خدمات غذائية في منظومة الرعاية الصحية المنزلية

توصيات لتعزيز صحة كبار السن

خدمات غذائية في منظومة الرعاية الصحية المنزلية
TT

خدمات غذائية في منظومة الرعاية الصحية المنزلية

خدمات غذائية في منظومة الرعاية الصحية المنزلية

تقديم الرعاية الصحية المنزلية للمرضى وتطورها في الآونة الأخيرة يعد من الفرص الواعدة والقابلة للتطور والقليلة في التكلفة مقارنة بالرعاية التي تقدم لهم في المستشفيات والمراكز المتخصصة. وتشير الدراسات إلى الزيادة في معدلات الرضا لدى المرضى وذويهم تجاه مراكز الرعاية الصحية المنزلية، خصوصاً كبار السن الذين تتطلب طبيعة أعمارهم منحهم اعتبارات خاصة من ناحية التغذية. وبما أن التغذية أساسية للصحة، فإن تغذية كبار السن ضرورية لتقليل آثار التقدم في العمر، ووقايتهم من الأمراض، وكذلك التحكم في التغيرات الفسيولوجية والفيزيائية والنفسية المرتبطة بالعمر. وسوف نركز هنا على تغذية كبار السن.

خدمات غذائية منزلية
تحدثت إلى ملحق «صحتك» الدكتورة سمية صالح سليمان أخصائية تغذية علاجية بكلية سانت شارلز للمجتمع مدينة سانت لويس بولاية ميسوري الأميركية، التي كانت من المتحدثات في مؤتمر «سلام» الدولي الأول للرعاية الصحية المنزلية الذي سبقت لنا تغطية أهم أوراقه العلمية إبان انعقاده في الأسبوع الأول من هذا الشهر، وأوضحت أن كل الدراسات تؤكد أن تلقي المرضى في منازلهم، وبشكل خاص كبار السن منهم، لتداخلات غذائية مقدمة من متخصصين في التغذية يقلل من نسب الوفيات بينهم ويحسن الوضع الصحي لديهم بشكل ملحوظ.
وأشارت إلى أن دور أخصائي التغذية يختص في المساهمة في منع ومعالجة حالات سوء التغذية وتحسين الوضع الغذائي والصحي وجودة الحياة للمريض. وبعد أن يجري الطبيب فحصاً شاملاً يقرر من خلاله نوعية الأغذية التي يجب تناولها، يبدأ دور مختصي التغذية بعمل تقييم غذائي وصحي ابتداء من كيفية الحصول على الأغذية الجيدة ونوعيتها ومن ثم إعدادها وصولاً إلى المضغ والبلع، ويتم شرح خطوات الرعاية التغذوية وربطها مع التشخيص والتداخلات الغذائية ومن ثم تحديد الخطوات للمتابعة والتقييم.
إن الدعم التغذوي للمرضى المقدم من مختصي التغذية المدربين وذوي المعرفة في حالات التغذية الأنبوبية مثلاً يقلل من فرص المضاعفات ويحسن من النتائج، وذلك بفضل الدور المتميز لهم في تقديم التعليم والتدريب للأسرة مع المتابعة والمراقبة، ويشمل، بجانب التقييم التغذوي المبدئي ونمط الحياة، برامج للتحكم في العوامل المؤثرة على نمط الحياة والسكري مع تقديم زيارات للمتابعة والمراجعة لقياس مدى التطور في الوضع الصحي.
إن دور مختصي التغذية في معالجة مريض بالرعاية الصحية المنزلية لا يقتصر على متابعة تأثير الغذاء على الوضع الصحي فقط، بل أيضاً تقديم التثقيف الصحي والغذائي لزيادة الالتزام والمتابعة من قبل الأسرة، حيث إن التقدم في العمر عادة مرتبط بمجموعة من التغيرات الفسيولوجية التي تجعل من الصعوبة لهذه الفئة الحصول على الاحتياجات الغذائية.
اما الفئات التي تتطلب رعاية صحية منزلية فتشمل:
- المرضى المتعافين من إصابات أو المتلقين لمعالجات طبية أو أدوية وريدية.
- المرضى الذين يعانون من مضاعفات صحية أو أمراض مزمنة كالسكري والضغط.
- كبار السن الذين يعانون من مشاكل تغذوية أو يتطلب وضعهم الصحي حمية معينة مختصة بالوزن (نقصان أو زيادة).

تغذية تكميلية
تقول الدكتورة سمية سليمان إن الإحصائيات تؤكد أن نسبة كبار السن مقارنة بالفئات في مقتبل العمر هي في ازدياد، وحيث إن الفئة العمرية من 55 إلى 64 سنة، تعد على مشارف الدخول في مرحلة التقدم في العمر، فإن الفئة العمرية من 85 فأكثر تقع ضمن فئة كبار السن. إن التقدم في العمر عملية طبيعية تتطلب اعتبارات خاصة من ناحية التغذية، للأسباب التالية:
- يعاني كبار السن كثيراً من العزلة وليس المقصود بالضرورة العيش بمفردهم، ولكن تشمل أيضاً قلة التواصل، حيث ينعكس ذلك على تناولهم لوجبات متكررة مع الإكثار من الأكل سريع التحضير، ما ينعكس على الحالة الصحية.
- يصاب كبار السن عادة بالضعف وقلة الطاقة، حيث يصبح التسوق وإعداد الوجبات أكثر صعوبة، ما يتطلب إعداد وجبات لا تتطلب جهداً كبيراً مع ضرورة مساهمة العائلة في إعدادها ومحاولة رفع الروح المعنوية وتعزيز الثقة لدى كبار السن.
- من المعروف أن حدة النظر تقل مع التقدم في العمر، ما يجعل التسوق والطبخ وقراءة وصفات الأطعمة، وحتى درجات حرارة الفرن من الصعوبة بمكان، وتقل حاستا التذوق والشم مع التقدم في العمر وأحياناً تزداد مع تناول الأدوية التي تؤدي إلى مزيد من التدهور الغذائي.
- زيادة حموضة المعدة وسوء الهضم من الأمور الشائعة عند التقدم في السن مع التأثير على امتصاص بعض الفيتامينات والمعادن مثل فيتامين بي 12، والبيوتين، والكالسيوم، والحديد والزنك. وتقديم وجبات صغيرة على مدار اليوم قد يقلل من الآثار الناجمة عن حموضة المعدة.
- فقدان الأسنان وتأثر اللثة مع قلة اللعاب المسؤول عن تطرية الأكل قد يجعل عمليتي المضغ والبلع من الصعوبة، حيث من الضروري في تلك الحالات أن تتم معالجة الأطعمة، بحيث يسهل مضغها وبلعها مع الأكل ببطء والتركيز على الوجبات الطرية العالية في البروتين.
- تقوية العضلات وتمارين المقاومة تقللان من فقدان العضلات وتزيدان من قوة العضلات حتى يزداد التوازن وتقل فرص السقوط.
- يجب ألا يتم تناول أي مكملات من دون استشارة الطبيب، حيث إن التغذية السليمة هي التي تقلل من فرص الإصابة بالأمراض.

