جدة تستعد لإطلاق مهرجانها السينمائي الأول

محمد التركي لـ «الشرق الأوسط»: السعودية قبلت التحدي وبدأت أول مهرجان سينمائي دولي

محمد التركي رئيس لجنة «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي»
محمد التركي رئيس لجنة «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي»
TT

جدة تستعد لإطلاق مهرجانها السينمائي الأول

محمد التركي رئيس لجنة «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي»
محمد التركي رئيس لجنة «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي»

بخطوات ثابتة وإصرار كبير على النجاح، ينطلق غداً أول مهرجان سينمائي بالسعودية، ويستمر لمدة عشرة أيام، في «جدة التاريخية»، أحد أهم المواقع الأثرية في السعودية، المسجلة ضمن «قائمة اليونيسكو للتراث العالمي».
في هذه المنطقة التي وصفها رئيس لجنة «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي»، محمد التركي، بأنها تحمل إرثاً إنسانياً عالمياً، يقدم صُناع أفلام أكثر من 67 دولة بـ34 لغة مخزونهم الفني السينمائي لـ138 فيلماً طويلاً وقصيراً، من خلال مظاهرة ثقافية فنية تختزل عراقة الماضي وأصالة الحاضر، بلغة سينمائية تجمع الشعوب.
بهذه المناسبة، التقت «الشرق الأوسط» بالمنتج السعودي محمد التركي الذي أنتج أفلاماً كثيرة في هوليوود بمشاركة كبار نجوم السينما في أميركا وأوروبا، ورئيس «مهرجان البحر السينمائي»، وقال إن «المهرجان كان بمثابة تحدٍ، قبلت به السعودية، وسابقت من أجله الزمن كي تتخطى دورته الأولى مرحلة التواضع وتصل للمستوى الدولي».. وإلى نص الحوار:

