من لاس فيغاس... «دِل تكنولوجيز»: الذكاء الاصطناعي لم يعد يعيش في السحابة وحدها

الشركة ترسم خريطة جديدة لتشغيل الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات

«دل» ترى أن الذكاء الاصطناعي المؤسسي لم يعد يعيش في السحابة وحدها بل يتوزع بين الأجهزة ومراكز البيانات والحافة (الشركة)
«دل» ترى أن الذكاء الاصطناعي المؤسسي لم يعد يعيش في السحابة وحدها بل يتوزع بين الأجهزة ومراكز البيانات والحافة (الشركة)
TT

من لاس فيغاس... «دِل تكنولوجيز»: الذكاء الاصطناعي لم يعد يعيش في السحابة وحدها

«دل» ترى أن الذكاء الاصطناعي المؤسسي لم يعد يعيش في السحابة وحدها بل يتوزع بين الأجهزة ومراكز البيانات والحافة (الشركة)
«دل» ترى أن الذكاء الاصطناعي المؤسسي لم يعد يعيش في السحابة وحدها بل يتوزع بين الأجهزة ومراكز البيانات والحافة (الشركة)

في لاس فيغاس، لا تبدو إعلانات مؤتمر «دل تكنولوجيز وورلد 2026» مجرد تحديثات في الخوادم، ومحطات العمل، والتخزين. الرسالة الأوسع التي تحاول الشركة تقديمها هذا العام هي أن الذكاء الاصطناعي المؤسسي ينتقل من مرحلة التجارب إلى مرحلة التشغيل، وأن السؤال لم يعد فقط: ما النموذج الأفضل؟ بل: أين يجب أن يعمل هذا النموذج؟ وفي أي بيئة يمكن للمؤسسة أن تتحكم بالكلفة، والبيانات، والأمان، والحوكمة؟

هذا المعنى ظهر مبكراً في كلمة مايكل دِل، رئيس مجلس الإدارة، والرئيس التنفيذي لـ«دل تكنولوجيز»، الذي قدّم التحول بوصفه انتقالاً من الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة داخل الشاشة إلى بنية تشغيل تدخل قطاعات مثل الصحة، والتصنيع، والطاقة، والمدن، وبيئات العمل. وقال خلال الجلسة الافتتاحية الرئيسة للمؤتمر الذي حضرته «الشرق الأوسط» إن ما يحدث «ليس روبوت دردشة، بل هو ذكاء في العالم الفيزيائي»، مضيفاً أن كل مؤسسة تواجه اليوم السؤال نفسه: كيف تحول الذكاء إلى أثر بسرعة؟

وفي جزء آخر من كلمته، ربط مايكل دِل بين الذكاء الاصطناعي الوكيلي وإعادة تصميم العمل نفسه، معتبراً أن الشركات التي تعيد بناء عملياتها حول الذكاء الاصطناعي ستراكم مزاياها بسرعة غير مسبوقة. وذكر أن الوكلاء ليسوا مجرد إضافة إلى الأنظمة القديمة، بل هم «عمال رقميون» لديهم ذاكرة، وصلاحيات، وقدرة على اتخاذ إجراءات، ما يفرض بنية جديدة للعمل تقوم على بيانات موثوقة، وإجراءات محكومة، وبنية تحتية قريبة بما يكفي لاتخاذ قرارات في الوقت الحقيقي.

رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لـ«دل تكنولوجيز»

الوكلاء يغيّرون الحوسبة

انضم جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، إلى دِل على المسرح، في ظهور يعكس عمق الشراكة بين الشركتين في بناء ما تسميانه «مصانع الذكاء الاصطناعي». هوانغ قال إن الذكاء الاصطناعي انتقل من مرحلة التوليد إلى التفكير، والتخطيط، وأنظمة الوكلاء، معتبراً أن الصناعة دخلت «عصر الذكاء الاصطناعي المفيد». وأوضح أن الوكلاء لا يكتفون بالرد على استفسار، بل يفكرون، ويخططون، ويستخدمون أدوات، ويكررون المحاولة حتى تنجز المهمة، ما يرفع متطلبات الحوسبة أضعافاً كبيرة قد تصل، بحسبه، إلى 100 أو 1000 مرة وفق نوع العمل.

هذا الحوار بين دِل وهوانغ وضع خلفية مباشرة لإعلانات اليوم الأول. فإذا كانت أنظمة الوكلاء ستعمل لفترات أطول، وتستهلك رموزاً أكثر، وتتعامل مع أنظمة وبيانات حساسة، فإن البنية التحتية التقليدية أو الاعتماد السحابي وحده لا يكفيان دائماً. من هنا جاءت توسعة «Dell AI Factory with NVIDIA» لتجمع بين تشغيل الوكلاء محلياً، وتجهيز البيانات، والبنية التحتية المتكاملة، والتبريد، وشبكة أوسع من الشركاء، والنماذج.

خارج السحابة

تدعم «دل» هذا الطرح برقم لافت عرضه رئيسها التنفيذي، مشيراً إلى أن 67 في المائة من أحمال الذكاء الاصطناعي تعمل بالفعل خارج السحابة، سواء داخل مراكز بيانات المؤسسات، أو في بيئات قريبة منها. وهذا يعزز فكرة أن النقاش المقبل لن يدور حول السحابة وحدها، بل حول توزيع الذكاء الاصطناعي بين السحابة، ومراكز البيانات، والحافة، والأجهزة.

هذا التحول يظهر بوضوح في توسعة «Dell AI Factory with NVIDIA» التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي الوكيلي، وتجهيز البيانات للذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية المتكاملة، والتبريد، والشراكات مع مزودي النماذج، والمنصات. وتلفت «دل» أن المؤسسات لا تعاني غالباً من نقص في الطموح تجاه الذكاء الاصطناعي، بل من مشكلة في التنفيذ. فالمشاريع التجريبية تتعثر عندما لا تكون البيانات جاهزة، أو عندما تصبح الكلفة غير متوقعة، أو عندما تعجز المؤسسة عن تشغيل النماذج والوكلاء داخل بيئة آمنة، ومحكومة.

