انخفاض ضغط الدم عند الوقوف يتطلب اهتماماً طبياً

يحدث نتيجة عوامل متعددة في الجهاز العصبي والقلب والأوعية الدموية

انخفاض ضغط الدم عند الوقوف يتطلب اهتماماً طبياً
TT

انخفاض ضغط الدم عند الوقوف يتطلب اهتماماً طبياً

انخفاض ضغط الدم عند الوقوف يتطلب اهتماماً طبياً

ما يُعاني منه البعض من انخفاض سريع في ضغط الدم عند الوقوف بعد الجلوس، هو مشكلة شائعة نسبياً وتتطلب البحث عن الأسباب ومعالجتها. ذلك أن الانخفاض في ضغط الدم الذي يعتري الجسم في تلك اللحظات لا يتسبب فقط بالشعور بالدوار والدوخة، بل قد يُؤدي إلى الإغماء في بعض الأحيان، كما أنه قد يكون علامة لحالة مرضية تتطلب التنبه لها.

- حالة طبية
وتُسمى هذه الحالة طبياً بـ«انخفاض ضغط الدم الانتصابي» (Orthostatic Hypotension)، وقد تحصل عند الوقوف بعد الجلوس، أو الجلوس بعد الاستلقاء. وتتشابك عدة عوامل في الجهاز العصبي، والجهاز الدوري للقلب والأوعية الدموية، وعدد من المركبات الكيميائية للغدد الصماء، في مراحل آلية حصول هذه الحالة من انخفاض ضغط الدم المؤقت.
وتشير إليها المؤسسة القومية للصحة بالولايات المتحدة (NIH)، بقولها: «يعد انخفاض ضغط الدم الانتصابي حالة شائعة تصيب نحو 6 في المائة من السكان. وهذه الحالة شائعة بشكل خاص عند كبار السن، وتؤثر على ما لا يقل عن نسبة من 10 إلى 30 في المائة من الأشخاص في هذه المجموعة. وفي 40 في المائة من المرضى، لا يتم التوصل إلى سبب هذه الحالة».
وإضافة إلى محاولات الباحثين الطبيين معرفة المزيد حول آليات حصول ذلك الانخفاض المؤقت في ضغط الدم، ثمة محاولات أخرى لمعرفة كيفية القيام بوسائل عملية تُخفف من احتمالات حصولها بشكل شديد لدى منْ يُعانون من هذه الحالة بشكل مزمن ودون وضوح سبب ذلك لديهم.
وضمن عدد 9 فبراير (شباط) الماضي من مجلة «إيقاع نبض القلب» (Heart Rhythm)، عرض باحثون من جامعة كالغاري في ألبرتا بكندا طريقتين بسيطتين قد تساعدان المرضى في إدارة التعامل مع أعراض انخفاض ضغط الدم الانتصابي، خصوصاً عند الشابات. وأفاد الباحثون بأن بعض المناورات الجسدية البسيطة، مثل التنشيط المسبق لعضلات الجسم السفلية قبل الوقوف، وشد عضلات أسفل الجسم بعد الوقوف، كلها قد تؤدي إلى مواجهة انخفاض ضغط الدم الانتصابي وتقلل من أعراضه.
ووجد الباحثون أن الانخفاضات في متوسط مقدار ضغط الدم، والمعاناة من الأعراض المرافقة، قد قلت بشكل كبير باتباع تطبيق هذه المناورات البسيطة.

