«القاعدة» في اليمن و«سوق المصالح» الإرهابية... من تنظيم متمرد إلى شبكة متكيفة

سفينة شحن قبالة ميناء عدن حيث العاصمة اليمنية المؤقتة (رويترز)
سفينة شحن قبالة ميناء عدن حيث العاصمة اليمنية المؤقتة (رويترز)
TT

«القاعدة» في اليمن و«سوق المصالح» الإرهابية... من تنظيم متمرد إلى شبكة متكيفة

سفينة شحن قبالة ميناء عدن حيث العاصمة اليمنية المؤقتة (رويترز)
سفينة شحن قبالة ميناء عدن حيث العاصمة اليمنية المؤقتة (رويترز)

قبل أسابيع قليلة، نفّذ تنظيم «القاعدة» في جزيرة العرب هجوماً مركّباً واسعاً في محافظة أبين جنوب اليمن، هو الأوسع من نوعه منذ سنوات. قرأه كثيرون خبراً أمنياً عابراً في هامش المشهد، بينما تتصدر هجمات الحوثيين في البحر الأحمر وتداعيات الحرب الإقليمية واجهة الاهتمام. لكن القراءة الأدق أن الهجوم إعلانُ حضورٍ من تنظيمٍ ظنّ كثيرون أنه يحتضر. فـ«القاعدة» كتنظيم إرهابي لم يختفِ؛ لقد غيّر شكله وتغيّرت، وهذا هو الأهم، طريقة عيشه.

بالنسبة لدول الخليج والمنطقة، لم يعد خطر «القاعدة» في اليمن مقتصراً على احتمال هجماتٍ مباشرة كما كان قبل سنوات. المسألة باتت تمسّ أمن الممرات البحرية، ومسارات التهريب العابرة للحدود، والتداخل المتسارع بين الشبكات المسلحة وغير المشروعة على ضفتي باب المندب، فضلاً عن استقرار الدولة اليمنية باعتبارها خط الدفاع الأول عن أمن جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر.

تحورات التهديد

خلال العقد الماضي انشغل المتابعون بسؤالٍ واحد: هل يستطيع التنظيم استعادة قوته التي بلغها بين عامي 2015 و2016 حين سيطر على أجزاء واسعة من جنوب اليمن؟ لكن السؤال الأهم اليوم ليس ما إذا كان سيعود إلى تلك المرحلة، بل كيف تغيّرت طبيعة التهديد الذي يمثله. فـ«القاعدة» لم يعد تنظيماً يسعى إلى إدارة المدن ورفع الرايات فوقها، لكنه ليس بقايا تنظيمية آخذة في الاندثار.

ما نشهده تحوّلٌ تدريجي من نموذج «التنظيم المتمرد» إلى نموذج «الشبكة المتكيفة»: شبكة أصغر حجماً، أخفض ظهوراً، أقدر على الحركة والتخفي، وأشد ارتباطاً باقتصادات التهريب ومناطق الهشاشة الأمنية والمؤسسية. ولم يعد مفهوم «السيطرة» هو المعيار؛ صار المعيار «الوصول»؛ يكفي التنظيمَ أن يتحرك عبر الوديان والمسارات النائية، وأن يستفيد من شبكات التهريب، وأن يجد موطئ قدمٍ حيث تضعف الحوكمة وتغيب الخدمات.

غير أن الجديد والأشد إثارةً للقلق أن هذا التحول لم يعد شأناً يمنياً ولا شأن تنظيمٍ واحد.

ففي الصومال أُعلن أخيراً عن تعاونٍ بين تنظيم «داعش» وحركة «الشباب»، الغريمين اللذين تقاتلا سنوات. وفي التوقيت نفسه، لفت المراقبين اصطفافٌ غير مسبوق في الخطاب بين الحوثيين و«داعش» و«الشباب» حول الهجمات في أرض الصومال (صوماليلاند)؛ بياناتٌ تتقاطع في التوصيف والعدوّ المعلن، صادرةٌ عن جماعاتٍ يفترض أن مرجعياتها متناحرة. حين تتشابه لغة ميليشيا مدعومة من إيران مع لغة تنظيمين «جهاديين» متخاصمين، فالتفسير لا يكمن في العقيدة، بل في المصلحة.