العبء المناسب في المكان المناسب

أبرز ما أعلنته الشركة في اليوم الأول كان «Dell Deskside Agentic AI»، وهو حل يستهدف تشغيل وكلاء الذكاء الاصطناعي محلياً على محطات عمل عالية الأداء، بدلاً من الاعتماد الكامل على واجهات برمجة التطبيقات السحابية. ويأتي الحل ضمن «Dell AI Factory with NVIDIA»، ويعتمد على محطات عمل «دل»، وحزمة «NVIDIA NemoClaw»، وبيئة «NVIDIA OpenShell»، إلى جانب خدمات «دل» لمساعدة المؤسسات على اختيار حالات الاستخدام، ونشرها، وتوسيعها.

لا تقدم «دل» هذا الطرح باعتباره بديلاً شاملاً عن السحابة، بل باعتباره جزءاً من بنية هجينة أكثر تعقيداً. جون سيغال، نائب الرئيس الأول للتسويق التجاري في مجموعة حلول العملاء لدى «دل تكنولوجيز»، قال في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» على هامش المؤتمر إن المسألة أصبحت تتعلق بـ«وضع عبء العمل المناسب مع النموذج المناسب في المكان المناسب». هذا المكان، باعتقاده، قد يكون جهازاً بجانب المكتب، أو مركز بيانات، أو الحافة، أو السحابة، وفق عوامل مثل الأداء، والأمن، والسيادة، والكلفة.

بهذا المعنى يصبح الذكاء الاصطناعي المؤسسي أقرب إلى خريطة توزيع للأحمال، لا إلى خدمة واحدة تعمل في مكان واحد. فبعض الاستخدامات قد تتطلب قدرات حوسبة ضخمة داخل مركز البيانات، وبعضها قد يبقى مناسباً للسحابة، بينما قد تحتاج أحمال أخرى إلى العمل قرب الموظف، أو فريق العمل، خصوصاً عندما تكون البيانات حساسة، أو عندما تصبح الكلفة السحابية متغيرة بشكل يصعب توقعه.

مايكل دِل وجنسن هوانغ يؤكدان أن الذكاء الاصطناعي دخل مرحلة الوكلاء القادرين على التخطيط والتنفيذ لا مجرد توليد الإجابات (الشركة)

قلقُ الرموز

الكلفة كانت من أكثر النقاط حضوراً في حديث سيغال الذي اعتبر أنه مع انتشار «الوكلاء الأذكياء»، لا تتعلق المسألة فقط بسعر الرمز الواحد الذي يعالجه النموذج. حتى إذا انخفضت كلفة الرمز، فإن حجم الاستهلاك يرتفع بسرعة مع انتقال الذكاء الاصطناعي من الاستخدام الفردي إلى وكلاء يعملون لفترات طويلة، ويؤدون خطوات متعددة. يقول سيغال إن «كلفة الرمز تنخفض، لكن استهلاك الرموز يرتفع بشكل كبير»، ما يؤدي إلى «فواتير سحابية مرتفعة، ومفاجئة» لدى بعض العملاء.

ويستخدم سيغال تعبير «قلق الرموز» لوصف ما تواجهه فرق التطوير، والبحث. فكل تجربة جديدة، وكل وكيل جديد، وكل سير عمل إضافي قد يعني استهلاكاً أكبر عبر السحابة. وهنا يرى أن تشغيل بعض الأحمال محلياً يمنح هذه الفرق مساحة أوسع للتجربة. فبعد شراء محطة العمل، تصبح قادرة على توليد الرموز محلياً من دون الرسوم المتغيرة نفسها المرتبطة بالواجهات السحابية. ويصف سيغال أجهزة الكمبيوتر أو محطة العمل في هذا السياق بأنها «مولّد رموز مجاني» بعد امتلاكه، خصوصاً للمطورين، والباحثين الذين يحتاجون إلى تجربة متكررة على بيانات محلية.

جدوى التشغيل المحلي

تقول «دل» إن حل «Deskside Agentic AI» يمكن أن يحقق نقطة تعادل مع كلفة استخدام واجهات برمجة التطبيقات السحابية في فترة قد تصل إلى ثلاثة أشهر في بعض الحالات، وأن يخفض الإنفاق حتى 87 في المائة خلال عامين مقارنة باستخدام واجهات سحابية. لكن هذه الأرقام بحسب الشركة مبنية على افتراضات محددة تشمل نوع الأحمال، وكثافة الاستخدام، وتشغيل وكلاء على مدى أيام العمل، واستخدام نماذج مفتوحة الأوزان، واحتساب كلفة الطاقة، والدعم، والبنية. لذلك لا تعني الأرقام أن كل مؤسسة ستحقق النتيجة نفسها، بل تشير إلى أن بعض الأحمال المتكررة والمتوسطة إلى الكبيرة قد تصبح أكثر جدوى اقتصادياً عند تشغيلها محلياً. وفي حديث سيغال لـ«الشرق الأوسط»، ظهر هذا التمييز بوضوح، معتبراً أن السيناريو الذي اختبرته «دل» اعتمد على نماذج مفتوحة الأوزان لا تغادر فيها البيانات بيئة المؤسسة، وعلى نماذج في نطاق يقارب 130 مليار مُعالم، أو باروميتر، مع عدد من الوكلاء يعملون محلياً. ويعد سيغال أن الفكرة الأساسية أن المؤسسة لا تحتاج في كل مرة إلى العودة إلى السحابة لاستهلاك رموز مدفوعة، بل يمكن توليد هذه الرموز داخل بيئتها.

جون سيغال نائب الرئيس الأول للتسويق التجاري في مجموعة حلول العملاء لدى «دل تكنولوجيز»

خريطة الأحمال

أشار سيغال إلى أن حجم النموذج وعدد الوكلاء وعدد المستخدمين المتزامنين، ومستوى التحكم الأمني، كلها عوامل تدخل في القرار. فالنماذج الصغيرة نسبياً، في حدود 13 مليار معالم، قد تعمل على أجهزة ذكاء اصطناعي شخصية. أما نماذج مفتوحة الأوزان أكبر، مثل نماذج في حدود 120 مليار معالم، فقد تعمل على محطة عمل. وفي المقابل، تبقى النماذج التأسيسية الأوسع والأحمال التي تخدم أعداداً كبيرة من المستخدمين أقرب إلى مراكز البيانات. هذا التفصيل مهم، لأنه يُخرج النقاش من تسويق عام لفكرة «أجهزة الذكاء الاصطناعي» إلى سؤال معماري أكثر دقة. فليست كل أجهزة الذكاء الاصطناعي متشابهة، وليست كل محطة عمل تعد بديلاً عن مركز البيانات. بعض الأحمال تناسب جهازاً شخصياً، وبعضها يحتاج إلى محطة عمل قوية، وبعضها لا يمكن تشغيله عملياً إلا في بنية مركزية، أو سحابية. لذلك يقول سيغال إن «دل» تحاول مساعدة العملاء على رسم خريطة للأحمال المختلفة، وتحديد المكان الأنسب لكل منها.