- انخفاض الضغط الانتصابي
ووفق ما تشير إليه المصادر الطبية، فإن انخفاض ضغط الدم الانتصابي هو بالعموم أحد أشكال انخفاض ضغط الدم. ولكن يتميز بأنه يحدث بشكل مؤقت عند الوقوف من الجلوس أو الجلوس من الاستلقاء. ويُمكن أن يشعر المُصاب بانخفاض ضغط الدم الانتصابي بالدوار، وربما يسبب له الإغماء. وهي أعراض عادةً ما تستمر لفترة أقل من عدة دقائق.
وثمة نوعان رئيسيان منه، أحدهما نوع يُسمى انخفاض ضغط الدم الانتصابي طويل الأجل. وهو ما قد يُشير إلى احتمال وجود إحدى المشكلات الصحية المزمنة، مع الشعور بالدوار عند الوقوف على نحو متكرر. ولذلك يختلف العلاج من حالة لأخرى وفق السبب المرضي.
والنوع الآخر يُسمى انخفاض ضغط الدم الانتصابي العرضي (الحاد). وهذا النوع الأخير عادة ما يحصل بسبب شيء واضح وطارئ، كجفاف الجسم من السوائل في حالات الحُمّي أو الإسهال أو القيء المتكرر. وكذلك نتيجة الاستلقاء أو الراحة في الفراش لفترة طويلة. وأيضاً مع انخفاض نسبة السكر في الدم أو اضطرابات نسب بعض الأملاح والمعادن في الدم.
وبمراجعة ما يذكره المرضى الذين يُعانون من هذه الحالة، فإن أكثر الأعراض شيوعاً هي الدوار أو الدوخة عند الوقوف بعد الجلوس أو الاستلقاء. وبعضهم يُضيف إما الرؤية الضبابية (زغللة العين)، أو الألم في الصدر، أو الصداع، أو الضيق في التنفس، أو الضعف والوهن الجسدي، أو الغثيان، أو التشويش الذهني وضعف التركيز. وقلّة منهم تذكر المعاناة من الإغماء.
وتجدر ملاحظة أن انخفاض ضغط الدم الانتصابي تختلف عن حالة متلازمة تسرّع نبض القلب الموضعي (POTS)، على الرغم من أن متلازمة تسرع نبض القلب الموضعي تسبب أعراضاً مشابهة لانخفاض ضغط الدم الانتصابي. إذْ إن كليهما يسبب الدوار أو الإغماء عند الوقوف.
ولكن إلى جانب انخفاض ضغط الدم، تتسبب متلازمة تسرع نبض القلب الموضعي في زيادة معدل ضربات القلب من 30 إلى 40 نبضة في الدقيقة في غضون 10 دقائق من الوقوف. كما أن متلازمة تسرع نبض القلب الموضعي أقل انتشاراً من انخفاض ضغط الدم الانتصابي.
وبالأصل، ضغط الدم يمثل تلك القوة التي يدفع بها الدم ضد جدران الشرايين أثناء جريانه فيها. ومن الضروري تفهّم أن الإنسان يحتاج إلى قوة ذلك الضغط الدموي، كي يجري ويتدفق الدم إلى الأعضاء المختلفة بسلاسة، وبشكل متواصل، وضمن معدلات لا تتسبب بالأذى على تلك الأعضاء.
وضغط الدم الصحي والمثالي لمعظم الناس أقل من 120 على 80 ملم زئبق. وتعد القراءة التي تقل عن 90 على 60 ملم زئبق، انخفاضاً في ضغط الدم.
ومعلوم أنه عندما ينقبض القلب، يندفع الدم بقوة من القلب نحو الشرايين لفترة وجيزة. وعندها يرتفع ضغط الدم، وهو ما يتم قياسه تحت اسم «ضغط الدم الانقباضي» (Systolic Pressure) أو الرقم العالي في قراءة قياس ضغط الدم. وعند حالة انبساط القلب وتوقفه عن الانقباض، تحصل حالة متوازنة من «الضغط» داخل الشرايين، كي تضمن استمرار تدفق الدم وضخه عبر الشرايين وصولاً إلى الأعضاء المختلفة. وهو ما يتم قياسه تحت اسم «ضغط الدم الانبساطي» (DiastolicPressure) أو الرقم المنخفض في قراءة قياس ضغط الدم.