الوصول والوقت

هنا جوهر المشهد الذي ينبغي أن تمسك به المنطقة: ما يتشكل على ضفتي البحر الأحمر ليس تحالفاً بين هذه الجماعات وإنما سوقُ مصالح. العلاقة بين الحوثيين والجماعات المتطرفة في اليمن تتحرك على طيفٍ كامل: تنافسٌ مباشر في مناطق، وتعايشٌ تكتيكي في أخرى، ومعاملاتٌ محلية، وتبادلٌ للأسرى والسلع، ووسطاء ومسارات تهريبٍ مشتركة، ومنفعةٌ غير مباشرة يجنيها الجميع من ضعف الدولة. المنطق الحاكم منطق السوق لا منطق البيعة: في اقتصاد الحرب، تعبر البضاعةُ خطوطَ العداء قبل أن تعبرها العقيدة.

فالسلاح الإيراني المهرَّب بحراً يغذي الحوثيين؛ وشبكات التهريب نفسها تؤجّر خدماتها لمن يدفع؛ والفراغ الذي يخلّفه انشغال العالم بالملاحة يمنح «القاعدة» ما تحتاج إليه بالضبط: الوصول والوقت.

والأخطر أن السلوك الحوثي بات يوفر بالمعنى الوظيفي لا بالضرورة التنظيمي بيئةً حاضنة لهذه السوق: فكل تصعيدٍ بحري يستنزف الانتباه الدولي ويعيد توجيه الموارد الأمنية نحو حماية الممرات، ويوسّع اقتصاد التهريب الذي تعيش عليه الشبكات جميعاً، ويؤخر تعافي الدولة اليمنية التي تمثل وحدها القدرة على تجفيف هذه السوق. وهكذا تتغذى الظاهرتان إحداهما على الأخرى: ميليشيا تُدوّل الأزمة لتكسب مكانة، وشبكات متطرفة تنمو في الظل الذي يصنعه هذا التدويل.

ثم تأتي الجغرافيا لتحوّل المحلي إلى إقليمي. فباب المندب لا يفصل بين ساحلين بقدر ما يصلهما؛ وتنامي الروابط بين شبكات التهريب في اليمن والقرن الأفريقي سلاحاً ومقاتلين وأموالاً يعني أن هجوماً في أبين، وإعلان تعاونٍ في الصومال، واضطراباً في صوماليلاند، ليست أحداثاً متفرقة في ثلاث خرائط، بل مؤشرات على منظومة تهديدٍ واحدة تمتد عبر ممرٍ يمر منه جانبٌ كبير من تجارة العالم وطاقته. وهذا ما رصدته تقارير دولية حديثة في سياقاتٍ مشابهة؛ فالجماعات الأكثر قدرةً على البقاء لم تعد تلك التي تمسك بالأرض، بل تلك التي تندمج في البيئات المحلية وشبكات الاقتصاد غير المشروع وتتحرك عبر الحدود.

لماذا يعني هذا كله عواصمَ المنطقة مباشرة؟ لأن مشاريع التحول الاقتصادي الكبرى على البحر الأحمر وحوله تفترض ممراتٍ آمنة وسواحل مستقرة؛ ولأن أمن جنوب الجزيرة العربية يبدأ من قدرة الدولة اليمنية على الإمساك بأرضها وسواحلها؛ ولأن سوق المصالح هذا إن نضج، فلن يظل بائعوه ومشتروه على الضفة الأخرى من الماء.

