من لاس فيغاس... «دِل تكنولوجيز»: الذكاء الاصطناعي لم يعد يعيش في السحابة وحدها

الشركة ترسم خريطة جديدة لتشغيل الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات

«دل» ترى أن الذكاء الاصطناعي المؤسسي لم يعد يعيش في السحابة وحدها بل يتوزع بين الأجهزة ومراكز البيانات والحافة (الشركة)
«دل» ترى أن الذكاء الاصطناعي المؤسسي لم يعد يعيش في السحابة وحدها بل يتوزع بين الأجهزة ومراكز البيانات والحافة (الشركة)
TT

من لاس فيغاس... «دِل تكنولوجيز»: الذكاء الاصطناعي لم يعد يعيش في السحابة وحدها

«دل» ترى أن الذكاء الاصطناعي المؤسسي لم يعد يعيش في السحابة وحدها بل يتوزع بين الأجهزة ومراكز البيانات والحافة (الشركة)
«دل» ترى أن الذكاء الاصطناعي المؤسسي لم يعد يعيش في السحابة وحدها بل يتوزع بين الأجهزة ومراكز البيانات والحافة (الشركة)

في لاس فيغاس، لا تبدو إعلانات مؤتمر «دل تكنولوجيز وورلد 2026» مجرد تحديثات في الخوادم، ومحطات العمل، والتخزين. الرسالة الأوسع التي تحاول الشركة تقديمها هذا العام هي أن الذكاء الاصطناعي المؤسسي ينتقل من مرحلة التجارب إلى مرحلة التشغيل، وأن السؤال لم يعد فقط: ما النموذج الأفضل؟ بل: أين يجب أن يعمل هذا النموذج؟ وفي أي بيئة يمكن للمؤسسة أن تتحكم بالكلفة، والبيانات، والأمان، والحوكمة؟

هذا المعنى ظهر مبكراً في كلمة مايكل دِل، رئيس مجلس الإدارة، والرئيس التنفيذي لـ«دل تكنولوجيز»، الذي قدّم التحول بوصفه انتقالاً من الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة داخل الشاشة إلى بنية تشغيل تدخل قطاعات مثل الصحة، والتصنيع، والطاقة، والمدن، وبيئات العمل. وقال خلال الجلسة الافتتاحية الرئيسة للمؤتمر الذي حضرته «الشرق الأوسط» إن ما يحدث «ليس روبوت دردشة، بل هو ذكاء في العالم الفيزيائي»، مضيفاً أن كل مؤسسة تواجه اليوم السؤال نفسه: كيف تحول الذكاء إلى أثر بسرعة؟

وفي جزء آخر من كلمته، ربط مايكل دِل بين الذكاء الاصطناعي الوكيلي وإعادة تصميم العمل نفسه، معتبراً أن الشركات التي تعيد بناء عملياتها حول الذكاء الاصطناعي ستراكم مزاياها بسرعة غير مسبوقة. وذكر أن الوكلاء ليسوا مجرد إضافة إلى الأنظمة القديمة، بل هم «عمال رقميون» لديهم ذاكرة، وصلاحيات، وقدرة على اتخاذ إجراءات، ما يفرض بنية جديدة للعمل تقوم على بيانات موثوقة، وإجراءات محكومة، وبنية تحتية قريبة بما يكفي لاتخاذ قرارات في الوقت الحقيقي.

رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لـ«دل تكنولوجيز»

الوكلاء يغيّرون الحوسبة

انضم جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، إلى دِل على المسرح، في ظهور يعكس عمق الشراكة بين الشركتين في بناء ما تسميانه «مصانع الذكاء الاصطناعي». هوانغ قال إن الذكاء الاصطناعي انتقل من مرحلة التوليد إلى التفكير، والتخطيط، وأنظمة الوكلاء، معتبراً أن الصناعة دخلت «عصر الذكاء الاصطناعي المفيد». وأوضح أن الوكلاء لا يكتفون بالرد على استفسار، بل يفكرون، ويخططون، ويستخدمون أدوات، ويكررون المحاولة حتى تنجز المهمة، ما يرفع متطلبات الحوسبة أضعافاً كبيرة قد تصل، بحسبه، إلى 100 أو 1000 مرة وفق نوع العمل.

هذا الحوار بين دِل وهوانغ وضع خلفية مباشرة لإعلانات اليوم الأول. فإذا كانت أنظمة الوكلاء ستعمل لفترات أطول، وتستهلك رموزاً أكثر، وتتعامل مع أنظمة وبيانات حساسة، فإن البنية التحتية التقليدية أو الاعتماد السحابي وحده لا يكفيان دائماً. من هنا جاءت توسعة «Dell AI Factory with NVIDIA» لتجمع بين تشغيل الوكلاء محلياً، وتجهيز البيانات، والبنية التحتية المتكاملة، والتبريد، وشبكة أوسع من الشركاء، والنماذج.

خارج السحابة

تدعم «دل» هذا الطرح برقم لافت عرضه رئيسها التنفيذي، مشيراً إلى أن 67 في المائة من أحمال الذكاء الاصطناعي تعمل بالفعل خارج السحابة، سواء داخل مراكز بيانات المؤسسات، أو في بيئات قريبة منها. وهذا يعزز فكرة أن النقاش المقبل لن يدور حول السحابة وحدها، بل حول توزيع الذكاء الاصطناعي بين السحابة، ومراكز البيانات، والحافة، والأجهزة.

هذا التحول يظهر بوضوح في توسعة «Dell AI Factory with NVIDIA» التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي الوكيلي، وتجهيز البيانات للذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية المتكاملة، والتبريد، والشراكات مع مزودي النماذج، والمنصات. وتلفت «دل» أن المؤسسات لا تعاني غالباً من نقص في الطموح تجاه الذكاء الاصطناعي، بل من مشكلة في التنفيذ. فالمشاريع التجريبية تتعثر عندما لا تكون البيانات جاهزة، أو عندما تصبح الكلفة غير متوقعة، أو عندما تعجز المؤسسة عن تشغيل النماذج والوكلاء داخل بيئة آمنة، ومحكومة.