- عوامل متشابكة
وتسهم عدة عوامل في تكوين هذه الحالة المتوازنة من «الضغط» داخل الشرايين طوال الوقت. ومن أهمها مرونة التمدد في الشرايين، وعدد من المركبات الكيميائية التي تفرزها الكلى وعدد من الغدد الصماء، وأيضاً للجهاز العصبي دور محوري آخر في تكوين هذه الحالة المتوازنة من الضغط داخل الشرايين طوال الوقت. ولذا عند حصول حالة «تصلّب الشرايين» يرتفع ضغط الدم.
وانخفاض ضغط الدم الانتصابي هو تلك الحالة التي ينخفض فيها ضغط الدم الانقباضي أكثر من 20 ملم زئبقي في الضغط الانقباضي و10 ملم زئبقي في الضغط الانبساطي، في غضون ثلاث دقائق من الوقوف، مقارنة بما كان عليه الحال أثناء الجلوس.
وتفسير ذلك، أنه عندما يكون المرء جالساً أو مستلقياً، يتدفق الدم بسهولة من الأوردة في ساقيه عائداً إلى القلب. وعندما يقف، يصعب على الدم في الأطراف السفلية لديه الوصول إلى القلب، بفعل الجاذبية الأرضية. ولذا يتوفر حينها قليل من الدم المتاح للقلب كي يضخه ويرسله إلى الأعضاء والعضلات، خصوصاً الدماغ. ونتيجة لذلك، ينخفض ضغط الدم بشكل مؤقت، ويحصل الشعور بالدوخة والدور، وربما يحصل الإغماء نتيجة النقص الشديد في تدفق الدم إلى الدماغ.
وتوضح المصادر الطبية أنه في الحالات الطبيعية، ولمنع حصول هذا الاضطراب، تشعر خلايا معينة (مستقبلات الضغط الموجودة في الشرايين القريبة من القلب وفي الرقبة) بهذا الانخفاض في ضغط الدم. ومن ثم ترسل خلايا مستقبلات الضغط هذه إشارات إلى مراكز في الدماغ، كي يرسل بدوره إشارات إلى القلب لينبض بوتيرة أسرع ويضخ مزيداً من الدم، وإشارات أخرى إلى الأوعية الدموية كي تضيق وتنقبض، ويزيد ضغط الدم بداخلها.
ومحصلة هذا كله هو عودة استقرار ضغط الدم وعدم تمادي الانخفاض فيه. أي أنه عادة وفي الحالات الطبيعية، يوفر الجهاز العصبي اللاإرادي تغييرات تعويضية في توتر الأوعية الدموية ومعدل ضربات القلب وانقباض القلب. ولكن لدى بعض الأفراد، قد تكون هذه الاستجابة معيبة أو غير كافية. وبالتالي يحدث نقص ضغط الدم الانتصابي عندما يؤثر شيء ما على مسار العمل الطبيعي في الجسم الذي يواجه انخفاض ضغط الدم المتوقع عند الوقوف.
وعلى سبيل المثال، وعند اضطراب عمل الجهاز العصبي، فإنه يصعب على ضغط الدم مواكبة التغيير في وضعية الجسم وتدفق الدم للأطراف السفلية بفعل الجاذبية الأرضية، عند الوقوف بعد الجلوس أو الاستلقاء.