قربُ البيانات

يلفت سيغال إلى البيانات الحساسة التي لا تريد المؤسسة إخراجها من بيئتها، والأحمال التي تحتاج إلى أداء مرتفع، أو زمن استجابة منخفض، والحالات التي قد تعمل في اتصال ضعيف، أو من دون اتصال دائم بالإنترنت. كما تظهر السيادة على البيانات كعامل مؤثر، خصوصاً عندما تفرض الحوكمة أو المتطلبات التنظيمية بقاء بيانات معينة داخل بيئة محددة.

وتقول «دل» إن حلها الجديد يدعم نماذج تتراوح من 30 مليار مُعالم إلى تريليون، بحسب الجهاز، والحمل. وتشمل القائمة «Dell Pro Max with GB10» للنماذج الأصغر، والتجارب الفردية، و«Dell Pro Precision 9» لأحمال أكبر على محطات عمل مزودة بمعالجات «Intel Xeon 600» وما يصل إلى خمس وحدات «NVIDIA RTX PRO Blackwell Workstation Edition»، و«Dell Pro Max with GB300» المدعوم بشريحة «NVIDIA GB300 Grace Blackwell Ultra Desktop Superchip» للأحمال الأكثر تطلباً.

الميزة الحقيقية للمؤسسات لن تكون في الوصول إلى النماذج وحدها بل في جاهزية بياناتها وقدرتها على تنظيمها وحوكمتها (أ.ف.ب)

أمن الوكلاء

إلى جانب العتاد، تراهن «دل» على طبقة برمجية لتشغيل الوكلاء، وحوكمتهم. وتصف «NVIDIA NemoClaw» بأنها حزمة مرجعية مفتوحة المصدر لتشغيل وكلاء دائمين على البنية المحلية، بينما توفر «NVIDIA OpenShell» بيئة تشغيل معزولة لبناء الوكلاء، واختبارهم، وحوكمتهم عبر «Dell AI Factory» من محطات العمل إلى خوادم «PowerEdge XE». هذه النقطة ليست تفصيلاً تقنياً هامشياً، لأن الذكاء الاصطناعي الوكيلي لا يكتفي بتقديم إجابة، بل قد يخطط، وينفذ، ويتفاعل مع أنظمة وسير عمل. لذلك يصبح الاختبار داخل بيئة معزولة، وضبط السياسات، وتحديد الصلاحيات عناصر أساسية قبل الانتقال إلى الإنتاج.

ويضيف هذا التحول طبقة أمنية جديدة. ففي كلمته، قال مايكل دِل إن الوكلاء ليسوا مجرد أدوات برمجية، بل «عمال رقميون» لديهم ذاكرة، وصلاحيات، وقدرة على اتخاذ إجراءات. لذلك لم يعد سؤال الأمن مقتصراً على المستخدمين البشر، بل يمتد إلى «العاملين غير البشريين» الذين يتحركون بسرعة الآلة داخل سير العمل. وإذا تأثر وكيل ببيانات خاطئة، أو بتدخل ضار، فإن الأثر قد لا يبقى محصوراً في نظام واحد، بل قد ينتقل عبر العمليات، والبنية التحتية للمؤسسة.

البيانات تصنع الفارق

يفتح نقل بعض الوكلاء إلى فرق العمل سؤالاً آخر: كيف تمنع المؤسسة تحول كل فريق إلى جزيرة منفصلة للذكاء الاصطناعي؟ سيغال يقر بأن الابتكار يبدأ غالباً في «جيوب» داخل المؤسسة، لكنه يربط الانتقال إلى الإنتاج بدمج أنظمة الوكلاء هذه في سير عمل أوسع على مستوى الشركة. فالتجربة المحلية قد تكون مفيدة للابتكار، لكنها تحتاج إلى تكامل وحوكمة قبل أن تتحول إلى تشغيل مؤسسي واسع.

هذا يفسر لماذا لا تقف إعلانات «دل» عند «محطة العمل». فالشركة أعلنت أيضاً تحديثات في «Dell AI Data Platform»، وهي نقطة ترتبط مباشرة بمشكلة أكثر عمقاً: جاهزية البيانات. وكما قال دِل في كلمته، يستطيع الجميع تقريباً الوصول إلى النماذج نفسها، لكن الفارق الحقيقي هو بيانات المؤسسة، أي المعرفة الخاصة، والمتراكمة داخل أعمالها. وإذا بقيت هذه البيانات موزعة في صوامع وأنظمة غير مترابطة، فإن الوكلاء يصبحون «عمياناً» مهما كانت قوة النموذج، أو البنية الحاسوبية.

وتشمل تحديثات «Dell AI Data Platform» تحسين قدرات البحث، والتنظيم، وفهرسة مليارات الملفات غير المهيكلة، وربطها بخطوط بيانات محكومة، إلى جانب محرك تحليلات «SQL» مسرّع بوحدات معالجة الرسوميات بالتعاون مع «Starburst»، تقول الشركة إنه يحقق أداء استعلامات أسرع حتى 6 مرات على «NVIDIA Blackwell». كما تضيف تكاملاً مع «NVIDIA Omniverse» لدعم التوائم الرقمية، والذكاء الاصطناعي الفيزيائي من خلال بيانات أكثر تنظيماً، وقابلية للبحث.

مع توسع استخدام الوكلاء تصبح «اقتصاديات الرموز» عاملاً مؤثراً في قرارات الشركات حول مكان تشغيل النماذج (رويترز)

البيانات ثم البنية

هذا الجزء من القصة أقل جاذبية من عناوين الوكلاء المحليين، لكنه أكثر قرباً من واقع المؤسسات. فمشاريع الذكاء الاصطناعي لا تتعطل فقط بسبب غياب النماذج، أو نقص المعالجات، بل لأن البيانات موزعة بين ملفات، وسجلات، ومنصات، ومستودعات مختلفة، بعضها منظم، وبعضها غير منظم، وبعضها صعب الحوكمة، أو البحث. لذلك يصبح تجهيز البيانات، وفهرستها، وربطها بخطوط محكومة جزءاً من البنية التشغيلية للذكاء الاصطناعي، لا خطوة تحضيرية بسيطة.

