طائرات مستقبلية بوقود بيئي

الهيدروجين قد ينقذ صناعة الطيران

طائرات مستقبلية بوقود بيئي
TT

طائرات مستقبلية بوقود بيئي

طائرات مستقبلية بوقود بيئي

تستطيع طائرة «دريملاينر بوينغ 787 – 10» الممتلئة بالوقود، السفر لمسافة 8 آلاف ميل وهي تحمل 300 شخص وأكثر، مع أمتعتهم. ولتقديم بديلٍ بطاقة موازية لهذا الوقود، تحتاج الطائرة إلى بطارية تزن نحو 6.6 مليون رطل (3 آلاف طن). لهذا السبب؛ وعلى الرغم من فوائدها البيئيّة الكثيرة، ليس لدينا حتّى اليوم طائرات كهربائية مدعومة بالبطاريّات.

وقود الهيدروجين
تعمل شركات الطيران اليوم على صناعة طائرات أنظف وتبحث فكرة استخدام الهيدروجين، العنصر الأكثر توفّراً في العالم، لتشغيل محرّكات الكهرباء، ومحركات الاحتراق الداخلي – ولتقديم صناعة سفر صديقة للبيئة.
تتوفّر الطائرات المدعومة بالهيدروجين بأعداد كبيرة، إلّا أنّ معظمها صغير الحجم ويستخدم في الاختبارات والتجارب. ولكن هذه الطائرات تساهم حالياً في تمهيد الطريق لطيران «صفري الكربون» بحلول 2050، أي الهدف الذي تسعى حكومات ومجموعات بيئيّة كثيرة إلى تحقيقه. في المقابل، لا يخلو الهيدروجين من الجدل، خصوصاً أنه لا يزال مكلفاً، وليس دائم الخضرة، ويمكن أن يكون خطراً حسب ادعاءات البعض.
كشفت أماندا سيمبسون، رئيسة المبادرات الخضراء في شركة صناعة الطائرات العالمية «إيرباص»، عن أنّ «الهيدروجين يُستخدم وقوداً على متن الطائرة بثلاثة أشكال». إذ يعدّ الهيدروجين مصدراً للطاقة لخلايا الوقود التي تشبه البطاريات، كما يمكن أن يستخدم في الطائرات الهجينة، وأخيراً يمكن استخدامه وقوداً قابلاً للاحتراق.
تُستخدم تقنيات الوقود البديل بشكلٍ طاغٍ في عالم صناعة السيّارات؛ فقد ظهرت السيّارات التي تحرق الوقود البديل منذ تخلّي العربات عن الأحصنة. هل تذكرون محرّكات الديزل التي عُدِّلت لتصبح قادرة على حرق زيت القلي؟ كما تتوفّر السيّارات الكهربائية كـ«تويوتا بريوس» منذ عام 1997، إلا أنّ نماذج قليلة منها كـ«تويوتا ميراي» و«هيونداي نيكسو» تستخدم خلايا وقود الهيدروجين.