- منْ هم المعرَّضون لانخفاض ضغط الدم الانتصابي؟
يمكن لأي شخص أن يصاب بانخفاض ضغط الدم الانتصابي. وتزيد هذه العوامل من المخاطر:
> التقدم في العمر: يفيد أطباء «مايو كلينك» بالقول: «تشيع الإصابة بنقص ضغط الدم الانتصابي بين الأشخاص البالغين من العمر 65 عاماً أو أكثر. إذ قد تصبح الخلايا الخاصة (مستقبلات الضغط القريبة من شرايين القلب والرقبة والمسؤولة عن تنظيم ضغط الدم) أكثر بُطئاً مع تقدمك في العمر. وقد يكون من الصعب أيضاً على القلب المتقدم في العمر أن تتسارع نبضاته ويعوّض الانخفاضات في ضغط الدم».
> فقر الدم أو نقص فيتامين بي 12.
> جفاف الجسم من السوائل، نتيجة إما الإسهال والقيء أو تناول أدوية مدرات البول أو عدم شرب كميات كافية من السوائل، أو إجراء التمارين الشاقة مع فرط التعرق.
> مشاكل واضطرابات في عمل الغدد الصماء، بما في ذلك مرض السكري وأمراض الغدة الدرقية ومرض أديسون. وفي مرض السكري قد يُؤدي انخفاض نسبة السكر في الدم إلى انخفاض ضغط الدم الانتصابي. وكذلك قد يتسبب مرض السكري في تلف الأعصاب التي تساعد في إرسال الإشارات المنظمة لضغط الدم عند تغير وضعية الجسم أثناء الوقوف.
> أمراض القلب، بما في ذلك عدم انتظام ضربات القلب وأمراض صمام القلب وضعف قصور القلب. وبعض أمراض القلب قد تؤدي إلى انخفاض ضغط الدم والبطء الشديد في ضربات القلب. وتمنع هذه الحالات من استجابة القلب بسرعة كافية وضخ مزيد من الدم عند الوقوف.
> تناول بعض الأدوية: الجرعات العالية من أدوية ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، مثل مدرّات البول وحاصرات مستقبلات ألفا وحاصرات مستقبلات بيتا وحاصرات قنوات الكالسيوم ومثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين (ACE) والنترات. وكذلك بعض أنواع معالجة الاكتئاب.
> المشاكل والاضطرابات المرضية العصبية، مثل مرض باركنسون والخرف.
> الحمل، خصوصاً خلال الأسابيع الـ24 الأولى من الحمل.
> بعد تناول الطعام (هبوط ضغط الدم بعد الأكل). ويزيد شيوع هذه الحالة بين كبار السن.
> عدم القدرة على الحركة لفترات طويلة بسبب المرض، بما في ذلك الراحة في الفراش أثناء الحمل.
وقد يكون الأشخاص المصابون بانخفاض ضغط الدم الانتصابي أكثر عرضة للإصابة بما يلي:
> كسور في العظام أو ارتجاج بسبب السقوط عند الشعور بالدوار أو الإغماء.
> انخفاض ضغط الدم بعد الأكل (Postprandial Hypotension)، وانخفاض ضغط الدم بعد 30 دقيقة إلى ساعتين من تناول الطعام (خصوصاً وجبة غنية بالكربوهيدرات).
> الصدمة أو فشل الأعضاء إذا ظل ضغط الدم منخفضاً للغاية.
> السكتة الدماغية أو أمراض القلب الناتجة عن تقلبات ضغط الدم.
- انخفاض ضغط الدم الاستلقائي (Supine Hypotension)، وانخفاض ضغط الدم الذي يحدث عند الاستلقاء على الظهر.


مقالات ذات صلة

الحمية التي أفادت صديقك… لماذا قد لا تناسبك؟

صحتك الحمية التي أفادت صديقك… لماذا قد لا تناسبك؟

الحمية التي أفادت صديقك… لماذا قد لا تناسبك؟

مراجعة حديثة تختبر الفوارق بين الوعود والنتائج

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
صحتك تناول بعض المشروبات على معدة فارغة قد يزيد الشعور بالحموضة أو يسبب تهيجاً وانزعاجاً بالمعدة (بيكسلز)

3 مشروبات صباحية تضر المعدة عند تناولها على معدة فارغة

تناول بعض المشروبات على معدة فارغة قد يأتي بنتيجة عكسية لدى بعض الأشخاص، إذ يمكن أن يزيد الشعور بالحموضة أو يسبب تهيجاً وانزعاجاً بالمعدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق المشي بانتظام يخفض احتمال التعرض لنوبات الانسداد الرئوي (جامعة ولاية نيو ميسيكو)

1000 خطوة إضافية يومياً تقلل نوبات تفاقم الانسداد الرئوي

أظهرت دراسة دولية أن المشي بانتظام قد يساعد الأشخاص المصابين بمرض الانسداد الرئوي المزمن على تقليل نوبات تفاقم الأعراض.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك خدر اليدين هو شعور غير طبيعي قد يكون عَرَضاً لكثير من الحالات الصحية المختلفة (بيكساباي)

هل تشعر بتنميل في يدك؟... 6 أسباب محتملة يجب أن تعرفها

قد يشير الشعور بالخدر في اليدين إلى أمور عدة؛ لذا عليك الانتباه إلى وتيرة حدوثه وتوقيته، ومدة استمراره، والأعراض الأخرى المصاحبة له.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك ينبغي على الرجال تجنّب الإفراط في شرب السوائل قبل النوم (بيكسلز)

4 عادات بسيطة قبل النوم تحمي البروستاتا على المدى الطويل

قد تبدو بعض العادات التي نمارسها في الساعات الأخيرة من اليوم بسيطة، لكنها قد تساعد في دعم صحة البروستاتا والمسالك البولية على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الحمية التي أفادت صديقك… لماذا قد لا تناسبك؟