العيش في الفراغات

التجربة خلال السنوات الماضية أثبتت أن الأدوات الأمنية وحدها لا تكفي؛ فالجماعات المتطرفة تنمو حيث تتآكل مؤسسات الدولة وتتراجع فرص العمل وتتعثر العدالة المحلية. ولهذا فإن أي استراتيجية جادة تحتاج اليوم إلى ثلاثة مساراتٍ متوازية لا مسارين؛ مسار أمني واستخباراتي يركز على تعطيل الشبكات والتمويل والتهريب والقدرات العملياتية؛ ومسار مؤسسي وتنموي يعالج العوامل التي تسمح للتنظيم بإعادة بناء نفسه، لأن التنظيمات المتطرفة لا تعيش على السلاح فقط بل على الفراغات التي تتركها الدولة حين تغيب؛ ومسار إقليمي ثالث فرضه اتساع الرقعة: تنسيقٌ خليجي ـ يمني ـ أفريقي يربط مكافحة الإرهاب بالأمن البحري وأمن الحدود، ويوائم قوائم التصنيف والعقوبات على ضفتي البحر، ويجفف قنوات التمويل والتهريب المشتركة، ويستثمر في الدولة اليمنية ومؤسساتها وفي مقدمتها خفر السواحل بوصفها حجر الزاوية في أي بنيان إقليمي للأمن.

قد لا تعود «القاعدة» قادرةً على رفع رايتها فوق مدينةٍ يمنية كما فعلت قبل عقد، لكن قدرتها على الانتظار والتكيف تجعلها أصعب رصداً واستهدافاً. والتحدي أمام اليمن وشركائه في الخليج والعالم لم يعد منع عودة «الإمارة»، بل منع نضوج «السوق»؛ سوق المصالح التي تلتقي فيها ميليشيا مدعومة من إيران وشبكاتُ تهريبٍ عابرة وتنظيماتٌ متطرفة متخاصمة على حقيقةٍ واحدة، أن بقاءها جميعاً مرهونٌ بغياب الدولة. فالتنظيم الذي فقد الأرض وجد بديلاً أكثر استدامة: البقاء. والبقاء يزدهر حيث تغيب الدولة... وتحضر السوق.



معارك تعز تصدّ زحف الحوثيين

قوات ألوية العمالقة الجنوبية تتصدى لهجمات حوثية في جبهة باب المندب (إعلام عسكري)
قوات ألوية العمالقة الجنوبية تتصدى لهجمات حوثية في جبهة باب المندب (إعلام عسكري)
TT

معارك تعز تصدّ زحف الحوثيين

قوات ألوية العمالقة الجنوبية تتصدى لهجمات حوثية في جبهة باب المندب (إعلام عسكري)
قوات ألوية العمالقة الجنوبية تتصدى لهجمات حوثية في جبهة باب المندب (إعلام عسكري)

تواصلت المواجهات، أمس، على جبهات مدينة تعز المحاصرة، حيث تصدت القوات الحكومية اليمنية لهجمات حوثية ونفذت هجمات مضادة، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت مواقع للجماعة في ريف المدينة. وأعلنت القوات استهداف مركز قيادة وسيطرة ودبابتين داخل فندق سوفتيل المهجور، فيما أفادت مصادر بمقتل قياديين حوثيين وعدد من مرافقيهما.

وامتدت المواجهات إلى جبهة كهبوب القريبة من مضيق باب المندب، حيث أعلنت قوات العمالقة الجنوبية ودرع الوطن صد هجمات حوثية، بالتزامن مع كمين في منطقة هيجة العبد بمحافظة لحج، قالت إفادات ميدانية إنه أوقع عشرات القتلى والجرحى في صفوف الحوثيين.

وجاء ذلك في وقت أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن، السبت، اعتراض وتدمير ثلاثة صواريخ باليستية أطلقتها الجماعة الحوثية باتجاه مدن الطائف وينبع والرياض، إلى جانب اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة في المنطقة الشرقية، وفق ما أعلنه المتحدث باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي. ومساء أمس، أفاد الدفاع المدني السعودي بسقوط شظايا اعتراض صاروخين باليستيين أطلقتهما الميليشيا الحوثية باتجاه منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة.


تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
TT

تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)

كثّفت «اللجنة المصرية في قطاع غزة» من تحركاتها مع تردي الأوضاع الإنسانية، وتوالي الشكاوى من شح الغذاء والسلع الرئيسية في ظل تضييق إسرائيلي مستمر على دخول المساعدات وتراجع التمويل الإغاثي الدولي.