أما على مستوى مراكز البيانات، فتعلن «دل» عن «PowerRack» لتكون منصة رفوف متكاملة تجمع الحوسبة، والشبكات، والتخزين، والطاقة، والتبريد، والإدارة في نظام واحد. الفكرة هنا أن بنية الذكاء الاصطناعي لم تعد قابلة للتعامل معها باعتبارها خوادم منفصلة يتم تجميعها لاحقاً، لأن الأداء يعتمد على حركة البيانات بين المعالجات، وسرعة الشبكات، واستجابة التخزين، وقدرة التبريد، وأدوات الإدارة. لذلك تصف الشركة «PowerRack» بأنه نظام مصمم ومختبر بوصفه وحدة واحدة لتقليل عبء الدمج التقليدي.

وتضيف «دل» كذلك «PowerFlex» إلى «Dell Exascale Storage»، فيما تصفه ببنية تخزين رباعية تدعم الكتل، والملفات، والكائنات، وأحمال الملفات المتوازية على منصة واحدة، لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة عالية الأداء، وأحمال المؤسسات الثقيلة. كما تعلن عن «Dell Pro Precision 7 R1»، وهي محطة عمل قابلة للتركيب في الرف بحجم 1U، مدعومة بوحدات «NVIDIA RTX PRO Blackwell Max - Q» وبسعة تخزين تصل إلى 64 تيرابايت.

بيئة تشغيل متكاملة

كشفت الشركة عن «Dell PowerCool CDU C7000»، وهي وحدة تبريد مدمجة بحجم 4U مصممة لمتطلبات منصات كثيفة مثل «NVIDIA Vera Rubin NVL72»، وتدعم مياه منشأة بدرجة حرارة تصل إلى 40 درجة مئوية. في أسواق مثل الخليج، حيث تتوسع خطط مراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي في بيئات حارة، يصبح هذا النوع من التفاصيل جزءاً من نقاش أوسع حول كلفة تشغيل البنية، وكثافة الرفوف، والطاقة، والاستدامة، وليس مجرد مواصفة تقنية.

تحاول «دل» أيضاً توسيع طبقة النماذج والمنصات عبر برنامج «Dell AI Ecosystem Program»، الذي يمنح مزودي البرمجيات مساراً للتحقق من حلولهم على «Dell AI Factory». وتشمل الشراكات «Google» لتشغيل نماذج «Gemini» في بيئات محلية عبر «Google Distributed Cloud» على خوادم «Dell PowerEdge XE9780»، و«Hugging Face» للنماذج مفتوحة الأوزان، و«OpenAI» لاستكشاف ربط «Codex» بسياقات المؤسسة، وبياناتها، و«Palantir» لتشغيل منصاتها محلياً، إضافة إلى «ServiceNow»، و«SpaceXAI»، وشركاء في الأمن مثل «CrowdStrike»، و«Fortanix»، و«F5».

بهذا المعنى، لا تبدو إعلانات «دل» في المؤتمر محاولة لبيع طبقة واحدة من الذكاء الاصطناعي، بل محاولة لتقديم تصور كامل لكيفية تشغيله داخل المؤسسات، من وكلاء أقرب إلى فرق العمل، وبيانات قابلة للاستخدام، وبنية مركزية قابلة للتوسع، وتبريد مناسب للكثافة، وشراكات تتيح تشغيل نماذج مختلفة داخل بيئات تتحكم بها المؤسسة. أما في المنطقة، خصوصاً في السعودية ودول الخليج، فتتحول هذه الأسئلة إلى قضايا عملية تتعلق بالسيادة على البيانات، وكلفة التشغيل، وحماية الملكية الفكرية، وجاهزية المؤسسات للانتقال من تجارب الذكاء الاصطناعي إلى تشغيله في أعمال يومية حساسة.


مقالات ذات صلة

سلاسل الإمداد أمام اختبار الذكاء الاصطناعي... المرونة تتجاوز دقة التنبؤ

خاص يُعد التنبؤ بالطلب باستخدام تعلم الآلة أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي انتشاراً في سلاسل الإمداد وتستخدمه 45 % من المؤسسات (أدوبي)

سلاسل الإمداد أمام اختبار الذكاء الاصطناعي... المرونة تتجاوز دقة التنبؤ

يكشف توسع الذكاء الاصطناعي في سلاسل الإمداد عن أن المرونة تعتمد على تكامل الأنظمة والبيانات، وتحويل التوصيات إلى قرارات تشغيلية سريعة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تعتمد «أنثروبيك» على بصمة نصية خفية تُنشأ في أثناء التوليد عبر أنماط إحصائية في اختيار الكلمات وليست علامة مرئية داخل النص ( أدوبي)

كيف تعمل البصمة النصية في «Claude»... ومتى يمكن أن تختفي؟

تزداد قابلية اكتشاف البصمة في النصوص الأطول، في حين تكون الإشارة أضعف في المقاطع القصيرة أو المحتوى الذي يفرض صياغات محددة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص أحد مشاريع الطاقة الشمسية في الجوف شمال السعودية (واس)

خاص الخليج يهيئ بنيته التحتية لاستقطاب رؤوس الأموال الطويلة الأجل

تستعرض السعودية والخليج فرصاً استثمارية واعدة في الطاقة المتجددة والبنية الرقمية، مع توجه متزايد نحو تمويل المشاريع بالشراكة مع القطاع الخاص.

عبير حمدي (الرياض)
خاص أيمن الغامدي رئيس «مايكروسوفت العربية» (الشركة)

خاص رئيس «مايكروسوفت العربية» يحدد أولويات المرحلة المقبلة للذكاء الاصطناعي في السعودية

تدفع «مايكروسوفت العربية» نحو ربط توسع الذكاء الاصطناعي في السعودية بالإنتاجية والمهارات المحلية وبناء حلول وملكية فكرية من داخل المملكة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أداة شهيرة لكشف المحتوى الرديء المُولَّد بالذكاء الاصطناعي… متمكنة وذات قدرة أكبر

أداة شهيرة لكشف المحتوى الرديء المُولَّد بالذكاء الاصطناعي… متمكنة وذات قدرة أكبر

يتوقع انتشار مثيلتها على غرار برامج مكافحة الفيروسات

برايان إكس تشن (نيويورك)

علماء يكتشفون أسرع نجم في مجرّة درب التبانة

مجرّة درب التبانة (د.ب.أ)
مجرّة درب التبانة (د.ب.أ)
TT

علماء يكتشفون أسرع نجم في مجرّة درب التبانة

مجرّة درب التبانة (د.ب.أ)
مجرّة درب التبانة (د.ب.أ)

اكتشف فريق من علماء الفلك أسرع نجم في مجرّة درب التبانة، إذ يدور بسرعة كبيرة جداً تبلغ 25 ألف كيلومتر في الثانية حول الثقب الأسود فائق الكتلة في مركز هذه المجرّة التي تضمّ كوكب الأرض.