الحمية التي أفادت صديقك… لماذا قد لا تناسبك؟
TT

الحمية التي أفادت صديقك… لماذا قد لا تناسبك؟

الحمية التي أفادت صديقك… لماذا قد لا تناسبك؟

يتّبع صديقك حمية فينخفض وزنه، فتجرّبها ولا تحصل على النتيجة نفسها. لذا تتساءل: هل أخطأت في تطبيقها، أم أن جسمك يحتاج إلى شيء مختلف؟ وراء هذا السؤال اليومي مجال بحثي متنامٍ يحاول فهم اختلاف استجاباتنا للطعام، ويستعين بالذكاء الاصطناعي للبحث عن إجابات أكثر تخصيصاً.

تخيّل تطبيقاً يقترح وجباتك بعد تحليل عاداتك الغذائية، وبعض مؤشرات صحتك، بدلاً من إرسال القائمة نفسها إلى الجميع. وهذه الفكرة تُختبر بالفعل بأشكال مختلفة، لكن المسافة ما زالت قائمة بين توصية تبدو مصمّمة لك وتوصية ثبت أنها تحسّن صحتك.

فهل يقرّبنا الذكاء الاصطناعي من غذاء يناسب كل شخص، أم يضيف وعداً جديداً إلى سوق الحميات المزدحمة؟

أكثر من قائمة ممنوعات

تنطلق «التغذية الشخصية» من أن احتياجات الناس وظروفهم ليست متطابقة، فالعمر، والحالة الصحية، والأدوية، والنشاط البدني، والعادات اليومية، كلها عوامل تؤثر في اختيار الغذاء المناسب. وتحاول الأبحاث إضافة معلومات أعمق -مثل الجينات، ومؤشرات الأيض، وميكروبات الأمعاء- إلى هذه الصورة.

ولا تعني الفكرة إلغاء مبادئ التغذية الصحية العامة، أو أن لكل إنسان حمية سِرّيّة تنتظر اكتشافها، فالتخصيص قد يكون بسيطاً: نصيحة تراعي مرضاً مزمناً، أو ميزانية الأسرة، أو الأطعمة المتاحة، أو قدرة الشخص على الالتزام.

السؤال المهم إذن: متى تضيف التحاليل والخوارزميات فائدة تستحق تكلفتها، وتعقيدها؟

ضيوف على مائدتنا

داخل الأمعاء تعيش مجتمعات من الكائنات الدقيقة تُعرف باسم الميكروبيوم المعوي. وهي تشارك في معالجة مكونات غذائية، وتتفاعل مع الجسم، ويختلف تركيبها بين الأفراد. لكن قراءة هذه الاختلافات وتحويلها إلى نصائح نافعة ليست مهمة سهلة.

في دراسة نُشرت بمجلة «Nature Medicine» في 23 مارس (آذار) 2026، حلّل باحثون بيانات 10068 مشاركاً في «مشروع النمط الظاهري البشري»، وجمعوا بين سجلات الطعام عبر تطبيق وتحليل الميكروبيوم.

وجد الفريق ارتباطات بين تناول أطعمة معينة ووفرة أنواع من ميكروبات الأمعاء، كما ارتبطت الأنماط الغذائية -ومنها درجة تصنيع الطعام- بتنوع هذه المجتمعات، وتركيبها.

وطوّر الباحثون محاكاة لاستكشاف كيف قد تغيّر تعديلات غذائية شخصية الميكروبيوم. لكنها كانت توقعات بحثية؛ فلم تثبت الدراسة أن اتباع قوائم تقترحها الخوارزمية يحسّن الصحة فعلياً. وهذا فارق أساسي بين رسم طريق محتمل وتجربته.

رسم تعبيري للذكاء الاصطناعي: البحث عن أنماط تساعد على تخصيص التوصيات الغذائية

ماذا تفعل الخوارزمية؟

يصعب على الإنسان اكتشاف العلاقات المتشابكة داخل آلاف السجلات الغذائية، والقياسات الصحية. هنا تستطيع خوارزميات التعلّم الآلي البحث عن أنماط، وبناء نماذج تتنبأ باستجابات محتملة، أو تقترح خيارات تستحق الاختبار.