العبء المناسب في المكان المناسب

أبرز ما أعلنته الشركة في اليوم الأول كان «Dell Deskside Agentic AI»، وهو حل يستهدف تشغيل وكلاء الذكاء الاصطناعي محلياً على محطات عمل عالية الأداء، بدلاً من الاعتماد الكامل على واجهات برمجة التطبيقات السحابية. ويأتي الحل ضمن «Dell AI Factory with NVIDIA»، ويعتمد على محطات عمل «دل»، وحزمة «NVIDIA NemoClaw»، وبيئة «NVIDIA OpenShell»، إلى جانب خدمات «دل» لمساعدة المؤسسات على اختيار حالات الاستخدام، ونشرها، وتوسيعها.

لا تقدم «دل» هذا الطرح باعتباره بديلاً شاملاً عن السحابة، بل باعتباره جزءاً من بنية هجينة أكثر تعقيداً. جون سيغال، نائب الرئيس الأول للتسويق التجاري في مجموعة حلول العملاء لدى «دل تكنولوجيز»، قال في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» على هامش المؤتمر إن المسألة أصبحت تتعلق بـ«وضع عبء العمل المناسب مع النموذج المناسب في المكان المناسب». هذا المكان، باعتقاده، قد يكون جهازاً بجانب المكتب، أو مركز بيانات، أو الحافة، أو السحابة، وفق عوامل مثل الأداء، والأمن، والسيادة، والكلفة.

بهذا المعنى يصبح الذكاء الاصطناعي المؤسسي أقرب إلى خريطة توزيع للأحمال، لا إلى خدمة واحدة تعمل في مكان واحد. فبعض الاستخدامات قد تتطلب قدرات حوسبة ضخمة داخل مركز البيانات، وبعضها قد يبقى مناسباً للسحابة، بينما قد تحتاج أحمال أخرى إلى العمل قرب الموظف، أو فريق العمل، خصوصاً عندما تكون البيانات حساسة، أو عندما تصبح الكلفة السحابية متغيرة بشكل يصعب توقعه.

مايكل دِل وجنسن هوانغ يؤكدان أن الذكاء الاصطناعي دخل مرحلة الوكلاء القادرين على التخطيط والتنفيذ لا مجرد توليد الإجابات (الشركة)

قلقُ الرموز

الكلفة كانت من أكثر النقاط حضوراً في حديث سيغال الذي اعتبر أنه مع انتشار «الوكلاء الأذكياء»، لا تتعلق المسألة فقط بسعر الرمز الواحد الذي يعالجه النموذج. حتى إذا انخفضت كلفة الرمز، فإن حجم الاستهلاك يرتفع بسرعة مع انتقال الذكاء الاصطناعي من الاستخدام الفردي إلى وكلاء يعملون لفترات طويلة، ويؤدون خطوات متعددة. يقول سيغال إن «كلفة الرمز تنخفض، لكن استهلاك الرموز يرتفع بشكل كبير»، ما يؤدي إلى «فواتير سحابية مرتفعة، ومفاجئة» لدى بعض العملاء.

ويستخدم سيغال تعبير «قلق الرموز» لوصف ما تواجهه فرق التطوير، والبحث. فكل تجربة جديدة، وكل وكيل جديد، وكل سير عمل إضافي قد يعني استهلاكاً أكبر عبر السحابة. وهنا يرى أن تشغيل بعض الأحمال محلياً يمنح هذه الفرق مساحة أوسع للتجربة. فبعد شراء محطة العمل، تصبح قادرة على توليد الرموز محلياً من دون الرسوم المتغيرة نفسها المرتبطة بالواجهات السحابية. ويصف سيغال أجهزة الكمبيوتر أو محطة العمل في هذا السياق بأنها «مولّد رموز مجاني» بعد امتلاكه، خصوصاً للمطورين، والباحثين الذين يحتاجون إلى تجربة متكررة على بيانات محلية.

جدوى التشغيل المحلي

تقول «دل» إن حل «Deskside Agentic AI» يمكن أن يحقق نقطة تعادل مع كلفة استخدام واجهات برمجة التطبيقات السحابية في فترة قد تصل إلى ثلاثة أشهر في بعض الحالات، وأن يخفض الإنفاق حتى 87 في المائة خلال عامين مقارنة باستخدام واجهات سحابية. لكن هذه الأرقام بحسب الشركة مبنية على افتراضات محددة تشمل نوع الأحمال، وكثافة الاستخدام، وتشغيل وكلاء على مدى أيام العمل، واستخدام نماذج مفتوحة الأوزان، واحتساب كلفة الطاقة، والدعم، والبنية. لذلك لا تعني الأرقام أن كل مؤسسة ستحقق النتيجة نفسها، بل تشير إلى أن بعض الأحمال المتكررة والمتوسطة إلى الكبيرة قد تصبح أكثر جدوى اقتصادياً عند تشغيلها محلياً. وفي حديث سيغال لـ«الشرق الأوسط»، ظهر هذا التمييز بوضوح، معتبراً أن السيناريو الذي اختبرته «دل» اعتمد على نماذج مفتوحة الأوزان لا تغادر فيها البيانات بيئة المؤسسة، وعلى نماذج في نطاق يقارب 130 مليار مُعالم، أو باروميتر، مع عدد من الوكلاء يعملون محلياً. ويعد سيغال أن الفكرة الأساسية أن المؤسسة لا تحتاج في كل مرة إلى العودة إلى السحابة لاستهلاك رموز مدفوعة، بل يمكن توليد هذه الرموز داخل بيئتها.

جون سيغال نائب الرئيس الأول للتسويق التجاري في مجموعة حلول العملاء لدى «دل تكنولوجيز»

خريطة الأحمال

أشار سيغال إلى أن حجم النموذج وعدد الوكلاء وعدد المستخدمين المتزامنين، ومستوى التحكم الأمني، كلها عوامل تدخل في القرار. فالنماذج الصغيرة نسبياً، في حدود 13 مليار معالم، قد تعمل على أجهزة ذكاء اصطناعي شخصية. أما نماذج مفتوحة الأوزان أكبر، مثل نماذج في حدود 120 مليار معالم، فقد تعمل على محطة عمل. وفي المقابل، تبقى النماذج التأسيسية الأوسع والأحمال التي تخدم أعداداً كبيرة من المستخدمين أقرب إلى مراكز البيانات. هذا التفصيل مهم، لأنه يُخرج النقاش من تسويق عام لفكرة «أجهزة الذكاء الاصطناعي» إلى سؤال معماري أكثر دقة. فليست كل أجهزة الذكاء الاصطناعي متشابهة، وليست كل محطة عمل تعد بديلاً عن مركز البيانات. بعض الأحمال تناسب جهازاً شخصياً، وبعضها يحتاج إلى محطة عمل قوية، وبعضها لا يمكن تشغيله عملياً إلا في بنية مركزية، أو سحابية. لذلك يقول سيغال إن «دل» تحاول مساعدة العملاء على رسم خريطة للأحمال المختلفة، وتحديد المكان الأنسب لكل منها.