ويأمل العلماء المسؤولون عن هذا الاكتشاف، الذي نُشرت نتائجه في مجلة «نيتشر»، في أن يتيح النجم الجديد «إس 301» خلال عشر سنوات تحديد سرعة دوران الثقب الأسود مباشرة واختبار نظرية أينشتاين.

وقال مدير معهد ماكس بلانك لفيزياء خارج الأرض في مدينة غارشينغ الألمانية، العضو المؤسس للفريق المسؤول عن هذا الإنجاز العلمي الجديد، رينهارد غينزل، إن «رصداً دقيقاً، على مدى عقود، للنجوم التي تدور حول الثقب الأسود المركزي في مجرّة درب التبّانة وهو القوس أ* أتاح هذا الاكتشاف الكبير لنجم واعد جداً».

وأضاف غينزل الفائز بالمشاركة في جائزة نوبل للفيزياء عام 2020 عن اكتشاف الثقب الأسود المركزي في درب التبانة أن «+إس 301+ يفتح بفضل قربه الشديد من القوس أ* نافذة جديدة على الخصائص الأساسية للزمكان» في الثقب الأسود، على ما جاء في بيان المرصد الأوروبي الجنوبي.

واستخدم العلماء لاكتشاف «إس 301» جهاز التداخل التابع لمقراب «فيري لارج تلسكوب» التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي، وأداته «غرافيتي +».

وشرح طالب الدكتوراه في معهد ماكس بلانك فيليكس مانغ المشارك في تأليف الدراسة أن «ما يميّز هذا النجم هو كونه يدور حول القوس أ* في مسار قريب جداً منه، فدورته الكاملة حوله لا تستغرق سوى 8,7 سنة، ويدنو من الثقب الأسود حتى مسافة لا تتجاوز 12 مرة المسافة بين الأرض والشمس».

وعند النقطة التي يكون فيها الأقرب إلى الثقب الأسود، يتحرّك «إس 301» بسرعة تقارب 25 ألف كيلومتر في الثانية، أي أسرع بنحو مائة ألف مرة من طائرة ركّاب، وبنسبة 8 في المائة من سرعة الضوء، ما يجعله أسرع نجم معروف حتى الآن في مجرّة درب التبانة.


منافسة شرسة في سوق الأجهزة القابلة للارتداء

الساعات الذكية توظف لتتبع مؤشرات اللياقة البدنية والمؤشرات الصحية
الساعات الذكية توظف لتتبع مؤشرات اللياقة البدنية والمؤشرات الصحية
TT

منافسة شرسة في سوق الأجهزة القابلة للارتداء

الساعات الذكية توظف لتتبع مؤشرات اللياقة البدنية والمؤشرات الصحية
الساعات الذكية توظف لتتبع مؤشرات اللياقة البدنية والمؤشرات الصحية

نحن الآن في عام 2035... وأنت - شأنك شأن معظم من تعرفهم - تحمل جهازاً صغيراً بحجم الزر مزروعاً في ساعدك. ومقابل أجور دورية، يقوم هذا الجهاز بمراقبة مستمرة لضغط الدم، ودرجة حرارة الجسم الداخلية، ونشاط القلب والأوعية الدموية، وجميع المؤشرات الصحية الأخرى التي تهم الطبيب. وفي حال رصد أي أمر مثير للريبة، يقوم نظام ذكاء اصطناعي مخصص بتنبيه طبيبك على الفور؛ ما يتيح اكتشاف الأمراض والعلل - وعلاجها - في أقرب وقت ممكن، كما كتب برنت كرين(*).

«تعظيم الصحة»

هذا هو مستقبل «تعظيم الصحة (healthmaxxing)»، المصطلح الذي تقدمه صناعة الأجهزة القابلة للارتداء العالمية - التي تبلغ قيمتها 44 مليار دولار - وتهدف إلى تحقيقه بسرعة؛ حيث تقدم مجموعة واسعة من الساعات والخواتم والأساور الذكية أساليب جديدة لتتبع البيانات الصحية وبيانات اللياقة البدنية.

منذ إطلاق جهاز «فيتبيت تراكر (Fitbit Tracker)» الرائد في عام 2009. كان اهتمام المستهلكين هو المحرك الأساسي لهذا القطاع. ولكن ما جذب انتباه بعض أكبر الشركات في العالم - بما في ذلك «أبل» و«سامسونغ» و«غوغل» - هو رؤية قد تكون أكثر ربحية بكثير.

ويقول جيتيش أوبراني، محلل الصناعة في شركة أبحاث التكنولوجيا «آي دي سي»: «الهدف النهائي هو أن تصبح هذه الأجهزة جزءاً من المنظومة الطبية. إنها سوق مربحة للغاية إذا ما أوصت المستشفيات والأطباء باستخدام أحد هذه الأجهزة».

منافسة شرسة

وتفسر هذه الرؤية بعيدة المدى - جزئياً - سبب احتدام الصراع والمنافسة الشرسة؛ فقد رفعت شركة «أورا Oura» المصنعة للخواتم الذكية دعاوى قضائية ضد سبع شركات منافسة بتهمة انتهاك براءات الاختراع. وقد كسبت الشركة ثلاثاً من تلك القضايا، بينما لا تزال أربع قضايا أخرى منظورة أمام القضاء. وفي الوقت نفسه، تواجه ساعة «أبل ووتش (Apple Watch)» التي تبيع في خلال فصل ربع سنوي واحد نحو 8 ملايين وحدة، أكثر مما باعته «أورا» طوال تاريخها، ما لا يقل عن دعويين قضائيتين تتعلقان بانتهاك براءات الاختراع.

