«وساطة روسية» لتخفيف التوتر في شمال شرقي سوريا

موسكو تنشط اتصالاتها وتستقبل وفداً من «مسد» بعد «جبهة السلام والحرية»

مقاتلون من فصيل سوري مدعوم من تركيا خلال تمارين عسكرية بعفرين (شمال سوريا) في الأول من نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)
مقاتلون من فصيل سوري مدعوم من تركيا خلال تمارين عسكرية بعفرين (شمال سوريا) في الأول من نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)
TT

«وساطة روسية» لتخفيف التوتر في شمال شرقي سوريا

مقاتلون من فصيل سوري مدعوم من تركيا خلال تمارين عسكرية بعفرين (شمال سوريا) في الأول من نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)
مقاتلون من فصيل سوري مدعوم من تركيا خلال تمارين عسكرية بعفرين (شمال سوريا) في الأول من نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)

نشطت موسكو تحركاتها الدبلوماسية واتصالاتها مع الأطراف المختلفة لتطويق تصعيد عسكري محتمل في مناطق شمال شرقي سوريا. ومع الإعلان عن مشاورات متواصلة يجريها الجانب الروسي مع تركيا، كثفت الخارجية الروسية اتصالاتها مع الأطراف السورية في شمال البلاد.
وبعد لقاء وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أول من أمس، مع وفد «جبهة السلام والحرية» السورية المعارضة، برئاسة أحمد الجربا، بات معلوماً أمس أن وفداً من «مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد) سيزور موسكو الثلاثاء لإجراء محادثات مع الوزير الروسي تتعلق بتطورات الوضع في الشمال السوري، واحتمالات شن تركيا عملية عسكرية جديدة في المنطقة.
وأفاد بيان أصدرته الخارجية الروسية بأن اللقاء مع الجربا ركز على «تبادل وجهات النظر حول تطور الوضع في سوريا ومحيطها، مع التركيز على الحاجة إلى دفع العملية السياسية على أساس قرار مجلس الأمن رقم 2554 (...) ودعم الحوار السوري - السوري على المسارات كافة».
ووفقاً للبيان، فقد جددت روسيا التأكيد على «دعمها الثابت لسيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها، مشددة على ضرورة تكثيف الجهود الدولية لتحسين الوضع الإنساني هناك، وإعادة إعمار سوريا».
وكان لافتاً أنه بعد اللقاء مع لافروف أجرى الوفد السوري جلسة محادثات مطولة مع نائب الوزير ميخائيل بوغدانوف، تم خلالها التطرق بشكل تفصيلي إلى التطورات الجارية على الأرض السورية.
ورأت مصادر روسية تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أن هذا اللقاء، واللقاءات التي يتم ترتيبها خلال الأيام المقبلة، تدخل في إطار جهود روسية مكثفة لتطويق التصعيد العسكري في شمال سوريا، على خلفية التأهب العسكري والتدريبات التي تقوم بها أطراف مختلفة، بالتزامن مع زج تعزيزات كبيرة للقوات الحليفة لتركيا والقوات النظامية في ريفي الحسكة والرقة.
وفي المقابل، أشارت تقارير إلى أن الشرطة العسكرية الروسية سعت لتنشيط الاتصالات المباشرة بين الجيش السوري وقيادة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي تمثل ضمن صفوفها المكون الكردي في المنطقة.