قربُ البيانات

يلفت سيغال إلى البيانات الحساسة التي لا تريد المؤسسة إخراجها من بيئتها، والأحمال التي تحتاج إلى أداء مرتفع، أو زمن استجابة منخفض، والحالات التي قد تعمل في اتصال ضعيف، أو من دون اتصال دائم بالإنترنت. كما تظهر السيادة على البيانات كعامل مؤثر، خصوصاً عندما تفرض الحوكمة أو المتطلبات التنظيمية بقاء بيانات معينة داخل بيئة محددة.

وتقول «دل» إن حلها الجديد يدعم نماذج تتراوح من 30 مليار مُعالم إلى تريليون، بحسب الجهاز، والحمل. وتشمل القائمة «Dell Pro Max with GB10» للنماذج الأصغر، والتجارب الفردية، و«Dell Pro Precision 9» لأحمال أكبر على محطات عمل مزودة بمعالجات «Intel Xeon 600» وما يصل إلى خمس وحدات «NVIDIA RTX PRO Blackwell Workstation Edition»، و«Dell Pro Max with GB300» المدعوم بشريحة «NVIDIA GB300 Grace Blackwell Ultra Desktop Superchip» للأحمال الأكثر تطلباً.

الميزة الحقيقية للمؤسسات لن تكون في الوصول إلى النماذج وحدها بل في جاهزية بياناتها وقدرتها على تنظيمها وحوكمتها (أ.ف.ب)

أمن الوكلاء

إلى جانب العتاد، تراهن «دل» على طبقة برمجية لتشغيل الوكلاء، وحوكمتهم. وتصف «NVIDIA NemoClaw» بأنها حزمة مرجعية مفتوحة المصدر لتشغيل وكلاء دائمين على البنية المحلية، بينما توفر «NVIDIA OpenShell» بيئة تشغيل معزولة لبناء الوكلاء، واختبارهم، وحوكمتهم عبر «Dell AI Factory» من محطات العمل إلى خوادم «PowerEdge XE». هذه النقطة ليست تفصيلاً تقنياً هامشياً، لأن الذكاء الاصطناعي الوكيلي لا يكتفي بتقديم إجابة، بل قد يخطط، وينفذ، ويتفاعل مع أنظمة وسير عمل. لذلك يصبح الاختبار داخل بيئة معزولة، وضبط السياسات، وتحديد الصلاحيات عناصر أساسية قبل الانتقال إلى الإنتاج.

ويضيف هذا التحول طبقة أمنية جديدة. ففي كلمته، قال مايكل دِل إن الوكلاء ليسوا مجرد أدوات برمجية، بل «عمال رقميون» لديهم ذاكرة، وصلاحيات، وقدرة على اتخاذ إجراءات. لذلك لم يعد سؤال الأمن مقتصراً على المستخدمين البشر، بل يمتد إلى «العاملين غير البشريين» الذين يتحركون بسرعة الآلة داخل سير العمل. وإذا تأثر وكيل ببيانات خاطئة، أو بتدخل ضار، فإن الأثر قد لا يبقى محصوراً في نظام واحد، بل قد ينتقل عبر العمليات، والبنية التحتية للمؤسسة.

البيانات تصنع الفارق

يفتح نقل بعض الوكلاء إلى فرق العمل سؤالاً آخر: كيف تمنع المؤسسة تحول كل فريق إلى جزيرة منفصلة للذكاء الاصطناعي؟ سيغال يقر بأن الابتكار يبدأ غالباً في «جيوب» داخل المؤسسة، لكنه يربط الانتقال إلى الإنتاج بدمج أنظمة الوكلاء هذه في سير عمل أوسع على مستوى الشركة. فالتجربة المحلية قد تكون مفيدة للابتكار، لكنها تحتاج إلى تكامل وحوكمة قبل أن تتحول إلى تشغيل مؤسسي واسع.

هذا يفسر لماذا لا تقف إعلانات «دل» عند «محطة العمل». فالشركة أعلنت أيضاً تحديثات في «Dell AI Data Platform»، وهي نقطة ترتبط مباشرة بمشكلة أكثر عمقاً: جاهزية البيانات. وكما قال دِل في كلمته، يستطيع الجميع تقريباً الوصول إلى النماذج نفسها، لكن الفارق الحقيقي هو بيانات المؤسسة، أي المعرفة الخاصة، والمتراكمة داخل أعمالها. وإذا بقيت هذه البيانات موزعة في صوامع وأنظمة غير مترابطة، فإن الوكلاء يصبحون «عمياناً» مهما كانت قوة النموذج، أو البنية الحاسوبية.

وتشمل تحديثات «Dell AI Data Platform» تحسين قدرات البحث، والتنظيم، وفهرسة مليارات الملفات غير المهيكلة، وربطها بخطوط بيانات محكومة، إلى جانب محرك تحليلات «SQL» مسرّع بوحدات معالجة الرسوميات بالتعاون مع «Starburst»، تقول الشركة إنه يحقق أداء استعلامات أسرع حتى 6 مرات على «NVIDIA Blackwell». كما تضيف تكاملاً مع «NVIDIA Omniverse» لدعم التوائم الرقمية، والذكاء الاصطناعي الفيزيائي من خلال بيانات أكثر تنظيماً، وقابلية للبحث.

مع توسع استخدام الوكلاء تصبح «اقتصاديات الرموز» عاملاً مؤثراً في قرارات الشركات حول مكان تشغيل النماذج (رويترز)

البيانات ثم البنية

هذا الجزء من القصة أقل جاذبية من عناوين الوكلاء المحليين، لكنه أكثر قرباً من واقع المؤسسات. فمشاريع الذكاء الاصطناعي لا تتعطل فقط بسبب غياب النماذج، أو نقص المعالجات، بل لأن البيانات موزعة بين ملفات، وسجلات، ومنصات، ومستودعات مختلفة، بعضها منظم، وبعضها غير منظم، وبعضها صعب الحوكمة، أو البحث. لذلك يصبح تجهيز البيانات، وفهرستها، وربطها بخطوط محكومة جزءاً من البنية التشغيلية للذكاء الاصطناعي، لا خطوة تحضيرية بسيطة.