تغذية وحركة
من المعروف أن التغذية السليمة والحركة تحسنان من جودة الحياة وتقللان من فرص التعرض للأمراض، لذلك يتوجب على كبار السن الاهتمام بجودة الأغذية التي يتم تناولها. هناك مجموعة من العوامل الوظيفية، والدوائية، والسيكولوجية والفسيولوجية التي تؤثر على تغذية كبار السن. بالإضافة إلى العوامل التي تتحكم في المضغ والبلع وقلة حاستي الشم والتذوق مع التقدم في العمر، والتي قد تؤدي إلى تدهور الوضع الصحي إذا تم تجاهلها، حيث يمكن التغلب على هذه العقبات بإضافة الأعشاب المناسبة، وتقديم الطعام على الشكل المهروس في صورة وجبات صغيرة متفرقة. إن الأغذية التي تقدم لكبار السن يجب أن تحتوي على جميع العناصر الغذائية التي تدعم النمو من الكربوهيدرات، والبروتينات، والدهون، والفيتامينات والمعادن، مع الاهتمام بتزويد الجسم بكمية كافية من السوائل لتجنب الجفاف والإمساك. ويكون على النحو التالي:
- إمداد الجسم بكمية كافية من السعرات الحرارية حتى لا يتم استهلاك العضلات، فكمية الكربوهيدرات تشكل من 50 إلى 60 في المائة من السعرات الحرارية. والألياف المتناولة خلال اليوم يجب ألا تقل عن 30 غراماً، واستهلاك البروتين في حدود من 9 إلى 10 في المائة من السعرات الحرارية اليومية. أما الدهون فتشكل ما بين 25 و35 في المائة من إجمالي السعرات الحرارية اليومية مع التقليل من الدهون المشبعة إلى أقل من 10 في المائة. أما الكميات الموصى بها من السوائل فتكون نحو 1700 ملليتر يومياً لتجنب الجفاف. والفيتامينات والمعادن يفضل تناولهما من المصادر الغذائية ضمن الوجبات الغذائية المتكاملة.
- الدعم الغذائي لكبار السن يتمثل في الالتزام ببروتين غذائي يومي، بتناول وجبات غذائية متكاملة والتنبه لأي مشكلة غذائية مع الالتزام بوجبات صغيرة على مدار اليوم.
- تدريب أفراد الأسرة على كيفية الاهتمام بكبار السن، وضرورة ترك فترة زمنية بين الأدوية والوجبات، وتشجيع كبار السن على تناول الوجبات، وتناول المكملات الغذائية عند الضرورة.
- في حالة تأثر الناحية الاجتماعية والعاطفية عند كبار السن يجب تقديم الأكل على شكل جذاب مع الاهتمام بالتنوع ودعوة الأصدقاء، حتى يصبح المحيط الاجتماعي أكثر متعة.
- أما في حالة تدهور الناحية العقلية، فمن الضروري تقديم اختيارات مختلفة بكميات صغيرة مع جعل الوجبات روتيناً محدداً من حيث الزمان والمكان وتناول الوجبة الأساسية في وقت الظهيرة، حيث الوضع العقلي في أحسن حالاته.

توصيات صحية
أصدر المؤتمر الدولي الأول لـ«سلام» للرعاية الصحية المنزلية توصياته بعد ختام فعالياته التي استمرت ثلاثة أيام (7 - 9 ديسمبر/ كانون الأول 2021)، بمشاركة نخبة من المختصين والخبراء على المستوى المحلي والإقليمي والدولي. وتمت فيه مناقشة مستقبل الرعاية الصحية فى النظم الصحية المتطورة، والدور الواعد للصحة المنزلية فى تشغيل تلك النظم بكفاءة وفاعلية ومخرجات بجدوى إقتصادية مناسبة. كما تطرق المؤتمر إلى طرح أوراق عمل مقدمة من كثير من الخبراء تناولت التجارب الناجحة لنماذج الرعاية الصحية المنزلية المحلية والعالمية، وألقت الضوء على سبل تطوير الخدمات وازدهارها وبالتأكيد على ضرورة التخطيط الاستراتييجي الجيد المتواكب مع المتغيرات الصحية الراهنة وتشغيل المرافق والخدمات على أساس القيمة المبنية على نتائج مخرجات الخدمات الصحية ومردودها فى الحفاظ على صحة المريض ورفاهية صحة المجتمع.
وكان من أهم التوصيات التي خرج بها المؤتمر:
1. تعد الرعاية الصحية المنزلية ركيزة أساسية ومهمة في تطوير النظام الصحي بالمملكة العربية السعودية للوصول إلى التحول المأمول لتحقيق رؤية 2030.
2. تحتاج الرعاية الصحية المنزلية حالياً إلى التوسع في نشر خدماتها لتصل إلى كل المستفيدين في أنحاء المملكة، ولسد الفجوة بين ازدياد الطلب وعجز المقدم عن الخدمات، تحتاج الجهات ذات العلاقة إلى تشجيع الاستثمار وجذب المستثمرين في القطاع الصحي الخاص وتذليل العقبات التي تواجه المستثمرين ذوي المشاريع القائمة حالياً وحمايتها، واتخاذ بعض الإجراءات التصحيحية لتعزيز هذا الهدف، ومنها:
• أن تعتمد الهيئة السعودية للتخصصات الصحية ترخيص فئة جديدة (مساعدة ممرضة) لحل مشكلة العجز فى توفير القوى العاملة المطلوبة من فئة التمريض، خصوصاً أن كثيراً من الخدمات الصحية المنزلية لا تحتاج إلى تمريض محترف مهنياً ومصنف كممرضة مسجلة.
• أن تعتمد الهيئة السعودية للتخصصات الصحية مراكز متخصصة لتدريب وتعليم الممارسين الصحيين في مجال الرعاية الصحية المنزلية تحديداً، حتى يحصل هذا التخصص على حقه الكامل في توفير المهارات الخاصة والتدريب المقنن الذي يحتاجه الممارس في هذا المجال.
• أن يقوم المركز السعودي لاعتماد المنشآت الصحية بتطبيق معايير الجودة وتقييم مخرجات الخدمات الصحية وتجربة المريض ودراسة استقصاء درجة رضاء المريض تجاه الخدمات المقدمة.
• أن تقوم وزارة الاستثمار بدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في مجال الرعاية الصحية المنزلية، وذلك بتخفيض الرسوم ومنح القروض لها.
• أن يقوم مجلس الضمان الصحي التعاوني على تطوير سياسات تقديم الخدمات بالوثيقة التأمينية الموحدة، وإضافة مزيد من خدمات الرعاية الصحية المنزلية لتصبح متكاملة في مضمونها وشاملة في مكوناتها كل الجوانب الصحية الوقائية والعلاجية والتأهيلية.
• أن تقوم وزارة الصحة بتوعية المجتمع لتقبل خدمات الرعاية الصحية المنزلية والتعرف على جودتها وإيجابياتها في كل ما يتعلق بالخدمات الطبية الوقائية والعلاجية ومتابعة وعلاج الأمراض المزمنة بالمنزل، وتأكيد أن دور المستشفيات محدد فقط في التعامل مع الحالات الحادة والحرجة، وذلك تفعيلاً للإدارة المثلى للخدمات الصحية على كل مستوى خدمي.
3. العمل بقوة على إدراج التقنيات الحديثة والطب الاتصالي والتحكم عن بعد للمؤشرات الحيوية للمريض في النظام الحالي للرعاية الصحية المنزلية، وذلك لتوسيع الرقعة الجغرافية لوصول الرعاية المنزلية والاستشارات الطبية إلى أقصى مدى من المستفيدين، وإيصال الخدمات الطبية المتطورة في المراكز المتقدمة في المدن تقنياً إلى المناطق الطرفية بسهولة وبتكلفة محدودة.
4. أن تتبنى الجهات ذات العلاقة دعم وتطبيق برنامج الرعاية المنزلية المتكامل للأمراض المزمنة (ارتفاع ضغط الدم، السكري، وارتفاع الدهون بالدم، والانسداد الشعبي الرئوي، ومرض الفشل الكلوي وغيرها).
5. إنشاء ودعم مراكز الرعاية الصحية المتخصصة في الرعاية المنزلية المكثفة والممتدة.

- استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

حتى من دون حمى... لماذا يصاب الجسم بالقشعريرة؟

صحتك القشعريرة تحدث عندما تنقبض عضلات الجسم وتسترخي بسرعة في محاولة لتوليد الحرارة (بيكسلز)

حتى من دون حمى... لماذا يصاب الجسم بالقشعريرة؟

قد تكون القشعريرة مجرد استجابة طبيعية يشعر بها الإنسان عندما يتعرض للبرد، لكنها في أحيان أخرى قد تكون إشارة إلى أن الجسم يحاول التعامل مع عدوى أو مشكلة صحية

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الرائحة الكريهة للطعام عادة ما تكون علامة تحذيرية تدل على أنه لم يعد آمناً للأكل (بيكسلز)

10 علامات تكشف أن طعامك لم يعد آمناً للأكل

قد يبدو من الصعب أحياناً تحديد ما إذا كان الطعام لا يزال آمناً للاستهلاك، خصوصاً عندما لا تكون علامات فساده واضحة من أول وهلة...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك تأثير القهوة والمشروبات الغنية بالكافيين يختلف من شخص لآخر (رويترز)

لماذا يختلف تأثير الكافيين من شخص لآخر؟

بينما يشعر بعض الأشخاص باليقظة والنشاط بعد كوب واحد من القهوة، يستطيع آخرون تناول الكافيين في المساء ثم النوم بسهولة بعد ذلك بوقت قصير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك التقدم في العمر قد يكون مرتبطاً بعادات يومية تبدو بسيطة وطبيعية (رويترز)

5 عادات يومية قد تسرّع علامات الشيخوخة لدى النساء

قد لا يكون التقدم في العمر مرتبطاً بالسن فقط بل بعادات يومية تبدو بسيطة وطبيعية لكنها قد تؤثر مع مرور الوقت بصحة الجسم وقدرته على الحفاظ على قوته وحيويته

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك اضطرابات نومك قد تؤثر في قدرة شريك حياتك على الالتزام بعادات غذائية صحية (بيكسلز)

اضطرابات النوم لدى شريك حياتك قد تفسد نظامك الغذائي

كشفت دراسة حديثة عن أن اضطرابات النوم لا تؤثر فقط في الشخص الذي يعاني منها، بل قد تمتد آثارها إلى شريك حياته، لتؤثر في قدرته على الالتزام بعادات غذائية صحية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«نقص الانتباه وفرط الحركة»... بين الحقائق والخرافات

«نقص الانتباه وفرط الحركة»... بين الحقائق والخرافات
TT

«نقص الانتباه وفرط الحركة»... بين الحقائق والخرافات

«نقص الانتباه وفرط الحركة»... بين الحقائق والخرافات

اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) من أكثر الاضطرابات النمائية العصبية حضوراً في النقاش العام، وربما من أكثرها عرضة لسوء الفهم؛ فبين من يرى كثرة الحركة أو التشتت دليلاً سريعاً على الاضطراب، ومن يشكك في وجوده أصلاً ويراه تسمية طبية لسلوك طبيعي، تضيع أحياناً القضية الأهم: التشخيص الدقيق لمن يحتاج إليه، وتجنب التشخيص لمن لا تنطبق عليه معاييره.

ويزداد النقاش حساسية عندما يصل إلى العلاج: فهل أصبح الدواء أحياناً طريقاً أسرع من البحث المتأني عن أسباب الصعوبات؟ وما دور الأسرة والمدرسة والبيئة؟ والأهم: كيف نفرق بين الاختلاف الطبيعي في الحركة والانتباه وبين اضطراب يؤثر فعلاً في التعلم والعلاقات والحياة اليومية؟

الإجابة لا تحتاج إلى موقف مع «ADHD» أو ضده، وإنما إلى العودة إلى العلم: ما الذي نعرفه عن الاضطراب؟ وكيف يُشخّص؟ وأين يمكن أن يحدث الخطأ؟

اضطراب حقيقي أم وهمي؟

• جدل بدأ من عنوان. وفي هذا السياق، التقت «صحتك» الدكتور وائل عبد الخالق الدكروري، رئيس قسم اضطرابات التواصل في شركة «عوين الطبية» بالرياض، والأستاذ المشارك بكلية الطب بجامعة الفيصل بالرياض، الأكاديمي والباحث والمستشار لعدد من الهيئات، فبدأ إجابته لافتاً إلى الجدل الذي أثاره أخيراً الفيلم الوثائقي البريطاني «The Great ADHD Myth»، بعد أن تابعه ووقف على ما يطرحه من أسئلة حول تشخيص الاضطراب وعلاجه.