لكن التنبؤ يتأثر بالبيانات التي تعلّم منها النظام. فإذا كانت سجلات الطعام ناقصة، أو كان المشاركون لا يمثّلون المستخدمين الجدد، فقد تقل دقته. كما أن اكتشاف ارتباط بين طعام وميكروب لا يكفي لإثبات أن تغيير ذلك الطعام سيمنع مرضاً، أو يعالجه.

لذلك لا تُقاس جودة التوصية بمدى تفصيلها، أو جاذبية التطبيق، بل بما يحدث لمن يتبعها مقارنة بنصيحة غذائية أخرى مناسبة .

فوائد حقيقية... لكن محدودة

تقدّم مراجعة منهجية وتحليل تجميعي نُشرا في مجلة «The Journal of Nutrition» في 23 سبتمبر (أيلول) 2026 اختباراً مهماً لهذه الوعود.

شملت المراجعة 262 دراسة عن التغذية الشخصية المدعومة بالتقنيات، ومنها الذكاء الاصطناعي، والتطبيقات، والأجهزة القابلة للارتداء. ولم تكن جميعها تجارب علاجية، أو تستخدم الذكاء الاصطناعي وحده.

وفي الدراسات القابلة للجمع إحصائياً، بلغ متوسط الفرق في الوزن نحو كيلوغرامين لصالح التدخلات المدروسة. وظهرت فوائد متواضعة أيضاً في إنقاص محيط الخصر، وضغط الدم الانقباضي، بينما لم يظهر تحسن إجمالي ذو دلالة إحصائية في مؤشرات السكر، والدهون.

والأهم أن قوة الأدلة كانت تتراوح بين منخفضة إلى منخفضة جداً، بسبب تفاوت الدراسات، ومحدوديتها. لذلك لا تمثل هذه المتوسطات وعداً بما سيحققه كل مستخدم، ولا تثبت تفوق كل برنامج يرفع شعار «التغذية الذكية».

هل يعرف التطبيق مائدتك؟

بالنسبة إلى القارئ العربي، يبدأ التخصيص بسؤال عملي: هل يفهم النظام الطعام الذي نأكله فعلاً؟ فالطبق الواحد قد تختلف مكوناته، وحصصه، وطريقة طهوه بين منزل وآخر، وقد لا تعكس قواعد البيانات هذا التنوع بدقة. ثم تأتي أسئلة التكلفة، والخصوصية: هل تحتاج التوصية إلى فحوص متكررة؟ ومن يحتفظ ببياناتك الصحية؟ وهل تستطيع شراء الأطعمة المقترحة، وإدخالها إلى وجبات الأسرة؟

إن النصيحة التي تبدو مثالية على الشاشة قد تفشل إذا تجاهلت حياة صاحبها. ويظل اختصاصي التغذية مهماً لربط المعلومات العلمية بالمرض، والأدوية، والتفضيلات، والواقع اليومي.

حضور الأدوات الرقمية في اختياراتنا الغذائية اليومية

قبل أن تسلّم هاتفك قائمة الطعام

لا تُعلن هذه الأبحاث نهاية الحميات، بل تدعو إلى اختبار طريقة أفضل لاختيارها، ومتابعتها. وقد يصبح الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة حين يساعد الإنسان على فهم خياراته، ويمنح المختص معلومات قابلة للمراجعة. أما السؤال الذي يستحق أن يسبق الاشتراك في أي برنامج هو: ما الدليل على أن توصياته تحسّن الصحة؟ ولمن؟ وعلى مدى كم من الوقت؟

قد يعرف التطبيق آلاف الأطعمة، لكن معرفة ما يناسبك تحتاج أيضاً إلى دليل، وتجربة، وحوار. فالنجاح ليس أن تصبح وجبتك أكثر تعقيداً، بل أن تصبح صحتك أفضل، وأن تستطيع الاستمرار.