أما على مستوى مراكز البيانات، فتعلن «دل» عن «PowerRack» لتكون منصة رفوف متكاملة تجمع الحوسبة، والشبكات، والتخزين، والطاقة، والتبريد، والإدارة في نظام واحد. الفكرة هنا أن بنية الذكاء الاصطناعي لم تعد قابلة للتعامل معها باعتبارها خوادم منفصلة يتم تجميعها لاحقاً، لأن الأداء يعتمد على حركة البيانات بين المعالجات، وسرعة الشبكات، واستجابة التخزين، وقدرة التبريد، وأدوات الإدارة. لذلك تصف الشركة «PowerRack» بأنه نظام مصمم ومختبر بوصفه وحدة واحدة لتقليل عبء الدمج التقليدي.

وتضيف «دل» كذلك «PowerFlex» إلى «Dell Exascale Storage»، فيما تصفه ببنية تخزين رباعية تدعم الكتل، والملفات، والكائنات، وأحمال الملفات المتوازية على منصة واحدة، لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة عالية الأداء، وأحمال المؤسسات الثقيلة. كما تعلن عن «Dell Pro Precision 7 R1»، وهي محطة عمل قابلة للتركيب في الرف بحجم 1U، مدعومة بوحدات «NVIDIA RTX PRO Blackwell Max - Q» وبسعة تخزين تصل إلى 64 تيرابايت.

بيئة تشغيل متكاملة

كشفت الشركة عن «Dell PowerCool CDU C7000»، وهي وحدة تبريد مدمجة بحجم 4U مصممة لمتطلبات منصات كثيفة مثل «NVIDIA Vera Rubin NVL72»، وتدعم مياه منشأة بدرجة حرارة تصل إلى 40 درجة مئوية. في أسواق مثل الخليج، حيث تتوسع خطط مراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي في بيئات حارة، يصبح هذا النوع من التفاصيل جزءاً من نقاش أوسع حول كلفة تشغيل البنية، وكثافة الرفوف، والطاقة، والاستدامة، وليس مجرد مواصفة تقنية.

تحاول «دل» أيضاً توسيع طبقة النماذج والمنصات عبر برنامج «Dell AI Ecosystem Program»، الذي يمنح مزودي البرمجيات مساراً للتحقق من حلولهم على «Dell AI Factory». وتشمل الشراكات «Google» لتشغيل نماذج «Gemini» في بيئات محلية عبر «Google Distributed Cloud» على خوادم «Dell PowerEdge XE9780»، و«Hugging Face» للنماذج مفتوحة الأوزان، و«OpenAI» لاستكشاف ربط «Codex» بسياقات المؤسسة، وبياناتها، و«Palantir» لتشغيل منصاتها محلياً، إضافة إلى «ServiceNow»، و«SpaceXAI»، وشركاء في الأمن مثل «CrowdStrike»، و«Fortanix»، و«F5».

بهذا المعنى، لا تبدو إعلانات «دل» في المؤتمر محاولة لبيع طبقة واحدة من الذكاء الاصطناعي، بل محاولة لتقديم تصور كامل لكيفية تشغيله داخل المؤسسات، من وكلاء أقرب إلى فرق العمل، وبيانات قابلة للاستخدام، وبنية مركزية قابلة للتوسع، وتبريد مناسب للكثافة، وشراكات تتيح تشغيل نماذج مختلفة داخل بيئات تتحكم بها المؤسسة. أما في المنطقة، خصوصاً في السعودية ودول الخليج، فتتحول هذه الأسئلة إلى قضايا عملية تتعلق بالسيادة على البيانات، وكلفة التشغيل، وحماية الملكية الفكرية، وجاهزية المؤسسات للانتقال من تجارب الذكاء الاصطناعي إلى تشغيله في أعمال يومية حساسة.


مقالات ذات صلة

«ميتا» لـ«الشرق الأوسط»: الاحتيال الرقمي يعبر المنصات ويتطلب تعاوناً أوسع لمواجهته

خاص ترى «ميتا» أن الاحتيال أصبح عابراً للمنصات ما يجعل التعاون بين المنصات والبنوك والجهات الحكومية ضرورياً (أدوبي)

«ميتا» لـ«الشرق الأوسط»: الاحتيال الرقمي يعبر المنصات ويتطلب تعاوناً أوسع لمواجهته

تواجه «ميتا» احتيالاً رقمياً عابراً للمنصات عبر الرصد التقني والتحقق من المعلنين والتوعية بالتعاون مع جهات سعودية وشركاء عالميين.

نسيم رمضان (لندن)
عالم الاعمال تتيح بوابة «ماستركارد» معالجة مدفوعات التجارة الإلكترونية محلياً عبر أكثر من 30 وسيلة دفع مع حلول لإدارة المخاطر ومكافحة الاحتيال (الشرق الأوسط)

«ماستركارد»: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مستقبل المدفوعات والتجارة في السعودية

تتجه سوق المدفوعات الرقمية في السعودية نحو مرحلة جديدة، مدفوعة بالتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي وتغير سلوك المستهلكين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا لم يعد اكتشاف عمليات الاحتيال الإلكتروني أمراً سهلاً (أ.ف.ب)

كيف تحمي نفسك من عمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي؟

لم يعد اكتشاف عمليات الاحتيال الإلكتروني أمراً سهلاً كما كان في السابق، فبفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكان المحتالين القيام بعمليات احترافية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا 8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

أعلنت ثماني ولايات أميركية، منها أيوا وكانساس، أمس (الأربعاء)، أنها رفعت دعاوى قضائية على شركة «أوبن إيه آي» أمام محاكم في أنحاء البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)

«الذكاء الاصطناعي الخفي»... موظفون يستعينون بالتقنية سراً بعيداً عن أعين مديريهم

يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم في إطار ابتكارهم حلولهم الخاصة للتصدي لأعباء العمل.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«ميتا» لـ«الشرق الأوسط»: الاحتيال الرقمي يعبر المنصات ويتطلب تعاوناً أوسع لمواجهته

ترى «ميتا» أن الاحتيال أصبح عابراً للمنصات ما يجعل التعاون بين المنصات والبنوك والجهات الحكومية ضرورياً (أدوبي)
ترى «ميتا» أن الاحتيال أصبح عابراً للمنصات ما يجعل التعاون بين المنصات والبنوك والجهات الحكومية ضرورياً (أدوبي)
TT

«ميتا» لـ«الشرق الأوسط»: الاحتيال الرقمي يعبر المنصات ويتطلب تعاوناً أوسع لمواجهته

ترى «ميتا» أن الاحتيال أصبح عابراً للمنصات ما يجعل التعاون بين المنصات والبنوك والجهات الحكومية ضرورياً (أدوبي)
ترى «ميتا» أن الاحتيال أصبح عابراً للمنصات ما يجعل التعاون بين المنصات والبنوك والجهات الحكومية ضرورياً (أدوبي)

قد تبدأ محاولة الاحتيال بإعلان على منصة اجتماعية، ثم تنتقل إلى تطبيق للمراسلة، قبل أن تنتهي بعملية دفع أو تحويل مالي عبر جهة أخرى. وبين هذه المراحل، لا تملك أي شركة منفردة رؤية كاملة لكل ما يحدث منذ بداية العملية وحتى نهايتها.