وأكدت «اللجنة المصرية»، في بيان لها، السبت، أن «القيادة المصرية وجهت بضخ كميات كبيرة من الدقيق إلى قطاع غزة لتعزيز الإمدادات ودعم المخابز والعمل على حل أزمة الدقيق والخبز التي يعاني منها أبناء شعبنا الفلسطيني، وذلك ابتداءً من الأحد، وبشكل يومي في إطار الجهود المصرية المتواصلة لدعم أهلنا في القطاع وتخفيف معاناتهم».

وكانت اللجنة قد أكدت، مساء الجمعة، أنها بدأت بتسيير شاحنات محمّلة بكميات من الطحين إلى قطاع غزة بهدف دعم المخابز وتعزيز قدرتها على مواصلة العمل والمساهمة في توفير الخبز للمواطنين بأسعار مناسبة.

وأشار المتحدث باسم اللجنة، محمد منصور، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المخابز عادت للعمل في القطاع، السبت، بعد ثلاثة أيام من توقف عدد كبير منها، وهو ما كان مثار قلق الكثير من العائلات الفلسطينية التي باتت تتساءل عما إذا كانت الأزمة مقدمة لعودة المجاعة مرة أخرى، مشيراً إلى أن «اللجنة المصرية» بالتعاون مع المنظمات الإنسانية العاملة في القطاع ساهمت في عودة عمل 20 مخبزاً، واختفت الطوابير التي كانت معتادة أمامها مع توفير كميات إضافية من الدقيق.

وأضاف «أن مصر استجابت سريعاً لنداءات الفلسطينيين خلال الأيام الماضية، وقامت بإدخال قوافل تحمل على متنها عشرات الآلاف من أطنان الدقيق التي تدفقت خلال الساعات الماضية»، مشيراً إلى أن القاهرة «مستمرة في تقديم الدعم اللازم بما يضمن تحسين الأوضاع الإنسانية».

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، في تقرير لها، مساء الجمعة، إلى أن «اللجنة المصرية» بالشراكة مع مؤسسة «المطبخ المركزي العالمي»، توزع عشرات الآلاف من أرغفة الخبز يومياً على الأسر الفلسطينية في شمال القطاع ووسطه وجنوبه، بما يسهم في تخفيف جانب من الأعباء اليومية عن السكان.

حملة توعوية نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» هذا الشهر للتوعية من مرض سرطان الثدي (صفحة اللجنة المصرية على «فيسبوك»)

ويعاني قطاع غزة من أزمة جراء النقص الحاد في مادة الطحين وارتفاع أسعار الخبز. وحذرت وزارة التنمية الاجتماعية في القطاع «من تداعيات إنسانية كارثية، في أعقاب التوقف القسري لعدد كبير من المخابز، بسبب نقص الدقيق والمواد التشغيلية اللازمة لاستمرار عملها».

وأكدت الوزارة «أن منع دخول شحنات الطحين والإمدادات الغذائية يهدد بتقويض قدرة الأسر النازحة والأشد فقراً على الحصول على الخبز، الذي يشكل أحد أهم مصادر الغذاء اليومية لكثير من العائلات».

وأشارت «اللجنة المصرية» إلى أنها «تواصل جهودها الحثيثة للتخفيف من معاناة المواطنين والوقوف إلى جانب العائلات الفلسطينية في هذه الظروف الصعبة، بما يحد من تداعيات الأزمة ويمنع استغلال حاجة المواطنين ورفع الأسعار بصورة غير مبررة».

وأوضح محمد منصور في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن اللجنة «تعمل على قدم وساق للاستعداد لفصل الشتاء وتعمل بشكل يومي على تركيب 3 آلاف خيمة مجهزة لاستقبال العائلات الأكثر احتياجاً، بخاصة من هم بالقرب من الخط الأصفر»، والذين تعرضت خيامهم للتلف ويقيمون في خيام مهترئة ومراكز إيواء غير مؤهلة، وأكد أن الحملة تنظم «حملة شتاء دافئ عبر تقديم الخيام وتجهيزها وتقديم المساعدات الصحية والغذائية».

وتتفاقم أزمة الغذاء في قطاع غزة مع تقليص المساعدات بسبب تراجع التمويل الدولي، وسط استمرار القيود الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

ففي 19 أكتوبر الحالي، أعلن «برنامج الأغذية العالمي» تقليص مساعداته الغذائية، ما أدى إلى انخفاض عدد المستفيدين بنحو نصف مليون شخص.