طائرات كهربائية
عندما أسّس فال ميفتاخوف شركة «زيرو آفيا» لتطوير المركبات الطائرة الكهربائية، بدا مشواره بدراسة البطارية كمصدرٍ للطاقة. وكان هذا المهاجر وعالم الفيزياء القادم من سيبيريا قد أسّس شركة ناشئة في السابق تحوّل السيّارات من العمل بالوقود، إلى الكهرباء، ومن ثمّ طوّر نظام شحن محسّناً. ولكنّ البطاريات تصلح للاستخدام فقط للرحلات القصيرة، مثل رحلات اختبارات الطيران.
يقول ميفتاخوف، إنّ «البطاريات قد تنفع لرحلات الساعة الواحدة». وتوجد أيضاً المركبات الطائرة المصممة للتدريب كـ«بيبيستريل ألفا إلكترو Pipistrel Alfa Electro» التي تدّعي أنّها قادرة على الطيران لرحلة مدّتها ساعة واحدة.
من جهتها، اختارت شركة «زيرو آفيا» خلايا الوقود، وهي عبارة عن بطارية كيميائية تستخدم الهيدروجين الأخفّ من الهواء بدلاً من مادّة «الأيون ليثيوم» الثقيلة. يشتهر الهيدروجين بكثافة طاقته العالية – أي معدّل الطاقة المستهلك في الكيلوغرام الواحد – والذي يوازي ثلاثة أضعاف كثافة الطاقة التي تحتاجها الطائرة العاملة بالوقود. وينتج الهيدروجين بعد احتراقه، الماء.
كما يمكن صناعته من المياه والطاقة المتجدّدة، رغم أنّ معظمه يُصنع اليوم من الغاز الطبيعي الذي لا يعدّ صديقاً للبيئة. يعترف ميفتاخوف بأنّ حاويات تخزين الهيدروجين، المصممة بمعظمها للنقل البرّي، ليست عمليّة للطائرات. ويضيف «علينا التركيز على تقليل الوزن، ولدينا بعض الخيارات الخفيفة بمتناول أيدينا».
وخلافاً للبطاريات الكهربائية، تُشحن خلايا وقود الهيدروجين خلال دقائق، ولكن عدد محطّات التزوّد بها قليل، وبناؤها يتطلّب مشاريع ضخمة.

طاقة هجينة
من جهته، يعتبر بات أندرسون، أستاذ هندسة الطيران والفضاء الجوي في جامعة «إيمبري ريدل» للطيران في فلوريدا، أنّ «هذه المشكلة ليست بالأهميّة نفسها للطائرات الهجينة التي تستخدم مزيجاً من الطاقتين الكهربائية والاحتراقية؛ إذ تستطيع هذه المركبات التزوّد بالوقود من مضخّة تقليديّة متوفّرة اليوم في أي مكان».
عام 2011، استخدم طلّاب أندرسون نظاماً هجيناً في مسابقة للطيران الصديق للبيئة. لم يفوزوا ولكنّهم ساهموا في رفع اسم أندرسون في عالم محرّكات الطاقة الهجينة التي يصنعها اليوم في شركة «فيردي غو آييرو» في فلوريدا، التي يتشارك رئاستها التنفيذية كلّ من إريك ليندبيرغ، عضو مجلس «إكس - برايز فاونديشن»، وحفيد تشارلز ليندبيرغ. وتستخدم الأنظمة الهجينة الحديثة مزيجاً يتبدّل بين الكهرباء ووقود الاحتراق، ويمكنها أيضاً أن تعتمد على محرّك الاحتراق كمولّد كهربائي أثناء الطيران. يشير أندرسون إلى أنّ هذه الأنظمة قد تمنح الطائرة نطاق طيران أوسع من البطارية أو خلايا الوقود وحدها.
من جهته، يقول روي غانزارسكي، مدير شركتين، الأولى هي «ماغني إكس» التي تصنع أنظمة دفع كهربائية للطائرات، والثانية هي «إيفياشن» التي تعمل على تطوير مركبة «أليس» المستقبلية الكهربائية الطائرة «مهما كان مصدر الطاقة، تتفرّد المحرّكات الكهربائية ببعض المزايا الحصرية». ويضيف «الطائرات اليوم مكلفة جدا والسبب الرئيسي بذلك يعود للمحرّكات لأنّها تتطلّب الكثير من الصيانة وتستهلك كميات كبيرة من الوقود الباهظ. يمكن تقليل الكلفة التشغيلية للطائرة بنحو 40 إلى 50 في المائة وذلك لأنّ المحرّكات الكهربائية لا تتطلّب صيانة تُذكر مقارنة بمحرّقات الوقود».
تسعى شركة «هاربور إير» التي تروّج لنفسها على أنّها أكبر خطّ للطيران المائي، للحصول على إذن لنقل الركّاب على متن طائرة «هافيلاند dhc - 2 بيفرر de Havilland dhc - 2 Beaver» المجهّزة بمحرّك «ماغني إكس» الكهربائي المتوفّر أيضا في طائرة «غراند سيسنا» التي تتسع لعشرة ركّاب.
في المقابل، توجد بعض الأمور التي لا تستطيع الطاقة الكهربائية تحقيقها مثل رفع «بوينغ 787» إلى ارتفاع تحليقها، ولكن هذا لا يعني أنّ الطائرات الكبيرة لا يمكن أن تصبح صديقة للبيئة أو أقلّ ضرراً لها على الأقلّ.