> هل واجهتم تحدياً في اختيار الأفلام؟ خصوصاً أنه يوجد عدد كبير من الأفلام العالمية المتميزة، كيف نجح المهرجان في الفوز بها؟ وما الذي جذب صُناع السينما للمهرجان؟
- أن يكون التحدي في اختيار الأفضل من بين كثير من الأعمال الرائعة؛ فهو تحدٍ جميل، ونحن بلا شك أمام كثير من الإبداعات التي تستحق المشاهدة، وسعداء بتقديمها إلى جمهور المهرجان.
البرنامج قوي، متنوّع، وغني بالأفكار والأساليب واللغات السينمائية، بما فيها أعمال الواقع التقني والافتراضي. ولكن الأجمل أننا كنا أمام كثير من الخيارات حتى فيما يتعلق بالأعمال السعودية والعربية، وهذا دليل على حالة الحراك التي تشهدها المنطقة. لا شك في أن المهرجان سيكون فرصة لاكتشاف مواهب جديدة، وسيحمل الكثير من المفاجآت.
> ماذا سيضيف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» إلى المهرجانات السينمائية الأخرى؟ وماذا سيضيف للسينما السعودية وللمتفرج السعودي؟
- يفتح «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» الباب على سوق سينمائية جديدة، لعلها الأسرع نمواً. بعد عودة السينما إلى السعودية، سيلعب المهرجان دوراً مهمّاً في تقديم قصصنا وإبداعاتنا إلى العالم، وكذلك في ربط المبدع السعودي والعربي بصنّاع السينما العالميين.
ولأن المهرجان يأتي في ديسمبر (كانون الأول)، حرصنا على أن يكون خلاصة لإبداعات السينما لهذا العام. على سبيل المثال، يقدّم المهرجان للجمهور فرصة مشاهدة أفضل الأفلام التي عرضتها المهرجانات في برنامج «اختيارات عالمية»، وهي بذلك فرصة للمشاهد السعودي والعربي لمشاهدة هذه الإبداعات.
باختصار، المهرجان هو بوابة إلى السينما السعودية والعربية، وهو خلاصة لعام من السينما، وهو فرصة للجمهور السعودي لمشاهدة سينما جديدة وعالمية وجميلة.
> كيف تعامل المهرجان مع التحديات التي ممكن أن تواجهه، والتي من ضمنها مكان إقامته في المنطقة التاريخية الواقعة في قلب مدينة جدة؟
- نحن فخورون بأن يكون المهرجان في مدينة تاريخية مثل جدة، وفي منطقة تاريخية مثل البلد المصنفة إرثاً إنسانياً عالمياً، وفق «اليونيسكو»، ولعل لذلك دلالات كثيرة. السينما هي تجربة إنسانية، وهي لغة تجمع الشعوب والثقافات تماماً كما اجتمعت في هذه المدينة العالمية. من الناحية اللوجستية، حرصنا على أن نكون ضيوفاً على هذه المنطقة التاريخية، وأن تلعب جدة البلد دور البطولة في قصة المهرجان. بالطبع تطلب ذلك كثيراً من التخطيط والتجهيز، ولكن فريق العمل بذلك كل ما بوسعه لتحقيق ذلك.
> كل مشروع جديد لا بد له من معوقات. ما أبرز المعوقات التي تجاوزتموها في «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»؟
- هذا مهرجان جديد، وصناعتنا، وإن كانت مزدهرة، جديدة، ونحن على إدراك تام بذلك. إذا تحدثنا عن مهرجانات عريقة مثل «كان» و«البندقية» و«برلين»، هي عريقة لأنها بَنَت سمعتها على مدى عقود طويلة. لكن التحدي الذي قبلناه هو أن نسابق الزمن وأن نقدّم مهرجاناً سينمائياً بمستوى دولي. نعم، هي دورتنا الأولى، ولكننا قررنا منذ البداية أن ذلك لا يعني أن تكون دورة متواضعة.
كما تعلمون، بدأ العمل على المهرجان في 2019. ولكننا مثل المهرجانات الأخرى، واجهنا الأزمة الصحية الدولية التي أجبرتنا على تغيير خططنا. إطلاق مهرجان سينمائي دولي هو تحدٍ كبير، ولكن التحدي الأكبر هو إطلاقه في هذه المرحلة تحديداً، لكننا عازمون على تقديم هذا المهرجان بصورة تشرّف المملكة.
> مَن أبرز النجوم العالميين الذين أكدوا حضورهم؟
- أردنا أن نسلط الضوء على أهمية دور المرأة في السينما حيث سيشهد حفل الافتتاح حضور الممثلة الرائعة كاترين دينوف، التي سنقوم بتكريمها، كما سنقوم بتكريم نجمة السينما العربية ليلى علوي، والمخرجة السعودية هيفاء المنصور. سيشهد المهرجان أيضاً مشاركة هند صبري، يُسرا ونجمات ومخرجات وممثلات من السعودية والعالم العربي وخارجه. بالطبع لدينا المزيد من المفاجآت والشخصيات التي ستشارك معنا طيلة أيام المهرجان وعروضه الافتتاحية، فانتظرونا.