وعلى المستوى السياسي، شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه نظيره الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، «على أهمية مواصلة الجهود المبذولة للتنفيذ الكامل لخطة الرئيس الأميركي ترمب الشاملة للسلام في قطاع غزة».

كما حذر من خطورة الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما في ذلك التوسع الاستيطاني ومحاولات فرض الأمر الواقع، مشيراً إلى تداعياته السلبية على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما طالب وزراء خارجية كل من السعودية ومصر وتركيا وباكستان، خلال اجتماعهم الجمعة في إسطنبول، بضرورة استمرار تدفق المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار غزة دون انقطاع، مؤكدين أن الشعب الفلسطيني يعاني من كارثة إنسانية مستمرة تتطلب تدخلاً دولياً فورياً.


جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
TT

جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

تصطدم هجمات الجماعة الحوثية على جبهات مدينة تعز اليمنية بمقاومة شرسة رغم القصف والحصار والتعزيزات المتواصلة، في وقت تكثف فيه القوات الحكومية هجماتها المضادة وتوسع الطائرات الحربية ضرباتها على مواقع الجماعة في ريف المحافظة وأطراف المدينة المحاصرة، بالتزامن مع إحباط هجمات حوثية في جبهة كهبوب المطلة على مضيق باب المندب، والتصدي لمحاولة تمدد الجماعة في مديرية المقاطرة باتجاه لحج جنوباً.

وتحاول الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، التي سيطرت على أجزاء واسعة من ريف تعز، توسيع مكاسبها الميدانية والضغط على المدينة المحاصرة، بينما تواجه مقاومة من القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، مع امتداد الاشتباكات إلى جبهات الأقروض والشقب وكحلان، وتصاعد المواجهات في مناطق المقاطرة بمحافظة لحج، حيث تسعى الجماعة إلى التقدم نحو مناطق جديدة جنوباً.

وفي أحدث التطورات، استهدفت القوات الحكومية مركز قيادة وسيطرة ودبابتين داخل فندق سوفتيل المهجور في تعز، وفق ما أعلنه المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الذي قال إن الحوثيين اتخذوا المبنى منطلقاً لاستهداف المدنيين في المدينة، وإن الضربة استهدفت تعطيل هذا النشاط وحماية السكان.

مقاتل في الجيش اليمني يصوّب سلاحه الرشاش خلال معارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وعلى الجبهة الجنوبية لمدينة تعز، أفادت القوات الحكومية بتحقيق تقدم في جبهة الأقروض، وتنفيذ هجمات مضادة على مواقع الحوثيين، بالتزامن مع اشتباكات متقطعة في الشقب وكحلان بمديريتي صبر والمسراخ، وسط أنباء عن دفع الجماعة بتعزيزات بشرية نحو خطوط التماس.

وفي الجبهة الغربية، أفادت مصادر يمنية محلية بمقتل القيادي الحوثي محمد قيران، المعروف بكنية «أبو هاشم»، مع سبعة من مرافقيه، خلال مواجهات الجمعة. كما أُعلن مقتل القيادي محمد إسماعيل الدرب، الذي قالت مصادر عسكرية إنه كان يشرف على العمليات الرامية إلى اجتياح تعز، مع عدد من مرافقيه في جبهة الأقروض.

وامتدت الضربات الجوية إلى مناطق عدة في ريف المحافظة، بينها مديرية الشمايتين، حيث استهدفت مقاتلات مواقع للحوثيين في برج المنة ووادي الفجر وبرح الحداد وجبل جربب. وأفادت مصادر ميدانية بمقتل عشرة مسلحين على الأقل وإصابة آخرين، إلى جانب تدمير أسلحة ثقيلة ومعدات عسكرية.