وقود مستدام
تعمل خطوط طيران وشركات تكرير وقود عدّة اليوم على تجربة وقود طيران مستدام. يمكن صناعة هذه الأنواع المستدامة، التي تحترق كما وقود الطيران التقليدي، من بعض النفايات كدهون الطهي المستعملة. بدورها، تستخدم بعض الشركات، كـ«نيستي»، الهيدروجين في تكرير وقود الطيران المستدام خاصتها. صحيح أنّ منظّمات سلامة الطيران تتيح للرحلات الجويّة التجارية استخدام الوقود الذي يحتوي على 50 في المائة أو أقلّ من الوقود المستدام في العروض، إلّا أنّ الطائرات المستخدمة حالياً تحرق 100 في المائة من الوقود المستدام و«المحرّكات سعيدة جداً به»، على حدّ تعبير سيمبسون من «إيرباص».
ولكنّ وقود الطيران المستدام قد يبدو حلاً مؤقّتاً في ظلّ وجود طائرات كبيرة تحلّق براحة بحرق الهيدروجين الصافي الخالي من الانبعاثات. ففي عام 1957، استخدم محرّك «مارتن بي - 57 بي» في جزءٍ من رحلته الهيدروجين وقوداً، وفي عام 1988، طارت طائرة «تي يو – 155» السوفياتية بالاعتماد على وقود الهيدروجين فقط.
في ذلك الوقت، رأى سبار ماتسوناغا، العضو الديمقراطي في مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية هاواي الذي توفي في 1990، أنّ الهيدروجين فرصة ضائعة – ومؤثّرة بقدر قمر «سبوتنيك» الصناعي السوفياتي الذي تفوّق على الولايات المتحدة في الفضاء.
وقال آنذاك «فاتنا المركب مرّة أخرى، ولا يسعنا إلّا أن نأمل أن تكون الإدارة التالية مهتمّة أكثر بالهيدروجين من الإدارة الحالية».
إنّ أي حديثٍ عن الهيدروجين لا بدّ أن يعيدنا بالذاكرة إلى مناطيد الزبلين. إذ استخدم الهيدروجين في طيران المناطيد منذ عام 1783. ولكنّ مستقبله في عالم الطيران انهار في 6 مايو (أيار) 1937، بعد انفجار منطاد هايدنبرغ في ليكهرست، نيوجرسي، الذي أودى بحياة 36 شخصاً. لم يُحسم الجدل حول هذه الحادثة وما إذا كان الاشتعال، الذي وُثّق على الراديو وفي الصحف، ناتج عن الهيدروجين أو الطلاء القابل للاشتعال المستخدم في أقمشة المنطاد الخارجية، ولكنّه مع ذلك، ما زال يؤثر على سمعة الهيدروجين حتّى اليوم. يحاجج داعمو الهيدروجين، كغانزارسكي، بأنّه رغم ارتفاع الكلفة المحتمل لصناعة الهيدروجين الأخضر، فإنّ كلفة عدم متابعة فكرة تطوير طائرات تعمل به سيكون أكبر.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«غوغل كلاود» تحوّل «جيميناي» من مساعد ذكي إلى «زميل عمل» رقمي

تكنولوجيا تقدّم «غوغل كلاود» وكيل «جيميناي» بوصفه أداة تنفذ مهام كاملة بدلاً من الاكتفاء بالإجابة عن الأسئلة (شاترستوك)

«غوغل كلاود» تحوّل «جيميناي» من مساعد ذكي إلى «زميل عمل» رقمي

تقدّم «غوغل كلاود» وكيل «جيميناي» الجديد لتنفيذ مهام العمل عبر التطبيقات، مع ذاكرة مستمرة وصلاحيات مؤسسية وأدوات تحليل متقدمة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يختبر «واتساب» تبويباً جديداً يجمع جهات الاتصال ويعرض الأكثر نشاطاً بسهولة أكبر (رويترز)