3 مشروبات صباحية تضر المعدة عند تناولها على معدة فارغة

تناول بعض المشروبات على معدة فارغة قد يزيد الشعور بالحموضة أو يسبب تهيجاً وانزعاجاً بالمعدة (بيكسلز)
تناول بعض المشروبات على معدة فارغة قد يزيد الشعور بالحموضة أو يسبب تهيجاً وانزعاجاً بالمعدة (بيكسلز)
TT

3 مشروبات صباحية تضر المعدة عند تناولها على معدة فارغة

تناول بعض المشروبات على معدة فارغة قد يزيد الشعور بالحموضة أو يسبب تهيجاً وانزعاجاً بالمعدة (بيكسلز)
تناول بعض المشروبات على معدة فارغة قد يزيد الشعور بالحموضة أو يسبب تهيجاً وانزعاجاً بالمعدة (بيكسلز)

مع بداية كل صباح، يبحث كثيرون عن مشروب يمنحهم النشاط والانتعاش، فيتجهون تلقائياً إلى القهوة أو العصائر أو غيرها من المشروبات التي تبدو للوهلة الأولى اختيارات صحية. لكن تناول بعض هذه المشروبات على معدة فارغة قد يأتي بنتيجة عكسية لدى بعض الأشخاص، إذ يمكن أن يزيد الشعور بالحموضة أو يسبب تهيجاً وانزعاجاً بالمعدة، خصوصاً لدى من يعانون من حساسية المعدة أو ارتجاع المريء.

وفيما يلي أبرز المشروبات التي قد تضر المعدة عند شربها على معدة فارغة:

القهوة

تأتي القهوة في مقدمة المشروبات التي قد تسبب انزعاجاً للمعدة لدى بعض الأشخاص عند تناولها قبل الإفطار.

ووفقاً لموقع «كليفلاند كلينك»، تحتوي القهوة على أحماض طبيعية. كما يمكن للكافيين أن يؤدي إلى زيادة إنتاج حمض المعدة وإرخاء العضلة الموجودة بين المعدة والمريء، وهو ما قد يسهّل صعود الحمض إلى المريء لدى الأشخاص المعرّضين للارتجاع.

وأشار تقرير لصحيفة «الإندبندنت» البريطانية إلى أن شرب القهوة على معدة فارغة قد يرتبط لدى بعض الأشخاص بآلام أو اضطرابات هضمية وحرقة، في حين قد يساعد تناول الطعام مع القهوة على تقليل هذه الأعراض.

عصائر الحمضيات

رغم احتواء عصائر البرتقال والليمون وغيرها من الحمضيات على عناصر غذائية وفيتامينات مهمة، فإن حموضتها قد تسبب حرقة أو تهيجاً لدى بعض الأشخاص عند تناولها والمعدة فارغة، خصوصاً المصابين بارتجاع المريء، حسبما نقله موقع «مايو كلينك».

لذلك، قد يكون تناول هذه العصائر بعد وجبة الإفطار خياراً ألطف على المعدة، مع تجنبها إذا كانت تسبب أعراضاً متكررة.

المشروبات الغازية

يعتقد البعض أن المشروبات الغازية تساعد على الهضم أو تمنح المعدة شعوراً بالراحة، إلا أنها في الواقع قد تتسبب في مشكلات في المعدة خصوصاً عند تناولها على معدة خالية من الطعام.

وحسب «مايو كلينك»، تحتوي المشروبات الغازية على ثاني أكسيد الكربون الذي يكوّن فقاعات داخل المعدة، ما قد يزيد الانتفاخ والتجشؤ والضغط على المعدة، وقد يُسهم ذلك في صعود محتوياتها الحمضية إلى المريء لدى الأشخاص المصابين بالارتجاع. كما أن بعض هذه المشروبات تحتوي على الكافيين والأحماض، وهي مكونات قد تزيد الحموضة وتهيج المعدة لدى الأشخاص الأكثر حساسية.


اللياقة البدنية الجيدة في الطفولة تحمي من الاكتئاب في مرحلة البلوغ

اللياقة البدنية الجيدة في الطفولة تحمي من الاكتئاب في مرحلة البلوغ
TT

اللياقة البدنية الجيدة في الطفولة تحمي من الاكتئاب في مرحلة البلوغ

اللياقة البدنية الجيدة في الطفولة تحمي من الاكتئاب في مرحلة البلوغ

أظهرت دراسة حديثة لباحثين من جامعتي أديلايد وتسمانيا في أستراليا، نُشرت أخيراً في «مجلة اضطرابات المزاج» the Journal of Affective Disorders، أن الأطفال الأكثر لياقة بدنية أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب في مرحلة البلوغ.