قوات ألوية العمالقة الجنوبية تتصدى لهجمات حوثية في جبهة باب المندب (إعلام عسكري)

وفي جبهة كهبوب، تمكنت قوات العمالقة الجنوبية وقوات درع الوطن من صد هجمات حوثية، وفق بيانات عسكرية. وقالت قوات درع الوطن إن اللواء السابع في الفرقة الأولى تصدى لهجوم استمر نحو 30 ساعة، وحافظ على مواقعه وأفشل محاولة التقدم، فيما تحدثت قوات العمالقة عن اشتباكات عنيفة انتهت بتراجع المهاجمين وتكبيدهم خسائر بشرية ومادية.

وتكتسب هذه الجبهة أهميتها من موقعها الاستراتيجي قرب مضيق باب المندب، حيث يتقاطع القتال البري مع المخاوف المتعلقة بأمن الممرات البحرية. وفي المقاطرة بمحافظة لحج، تحدثت إفادات ميدانية عن كمين مسلح في منطقة هيجة العبد، أوقع عشرات الحوثيين بين قتيل وجريح، وأوقف محاولة للتقدم والسيطرة على مناطق جديدة.

صواريخ منفلتة

بالتوازي مع القتال البري، تضع القوات الحكومية اليمنية القدرات الصاروخية الحوثية في صلب روايتها للتطورات الأخيرة. وقال النزيلي إن الجيش رصد خلال الأيام الماضية حالات فشل في إطلاق صواريخ باليستية، أو انحرافها وسقوطها في مناطق مأهولة، محذراً من مخاطرها على المدنيين، فضلاً عن تهديد الملاحة والتجارة الدوليتين.

واستشهد الناطق العسكري بصاروخ قال إن الحوثيين أطلقوه من منطقة عيال صياد في مديرية نهم، الجمعة، قبل أن يسقط على منزل المواطن محمد أحمد القشعة أثناء اجتماع أفراد أسرته، ما أدى، حسب روايته، إلى مقتل جميع الموجودين داخله وتضرر منزل مجاور. وأضاف أن حوادث مماثلة وقعت في صنعاء وتعز وإب وصعدة.

مقاتل في القوات الحكومية اليمنية يشير بيده خلال معارك ضد الحوثيين غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

وعزا النزيلي تراجع أداء المنظومات الصاروخية، وفق تقدير الجيش، إلى ضربات استهدفت خلال الأسابيع الماضية مخازن الصواريخ ومنصات إطلاقها، بالتزامن مع عمليات جوية للتحالف استهدفت أهدافاً عسكرية في صعدة، قال إنها أسفرت عن تحييد خبراء وقيادات متخصصة في تشغيل الصواريخ وإطلاقها. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه الحصيلة أو من تقديرات الجيش بشأن حجم التراجع في القدرات الصاروخية.

مئات الضربات

في مؤشر آخر على اتساع العمليات، أعلنت القوات المسلحة تنفيذ 1392 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية التي شملها بيانها، ترافقت مع غارات جوية وهجمات أرضية وضربات نيرانية على امتداد الجبهات. وقالت إن العمليات طالت تجمعات وتعزيزات ومصادر نيران وتحصينات وآليات عسكرية، وإنها أدت، وفق الحصر الميداني الأولي، إلى تحييد نحو 620 عنصراً وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية ومدرعة ووسيلة نقل، إضافة إلى أسلحة ثقيلة ومتوسطة.

مقاتلون من قوات الحكومة اليمنية على ظهر شاحنة خلال المعارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وتشمل الحصيلة، حسب البيان، العمليات التي نفذتها القوات ضمن عملية «فجر اليمن»، التي تقول القوات الحكومية إنها تستهدف إضعاف القدرات القتالية للحوثيين وتعطيل خطوط إمدادهم. كما أعلن الجيش دخول منظومات نوعية جديدة إلى الخدمة لدى قواته الجوية، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن طبيعتها.

وفي جبهتي مأرب والجوف، أفادت مصادر ميدانية بمقتل محمد يحيى الديلمي، الذي وصفته بأنه قائد ما تسمى «مجاميع كتائب الحسين»، مع عشرة من عناصر مجموعته، خلال المعارك على الجبهة الرابطة بين المحافظتين. كما تحدثت المصادر عن مقتل محمد الحوثي، المعروف باسم «زين العابدين»، والمسؤول عن التدريب فيما تسمى «ألوية الأنصار»، خلال معارك الجوف في وقت سابق.