هذا هو التحدي الذي تضعه شركة «ميتا» في صلب مقاربتها لمكافحة الاحتيال، رغم قولها إنها أزالت أكثر من 159 مليون إعلان احتيالي حول العالم خلال 2025، وحذفت 92 في المائة منها قبل أن يبلغ عنها المستخدمون. كما ألغت الشركة 10.9 مليون حساب على «فيسبوك» و«إنستغرام» مرتبطة بمراكز احتيال إجرامية، وخفّضت معدل الإبلاغ عن الإعلانات الاحتيالية لكل مشاهدة بأكثر من 55 في المائة.

ورغم هذا الحجم من الرصد، تقول الشركة إن المشكلة لا تزال تتطور لأن المحتالين يغيرون أساليبهم باستمرار، ويعملون عبر أكثر من منصة وخدمة، بما يجعل اكتشاف العملية وتعطيلها أصعب على أي جهة تعمل منفردة.

الاحتيال كرحلة متعددة المراحل

في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، يوضح أنس متولي، رئيس السياسات العامة بدول مجلس التعاون الخليجي في «ميتا»، أن المنصات قد ترى كيف يحاول المحتال الوصول إلى المستخدم، فيما تكون لدى المؤسسات المالية رؤية أكبر عند تنفيذ عملية الدفع أو التحويل. ومن هنا، تصبح مشاركة المعلومات بين المنصات والجهات الحكومية والمؤسسات المالية وأجهزة إنفاذ القانون جزءاً أساسياً من المواجهة.

وفي مارس (آذار) 2026، وقّعت «ميتا» «اتفاق القطاع لمكافحة الاحتيال والنصب عبر الإنترنت» خلال قمة عالمية في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، إلى جانب 10 شركات أخرى، في إطار محاولة ربط الجهات التي ترى أجزاء مختلفة من رحلة الاحتيال.

أنس متولي رئيس السياسات العامة بدول مجلس التعاون الخليجي في «ميتا» (الشركة)

في السعودية: «شيّك قبل تتفاعل»

في السوق السعودية، تقول «ميتا» إن الأنماط التي تراها تعكس التحدي العالمي الأوسع، مع أساليب تشمل انتحال الهوية، والعروض الوهمية، والرسائل التي تدعي الفوز بجوائز، والفرص التي تعد بعوائد مالية غير واقعية. ولا تقدم الشركة أرقاماً منفصلة عن حجم هذه الأنشطة داخل المملكة، لكنها تربط إطلاق حملة «شيّك» بالحاجة إلى رفع قدرة المستخدمين على التعرف إلى العلامات التحذيرية والتوقف للتحقق قبل التفاعل.

وأطلقت «ميتا» الحملة بالتعاون مع الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، بهدف مساعدة المستخدمين في السعودية على التعرف إلى محاولات الاحتيال وتجنبها والإبلاغ عنها. ويرتكز الشعار على سلوك بسيط: «شيّك قبل تتفاعل»، أي التريث والتحقق قبل الضغط على رابط أو مشاركة محتوى أو إرسال معلومات. وخلال فترة الحملة، يشارك 10 صناع محتوى سعوديين في تقديم قصص ونصائح عملية باللغة العربية، في محاولة لجعل التوعية أقرب إلى التجارب اليومية للمستخدمين.

مسؤولية المنصة ووعي المستخدم

لا ترى «ميتا» أن حماية المستخدم تقع بين خياري التقنية أو الوعي. ووفق متولي، تستثمر الشركة في تقنيات الرصد المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وحماية الحسابات، وإجراءات الإنفاذ، لكنها تعتبر الوعي طبقة إضافية لأن كثيراً من عمليات الاحتيال تعتمد في النهاية على خلق الإلحاح، واستغلال الثقة، ودفع المستخدم إلى التصرف قبل التحقق.

كما تؤكد الشركة أن تقارير المستخدمين لا تؤدي فقط إلى الإبلاغ عن حالة فردية، بل تساعدها أيضاً على التعرف إلى أساليب احتيال جديدة، ورصد فجوات محتملة في وسائل الحماية، وفهم كيفية تغير تكتيكات المحتالين بشكل أسرع، بما يمكن أن يدعم تحديث أنظمة الحماية والاستجابة.

أدوات حماية داخل التطبيقات

تشمل أدوات الحماية التي تشير إليها «ميتا» تحذيرات «فيسبوك» عند النقر على روابط مصنفة على أنها غير آمنة، وتنبيهات «واتساب» عند محاولة تسجيل الدخول من جهاز غير معروف، وخيار كتم المكالمات من أرقام غير محفوظة. وتشمل الأدوات أيضاً المصادقة الثنائية، ومفاتيح المرور، وفحص الخصوصية، وفحص أمان الحساب، إلى جانب «مركز الحماية من الاحتيال»، الذي يجمع الإبلاغ عن عمليات الاحتيال وإرشادات السلامة.

توسّع «ميتا» التحقق من المعلنين وتستهدف أن يأتي 90 % من إيرادات الإعلانات من معلنين خضعوا للتحقق (أدوبي)

 

كيف سيُقاس نجاح «شيّك»؟

ولم يحدد متولي هدفاً رقمياً معلناً للحملة في رده عن مؤشرات سعودية محددة، مثل انخفاض التعرض لمحاولات الاحتيال أو تراجع الحسابات الاحتيالية أو تغير أنماط الإبلاغ. وذكر أن الهدف الأساسي هو أن يصبح المستخدمون أكثر معرفة بالعلامات التحذيرية، وأكثر ميلاً إلى التوقف والتحقق قبل التفاعل، وأكثر دراية بأدوات السلامة والإبلاغ. وتصف الشركة هذا المسار بأنه جهد طويل الأمد لتعزيز الثقافة الرقمية الآمنة في السعودية.