«واتساب» يختبر تبويباً جديداً لجهات الاتصال يعرض المتصلين وأعياد الميلاد

يختبر «واتساب» تبويباً جديداً لجهات الاتصال يعرض المتصلين وأعياد الميلاد مع البحث السريع والحفاظ على إعدادات الخصوصية الحالية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يمكن للمقياس أن يدفع الأنظمة الذاتية إلى تعديل طريقة التعلم أو إعادة تقييم خطتها عند ظهور معلومات مهمة (أدوبي)

مقياس جديد يساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على «فهم المفاجأة»

يقترح باحثون مقياساً جديداً يساعد الأنظمة الذاتية على تمييز الأحداث النادرة من التغيرات التي تتطلب إعادة التقييم وتعديل السلوك.

تكنولوجيا تتيح الخدمة في الأسواق الجديدة أكثر من 350 ألف عنوان بأكثر من 120 لغة مع اختلاف النماذج والأسعار بحسب السوق (أدوبي)

«سبوتيفاي» توسّع الكتب الصوتية إلى أكثر من 180 سوقاً... والسعودية ضمن التوسع

توسع «سبوتيفاي» خدمة الكتب الصوتية إلى أكثر من 180 سوقاً مع أسواق عربية جديدة ومكتبة واسعة ونماذج اشتراك متعددة عالمياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يظل تاريخ الميلاد جزءاً من التقييم لكنه ليس العامل الوحيد في التصنيف (د.ب.أ)

كيف يتنبأ «ChatGPT» بعمر المستخدم ويُفعّل تجربة المراهقين؟

يتنبأ «شات جي بي تي» بعمر المستخدم عبر إشارات الحساب وسلوك الاستخدام لتفعيل ضوابط أمان وتجربة مخصصة للمراهقين عند الحاجة.

نسيم رمضان (لندن)

«النينيو» تهدّد صحة الملايين... والعلماء يحدّدون 5 خطوات للمواجهة

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
TT

«النينيو» تهدّد صحة الملايين... والعلماء يحدّدون 5 خطوات للمواجهة

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

حدّد علماء مناخ 5 إجراءات رئيسية يمكن للدول اتخاذها لتعزيز استعدادها لظاهرة «النينيو» والحدّ من تداعياتها الصحية، محذّرين من ارتفاع مُحتَمل في مخاطر انتشار الأمراض المعدية وسوء التغذية، فضلاً عن المشكلات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، مثل الجفاف وضربة الشمس.

وجاءت التوصيات في دراسة قادها باحثون من جامعة بريستول البريطانية، ونُشرت الخميس في دورية «ذا لانسيت» الطبية.

و«النينيو» ظاهرة مناخية طبيعية تحدث عند ارتفاع درجة حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي على نحو غير معتاد، ممّا يُغيّر أنماط الرياح والأمطار ودرجات الحرارة في مناطق مختلفة من العالم، وقد يزيد احتمالات موجات الحرّ والجفاف والفيضانات.

وشدَّدت الدراسة على أهمية الاستعداد المبكر للمخاطر الصحية المرتبطة بالظاهرة، خصوصاً أنّ العلماء يستطيعون التنبّؤ بحدوثها قبل أشهر، ممّا يمنح الحكومات فرصة لاتخاذ إجراءات وقائية لحماية السكان.

وأوضح الباحثون أنّ «النينيو» تؤثّر في أنماط الطقس عالمياً، وقد تدفع مناطق مختلفة إلى ظروف مناخية أشدّ تطرفاً، لكن حجم الأعباء الصحية الناجمة عنها تحديداً لا يزال غير معروف بما يكفي.

وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة والمتخصصة في علوم المناخ بجامعة بريستول، الدكتورة روبي ليبر، إن أعداد المتضرّرين من الكوارث المرتبطة بالمناخ تتأثر بدرجة كبيرة بدورة «النينيو»، لكن الأدلة العلمية لا تزال محدودة بشأن التمييز بين الأعباء الصحية الناجمة عن تغيُّر المناخ وتلك المرتبطة بالظاهرة نفسها.