تكامل مع خدمات الرعاية الصحية

وفي خضم هذه المنافسة المحتدمة، اتخذت الشركات خطوات أولية نحو التكامل مع المستشفيات ومقدمي خدمات الرعاية الصحية؛ حيث عقدت «أبل» شراكة مع شركة «Epic Systems» العملاقة في مجال بيانات الرعاية الصحية، وكذلك عقدت شركة «أورا» شراكة مع شركة «ديكسكوم» (Dexcom) المصنّعة لأجهزة المراقبة المستمرة لمستوى الغلوكوز. ويفضل توم هيل، الرئيس التنفيذي لشركة «أورا» وصف منتجه بأنه «منصة للذكاء الصحي»، بدلاً من وصف «جهاز قابل للارتداء للياقة البدنية».

وكانت «غوغل» أطلقت، في شهر مايو (أيار)، الماضي تطبيق «Google Health»، الذي يجمع بين بيانات «فيتبت» وتطبيقات الطرف الثالث وسجلاتك الصحية؛ ويهدف التطبيق (على حد تعبير آندي أبرامسون، رئيس قسم المنتجات في «فيتبت») إلى أن يكون «المنصة الموحدة لإدارة جميع بياناتك الصحية». وفي العام الماضي، استحوذت شركة «سامسونغ»، التي تنتج خواتم وساعات ذكية، على شركة «Xealth» وهي منصة تربط البيانات الصحية للمستهلكين بأنظمة المستشفيات.

رصد الأمراض عن بُعد

مع تزايد اندماج الأجهزة القابلة للارتداء في نظام الرعاية الصحية، يرى الخبراء أن تحليل كل تلك البيانات سيتطلب مساعدة متطورة من الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن ضرورة التعامل مع مخاوف جدية تتعلق بخصوصية البيانات.

لكن المزايا المحتملة مقنعة للغاية؛ فإلى جانب القدرة على رصد الأمراض في وقت أبكر بكثير مما هو متاح حالياً، يمكن لنظام الرعاية الصحية المدعوم بهذه الأجهزة أن يعزز فرص الرعاية الصحية عن بُعد بشكل هائل؛ إذ ستصبح الاختبارات التشخيصية، التي كانت تتطلب سابقاً زيارة المستشفى، غير ضرورية؛ حيث ستكون البيانات اللازمة (وهي كميات هائلة للغاية) قد أُرسلت بالفعل إلى الطبيب عبر الجهاز القابل للارتداء.

يقول الدكتور أندرو جاغيم، مدير أبحاث الطب الرياضي في نظام «مايو كلينك» الصحي الذي يدرس دقة الأجهزة القابلة للارتداء: «يمكنك معاينة أي مريض في أي وقت ومن أي مكان في العالم».

رصد المؤشرات الحيوية

ويرى الخبراء أن هذه التقنية تتمتع بموثوقية كافية لاستخدامها في بعض السياقات الطبية بالفعل. وبغض النظر عن شكلها، تعتمد الأجهزة القابلة للارتداء على مجموعة صغيرة من المستشعرات (مثل الكواشف الضوئية، ومقاييس التسارع، والمقاومات الحرارية) التي تتتبع تدفق الدم وحركتك ودرجة حرارة جلدك. ثم تقوم الخوارزميات المدمجة باستنتاج مؤشرات فسيولوجية (مثل معدل ضربات القلب ومراحل النوم ومستوى الأكسجين في الدم) انطلاقاً من البيانات الخام الأولية التي قد تكون مشوشة أو غير منتظمة.

وقال جاغيم إن دقة هذه الأجهزة تحسنت باطراد على مر السنين، لا سيما في تتبع الوقت الذي يقضيه المرء في النوم العميق أو مرحلة حركة العين السريعة (REM) مقارنة بالنوم الخفيف. وأشار جاغيم إلى أنه كان سيتجاهل تلك البيانات تماماً قبل عقد من الزمن، لكن الوضع اختلف الآن.

مسارات متعددة

مع سعي الشركات البارزة نحو التكامل مع قطاع الرعاية الصحية، فإنها تبني قواعد عملائها بطرق متنوعة. فمثلاً، تجذب سوارات «ووب (Whoop)»، التي يصل سعرها إلى 359 دولاراً سنوياً، شريحة المستهلكين الميسورين المهتمين باللياقة البدنية؛ إذ غالباً ما تُرتدى هذه السوارات مع ساعات باهظة الثمن أو حقائب يد فاخرة. لكنها كسبت أيضاً ولاء العديد من الرياضيين الذين يُقدّرون مؤشرات التعافي والإجهاد التي توفرها، التي تُترجم بيانات تقلب معدل ضربات القلب وبيانات النوم إلى مؤشر يومي.

أما ساعتا «أبل ووتش» و«فيتبيت» اللتان تُقدمان للمستخدمين مقاييس صحية أقل تفصيلاً، فتميلان إلى جذب شريحة أوسع من المهتمين بالصحة العامة، كما يقول جاغيم، بينما تجذب ساعات «غارمن (Garmin)» الذكية، المزودة بإمكانيات بتقنيات «جي بي إس» متقدمة وحتى قراءات الارتفاع في بعض الطرازات، الرياضيين المحترفين.

وقد أطلقت الشركة أخيراً سواراً ذكياً من دون شاشة. أما «أورا» التي يتميز أحدث إصداراتها بنحافة أي خاتم عادي، فقد استغلت شعبيتها بين النساء من خلال الترويج لميزات تتنبأ بالدورة الشهرية وفترة الإباضة.

أجهزة «أكثر استباقية»

أصبحت الأجهزة القابلة للارتداء أكثر استباقية أيضاً؛ فبدلاً من مجرد تتبع بيانات اللياقة البدنية، باتت تقدم توصيات حول كيفية الاستفادة منها: متى وكيف تتمرن، ومتى تنام وكم تأكل؟ وهنا تكمن ميزة العلامات التجارية الراسخة مثل «أبل» و«غوغل»، القادرة على استخلاص المعلومات من منتجات أخرى ضمن منظومتها، كما يقول بن أرنولد، محلل الصناعة في شركة «سيركانا».

ومع ذلك، لا يزال التكامل الكامل مع الرعاية الصحية في مراحله الأولى. وقال أوبراني: «يتحرك القطاع الطبي ببطء شديد ويتسم بالبيروقراطية المفرطة، وهناك عقبات حقيقية يجب تجاوزها».

* خدمة «نيويورك تايمز».