حدود التعاون الحالي

ورغم أن «ميتا» تعمل عالمياً مع حكومات ومؤسسات مالية وأجهزة إنفاذ القانون وشركاء من القطاع لمواجهة شبكات الاحتيال، فإن حملة «شيّك» في السعودية لا تزال، وفق «ميتا»، مركزة على التوعية والثقافة الرقمية. كما لم تعلن الشركة حتى الآن عن توسيع المبادرة محلياً إلى آليات تشغيلية مباشرة مع البنوك أو شركات الاتصالات أو أجهزة إنفاذ القانون، لكنها تشير إلى أن التعاون عبر المنظومة الأوسع يظل ضرورياً لأن كل جهة ترى مرحلة مختلفة من عملية الاحتيال.

وهنا يبقى التحدي الأهم: إذا كانت محاولة الاحتيال تستطيع الانتقال من إعلان إلى رسالة ثم إلى معاملة مالية في خدمة أخرى، فإن نجاح المواجهة لن يعتمد فقط على قدرة منصة واحدة على حذف إعلان أو إغلاق حساب، بل على سرعة ربط الإشارات بين الجهات المختلفة قبل اكتمال مسار الاحتيال ووصول الخسارة إلى المستخدم.


اليابان تطلق صاروخاً لاستكشاف قمر المريخ

المريخ  (رويترز)
المريخ (رويترز)
TT

اليابان تطلق صاروخاً لاستكشاف قمر المريخ

المريخ  (رويترز)
المريخ (رويترز)

أطلق علماء يابانيون مركبة فضائية غير مأهولة الثلاثاء، في إطار مهمة هي الأولى من نوعها لجمع عينات من أحد أقمار المريخ، مما قد يساعد في كشف أصول النظام الشمسي والحياة على الأرض.

وانطلق الصاروخ الرئيسي H3 الذي يحمل مسبار استكشاف أقمار المريخ غير المأهول (MMX) من مركز تانيغاشيما الفضائي في الساعة 4.41 صباحاً (19.41 بتوقيت غرينتش الاثنين)، وفقاً لبث مباشر من وكالة استكشاف الفضاء اليابانية.


تحسين محركات البحث التوليدية لمواكبة مستقبل الظهور الرقمي

قد تصبح الشركات التي لا تراعي «تحسين محركات البحث التوليدية» خارج اهتمامات المستخدمين
قد تصبح الشركات التي لا تراعي «تحسين محركات البحث التوليدية» خارج اهتمامات المستخدمين
TT

تحسين محركات البحث التوليدية لمواكبة مستقبل الظهور الرقمي

قد تصبح الشركات التي لا تراعي «تحسين محركات البحث التوليدية» خارج اهتمامات المستخدمين
قد تصبح الشركات التي لا تراعي «تحسين محركات البحث التوليدية» خارج اهتمامات المستخدمين

يشهد المشهد الرقمي العالمي تحولاً تاريخياً وعميقاً في طريقة وصول المستخدمين إلى المعلومات، متجاوزاً بذلك محركات البحث التقليدية التي اعتمدت لعقود على عرض قائمة من الروابط التقليدية. وفي قلب هذا التغيير الجذري يبرز مفهوم جديد كلياً يُعرف بـ«تحسين محركات البحث التوليدية» Generative Engine Optimization GEO الذي يعيد صياغة قواعد تفاعل العلامات التجارية والشركات مع الجمهور المستهدف عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي والأنظمة الذكية المتطورة التي باتت تقود قطاع التقنية.

ويُقصد بـ«تحسين محركات البحث التوليدية» مجموعة الاستراتيجيات والتقنيات المتقدمة الهادفة إلى ضمان ظهور العلامات التجارية والمنتجات والمحتوى الخاص بالشركات داخل الإجابات المباشرة والملخصات الذكية التي تولدها نظم الذكاء الاصطناعي ومحركات البحث المدعومة بالنماذج اللغوية الكبيرة. وبدلاً من توجيه المستخدم لزيارة مواقع متعددة لمقارنة الخيارات والبحث اليدوي، تقوم هذه النظم الحديثة باستخلاص الإجابات الشافية وتقديمها في قالب سردي متكامل ودقيق في رأس نتائج البحث، مما يجعل الوجود ضمن هذا النطاق التوليدي أمراً مصيرياً للمؤسسات الطموحة.

أدوات عديدة لتتبع أداء الشركات ضمن البيئة التوليدية الجديدة

من سباق الترتيب إلى دقة الإجابة

وتكمن الفروقات الجوهرية بين «تحسين محركات البحث» التقليدية Search Engine Optimization SEO و«تحسين محركات البحث التوليدية» في التحول الجذري من الترتيب إلى الإجابة المباشرة؛ فبينما كان التركيز في السابق ينصب حصراً على الكلمات المفتاحية وبناء الروابط الخلفية Backlinks، واستهداف ظهور الموقع في النتائج الأولى لزيادة عدد النقرات والزيارات، يعتمد النهج الحديث على الموثوقية السياقية والعمق المعرفي والقدرة على تقديم إجابات دقيقة تستوعبها خوارزميات الذكاء الاصطناعي التوليدي وتقتبسها كمرجع موثوق داخل ردودها النهائية للمستخدمين. (Backlinks) روابط تشعبية موجودة في مواقع إلكترونية خارجية تُشير إلى موقع الشركة أو المقال. وتُعد الروابط الخلفية بمثابة شهادة ثقة أو تزكية رقمية من موقع إلى آخر؛ فعندما تقوم مواقع كبرى وموثوقة بالربط مع محتوى شركة ما، تفسر محركات البحث ونظم الذكاء الاصطناعي ذلك على أن المحتوى ذو قيمة عالية وموثوق من قبل المختصين. وفي سياق تحسين محركات البحث التقليدية والتوليدية على حد سواء، تُسهم هذه الروابط في رفع سلطة ومكانة الموقع وتعزيز فرص استشهاد الذكاء الاصطناعي بمصادره).