وأضافت، وفق موقع الجامعة، أنّ «النينيو» الحالية تدفع مناطق عدّة إلى ظروف مناخية أكثر تطرفاً، ممّا يجعل فهم المخاطر الصحية وقياسها على مستوى الدول والمناطق أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

ولمواجهة هذه المخاطر، أوصى الباحثون بأن تضع الأمم المتحدة والهيئات الدولية حماية الصحة والوقاية من الأمراض في مقدّمة أولوياتها عند الإعلان رسمياً عن حدوث «النينيو»، مع دعم الحكومات في تقييم آثارها الصحية واتخاذ التدابير الوقائية، بما فيها إنشاء أنظمة الإنذار المبكر وتعزيزها.

ودعوا أيضاً إلى توسيع البحوث بشأن الآثار الصحية للظاهرة، وتوظيف نتائجها في صياغة السياسات الصحية والمناخية، ومواصلة رصد تداعياتها لتحديد الثغر في الأدلة العلمية وسدّها.

وشملت التوصيات تقييم فاعلية إجراءات التكيّف وتكاليفها، ومنها تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز قدرة الأنظمة الصحية على مواجهة الأزمات، وحماية المدن من الفيضانات، وزيادة قدرة النظم الغذائية على الصمود أمام التقلبات المناخية.

ووفق الباحثين، يُتوقّع حدوث ظاهرة قوية من «النينيو» قرب نهاية العام، فيما ترجّح بعض التوقعات احتمال أن تكون من أقوى الظواهر المسجّلة. وقد تمتدّ تأثيراتها إلى الهند وشرق آسيا وأميركا الجنوبية وأجزاء من أفريقيا وغرب المحيط الهادئ، مع ارتفاع مُحتَمل في مخاطر الأمراض المعدية وسوء التغذية والجفاف وضربة الشمس، إلى جانب التداعيات الصحية للفيضانات والجفاف.

وأكد الباحثون أنّ التمييز بين الآثار الصحية المرتبطة بـ«النينيو» وتلك الناجمة عن تغيّر المناخ بفعل الأنشطة البشرية يمثّل تحدّياً رئيسياً. وقد يساعد تطوير الأساليب العلمية المستخدمة لتحديد إسهام تغيُّر المناخ في الظواهر المتطرّفة على فهم مصادر المخاطر بدقة أكبر، ووضع تدابير وقائية تتناسب مع طبيعة كلّ منها.


الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»
TT

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

انخفضت نسبة توظيف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً، في المهن التي تتأثر بشدة بالذكاء الاصطناعي بنحو 20 في المائة مقارنةً بالمهن الأخرى غير المتأثرة بالذكاء الاصطناعي.

وظائف المبتدئين مهددة بالانقراض

تُعدّ وظائف المبتدئين مهددة بالانقراض، على الأقل في المهن التي تتأثر بالذكاء الاصطناعي. فبينما لا يزال الخريجون الجدد يجدون فرصاً في مجالات مثل العقارات والمرافق العامة والبناء، فإن سوق التوظيف بشكل عام كانت قاسية للغاية: ففي الرُّبع الثاني من عام 2026، بلغت نسبة البطالة بين خريجي الجامعات الجدد 48 في المائة، بينما بلغت نسبة مَن يعملون في وظائف لا تتطلب شهادة جامعية 42 في المائة، كما كتب بيتر سالفيلد(*).

ويشير تحليل أجراه «مختبر ستانفورد للاقتصاد الرقمي» إلى أن الشباب قد يميلون إلى الوظائف «المقاومة للذكاء الاصطناعي» التي تتضمَّن أعمالاً يدوية وتفاعلات اجتماعية ومهارات أخرى يصعب أتمتتها. استند الباحثون إلى بيانات الرواتب الإدارية من شركة معالجة البيانات الآلية «ADP» لملايين العمال الأميركيين لدراسة تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي على التوظيف منذ انتشاره على نطاق واسع.

