ الذي يتجدد مع كل دورة حياة.


«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون
TT

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

تتحرك الكاتبة اللبنانية رشا مختار دندشلي في روايتها «عروس قونيا - محاكمة شمس التبريزي» بين زمنين تفصل بينهما ثمانية قرون؛ زمن بطلة بيروتية معاصرة تعاني أزمة نفسية، وزمن كيميا خاتون، الطفلة التي عاشت في قونيا خلال القرن الثالث عشر، وظلت سيرتها عالقة في المنطقة الغامضة من العلاقة بين جلال الدين الرومي وشمس التبريزي.

غير أن الرواية الصادرة عن «دار الفارابي» ببيروت لا تنظر إلى الزمن بوصفه خطاً يفصل الماضي عن الحاضر؛ إذ يتداخل العالمان تدريجياً داخل وعي البطلة، لتصبح الحدود بين الذاكرة والتخييل، وبين التجربة النفسية والاستدعاء الميتافيزيقي، أكثر التباساً. وهكذا تتحول القرون الثمانية الفاصلة بين البطلتين إلى مساحة سردية تتقاطع داخلها ذاكرتان وطفولتان، وتستعيد من خلالها «كيميا» صوتاً غيّبته الحكاية الأشهر عن الرومي وشمس التبريزي.

يفتح السرد أمام البطلة بوابة زمنية تستعيد عبرها حياة «كيميا القديمة»، فتبدو كأنها «عاشت آلامها من قبل»، ويقود هذا المسار الرواية إلى منطقة ميتافيزيقية تتداخل فيها أفكار التقمص والتزامن والذاكرة الجمعية والأكوان المتوازية، وهي أفكار تستعيدها البطلة وتناقشها في حوار متصل مع جدها المنحدر من أصول صوفية.

كما يبدو اختيار الكاتبة لعمل بطلتها المعاصرة في مونتاج الأفلام الوثائقية مفتاحاً فنياً لبنية الرواية نفسها؛ إذ يتفعّل «المونتاج السردي» على امتداد العمل بين زمنين ومكانين وذاكرتين، وتدخل المشاهد المتباعدة في علاقات جديدة، بحيث تضيء كل لقطة ما يقابلها في الزمن الآخر. وتعيد الرواية تركيب شذرات سيرة كيميا داخل وعي امرأة معاصرة، فتغدو الحكاية القديمة مرآة لأزمات الحاضر. ويصبح عمل البطلة في المونتاج أكثر من مجرد تفصيلة مهنية؛ إذ ينسجم مع طبيعة وعيها الذي يجمع صوراً وأصواتاً وأزمنة متناثرة، ويعيد تركيبها داخل سردية واحدة.

ولا يقتصر التوازي بين البطلتين على حمل الألم أو الإحساس بالتخلي، بل يمتد إلى جراح الطفولة نفسها؛ فكلتاهما تواجه عالماً صنعه الكبار، ثم تركوا الطفلة تتحمل نتائجه.

تبعات الزلزال

تخلق الرواية بعض ومضاتها السردية الأبرز من خلال التقابل بين أحداث تفصل بينها قرون، لكنها تتجاور داخل ذهن البطلة، ففي أحد مشاهد الرواية يتزامن زلزال قونيا، الذي عدّه بعض أهلها لعنة إلهية حلت بهم بسبب إيذائهم شمس التبريزي، مع توابع زلزال ضرب بيروت، وأعادت حوله بعض الأصوات المعاصرة إنتاج التفسير الغيبي نفسه، بوصفه عقاباً أو لعنة.

ولا تتوقف هذه المقابلة عند تشابه حادثتين، بقدر ما تكشف استمرار العقل الجمعي في إنتاج تفسيراته نفسها، رغم تغير الأزمنة، فبينما يهتز المكانان، يبدأ الزمن نفسه في الاهتزاز داخل وعي البطلة؛ فتتجاور قونيا وبيروت، ويختلط الزلزال التاريخي بتوابعه المعاصرة، كما لو أن الحدثين يقعان في اللحظة نفسها.