> هل نعتبر صناعة السينما في السعودية حديثة عهد أم بدأت من حيث انتهى الآخرون؟
- يمكن اعتبار السينما السعودية حديثة عهد، لكن السينما فن عالمي ولغة تجمع كل الشعوب. سينما السعودية لا تعني اختراع سينما جديدة، ولكن تعني رواية قصص جديدة بوجهات نظر جديدة، وبأساليب جديدة. السينما لم تفارقنا ولم نفارقها، ولكننا نشهد اليوم على ثورة ثقافية وفنية فريدة ستعيد بناء مشاهد سينمائية جديدة ومبتكرة.
> ما الإجراءات التي تضمن إقامة دورة آمنة وناجحة خالية من انتشار عدوى فيروس «كورونا» المستجد ومتحوراته، خصوصاً بعد تأكيد إصابات بمتحور «أوميكرون» في أميركا وأوروبا؟
- لا شك أن الوباء العالمي يشكل تحدياً إضافياً حين يتعلق الأمر بإقامة مهرجان دولي كهذا، لكن السعودية استطاعت اتخاذ نهجٍ استباقي لتأمين سلامة المواطنين والمقيمين والضيوف. وقد تم بالفعل اتخاذ كثير من الإجراءات الاحترازية بما فيها تلقيح أكثر من 83 في المائة من السكان بجرعتي اللقاح، حيث انخفض عدد الحالات إلى أقل من 40 حالة يومياً.
طيلة فترة التحضير للمهرجان، عملنا بشكل وثيق مع الجهات المختصة، كما استفدنا من التجارب التي سبقتنا، مثل مهرجان «كان» و«البندقية»، ووضعنا أفضل المعايير لضمان سلامة الجميع.
> محمد التركي لم يصل لعالم هوليوود فحسب، بل اندمج في هذا العالم من الناحية المهنية وعلى الصعيد الشخصي من ناحية تكوين صداقات معهم أيضاً. كيف حصل هذا؟ وما نصيحتك لمن أراد الدخول لهذا العالم والاستمرار فيه؟
- خلال دراستي الجامعية في بريطانيا تعرّفت على عدد كبير من المواهب والنجوم وكوّنت شبكة علاقات، خصوصاً مع هوليوود، حيث تعرّفت على عائلة هيلتون، ومنها إلى المزيد من الشخصيات ومشاهير صناعة السينما. حرصت على بناء هذه العلاقات، ثم توظيفها بعد دخولي إلى عالم الإنتاج. حين نبدأ بإنتاج عمل، نبني علاقة خاصة جداً مع طاقم الفيلم والعاملين فيه، ونصبح أسرة واحدة همها تقديم عمل يلقى استحسان الجماهير. وهكذا من خلال أفلامي التقيت على سبيل المثال بالنجم ريتشارد جير، ثم انطلقنا معاً للترويج للفيلم في روما ونيويورك ولندن وأبوظبي وبقية أنحاء العالم.
بعد ذلك عملت مع زاك إيفرون ودينيس كويد وهيذر غرام حين أنتجت فيلم «مهما كان الثمن». الفيلم شهد عرضه العالمي الأول في مهرجان «البندقية» السينمائي، ثم توجهنا إلى لندن ونيويورك وغيرها من المدن والعواصم للترويج للفيلم وعرضه أمام الجمهور.
إضافة إلى الإنتاج، ساهمتُ في كثير من المناسبات والأنشطة الخيرية التي تدعمها السينما، بما فيها مع شون بين وحفل أمفار الخيري.
بشكل عام نصيحتي للراغبين في دخول هذا المجال التحلي بالصبر، ثم المثابرة وبذل الجهد لتحقيق الأهداف التي يطمحون إليها. النجاح لا يأتي بسهولة، والأحلام تتحقق بالإصرار.
> تحدث مخرجون سعوديون عن خروج الأفلام السعودية مبكراً من دور السينما، وحضور متواضع للجمهور، إلا فيما ندر، رغم وجود عدد كبير من دور السينما.. ما السبب في رأيك؟
- قبل سنوات قليلة كانت السينما السعودية مجرد حلم، وحتى حين تم إنتاج أفلام سعودية طويلة، كان عرضها يقتصر على المهرجانات ونوادي السينما. اليوم، نرى المزيد من الإنتاجات، ونرى أعمالاً جماهيرية إضافة إلى أفلام المهرجانات والجوائز، وهو أمرٌ يدفعنا للتفاؤل.
نحن مؤمنون بأن السينما السعودية، وإن كانت جديدة، قادرة على المنافسة، وسيكون لها حضورها المحلي والعالمي. قياس أعداد الجماهير وأداء السينما السعودية على شباك التذاكر اليوم مبكر للغاية وغير منصف. السينما عادت إلى السعودية في 2019. ثم واجهنا جميعاً الوباء العالمي بداية 2020. وأول مهرجان سينمائي دولي على وشك ينطلق. دعونا نمنح أنفسنا بعض الوقت... القادم سيحمل كثيراً من المفاجآت، ونحن متفائلون جداً بأن السينما السعودية هي في مرحلة التحول من مجرد نشاط سينمائي إلى صناعة سينمائية متكاملة.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».