وربما كان عنوان الوثائقي وحده كافياً لإشعال الجدل: «خرافة اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة الكبرى»؛ فالبرنامج لا يناقش فقط احتمال الإفراط في التشخيص أو استخدام الأدوية، وإنما يطرح سؤالاً أكثر جوهرية: هل نحن أمام اضطراب نمائي عصبي حقيقي؟ أم أمام سلوك إنساني طبيعي حوّله المجتمع الحديث إلى مرض؟

ويرى الدكتور وائل أن السؤال جذاب تلفزيونياً، لكنه يحتاج علمياً إلى مزيد من الدقة؛ فالوثائقي يثير أسئلة حول ارتفاع الإحالات للتقييم، واحتمال التشخيص الزائد، وتأثير متطلبات المدرسة والحياة الحديثة في نظرتنا إلى بعض السلوكيات الطبيعية، واللجوء إلى الدواء قبل النظر في البيئة التعليمية ونمط الحياة.

هذه أسئلة مشروعة؛ بل وضرورية. لكن هل وجود مشكلة محتملة في طريقة التشخيص والعلاج يعني أن وجود الاضطراب نفسه أصبح موضع شك؟

• ارتفاع حالات التشخيص، ماذا يعني فعلاً؟ يوضح الدكتور وائل أن ارتفاع الإحالات لتقييم «ADHD» خلال السنوات الأخيرة، وهي ظاهرة تظهر في بريطانيا وكذلك في كندا والولايات المتحدة، يحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فالمقارنات الرقمية قد تقود إلى استنتاجات غير دقيقة إذا لم تراعَ اختلافات الفئات العمرية والأنظمة الصحية وطرق الإحالة والتقييم.

ويشدد على ضرورة التمييز بين زيادة عدد الأشخاص الذين يطلبون التقييم، وزيادة عدد من يحصلون على التشخيص، والزيادة الحقيقية في انتشار الاضطراب؛ فارتفاع الوعي وتحسن التعرف إلى «ADHD» لدى البالغين، الذين كان الاضطراب يُغفل لديهم سابقاً، قد يرفعان أعداد طالبي التقييم.

وفي المقابل، فليس كل تشخيص يعدّ صحيحاً بالضرورة؛ فقد يحدث تشخيص متسرع أو غير دقيق، خصوصاً عندما يعتمد التقييم على استبيانات وقوائم أعراض من دون تاريخ نمائي شامل، أو معلومات من أكثر من بيئة، أو دراسة الحالات الأخرى التي قد تفسر الأعراض أو تصاحب الاضطراب.

ومن ثم، يمكن أن يوجد نقص في التشخيص لدى بعض الفئات، وتشخيص خاطئ أو زائد لدى فئات أخرى في الوقت نفسه. ويضيف الدكتور وائل أن عدم دقة بعض عمليات التقييم لا يعني أن «ADHD» غير موجود؛ فالخطأ في تشخيص مرض لا يلغي وجود المرض، كما أن وصف دواء لشخص لا يحتاج إليه لا يعني أن الدواء غير مفيد لمن يحتاج إليه فعلاً.

وهنا تصبح المشكلة في جودة الممارسة التشخيصية، لا في وجود الاضطراب ذاته.

الدكتور وائل عبد الخالق الدكروري

موقف العلم

• ماذا يقول العلم عن «دماغ المصاب بالاضطراب»؟ من القضايا التي تثير كثيراً من الالتباس في النقاش حول «ADHD»، عدم وجود صورة محددة للدماغ يمكن من خلالها تشخيص الاضطراب. ويوضح الدكتور وائل أن هذه المعلومة صحيحة، لكنها تصبح مضللة إذا استُخدمت للاستنتاج بأنه لا يوجد أساس عصبي للاضطراب.

فلا يوجد حالياً فحص دم أو تصوير للدماغ يشخّص «ADHD» لدى شخص بعينه؛ إذ يظل التشخيص سريرياً، ويعتمد على التاريخ النمائي، وطبيعة الأعراض واستمرارها وظهورها في أكثر من سياق، ومدى تأثيرها في حياة الشخص، إلى جانب البحث عن الحالات المصاحبة أو الأخرى التي قد تفسر بعض الأعراض.

ويلفت الدكتور وائل إلى أهمية الاضطرابات المصاحبة؛ ومنها اضطرابات النطق واللغة وصعوبات التعلم وغيرها؛ فكثيراً ما يترافق «ADHD» مع اضطرابات أو صعوبات أخرى، ما يعزز أهمية التقييم الشامل بدلاً من اختزال التشخيص في مجموعة من الأعراض الظاهرة.

وفي المقابل، تشير الدراسات الجينية والعصبية والنمائية إلى مساهمة وراثية قوية، وإلى اختلافات على مستوى المجموعات في نمو ووظائف بعض الشبكات الدماغية المرتبطة بالانتباه والتنظيم والوظائف التنفيذية. لكن هذه الاختلافات لا توفر حتى الآن «بصمة دماغية» يمكن استخدامها لتأكيد التشخيص أو نفيه لدى فرد بعينه.

كما تصنف المراجع التشخيصية الدولية المعتمدة «ADHD» ضمن الاضطرابات النمائية العصبية، ومنها الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5-TR) الصادر عن الجمعية الأميركية للطب النفسي، والتصنيف الدولي للأمراض (ICD-11) الصادر عن «منظمة الصحة العالمية».

ومن هنا، يبقى النقاش مشروعاً حول دقة التشخيص وطريقة تطبيق معاييره، لكنه يختلف عن اختزال «ADHD» في مجرد «صناعة اجتماعية».

• دور المدرسة. وماذا لو كانت المدرسة جزءاً من المشكلة؟ يرى الدكتور وائل أن دور البيئة التعليمية من القضايا المهمة التي ينبغي ألا تغيب عن النقاش؛ فمن المشروع أن نسأل عما إذا كانت هناك بيئات تعليمية تضع أحياناً حدوداً ضيقة لما تعدّه سلوكاً «طبيعياً»؛ فليس كل طفل قادراً على الجلوس لفترات طويلة أو المحافظة على المستوى نفسه من الانتباه، والاختلاف في الحركة والانتباه جزء من التنوع الطبيعي بين الأطفال.

وقد يستفيد بعض الأطفال من تعديلات بسيطة في البيئة التعليمية؛ مثل تقليل المشتتات، وتقسيم المهام إلى فترات أقصر، وإتاحة استراحات حركية، وتقديم تعليمات أكثر وضوحاً، وتغيير مكان الجلوس.

لكن الدكتور وائل يؤكد أن هذه التعديلات ليست بديلاً لبرامج التدخل في «ADHD»، بل هي جزء منها؛ إذ تؤكد الإرشادات المعتمدة أهمية التعديلات البيئية والتعليمية إلى جانب التدخلات الأخرى التي تُختار وفق عمر الطفل واحتياجاته، ومدى تأثير الأعراض في حياته.