تنجح الكاتبة في منح زمن قونيا كثافة محسوسة؛ فلا يظهر القرن الثالث عشر مجرد خلفية تاريخية، وإنما عالماً تجري معايشته عبر تفاصيل البيوت والأفنية والمدارس والأسواق والملابس والطعام ومجالس العلم والسماع. وتتيح هذه التفاصيل للقارئ أن يدخل بيت الرومي، ويرى نافورته وشجرة الدلب وحبات التفاح المتدلية من أغصانها، ويتابع التحوّلات التي أحدثها حضور شمس التبريزي في البيت والمدينة معاً. وتستعين دندشلي بالمادة التاريخية المتاحة، في مقدمتها «مناقب العارفين» لأحمد الأفلاكي، أحد أبرز المراجع القديمة عن سيرة الرومي وشمس التبريزي، لكنها لا تتعامل مع تلك المادة بوصفها حقيقة نهائية. فالفراغات والتناقضات المحيطة بمصير كيميا تصبح المساحة التي يدخل منها الخيال الروائي لإعادة تركيب الحكاية من منظور الشخصية التي ظلت طويلاً على هامشها.

وفي هذا المزج بين المرجع التاريخي والتخييل، لا تبحث الرواية عن إجابة قاطعة عما وقع، بقدر ما تحاول تصور ما كان يمكن أن تشعر به طفلة وجدت نفسها داخل واحدة من أشهر العلاقات الروحية في التاريخ. ولذلك لا تصبح قونيا ديكوراً تاريخياً، بل عالماً له لغته وأسئلته وصراعاته، تخضعه الرواية في الوقت نفسه للمراجعة، خصوصاً حين تتحول لغة «الباطن» والمشيئة الروحية إلى وسيلة لتبرير قرارات إنسانية قاسية.

محاكمة الأسطورة

تقود الكاتبة قارئها إلى سرد ملغم بالمفارقات داخل عالم الصوفية؛ فهي تنجذب إلى أسئلته عن الزمن والروح والفناء، لكنها ترفض التسليم بهالة القداسة التي أحاطت بأبطاله، ومن ثم تتبنى الرواية موقفاً نقدياً من السطوع المعاصر لنجم شمس التبريزي، لا سيما بعد الانتشار الواسع لرواية «قواعد العشق الأربعون»، كما لا تقف من جلال الدين الرومي موقف التسليم الذي يحجب تناقضاته البشرية.

لا تستهدف الرواية إنكار القيمة الروحية أو الشعرية للرومي والتبريزي، بقدر ما تسائل الثمن الإنساني الذي دفعه المحيطون بهما، وعلى رأسهم كيميا، فهي تعيد النظر في موافقة الرومي على تزويج الطفلة اليتيمة ذات الثالثة عشرة من شيخه المتقدم في العمر، في زواج بدا هدفه ضمان استقرار شمس ومنعه من مغادرة قونيا، إلى جانب إسكات الأقاويل التي لاحقت شدة تعلق الرجلين ببعضهما البعض.

هنا تكمن المفارقة المركزية؛ فالأسطورة التي قدمت الرومي وشمس بوصفهما رمزين للعشق المتعالي، تخفي في هامشها طفلة جرى التعامل معها كوسيلة لحماية هذا العشق وضمان استمراره. ومن خلال نقل كيميا من الهامش إلى مركز السرد، تتحول «عروس قونيا» من إعادة رواية سيرة صوفية شهيرة إلى مساءلة مَن امتلك حق كتابة تلك السيرة.

وفي مقابل هذه المراجعة التاريخية، تمضي البطلة المعاصرة في مراجعة أزماتها الشخصية؛ طفولتها، وشعورها بالتخلي، وهشاشتها النفسية، وقدرتها على التمييز بين ما عاشته بالفعل وما أعاد لا وعيها بناءه، وهكذا تتقدم المحاكمتان معاً؛ محاكمة الأسطورة في الماضي، ومحاكمة البطلة لتصوّرها عن نفسها في الحاضر.

ومع نهايتها، تكشف الرواية عن مفاجأة سردية لا تهدم ما سبق أن شيدته من أزمنة وعوالم، بقدر ما تكثف سؤالها عن العلاقة بين الزمن التاريخي والزمن النفسي، وعن المسافة الملتبسة بين الذاكرة والتخييل، وهي الأسئلة التي تشير إليها الكاتبة في المراجع التاريخية والنفسية والفلسفية التي استعانت بها، من دون أن تنحاز إلى تفسير نهائي لما عاشته البطلة.


ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.