واستخدم الباحثون بيانات أُخذت من دراسة امتدت لأكثر من 30 عاماً، وتناولت العوامل المختلفة في مرحلة الطفولة التي يكون لها تأثير واضح على الصحة في مرحلة البلوغ، ووجدوا أن اللياقة البدنية الجيدة في مرحلة الطفولة انعكست بالإيجاب على الأطفال، لا على المستوى العضوي في الطفولة فقط، ولكن أيضاً على المستوى النفسي بعد أن أصبحوا بالغين.

وقام الباحثون بإجراء الدراسة على ما يزيد عن ألف طفل على مرحلتين: المرحلة الأولى في عام 1985 عندما تراوحت أعمار هؤلاء الأطفال بين 7 و15 عاماً، ثم أعيد تقييمهم عندما كانوا في منتصف العمر، أي بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود كاملة.

قياس مستويات اللياقة البدنية

قاس الباحثون مستويات اللياقة البدنية للأطفال عن طريق اختبار أدائهم في رياضات معينة قادرة على قياس صحة القلب، والعضلات. وعلى سبيل المثال تم استخدام اختبار الجري لمسافة 1.6 كيلومتر (ميل واحد) لتقييم لياقة الجهاز التنفسي، وصحة القلب، حيث قُدرت اللياقة القلبية التنفسية الجيدة بوصفها (القدرة على أداء عمل بدني عند معدل ضربات قلب يبلغ 170 نبضة في الدقيقة).

كما تم تقييم القدرة العضلية لدى جميع الأطفال والمراهقين (7 - 15 عاماً) من خلال قوة أدائهم في اختبار الوثب الطويل من الثبات، وقد اختار الباحثون هذه الرياضة على وجه التحديد لأن توظيف استخدام القدمين مع أرجحة الذراعين يحدث بشكل متزامن لدفع الجسم إلى الأمام. وأتيحت لكل مشارك محاولتان للقفز، وتم تسجيل المسافة الأبعد التي حققها.

وقام العلماء بتثبيت جميع العوامل التي يمكن أن تؤثر في النتيجة النهائية، مثل العمر، والجنس، والأداء الدراسي، وأيضاً المستوى الاجتماعي والاقتصادي للأسرة، والمستوى التعليمي للوالدين.

تقييم الصحة النفسية

في المرحلة الثانية بعد مرور أكثر من 30 عاماً تم تقييم الصحة النفسية للمشاركين، وذلك باستخدام نسخة مخصصة لتقييم الحالات المرضية النفسية على مدار العمر، حيث أتم المشاركون مقابلات مع أطباء نفسيين عبر الحاسوب، وتم سؤالهم إذا كانوا قد عانوا من الاكتئاب في أي مرحلة من حياتهم، وحُددت شدة حالات الاكتئاب (الخفيف، أو المتوسط، ​​أو الشديد) تبعاً لمعايير منظمة الصحة العالمية.

وقام الباحثون بتصنيف المشاركين إلى فئتين، الأولى ضمت من عانوا من الاكتئاب في أي وقت مضى، والثانية ضمت من لم يعانوا منه مطلقاً. كما تم حسبان سنة ظهور المرض لأول مرة بالاستناد إلى تاريخ ميلاد المشارك وعمره عند بدء ظهور الأعراض لأول مرة، وقاموا باستبعاد الأفراد إذا كانت سنة ظهور المرض لديهم تسبق عام 1985، أو تزامنت معه.

الصحة النفسية نتاج اللياقة البدنية

أظهرت النتائج أن المشاركين الذين تمتعوا بصحة نفسية جيدة في البلوغ كانوا الأكثر لياقة بدنية في مرحلة الطفولة بغض النظر عن نوع الرياضة. وفي المجمل سجل الذكور مستويات لياقة بدنية أعلى مقارنة بالإناث خلال مرحلتي الطفولة، والمراهقة، ما انعكس على الحالة النفسية لاحقاً، حيث عانت نسبة أكبر من الإناث (21 في المائة) من الاكتئاب خلال حياتهن مقارنة بالذكور (14 في المائة).

وأخيراً أوضح الباحثون أن نتائج الدراسة لا تعني أن عدم ممارسة الرياضة في الطفولة يؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب في المستقبل، ولكن توضح الأثر الكبير للياقة البدنية الجيدة على الصحة النفسية.