ونقلت شبكة «سبوتنيك» الحكومية الروسية أن تعزيزات عسكرية تابعة للجيش السوري وصلت إلى مدينة عين عيسى وأطراف مدينة تل أبيض على الطريق الدولي الحسكة - الرقة - حلب، المعروف باسم «إم 4» (M4) بالريف الشمالي لمحافظة الرقة، وذلك مع ازدياد حدة التهديدات التركية وعمليات حشد الفصائل القريبة من تركيا في المنطقة.
ووفقاً للمعطيات، فإن التعزيزات الحكومية السورية جاءت بعد عقد عدة اجتماعات لعسكريين روس مع ممثلين عن الجيش السوري وقياديين في «قسد» بمنطقة تل تمر شمال غربي الحسكة، وفي مدينة عين عيسى شمال الرقة، بهدف تقريب وجهات النظر على خلفية احتمال شن عملية عسكرية تركية.
وفي غضون ذلك، أجرت القوات الروسية الجوية مناورات بالذخيرة الحية، بالتنسيق مع الجيش السوري، في مناطق خطوط التماس، كما في تل تمر وعين عيسى وتل أبيض وأرياف حلب الشمالية.
وتزامنت هذه المناورات، وفقاً للشبكة الروسية، مع إجراء الجيش التركي ومسلحي الفصائل الموالية له تدريبات عسكرية شمال محافظة الحسكة.
وسياسياً، بدا أن موسكو سرعت خطواتها لفتح قنوات اتصال دائمة بين دمشق والمكون الكردي في الشمال السوري. وبات معلوماً أن محادثات لافروف المنتظرة الثلاثاء مع وفد «مسد»، برئاسة لإلهام أحمد «ستركز على عنصرين: الأول التطورات الميدانية في الشمال السوري، والثاني مساعي موسكو لفتح قنوات اتصال ثابتة دائمة بين (مسد) والحكومة السورية».
وأفاد مصدر لـ«الشرق الأوسط» بأن موسكو «تحاول منذ بداية الأزمة أداء دور الوسيط، وأن هذه الوساطة تبدو ملحة حالياً بسبب التوتر المتفاقم في المنطقة».
وأشار المصدر إلى صعوبات تواجهها موسكو في هذا الجانب بسبب تباين المواقف بين الطرفين، لافتاً إلى أن روسيا «تتفهم المطالب المشروعة للمكون الكردي، والمخاوف على كيفية إثبات حقوقهم القومية في الدستور السوري الجديد، في إطار الدولة السورية الموحدة»، مبيناً أن «الحكومة السورية لها رأي آخر (...) ودمشق تشير غالباً إلى انقسامات وتباينات داخلية بين الأطراف الكردية».
وأوضح أن «اللقاءات التي يجريها المسؤولون الروس مع (مسد)، ومع المجلس الوطني الكردي، وغيرهم من الشخصيات الكردية، تسعى إلى تجاوز هذه الذريعة، وتعزيز الحوار لوضع آلية مشتركة للتعامل مع الوضع الراهن».
وفي هذا الإطار، أشار المصدر إلى أن موسكو «نصحت الحكومة السورية في أكثر من موقف بإبداء قدر كاف من المرونة في التعامل مع المطالب التي يطرحها المكون الكردي، والتي قوبلت برفض من جانب السلطات السورية، وبينها ملف الخدمة العسكرية وغيره من النقاط الخلافية».
وفي الشق الثاني من الحوارات المنتظرة مع قيادة «مسد»، لفت المصدر الروسي إلى أن موسكو «على قناعة بضرورة عدم السماح بشن أي عمليات عسكرية جديدة في المنطقة»، ولمح إلى توافر ثقة لدى موسكو بأن التلويح التركي بعملية عسكرية «لن يتحول إلى واقع».
وكشف عن «نقاط محددة» تطرحها موسكو حالياً في حواراتها مع الأطراف المختلفة، بينها احتمال انسحاب القوات الكردية من مناطق محددة، في مسعى لتخفيف المخاوف الأمنية لتركيا، على أن تقوم الشرطة العسكرية الروسية بتأمين تثبيت وقف إطلاق النار في هذه المناطق.
وأشار المصدر إلى «تطابق مواقف موسكو وواشنطن» في رفض أي عمل عسكري جديد في المنطقة، وقال إن الرئيس رجب طيب إردوغان «سمع كلاماً واضحاً من الإدارة الأميركية في هذا الشأن».