لماذا تواجه الشركات غير المتوافقة تراجعاً ملحوظاً؟

وتتأثر الشركات والمؤسسات التي تهمل هذا التحول الرقمي الجديد بشكل بالغ، حيث تواجه تراجعاً ملحوظاً ومستمراً بمعدلات الزيارات الطبيعية القادمة من محركات البحث. وعندما يعتاد المستخدمون على الحصول على إجابات شافية ومباشرة ومختصرة من مساعد الذكاء الاصطناعي دون الحاجة لتصفح المواقع الإلكترونية التقليدية، فستفقد الشركات والعلامات التجارية غير الظاهرة ضمن تلك الملخصات الذكية تدريجياً حصتها السوقية لصالح المنافسين الأكثر استباقية وتوافقاً مع المعايير الحديثة.

ويمتد التأثير السلبي لغياب استراتيجيات «تحسين محركات البحث التوليدية» إلى إضعاف الثقة بالعلامة التجارية وتآكل مكانتها الريادية داخل القطاع الصناعي أو التجاري الذي تعمل فيه. ويعطي عدم ظهور اسم الشركة كمرجع أساسي موثوق عند استفسار العملاء المحتملين عن حلول أو خدمات أو منتجات معينة انطباعاً ضمنياً بعدم مواكبة العصر أو غياب الفعالية والابتكار، مما يدفع المستخدمين تلقائياً نحو الخيارات البديلة التي يوصي بها الذكاء الاصطناعي بثقة واطمئنان مطلق.

تسببت نتائج البحث بالذكاء الاصطناعي بظهور مفهوم «تحسين محركات البحث التوليدية»

متطلبات التوافق مع النماذج اللغوية الكبيرة

ويتطلب التكيف الناجح والفعَّال مع تحسين محركات البحث التوليدية إعادة هندسة شاملة واستراتيجية لاستراتيجيات المحتوى الرقمي لتتوافق تماماً مع طبيعة وآليات عمل النماذج اللغوية الكبيرة. ولا يكفي اليوم نشر مقالات تقليدية تحتوي على تكرار نمطي للكلمات المفتاحية، بل يجب التركيز باهتمام بالغ على تقديم محتوى غني بالبيانات الموثوقة والتحليلات المعمقة والإجابات المباشرة والواضحة على الأسئلة المعقدة التي يطرحها المستخدمون عادة بصيغ استفسارية طبيعية وحوارية.

وتحتاج الشركات والمؤسسات إلى تبني هيكلة دقيقة ومتطورة للبيانات وتوفير معلومات واضحة ومهيكلة يسهل على خوارزميات الذكاء الاصطناعي قراءتها وفهم سياقها ودلالاتها بدقة متناهية. ويشمل ذلك استخدام العلامات الدلالية المتقدمة Schema Markup (نصوص برمجية وتوجيهية تضاف إلى الهيكل البرمجي لمواقع الإنترنت لمساعدة محركات البحث ونظم الذكاء الاصطناعي على فهم المعنى السياقي الحقيقي للمحتوى وليس فقط قراءة الكلمات المجردة. ومن خلال هذه العلامات، يمكن للموقع إخبار النظم الذكية بوضوح أن نصاً معيناً يمثل اسم منتج أو تقييماً لعميل أو عنوان شركة أو تاريخ فعالية أو سؤالاً شائعاً مع إجابته. ويُسهّل هذا الفهم الهيكلي الدقيق على النماذج اللغوية الكبيرة استخلاص المعلومات بدقة وعرضها مباشرة للمستخدمين ضمن الإجابات التوليدية) وتنظيم المعلومات المعقدة في جداول وخطوات منطقية متسلسلة وتقديم تعاريف صريحة ومباشرة للمنتجات والخدمات تتيح لأنظمة البحث استخلاصها وإعادة صياغتها بكل سهولة وموثوقية عالية.

وتعتمد خوارزميات الذكاء الاصطناعي بشكل أساسي ومحوري على مصادر متعددة ومتنوعة للتحقق من صحة وقوة المعلومات قبل تقديمها للمستخدم النهائي، مما يجعل بناء شبكة قوية من الإشارات الرقمية الخارجية أمراً بالغ الأهمية. ويعزز وجود الشركة ومنتجاتها وتقييمات عملائها الحقيقيين موزعة بانتظام عبر منصات موثوقة ومواقع إخبارية ومنتديات متخصصة بشكل مضاعف من فرصة استشهاد نظم الذكاء الاصطناعي بها كمصدر أساسي وحصري للإجابة.

وتُعد المصداقية والشفافية والخبرة المباشرة عناصر محورية وأساسية في نجاح استراتيجيات «تحسين محركات البحث التوليدية»، حيث تفضل النماذج اللغوية الكبيرة دائماً المصادر التي يقف خلفها خبراء معتمدون ومتخصصون حقيقيون في مجالاتهم. وينبغي على الشركات إبراز هويات كُتّاب المحتوى والمراجعين والمتخصصين وربط المحتوى الرقمي بسجلات مهنية وأكاديمية واضحة لضمان تصنيف المواد المقدمة ضمن الفئات ذات الموثوقية العالية التي تثق بها خوارزميات البحث التوليدي ثقة عمياء.

قياس الأداء وتسهيل مهام روبوتات الفهرسة الذكيةويستدعي التعامل مع هذا التحول التقني الهائل مراقبة مستمرة ودورية لأداء العلامة التجارية داخل بيئات البحث التوليدي المختلفة، نظراً لاختلاف معايير وطرق عمل وتفضيلات كل نموذج ذكاء اصطناعي عن الآخر. ويتطلب ذلك تطوير أدوات تحليل بيانات متقدمة تقيس بدقة معدل الظهور والدقة السياقية والنبرة الإيجابية التي تُذكر بها الشركة، مما يتيح للفرق المعنية تعديل استراتيجيات المحتوى وتصحيح أي فجوات معرفية أو قصور تسويقي باستمرار.

ولتجربة المستخدم العامة وسرعة وسهولة الوصول إلى المعلومات دور غير مباشر، ولكنه حاسم وفعَّال في دعم جهود تحسين محركات البحث التوليدية؛ فعندما تقوم روبوتات الفهرسة التابعة للذكاء الاصطناعي بمسح المواقع الإلكترونية، فإن الهيكل البرمجي النظيف وسرعة التحميل الفائقة والتصميم المتوافق كلياً مع الأجهزة الذكية يسهل عملية استهلاك البيانات وفهمها وإعادة إنتاجها بكفاءة عالية ضمن النتائج النهائية المقدمة للجمهور.