«نفايات» الذكاء الاصطناعي أدَّت إلى الحطّ من قيمة المحتوى الهادف وتلويث بيئة المعلومات

«نفايات» الذكاء الاصطناعي أدَّت إلى الحطّ من قيمة المحتوى الهادف وتلويث بيئة المعلومات
TT

«نفايات» الذكاء الاصطناعي أدَّت إلى الحطّ من قيمة المحتوى الهادف وتلويث بيئة المعلومات

«نفايات» الذكاء الاصطناعي أدَّت إلى الحطّ من قيمة المحتوى الهادف وتلويث بيئة المعلومات

لقد أغرقت أسوأ أنواع «نفايات» الذكاء الاصطناعي «AI slop» -أي المحتوى الرديء أو المفتعل بكثافة- نتائج بحث «غوغل» بوصفات لتحضير بيتزا مغطاة بالغراء، وقوائم «أمازون» بسير ذاتية وهمية، وخلاصات «فيسبوك» بصور لـ«إله الروبيان»... لقد تمددت أكوام «النفايات الرقمية» هذه عبر منصات التكنولوجيا، مما أدَّى إلى الحط من قيمة المحتوى الهادف وتلويث بيئة المعلومات، وذلك بالتزامن مع استمرار تطور روبوتات الدردشة وأدوات توليد الفيديو.

مساعٍ لإزالة النفايات

* «سبوتيفاي» أزالت 75 مليون ملف. والآن، يسعى وادي السيليكون إلى التخلص من هذه النفايات. فقد صرحت منصة «سبوتيفاي» بأنها أزالت 75 مليون ملف مرسل إليها بالجملة، وأزالت أغاني مكررة، ومقاطع صوتية أخرى تُصنف ضمن «الرسائل المزعجة خلال العام الماضي، وهو ما يمثل جزءاً كبيراً من إجمالي مكتبتها الصوتية.

* زر «لينكد إن». ومن جهتها أعلنت «لينكد إن» في يوليو (تموز) الماضي أن «محتوى الذكاء الاصطناعي الرديء يمثل أولوية قصوى لنا جميعاً»، وقامت بتطوير زرٍّ يُمكّن المستخدمين من الإبلاغ عنه.

* «يوتيوب» حذفت 130 ألف قناة من المحتوى ذي الجودة المتدنية. ووصف باحثون من شركة «غوغل»، الشركة الأم لـ«يوتيوب»، كيف قامت إحدى خدمات الفيديو بحذف 130 ألف قناة من المحتوى ذي الجودة المتدنية من منصتها خلال ستة أشهر.

* خدمات تجاهد لإزالة النفايات «الذكية». وفي جميع أنحاء الإنترنت، تُجري شركات التكنولوجيا عملية تنظيف شاملة للمحتوى المُولَّد، إذ تُعاني في كثير من الأحيان من نفس المحتوى الرديء الذي وفرته وأتاحته أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها. إذ تجاهد تطبيقات المراسلة الفورية، ومواقع تقييم المطاعم، والمحفوظات الأكاديمية، وخدمات التعارف، جميعها للعمل على استئصال أو التقليل من شأن المحتوى الرديء الذي يُولّده الذكاء الاصطناعي. ويعتمد الكثير منها على نفس التقنية لإتمام عملية التنظيف.

ضيق الجمهور من الذكاء الاصطناعي

وبدأ أفراد الجمهور يشعرون بالضيق من تأثير الذكاء الاصطناعي على البيئة وضغطه على الوظائف، وعلى الصحة النفسية. ووصف إيدان ووكر، صانع المحتوى والباحث الذي يدرس الاتجاهات على الإنترنت لصالح مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وهي مركز أبحاث للشؤون العالمية، محتوى الذكاء الاصطناعي الرديء بأنه «جرحٌ مُتقيح» آخر». وأضاف: «أصبح المستخدمون أكثر استياءً من هذا الأمر تدريجياً». لقد تغيَّر المناخ العام بشكل ملحوظ، ولذا تواجه هذه الشركات أخيراً هذه المشكلات.

تقويض القيم الثقافية

ويستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي إنتاج صور ومقاطع صوتية ومرئية واقعية بشكل متزايد، لكن بعضها فقط يُصنف ضمن المحتوى الرديء. تستهدف شركات التكنولوجيا بشكل أساسي ذلك النوع من المحتوى الرخيص الذي يسهل إنتاجه ونشره واستهلاكه ونسيانه - حيث يطغى المحتوى الرخيص على المحتوى الراقي، ويحل المحتوى الرديء محل المحتوى الجيد.

وقد كتب باحثون أوروبيون العام الماضي أن هذا الكم الهائل من المحتوى الاصطناعي على الإنترنت، إذا لم يُضبط، قد «يُزاحم الإبداع البشري، ويُقوّض القيم الثقافية، ويُزعزع استقرار الخطاب العام».

وأصبح مصطلح «المحتوى الرديء» (المشار إليه بكلمة Slop الإنجليزية) شائعاً لدرجة أن دار نشر القواميس «ميريام-ويبستر» اختارته كلمة عام 2025.

موسيقى وفيديوهات مولدة اصطناعياً

وقالت «ديزر»، وهي خدمة بث موسيقى فرنسية، هذا الربيع إن ما يقرب من نصف المقاطع الصوتية التي تُضاف إلى نظامها يومياً مُولّدة اصطناعياً، وكثير منها لا يسمعه المستخدمون أبداً. كما يُولّد الذكاء الاصطناعي أكثر من ثلث ما يُرفع إلى «آبل ميوزيك».

وقال آدم موسيري، رئيس «إنستغرام»، أواخر العام الماضي إنه سيصبح قريباً «أكثر عملية» تتبُّع «المحتوى الحقيقي بدلاً من المحتوى المزيف». وجاءت ملاحظته بعد فترة وجيزة من إطلاق «ميتا»، الشركة الأم لـ«إنستغرام»، خدمة بث فيديو تعتمد كلياً على الذكاء الاصطناعي، والتي سخر منها الكثيرون باعتبارها منصة لعرض المحتوى الرديء.

شركات تكنولوجيا مبدعة... تولّد النفايات

إن العديد من شركات التكنولوجيا التي تحاول الآن التعامل مع مشكلة «المحتوى الرديء الناتج عن الذكاء الاصطناعي» هي نفسها الشركات التي تُسهم في تفاقم هذه الظاهرة. ففي شهر يوليو الماضي، تعهدت شركة «ميتا» بدعم اتفاقية أوروبية تهدف إلى جعل المحتوى المُنتَج بواسطة الذكاء الاصطناعي أكثر قابلية للتمييز من خلال آليات الكشف والتصنيف والوسم. وفي الشهر ذاته، أطلقت الشركة أداة لتوليد الصور تعتمد تلقائياً على محتوى الحسابات العامة في «إنستغرام» كمصدر مرجعي لعملها (وهي الميزة التي سحبتها «ميتا» لاحقاً بعد ثلاثة أيام من ردود الفعل الغاضبة).