وكرر التأكيد على موقف موسكو حيال «المحافظة على وحدة وسيادة الأراضي السورية، وأن تركيا سوف تنسحب من الأراضي السورية مع بداية عملية الانتقال السياسي في هذا البلد استناداً إلى القرار الأممي 2254، وهي العملية التي يجب أن يشارك في صناعتها المكون الكردي».
وبدا من تعليقات المصدر الروسي أن موسكو تسعى إلى وقف أي تدهور ميداني محتمل حالياً، في إطار تحضيراتها لاجتماع «محور آستانة» الذي ينعقد أواسط الشهر المقبل في العاصمة الكازاخية نور سلطان.
وكانت الخارجية الكازاخية قد أعلنت، قبل يومين، أن الأطراف الضامنة وقف النار في سوريا (روسيا وتركيا وإيران) طلبت عقد جولة جديدة من المفاوضات. وأوضحت أن وزارة الخارجية في كازاخستان تجري حالياً اتصالات مع الأطراف لتحديد موعد نهائي لعقد الجولة، ووضع أجندة الحوارات المنتظرة فيها.
وتعول موسكو على أن ينجح اللقاء في إعادة «ضبط الساعات» بين موسكو وأنقرة وطهران، ووضع ترتيبات مشتركة للأولويات الحالية في سوريا، على خلفية تفاقم التناقضات بين الأطراف الثلاثة خلال الفترة الأخيرة.
ومع تأكيد مصادر دبلوماسية روسية أن موسكو «لا ترى بديلاً عن مواصلة العمل في إطار ثلاثي آستانة»، فإن الأولوية الروسية تقوم على تقريب وجهات النظر مع الشريكين الإيراني والتركي.
ويشكل الوضع في إدلب، والفشل في تنفيذ الاتفاقات السابقة بين موسكو وأنقرة في شأن إخلاء المنطقة العازلة، وفتح الطرق الدولية، والفصل بين القوى السياسية المعتدلة والمنظمات الإرهابية، أبرز عناصر النقاش مع تركيا، يضاف إليها تطورات الوضع الحالي في الشمال السوري، وتلويح أنقرة بشن عملية عسكرية جديدة.
وفي الجانب الإيراني، أسفر الإعلان عن تفاهمات روسية - إسرائيلية، بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بنيت إلى روسيا مؤخراً، عن تصاعد الاستياء الإيراني. وكانت تل أبيب قد أعلنت أن التفاهم بين بنيت وبوتين ركز على إعادة تفعيل اتفاقات سابقة تمنح إسرائيل مجالات واسعة لشن هجمات على مواقع في سوريا ترى فيها تهديداً على أمنها. وشنت تل أبيب غارتين قويتين على مواقع قرب دمشق في الأيام التي تلت هذه الزيارة.
لكن موسكو التي لم تعلق على المستوى الرسمي على إعلان تل أبيب حول «التفاهم الروسي - الإسرائيلي» فضلت التخفيف من أهمية هذه المعطيات، وسربت مصادر دبلوماسية روسية معطيات تؤكد أن «التسريبات الإسرائيلية صادرة عن جهات أمنية إسرائيلية، وهي تعكس انزعاج إسرائيل من تجاهل موسكو اقتراحاً إسرائيلياً بعقد لقاء أمني رفيع المستوى يجمع رؤساء مجالس الأمن في روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل».
وأوضح المصدر أن موسكو فضلت عقد لقاء للمسؤولين الأمنيين في روسيا والولايات المتحدة، من دون ضم إسرائيل إليه، وأنه «جرى هذا اللقاء في موسكو قبل يومين». وزاد أن بوتين أكد خلال لقائه مع بنيت أهمية «دعم سيادة الأراضي السورية، والعمل على دفع الجهود الروسية لتسوية الأزمة، وتخفيف التوتر في سوريا ولبنان، والمنطقة بشكل عام».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.