وتتضمن استراتيجيات «تحسين محركات البحث التوليدية» الناجحة والمجربة أيضاً استهداف الكلمات الدلالية طويلة الذيل Long-tail Keywords والأسئلة الحوارية المعقدة التي يميل المستخدمون إلى طرحها عند التعامل المباشر مع المساعدين الذكيين. (الكلمات الدلالية طويلة الذيل: عبارات بحثية أو كلمات مفتاحية تتكون عادة من ثلاث كلمات أو أكثر، تتميز بكونها أكثر تحديداً وتخصصاً مقارنة بالكلمات المفتاحية العامة القصيرة. وعلى سبيل المثال، بدلاً من أن يبحث المستخدم عن كلمة «هاتف»، فإنه قد يكتب عبارة مثل «أفضل هاتف ذكي للتصوير الليلي بسعر مناسب». وعلى الرغم من أن عدد الباحثين باستخدام هذه العبارات الطويلة يكون أقل نسبياً، فإنها تتميز بمعدلات تحويل عالية جداً لأنها تعبر بدقة شديدة عن نية المستخدم وحاجته المحددة، مما يجعل استهدافها أمراً بالغ الأهمية في استراتيجيات المحتوى الحديثة والبحث التوليدي).

وتركز هذه الأسئلة عادة على المقارنات الدقيقة والمعقدة والسيناريوهات المخصصة للاستخدام وتفاصيل الأداء العملي، وهو ما يجب أن تغطيه وتناقشه بانتظام مقالات المدونات المتخصصة ودراسات الحالة المفصلة والتقارير التقنية المعمقة التي تنشرها الشركات. ويتعين على الإدارات التنفيذية وصناع القرار في الشركات إدراك أن الاستثمار المالي والتشغيلي في تحسين محركات البحث التوليدية لم يعد مجرد رفاهية تقنية عابرة، بل أصبح ضرورة تنافسية ملحة تضمن الاستدامة والنمو والبقاء في السوق. ويتطلب الأمر تخصيص ميزانيات كافية وفرق عمل محترفة ومتخصصة تجمع بمهارة بين الخبرة العميقة في التسويق الرقمي وعلوم البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتصميم حملات محتوى متكاملة تستبق توجهات السوق وتلبي تطلعات المستهلكين المعاصرين بدقة.

ويمثل الانتقال المتسارع نحو عصر «تحسين محركات البحث التوليدية» محطة تحول كبرى تعيد رسم ملامح التسويق الرقمي وبناء الوعي بالعلامات التجارية لسنوات قادمة. وستضمن الشركات والمؤسسات التي تبادر اليوم وقبل غيرها إلى تبني هذه المعايير الحديثة وتطوير محتواها المعرفي وتعزيز حضورها السياقي داخل منظومات الذكاء الاصطناعي لنفسها مكانة ريادية مستدامة ومتفوقة، بينما يخاطر المترددون بالبقاء خارج دائرة اهتمام وتوصيات المستهلك الرقمي الحديث.

أبرز أدوات تحسين محركات البحث التوليدية وقدراتهاوتوجد حلول برمجية متخصصة تساعد المؤسسات والشركات على قياس مدى ظهورها وتتبع أدائها ضمن هذه البيئات التوليدية الجديدة. وتوفر هذه المنصات الحديثة رؤى دقيقة وقدرات متقدمة لمراقبة حضور العلامات التجارية وتحسين استراتيجيات المحتوى التوليدي بفاعلية. ونذكر فيما يلي خمس أدوات رائدة وقدراتها الأساسية:

* «بروفاواد إيه آي» Profound AI:

- الوصف والقدرات: صُممت خصيصاً للشركات الناشئة في مجال البرمجيات، حيث تدمج بين مجموعات بيانات تحسين محركات البحث التقليدية وأبحاث المنافسين مع تتبع رؤية الذكاء الاصطناعي عبر محركات متعددة مثل «تشات جي بي تي» و«بيربليكسيتي و«جيمناي» و«كلود».

- الفوائد: تتميز بوجود «مستكشف التحويل» الذي يكشف تلقائياً عن الاستفسارات المهمة استناداً إلى تدقيق كامل للموقع، مما يريح الفرق من إدخال الاستفسارات يدوياً، إلى جانب تقديم استخبارات تنافسية عميقة.

* أداة «سكرانش» Scrunch:

- الوصف والقدرات: منصة تحليلات وتحسين محركات بحث توليدية تركز على كيفية وصف نظم الذكاء الاصطناعي والتوصية بالعلامات التجارية عبر أنظمة مثل «تشات جي بي تي» و«بيربليكسيتي» و«جيمناي».

- الفوائد: تتجاوز التقارير السلبية من خلال دمج المراقبة والرؤى مع توصيات تحسين المحتوى القابلة للتنفيذ ومنصة تجربة الوكلاء لمساعدة فرق النمو الناضجة على تحسين تمركزها.

* «بيك إيه آي» Peec AI:

- الوصف والقدرات: منصة متخصصة مصممة لمساعدة شركات البرمجيات الناشئة على تتبع وتحسين ظهورها داخل منصات النماذج اللغوية الكبيرة.

- الفوائد: توفر سهولة استخدام فورية من خلال الإعداد التلقائي، حيث تُنشئ تقريراً مجانياً لرؤية الذكاء الاصطناعي عند إدخال رابط الموقع وتقدم درجات وضوح واضحة وتحليلات للإشارات ومصفوفات مقارنة المنافسين.

* أداة «سيمروش» Semrush:

- الوصف والقدرات: امتداد للبنية التحتية التقليدية لتحسين محركات البحث تدمج وحدات تتبع بحث ذكي مخصصة لمراقبة أداء محركات البحث التوليدية.

- الفوائد: تتيح للشركات تتبع حصتها في السوق وإشارات العلامة التجارية بشكل مباشر عبر محركات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى جانب مقاييس البحث التقليدية.

* أداة «أثينا إتش كيو» AthenaHQ:

- الوصف والقدرات: أداة تستهدف تتبع التحسين التوليدي صُممت لمراقبة حضور العلامة التجارية وتكرار الاستشهادات ودقة السرد داخل استجابات البحث المولدة بالذكاء الاصطناعي.

- الفوائد: توفر لفرق النمو والتسويق رؤى دقيقة حول مدى تكرار وفضل الاستشهاد بعلامتهم التجارية عندما تقوم النماذج اللغوية الكبيرة بإعداد الإجابات للمشترين المحتملين.