تراكم كميات هائلة من المواد الهامشية وعديمة القيمة

يقول بول شوفلين، خبير الذكاء الاصطناعي في جامعة أوهايو: «يُعد هذا المحتوى الرديء الناتج عن الذكاء الاصطناعي سلاحاً ذا حدين؛ فمن ناحية، شهدت العديد من المنصات ارتفاعاً في معدلات التفاعل بفضله. ولكن من ناحية أخرى، وصل الأمر إلى مرحلة أصبح فيها هذا المحتوى يمثل عبئاً ومصدر مشكلة، إذ تراكمت كميات هائلة من المواد الهامشية وعديمة القيمة، لدرجة بات معها من الصعب على المستخدمين العثور على المحتوى عالي الجودة الذي يبحثون عنه».

20 % من مقاطع الفيديو القصيرة في يوتيوب «اصطناعية»

وعلى سبيل المثال، استثمرت شركة «غوغل» بكثافة في الذكاء الاصطناعي، وربطت نموذجها «جيميناي» بخدمات البريد الإلكتروني والخرائط والسفر والبحث. ووفقاً لتجربة أجرتها شركة «كابوينغ» العام الماضي، وهي شركة تحرير للفيديو عبر الإنترنت تعمل بالذكاء الاصطناعي، فإن أكثر من 20 في المائة من مقاطع الفيديو القصيرة الأولى التي تُعرض للمستخدمين الجدد على «يوتيوب» هي محتوى رديء مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي.

أرباح «اصطناعية» كبيرة

وقدّرت «كابوينغ» أن إحدى أشهر قنوات «يوتيوب» التي تُنتج هذا النوع من المحتوى حققت أرباحاً سنوية بلغت 4.25 مليون دولار. (وقد تم تعليقها لاحقاً من برنامج تحقيق الربح على «يوتيوب»). وكتب نيل موهان، الرئيس التنفيذي لـ«يوتيوب»، في منشور على مدونته أن «إدارة المحتوى الرديء المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي» كانت من أهم أولويات هذا العام.

اللجوء إلى المستخدمين لرصد النفايات «الذكية»

وتلجأ شركات أخرى إلى مجموعة متنوعة من الاستراتيجيات لمعالجة المحتوى غير المتوافق مع الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك حشد مستخدميها للمساعدة في تحديده. ففي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حدّثت «بينترست» نظامها للسماح للمستخدمين بالحد من عدد المنشورات التي يُنشئها الذكاء الاصطناعي التي يرونها. وقالت «تيك توك» إنها تختبر ميزة في الولايات المتحدة تُمكّن المستخدمين من التحكم في كمية المحتوى المرئي المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي. كما ذكرت الشركة أنها صنّفت تلقائياً أكثر من 3 مليارات مقطع فيديو مُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي. وقد حذفت «تيك توك» أكثر من 377 ألف مقطع فيديو في الأشهر الثلاثة الأولى من العام لمخالفتها سياسات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها.

نصف المنشورات القصيرة على «إكس» اصطناعية

تم استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء ما يقرب من نصف المنشورات التي تحتوي على أكثر من 50 كلمة على منصة التواصل الاجتماعي «إكس» وفقاً لشركة «بانغرام» Pangram، وهي شركة ناشئة متخصصة في اكتشاف الذكاء الاصطناعي. وكتب نيكيتا بير، الذي شغل منصب رئيس قسم المنتجات في منصة «إكس» حتى وقت سابق من هذا الشهر، أن المنصة حظرت هذا العام التطبيقات التي تشجع فعلياً برمجيات الروبوت (البوتات) على النشر من خلال الدفع مقابل المحتوى، وذلك بهدف التعامل مع «كميات هائلة من المحتوى الرديء الناتج عن الذكاء الاصطناعي ورسائل الرد المزعج».

وفي الشهر الماضي، كتب كريس بيست، الرئيس التنفيذي لمنصة «سابستاك» (Substack)، أن «التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف على الإنترنت يزداد صعوبة»، وأن «المنصات التي تكافئ الزيف ستؤدي إلى سباق نحو الأسوأ». وقد أعلنت المنصة عن إطلاق أداة خاصة بها لمستخدميها للكشف عن المحتوى المُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي - مدعومة بتقنية من شركة «بانغرام» صُممت لمسح الردود والتعليقات والمنشورات التي تتجاوز 100 كلمة، وتحديد ما إذا كانت قد كُتبت يدوياً على الأرجح أم بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

وقد اشتكى بعض كُتّاب النشرات الإخبارية من أن الأداة صنفت منشورات كتبها بشر على أنها ناتجة عن الذكاء الاصطناعي، ولم تأخذ في الحسبان الدور المحتمل للذكاء الاصطناعي في العملية الإبداعية، كما أنها وضعت ضغوطاً غير مبررة على المؤلفين للدفاع عن سمعتهم في مواجهة معيار غامض وغير شفاف.

مصاعب تصنيف المحتوى الرديء

وفي ربيع هذا العام اجتمعت كاميل فرانسوا ونحو عشرين خبيراً آخرين في مجال الذكاء الاصطناعي في فعالية «سلوب صالون» (Slop Salon) في مينلو بارك بولاية كاليفورنيا، حيث ناقشوا صعوبة تصنيف - وبالتالي إدارة - المحتوى الرديء الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

وقالت فرانسوا، التي تدرس التقنيات الرقمية الضارة في جامعة كولومبيا، في مقابلة أجريت معها: «إن هذا المزيج المتنوع من الأساليب المتبعة يشير إلى أننا نواجه مشكلة هيكلية في بيئة المعلومات لدينا. ولا يقتصر الأمر على مجرد فئة سيئة من المحتوى، يمكننا ببساطة تعريفها وإزالتها». وأضافت: «في نهاية المطاف، يُعد الذكاء الاصطناعي أداة إبداعية متعددة الأوجه، لذا ستشهد المنصات التي تتعامل مع هذا الأمر بشكل سيء، عزوف المستخدمين وانتقالهم إلى منصات أخرى».

* خدمة «نيويورك تايمز».