انحسار التوظيف في المهن الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي

وتُظهر الدراسة أن معدل التوظيف بين العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً في المهن التي تشهد استخداماً مكثفاً للذكاء الاصطناعي، مثل خدمة العملاء وهندسة البرمجيات، أقل بنسبة 19 في المائة مما كان عليه لو حافظ على وتيرة مماثلة لمعدل التوظيف في الفئة العمرية نفسها في المهن الأخرى منذ عام 2022.

وبينما انخفض معدل توظيف العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً بنحو 11 في المائة في 40 في المائة من الوظائف الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي، ارتفع بنحو 10 في المائة في فئات وظيفية أخرى أقل استخداماً له. وقد اتسعت الفجوة بين العمال الشباب بشكل ملحوظ منذ أغسطس (آب) الماضي، عندما رصد الباحثون تبايناً بنسبة 13 في المائة. ويُعزى انخفاض عدد الخريجين الجدد، الذين يتركزون في المهن التي يُؤتمت فيها الذكاء الاصطناعي المهام البشرية بدلاً من أن يُكملها، إلى تباطؤ التوظيف وليس إلى زيادة حالات التسريح.

تحولات جذرية في العمل المعرفي للمبتدئين

ويقتصر هذا الاتجاه الواضح على العمال الشباب فقط. لم تجد الدراسة أي دليل على «فقدان واسع النطاق للوظائف على مستوى الاقتصاد» مرتبط بالذكاء الاصطناعي. بالنسبة للعاملين ذوي الخبرة، لم تكن هناك أي فجوة على الإطلاق بين الوظائف التي تعتمد بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعي والوظائف التي تعتمد بشكل أقل عليه.

تُعدُّ هذه النتائج أحدث دليل على أن الذكاء الاصطناعي يُحدث تحولاً جذرياً في العمل المعرفي للمبتدئين، ما يؤدي إلى فقدان بعض الوظائف وإثارة القلق بين العاملين الشباب. ووفقاً لـ«مركز بيو للأبحاث»، ارتفعت نسبة الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً والذين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى انخفاض عدد الوظائف بمقدار 12 نقطة مئوية خلال عامين، لتصل إلى 73 في المائة.

متطلبات عالية تدفع إلى العمل في المهن الحرفية

كما تُغير هذه التقنية توقعات العاملين المبتدئين في المجالات المتأثرة بالذكاء الاصطناعي. ووفقاً لدراسة أجرتها شركة «برايس ووترهاوس كوبرز»، فإن إعلانات الوظائف للمبتدئين في هذه المجالات تتطلب، بـ7 مرات أكثر، قدرات تُعدُّ تقليدياً من مستوى كبار الموظفين، مثل القيادة والتفكير الاستراتيجي، مقارنةً بعام 2019.

وإلى جانب الأمن الوظيفي، وتكاليف التعليم العالي، وغيرها من القضايا، قد يُسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة اهتمام جيل الألفية (جيل زد) بالمهن الحرفية الماهرة مثل البناء والسباكة.

* مجلة «فاست كومباني».


ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
TT

ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)

طوَّر فريق علمي في فيينا وآخر في بكين أول ساعتين نوويتين عاملتين في العالم، فيما وصفاه بأنه تقدُّم مهم في مجال قياس الوقت يبشر بتطبيقات عملية واسعة النطاق، ويوفّر أداة جديدة لدراسة الفيزياء الأساسية.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، يمثّل الجهازان الجيل التالي من الساعات الذرية، وهي أجهزة قياس وقت فائقة الدقة ابتُكرت لأول مرة في 1949. وعرض كل فريق بحثي تفاصيل إنجازه، اليوم (الأربعاء)، في ورقة علمية بدورية «نيتشر»، حيث قالوا إن الساعات النووية لديها القدرة على التفوُّق في الأداء على أفضل الساعات الذرية التقليدية، لكنها لم تصل إلى ذلك بعد.

ويُطلَق عليها اسم الساعات النووية ليس لأنها تعمل بالاندماج أو الانشطار النووي، كما قد يظن الشخص العادي، وإنما لأن الوقت يُحسب من خلال مراقبة كيفية تفاعل الضوء - المتمثل في شعاع ليزر عالي القدرة - مع نواة الذرة. وتعتمد كلتا الساعتين النوويتين على شكل، أو نظير، من عنصر الثوريوم يسمى «الثوريوم 229»، محبوس في بلورات فلوريد الكالسيوم الصلبة.