فالبيئة قد تؤثر في طريقة ظهور صعوبات «ADHD» وشدتها وتأثيرها الوظيفي، لكن تحسن الطفل بعد تعديل البيئة لا يعني أن الاضطراب غير موجود. ومن ثم، فإن السؤال ليس: هل المشكلة في الطفل أم في المدرسة؟ وإنما: ما الذي يحتاج إليه هذا الطفل؟ وما الذي يمكن تعديله في بيئته لمساعدته؟

بداية الاضطراب... والعلاج

• أين يبدأ الاضطراب؟ يشير الدكتور وائل إلى أن معظم السلوكيات المرتبطة باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) موجودة بدرجات متفاوتة لدى الجميع؛ فكلنا نتشتت أحياناً، وقد نتصرف باندفاع، والأطفال بطبيعتهم أكثر حركة من البالغين. لكن وجود هذه السلوكيات وحده لا يعني وجود اضطراب.

إن الفارق لا يتعلق بوجود العرض فقط، وإنما بشدته واستمراره، ومدى ملاءمته للمرحلة العمرية، وظهوره في أكثر من سياق، وتأثيره الحقيقي في التعلم والعلاقات والحياة اليومية. كما أن صعوبات الانتباه أو الأداء المدرسي لا تقود بالضرورة إلى تشخيص واحد؛ فقد تكون وراءها صعوبات في اللغة أو التعلم، أو القلق، أو حالات أخرى قد تتداخل أعراضها مع «ADHD»، كما قد يجتمع بعض هذه الحالات مع الاضطراب نفسه.

ولهذا، يؤكد الدكتور وائل أن التشخيص الجيد لا يبدأ فقط من السؤال: «كم عَرَضاً من أعراض (ADHD) لدى هذا الطفل؟»، وإنما من سؤال أوسع وأكثر أهمية: «لماذا يواجه هذا الطفل هذه الصعوبات؟».

فالمطلوب هو النظر إلى الطفل ككل: تاريخه النمائي، وأداؤه في المدرسة والمنزل، وطبيعة الصعوبات وتأثيرها في حياته، والعوامل أو الحالات الأخرى التي قد تفسرها أو تسهم فيها؛ فالهدف ليس البحث عن ملصق تشخيصي، وإنما الوصول إلى التفسير الأدق للصعوبات التي يعيشها الطفل حتى يحصل على التدخل الذي يحتاج إليه.

• الدواء... هل أصبح الطريق الأقصر؟ من أكثر القضايا حساسية في الجدل حول «ADHD» استخدام الأدوية، وما إذا كان اللجوء إليها قد أصبح أسرع مما ينبغي في بعض الحالات. ويرى الدكتور وائل أن هذا التساؤل مشروع، لكن العلاج الجيد يبدأ بالتشخيص الجيد، ثم باختيار التدخل الأنسب لكل حالة.

ولا يعني تشخيص «ADHD» أن الدواء هو الخيار الوحيد أو التلقائي؛ فقد تشمل الخطة التعديلات البيئية والتعليمية، ودعم الأسرة، والتدخلات النفسية والسلوكية، إلى جانب العلاج الدوائي عندما يكون مناسباً، وتحت إشراف مختص مؤهل، مع متابعة الاستجابة والآثار الجانبية.

فالسؤال ليس مع الدواء أو ضده، وإنما متى يكون العلاج الدوائي مناسباً، ولمن، وكيف نتابع فائدته وسلامته.

إذن... ما السؤال الصحيح؟ في ختام الحديث، طرحت «صحتك» على الدكتور وائل سؤالاً مباشراً: ما السؤال الصحيح الذي ينبغي أن نطرحه وسط هذا الجدل؟ فأجاب أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان «ADHD» خرافة، وإنما: هل نشخّص اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة ونعالجه بالطريقة الصحيحة؟

ويقول الدكتور وائل: «نحن بحاجة فعلاً إلى مقاومة التشخيصات السريعة، والتأكد من عدم تحويل الاختلاف الطبيعي بين الأطفال إلى مرض، وإعطاء الأسرة والمدرسة والبيئة دوراً أكبر، واستخدام الدواء فقط عندما تكون فائدته واضحة، ومن خلال أصحاب الاختصاص، مع المتابعة الدقيقة لآثاره. لكن الانتقال من هذه الأسئلة المشروعة إلى التساؤل عما إذا كان (ADHD) نفسه (خرافة) هو قفزة لا تدعمها الأدلة العلمية الحالية».

ويضيف أن «ADHD» اضطراب نمائي عصبي تدعمه الأدلة العلمية، لكنه لا يمكن فهمه بعيداً عن البيئة والتعليم والأسرة ونمط الحياة. وقد يحصل بعض الأشخاص على تشخيص غير دقيق، بينما يعيش آخرون مع الاضطراب سنوات من دون أن يتعرف أحد إلى معاناتهم.

ومن هنا، فإن حماية الأطفال لا تكون بإنكار الاضطراب، ولا بوضع التشخيص أمام كل طفل كثير الحركة أو قليل التركيز؛ فالحماية تبدأ بالتقييم الجيد على أيدي المختصين، وبفهم الطفل وصعوباته قبل البحث عن اسم يطلق عليها.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن نختم به: كيف نضمن أن يحصل الطفل الذي يعاني فعلاً من «ADHD» على التشخيص والتدخل اللذين يحتاج إليهما، وفي الوقت نفسه ألّا نحول الاختلاف الطبيعي في السلوك الإنساني إلى اضطراب يحتاج إلى علاج؟

تساؤلات حول وجود اضطراب نمائي عصبي حقيقي... أو سلوك إنساني طبيعي حوّله المجتمع الحديث إلى مرض


استئصال اللوزتين يرتبط بزيادة التهابات الجهاز التنفسي للأطفال

استئصال اللوزتين يرتبط بزيادة التهابات الجهاز التنفسي للأطفال
TT

استئصال اللوزتين يرتبط بزيادة التهابات الجهاز التنفسي للأطفال

استئصال اللوزتين يرتبط بزيادة التهابات الجهاز التنفسي للأطفال

أظهرت دراسة حديثة لباحثين من جامعة سونغكيونكوان the Sungkyunkwan University في كوريا الجنوبية، ونُشرت في مجلة طب الأنف والأذن والحنجرة «the Journal of Rhinology»، في نهاية شهر يوليو (تموز) من العام الحالي، أن استئصال اللوزتين واللحمية يرتبط بزيادة احتمالية زيارة الأطفال للمستشفى بسبب التهابات الجهاز التنفسي سواء الجزء العلوي أو الجزء السفلي.

التهابات الجهاز التنفسي

من المعروف أن التهابات الجزء العلوي من الجهاز التنفسي تُعد من أكثر التشخيصات شيوعاً في الأطفال، حيث يُعاني الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0 و6 سنوات من نوبات متكررة من نزلات البرد والتهاب البلعوم واللوزتين على مدار العام. وفي الأغلب يتم شفاء معظم هذه الالتهابات بالعلاج الدوائي التحفظي، ولكن عندما تكون عدوى اللوزتين متكررة وشديدة الحدة يضطر الأطباء إلى التفكير في التدخل الجراحي وعمل استئصال للوزتين واللحمية.