حلم نصف قرن تحقق

وقال عالم الفيزياء، شي تشيان دينغ، من جامعة تسينغهوا في الصين، الذي ساعد في قيادة الفريق المسؤول عن ساعة بكين: «عمل الفريقان على نحو مستقل، وتوصلا في الوقت نفسه إلى ساعتين نوويتين تعملان بـ(الثوريوم 229)، باستخدام مناهج تجريبية مختلفة. أعتقد أن هذا أمر مشجع للغاية لأنه يُظهر أن المفهوم قوي ولا يعتمد على تطبيق تقني معين».

أما الفيزيائي ثورستن شوم من جامعة فيينا التقنية في النمسا، الذي ساعد في قيادة الفريق المسؤول عن ساعة فيينا، فقال: «كان صنع ساعة نووية حلماً راود الفيزيائيين منذ ما يقرب من 50 عاماً. وفي فريقي، كنا نعمل على تحقيق هذا الهدف منذ 2008».

وأضاف شوم أنه يتصور استخدامات للساعات النووية في مجالات مثل الملاحة عبر الأقمار الصناعية ومزامنة نقل البيانات والمسح وعلم القياس، وهو دراسة القياس وتطبيقاته العملية.

تقيس الساعات الذرية التقليدية الوقت باستخدام الليزر أو الموجات الدقيقة لجعل الجسيمات دون الذرية، التي تُعرَف بالإلكترونات، تقفز ذهاباً وإياباً بين مستويين من الطاقة في غلاف الذرة، باستخدام عناصر مثل السيزيوم أو السترونتيوم.

أما الساعات النووية الجديدة فتقيس الوقت باستخدام الليزر لجعل الجسيمات دون الذرية، التي تُعرَف بالبروتونات والنيوترونات، تقفز ذهاباً وإياباً بين مستويات الطاقة داخل نواة الذرة، وهي في هذه الحالة «الثوريوم 229».

وتكمن الفكرة في أن تتبع هذه الانتقالات داخل نواة الذرة قد يحقق مستويات دقة أعلى حتى من تتبعها في الإلكترونات، لأن نواة الذرة أصغر بكثير من الغلاف المحيط بها، الذي يحوي الإلكترونات.

إتقان التكنولوجيا

قال شوم إن الساعة النووية لا تزال «بعيدة عن الأداء المستهدف»؛ إذ يسعى الباحثون إلى إتقان هذه التكنولوجيا.

وأضاف: «ما يبعث على التفاؤل حقاً هنا هو أن (ساعة فيينا) تحتوي على بلورات ثوريوم أفضل قليلاً - بتركيز أعلى وخصائص بصرية أفضل - بينما لدى فريق بكين ليزر أقوى. لذا، بمجرد الجمع بين هذه المكونات، يمكننا تصميم ساعة أفضل بكثير».

ويمكن لأفضل الساعات الذرية التقليدية أن تعمل لمليارات السنين دون أن تفقد أو تكتسب سوى ثانية واحدة. وهذه الدقة الفائقة حيوية لتطبيقات، مثل أنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية والإنترنت والاتصالات الخلوية والألياف الضوئية.

ويعتقد الباحثون أن الساعات النووية، بمجرد إتقانها، قد تؤدي المهمة على نحو أفضل، ويمكن تصنيعها بحيث تكون أقل ضخامة.

والساعات النووية واعدة في استكشاف الفيزياء الأساسية؛ فقد أثبت فريق فيينا أن ساعته قادرة على إجراء تجربة فيزيائية دقيقة، إذ سعى إلى اكتشاف المادة المظلمة، وهي مكوِّن أساسي في الكون، لم يرصد حتى الآن.

ولم تنجح التجربة في الواقع في اكتشاف المادة المظلمة، لكن الساعة النووية أدت أداء يضاهي أفضل الساعات الذرية. وقال شوم: «إنها تفتح الباب أمام عالم فيزيائي جديد تماماً».