على الرغم من أن استئصال اللوزتين واللحمية يُعد من أكثر العمليات الجراحية شيوعاً في الأطفال على مستوى العالم، فإن فاعليته السريرية في الحد من الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي الحادة لا تزال غير مؤكدة، وذلك لأن اللوزتين واللحمية عنصران أساسيان في الجهاز المناعي ويشاركان في التعرف المبكر على مسببات الأمراض وزيادة الاستجابة المناعية، وبالتالي عند الاستئصال يفقد الجسم جزءاً مهماً من قدرته على مقاومة التهابات الجهاز التنفسي.

قام الباحثون باستخدام قاعدة بيانات من المسح الوطني الشامل للسكان في كوريا، حيث تم اختيار المشاركين من الأطفال عشوائياً من هذه العينة في الفترة بين عامي 2010 و2017. وتم تحديد الأطفال الذين خضعوا لاستئصال اللوزتين واللحمية ومقارنتهم مع مجموعة ضابطة لم تخضع للجراحة، بنسبة بلغت 5 إلى 1 تقريباً حسب العمر والجنس (34 ألفاً إلى 6848 طفلاً على التوالي)، وتم تقسيم المشاركين إلى ثلاث فئات عمرية الأولى من عمر (0 حتى 4 أعوام) والثانية من عمر (5 حتى 9 أعوام) والثالثة من عمر (10 حتى 14 عاماً).

وللمقارنة بين معدل حدوث التهابات الجهاز التنفسي العلوي والسفلي بين مجموعتي الجراحة والمجموعة الضابطة، تم تقييم زيارات المستشفى المتعلقة بهذه الالتهابات خلال السنة السابقة لتاريخ بدء الدراسة، وخلال كل سنة من السنوات الثلاث التالية للجراحة.

وشملت تشخيصات التهابات الجهاز التنفسي العلوي، (التهاب الجيوب الأنفية الحاد والإنفلونزا والتهاب البلعوم الحاد والتهاب اللوزتين الحاد والتهاب الحنجرة والقصبة الهوائية الحاد، والتهاب لسان المزمار الحاد وأيضاً الالتهابات غير المحددة)، وشملت تشخيصات التهابات الجهاز التنفسي السفلي (التهاب الشعب الهوائية الحاد والتهاب القصيبات الحاد، والالتهاب الرئوي والتهابات الجهاز التنفسي السفلي غير المحددة).

وقام الباحثون بتثبيت جميع العوامل التي يمكن أن تؤثر في النتيجة النهائية، وأهمها وجود أي عدوى في الجهاز التنفسي في الفترة السابقة لإجراء الجراحة، وكذلك الظروف البيئية التي يمكن أن تسهم في زيادة الالتهابات التنفسية مثل الأماكن الرطبة سيئة التهوية.

مساوئ الاستئصال

وجد الباحثون أن مجموعة استئصال اللوزتين واللحمية كانت أكثر عرضة لزيارة المستشفى بسبب التهابات الجهاز التنفسي العلوي والسفلي مقارنة بالمجموعة الضابطة التي لم تخضع للجراحة، حيث أظهرت النتائج أن الأطفال الذين خضعوا لعملية استئصال اللوزتين واللحمية، كانت لديهم احتمالية أعلى بشكل ملحوظ للإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي العلوي الحادة، بعد مرور فترة من الجراحة بلغت من عام إلى عامين وفي بعض الأحيان وصلت إلى ثلاثة أعوام.

كانت احتمالية الإصابة بعدوى الجهاز التنفسي السفلي الحادة أعلى بشكل ملحوظ طوال فترة المتابعة، خلال السنة الأولى بعد الجراحة، وظلت هذه الاحتمالية مرتفعة حتى ثلاث سنوات بعد الجراحة، ولم يلاحظ الباحثون وجود أي علاقة واضحة للإجراء الجراحي مع الإصابة بالإنفلونزا أو الالتهاب الرئوي.

لاحظ الباحثون ارتباط زيادة التهابات الجهاز التنفسي السفلي بعمر الطفل، حيث كانت احتمالية زيارة المستشفى المرتبطة بالعدوى التنفسية أعلى في الفئة العمرية من (0 إلى 4 سنوات)، وذلك خلال السنتين الأولى والثانية بعد الجراحة، واستمرت احتمالية الإصابة بعدوى الجهاز التنفسي السفلي مرتفعة في الفئة العمرية من (5 إلى 9 سنوات) خلال السنوات الثانية والثالثة بعد الجراحة، وانخفضت احتمالات الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي بشكل واضح في الفئة العمرية من (10 - 14 سنة).

والجدير بالذكر أن الارتفاع في معدل التهابات الجهاز التنفسي بعد الجراحة كان أكثر وضوحاً لدى الأطفال الذين لم يكن لديهم تاريخ إصابة سابقة بالعدوى، ما يعني أن استئصال اللوزتين واللحمية ربما يؤدي إلى ضعف المناعة، وبالتالي زيادة الإصابة بالعدوى خاصة في الفئات العمرية الأصغر.

وأكد الباحثون أن عدم انخفاض معدل الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي بعد العلاج الجراحي راجع إلى عدة عوامل؛ أولها عامل العمر؛ ولذلك يجب مراعاة المسار الطبيعي لهذه الالتهابات في الأطفال؛ لأن الجهاز المناعي ينضج مع النمو ويقل معدل الإصابة بهذه الالتهابات تلقائياً بمرور الوقت، لذلك يجب الانتظار حتى بلوغ الطفل عمر أربع سنوات على الأقل لإجراء الجراحة.

أوضح الباحثون أن نتائج الدراسة لا تعني بالضرورة أن استئصال اللوزتين واللحمية إجراء غير ضروري أو يسبب ضرراً صحياً، ولكن يجب على الأطباء عمل موازنة للفوائد والمضاعفات الطبية المترتبة على إجراء العملية، بحيث يصبح الإجراء الجراحي هو الحل الأخير بعد فشل العلاج الدوائي في السيطرة على التهاب اللوزتين المتكرر.

* استشاري طب الأطفال.


بطء نبض القلب... 3 حقائق تهمك

بطء نبض القلب... 3 حقائق تهمك
TT

بطء نبض القلب... 3 حقائق تهمك

بطء نبض القلب... 3 حقائق تهمك

يعلم المرء أن حياته تعتمد على تواصل استمرارية صدور نبضات القلب، التي يتم من خلالها ضخ الدم إلى أعضاء الجسم كافة، سواء العالي الأهمية منها أو الأدنى من ذلك. ويعلم المرء أن توقف القلب عن النبض يعني توقف الحياة، كما يعلم أن حصول التوقف في صدور نبض القلب لا يتم بالضرورة فجأة، بل ربما بشكل متدرج في التباطؤ. ولذا فإن أي تباطؤ في صدور نبض القلب قد يعني تلقائياً للمرء أن ثمة شيئاً ما «غير طبيعي» و«مُثير جداً للقلق»، وأنه ربما «يُهدد» سلامة حياته.

بطء النبض

ولكن ربما لا تكون الأمور من الناحية الطبية كذلك. وإليك الحقائق التوضيحية التالية حول بطء نبض القلب:

1. بطء القلب هو انخفاضٌ في سرعة حصول نبضات القلب. ومعدل ضربات القلب هو عدد نبضات القلب في الدقيقة الواحدة. والطبيعي أن يتراوح معدّل نبضات القلب لدى البالغين أثناء الراحة ما بين 60 و100 نبضة في الدقيقة. وظهر هذا التحديد للمدى الطبيعي لعدد نبضات القلب لأول مرة في عام 1928 عندما نشرت جمعية القلب في نيويورك NYHA طبعتها الأولى من «تسمية ومعايير تشخيص أمراض القلب».

ولذا تعني الإصابة ببطء القلب أن سرعة قلب الشخص هي أقل من 60 نبضة في الدقيقة. ولفهم أسباب بطء القلب على نحو أفضل، قد تُفيد معرفة الطريقة التي ينبض بها القلب عادة. وللتوضيح، يتكون القلب الطبيعي من أربع حجرات. وتُعرف الحجرتان العلويتان باسم الأذينَين، بينما تُعرف الحجرتان السفليتان باسم البُطينين.

وتحدث نبضة القلب عندما تُرسل إشارات كهربائية إلى عضلة القلب للانقباض وضخ الدم. ويعتمد نظام الكهرباء في القلب على عنصرين:

- منطقة التحكّم والإصدار الكهربائي Pacemaker: وهي المنطقة المُنظّمة لصدور الإشارات الكهربائية التي تُكون ضربات القلب. وهي مجموعة من الخلايا في أعلى حجرة الأذين الأيمن من القلب، وتُسمى العقدة الجيبية الأذينية SA Node.

- مسارات التوصيل الكهربائي Pathways: بعد خروج الإشارات الكهربائية من العقدة الجيبية الأذينية، فإنها تسري عبر مسارات كهربائية في أرجاء الأذين الأيمن ثم الأيسر، كي تتم عملية انقباض الأذينين وتدفق الدم منهما إلى البطينين. ثم بعد استراحة وجيزة للإشارة الكهربائية في العقدة الأذينية البطينية، تكمل الإشارة الكهربائية سريانها عبر حُزَيمَة يُمني (تنشر الإشارة الكهربائية في البطين الأيمن) وحُزَيمَة يُسرى (تنشر الإشارة الكهربائية في البطين الأيسر). ونتيجة لذلك الانتشار الكهربائي، ينقبض البطينان في «نبضة» تضخ الدم إلى أرجاء الجسم المختلفة.

وللجهاز العصبي دور في تغيير سرعة ضربات القلب، حيث يعمل الجهاز العصبي الودي اللاإرادي Sympathetic Nervous System على زيادة سرعة ضربات القلب أثناء ممارسة الرياضة أو التعرض للضغط النفسي، بينما يُبطئ الجهاز العصبي اللاودي Parasympathetic Nervous System عبر العصب المبهم Vagus Nerve نبضات قلبك أثناء الراحة. وللهرمونات، مثل الأدرينالين، كذلك دور في تحفيز القلب على النبض بشكل أسرع.

انخفاض معدل النبض

2. انخفاض معدل نبض القلب ليس داعياً للقلق دائماً، فعلى سبيل المثال، من الطبيعي لدى بعض الأشخاص أن يتراوح معدل القلب أثناء الراحة بين 40 و60 نبضة في الدقيقة، خاصةً اليافعين الأصحاء والرياضيين المدرَّبين. وكذلك من الطبيعي خلال النوم أيضاً أن ينخفض النبض إلى ما دون 40 نبضة في الدقيقة لدى غالبية الناس.

وقد يُسبب بطء نبض القلب في حالات قليلة مشكلة خطيرة، حينما تكون سرعة القلب بطيئة للغاية ولا يستطيعالقلب ضخ كمية كافية من الدم الغني بالأكسجين إلى أعضاء الجسم، والدماغ من أهمها. ذلك أن البطء الشديد في إصدار نبض القلب، ولو لفترة وجيزة، يُؤدي إلى عدم وصول كميات كافية من الدم المُحمّل بالأكسجين إلى الدماغ أو إلى عضلة القلب حينما لا يصلها ما تحتاجه من الدم المُحمّل بالأكسجين. وبالتالي فإن الشخص آنذاك يُعاني بشكل مباشر وفوري من التعب أو الضعف الشديد أو ضيق التنفس أو آلام الصدر.

ولكن في بعض الحالات قد يتسبب بطء القلب عن المعدل الطبيعي بعدم وصول الأكسجين الكافي إلى الدماغ والأعضاء الأخرى، مما قد يُسبب ظهور الأعراض التالية:

- ألم في الصدر.

- التشوش الذهني أو مشكلات في الذاكرة.

- الدوخة أو الدُوار.

- الشعور بالتعب الشديد، خاصةً أثناء ممارسة الأنشطة البدنية.

- الإغماء أو شبه الإغماء.

- ضيق النفَس.

وقد تشمل المضاعفات المحتملة لبطء القلب ما يلي:

- الإغماء المتكرر.

- فشل القلب.

- توقف القلب المفاجئ أو الوفاة القلبية المفاجئة.

وللإجابة على سؤال: متى تزور الطبيب؟ فإن العوامل التي تُسبب أعراض بطء القلب متعددة. ولذا من المهم تشخيص الحالة بسرعة ودقة وتلقي الرعاية المناسبة. حدد موعداً للخضوع لفحص طبي في حال القلق إزاء بطء سرعة القلب. وفي حال الإصابة بالإغماء أو صعوبة التنفس أو الشعور بألم في الصدر مدة تزيد على بضع دقائق، اتصل على رقم الطوارئ الطبية.

3. قد لا يُسبب بطء القلب أعراضاً أو مضاعفات في كثير الأحيان، وذلك لأسباب متعددة. ومن أهم أسباب عدم تسبب بطء نبض القلب بأي أعراض مرضية، أمران:

- عندما يكون البطء مُتحمَّلاً من قبل الجسم لأنه ليس بطءً شديداً.

- عند حصول ذلك لدى الرياضيين المحترفين الذين تعوّد قلبهم ودماغهم على بطء نبض القلب.

ولذا يعتمد علاج بطء القلب على حدة الأعراض وسبب بطء سرعة القلب. وإذا لم تظهر عليك أعراض، فقد لا تحتاج إلى علاج.

قد يتضمن علاج بطء القلب ما يلي:

- تغييرات في نمط الحياة.

- تغيير الأدوية.

- جهاز طبي يُسمى منظم ضربات القلب.

وفي حال وجود مشكلة صحية أخرى، مثل مرض الغدة الدرقية أو انقطاع النفَس النومي، تُسبب بطء سرعة القلب، قد ينجح علاج تلك الحالة في تصحيح بطء القلب. وإذا كنت مصاباً بأعراض بطء القلب الشديد ولم تكن العلاجات الأخرى ممكنة، فقد يقترح اختصاصي الرعاية الصحية جهازاً يُسمى منظم ضربات القلب.

ويُوضع منظم ضربات القلب تحت الجلد بالقرب من عظم الترقوة أثناء عملية جراحية بسيطة. ويساعد الجهاز على إصلاح نبض القلب البطيء. فعندما ينبض القلب ببطء شديد، يرسل منظم ضربات القلب إشارات كهربائية إلى القلب لتسريع النبض.

أسباب مختلفة لبطء النبض

تشمل أسباب التغيُّرات في إشارات القلب التي يمكن أن تؤدي إلى بطء القلب:

- متلازمة بطء - تسرّع القلب. تُسبب مشكلات «داخل» العقدة الجيبية (في الجزء العلوي من الأذين الأيمن للقلب) لدى بعض المرضى نشوء حالات تسارع نبض القلب وتباطُؤَه، وذلك بشكل متناوب.

- إحصار القلب، ويسمى الإحصار الأذيني البطيني. في هذه الحالة المرَضية، يتكون ما يُشبه «الغلاف الوهمي الخارجي» حول العقدة الجيبية (مكان إصدار كهرباء نبض القلب)، وبالتالي لا تخرج من العقدة الجيبية الإشارة الكهربائية، وعليه لا تنتقل الإشارات الكهربائية للقلب من الحجرتين العلويتين للقلب إلى الحجرتين السفليتين بطريقة سليمة.

- تضرر في نسيج القلب مرتبط بالتقدم في العمر.

- تضرر في نسيج القلب نتيجة لمرض في القلب أو نوبة قلبية.

- حالة مرَضية ولادية في القلب، وتسمى عيباً خِلقياً في القلب.

- التهاب في نسيج القلب، ويسمى التهاب عضل القلب.

- أحد مضاعفات جراحة القلب.

- قلة نشاط الغدة الدرقية، ويسمى قصور الدرقية.

- تغيُّرات في مستوى المعادن في الجسم، مثل البوتاسيوم أو الكالسيوم.

- اضطراب النوم، ويسمى انقطاع النفَس الانسدادي النومي.

- مرض التهابي، مثل الحُمّى الروماتيزمية أو الذئبة.

- أدوية معينة، بما في ذلك المهدئات والعقاقير أفيونية المفعول، وبعض الأدوية المستخدمة لعلاج مشكلات القلب والصحة العقلية. ويمكن أن تؤثر العديد من الأدوية المختلفة في نبضات القلب. وقد يُسبب بعضها بطء القلب. لذا، عليك أن تخبر فريق الرعاية الصحية دائماً بكل الأدوية التي تتناولها. واذكر الأدوية التي اشتريتها دون وصفة طبية. وإذا كنت تتناول دواءً يُسبب بطء القلب، فقد يوصي اختصاصي الرعاية الصحية بتقليل الجرعة. أو قد يغير لك الدواء.

خطوات متسلسلة في تشخيص بطء القلب

لتشخيص بطء القلب، يُلخّص أطباء القلب في «مايوكلينك» ذلك بقولهم: «يفحصك الطبيب ويستمع إلى قلبك باستخدام السماعة الطبية. ستُطرح عليك غالباً أسئلة عن الأعراض التي تشعر بها وعن سيرتك المرَضية».

وقد تُجرى بعض الاختبارات لفحص قلبك والبحث عن الحالات المرَضية التي يمكن أن تُسبب بطء القلب.

- اختبارات الدم. يمكن اختبار عينة من الدم للتحقق من الإصابة بالعَدوى والتغيرات في المواد الكيميائية في الجسم مثل البوتاسيوم. قد يُجري اختبار دم أيضاً للتحقق من وظيفة الغدة الدرقية.

- تخطيط كهربائية القلب. (ECG) هذا هو الاختبار الرئيسي المُستخدَم لتشخيص بطء القلب، إذ يقيس مخطط كهربائية القلب النشاط الكهربي للقلب. ويُجرَى هذا الفحص للكشف عن كفاءة نبض القلب، حيث توضع لصيقات جلدية بها مستشعرات على الصدر وأحياناً على الذراعين والساقين. وتُوصّل الأقطاب الكهربائية عبر أسلاك بجهاز كمبيوتر يعرض النتائج أو يطبعها.

- جهاز هولتر. إذا لم يظهر تخطيط كهربائية القلب اضطراب نبض القلب، فقد يقترح اختصاصي الرعاية الصحية جهاز هولتر. يُرتدى جهاز تخطيط كهربية القلب المحمول هذا ليوم واحد أو أكثر، ويسجل هذا الجهاز نشاط القلب أثناء ممارسة الأنشطة اليومية.

- جهاز رصد الأحداث القلبية. هذا الجهاز يشبه جهاز هولتر، لكنه لا يسجل نشاط القلب إلا في أوقات معينة لبضع دقائق في المرة الواحدة. ويعمل في المعتاد عن طريق الضغط على زر عند الشعور بالأعراض. وينبغي ارتداء هذا الجهاز لمدة تصل إلى 30 يوماً أو لحين الشعور بالأعراض.

- اختبار الطاولة المائلة. قد يُجرى هذا الاختبار إذا كنت قد أُصبت من قبل بنوبات إغماء. يفحص اختصاصي رعاية صحية سرعة القلب وضغط الدم بينما تستلقي على طاولة، ثم تُمال الطاولة لتكون في وضعية الوقوف. ويراقب اختصاصي الرعاية كيف يستجيب القلب والجهاز العصبي للتغيير في الوضع.

- اختبار الجهد. تحدث بعض حالات اضطراب نبض القلب أو تسوء نتيجةَ الجهد. أثناء اختبار الجهد، يُرصَد نشاط القلب عند إجراء تمرين على دراجة ثابتة أو السير على جهاز مشي كهربائي. وفي حال تعذر أداء التمارين الرياضية، يمكن إعطاؤك دواءً له تأثير التمارين الرياضية نفسه في القلب.

- تخطيط النوم. قد يُقترح تخطيط النوم إذا كنت تُصاب بتوقف متكرر للتنفس أثناء النوم، ويُسمى انقطاع النفَس الانسدادي النومي. وقد تؤدي هذه الحالة إلى حدوث تغيرات في نبض القلب.