الإعلام المغربي بين محكّ الانتخابات وتداعيات «كوفيد ـ 19»

معنينو: القنوات العمومية فقدت الكثير من جاذبيتها ومصداقيتها

الصديق معنينو
الصديق معنينو
TT

الإعلام المغربي بين محكّ الانتخابات وتداعيات «كوفيد ـ 19»

الصديق معنينو
الصديق معنينو

يشهد المغرب في الثامن من سبتمبر (أيلول) المقبل تنظيم الانتخابات التشريعية والجماعية (البلدية) والجهوية، وهي أول استحقاقات منذ استقلال المغرب عام 1956 تجرى في يوم واحد.
وبغض النظر عن السياقات السياسية والاجتماعية لهذه الانتخابات، التي تنظم في ظل تداعيات جائحة «كوفيد - 19» وتفشيها الواسع هذه الأيام، فإن هذه الانتخابات، التي عدها العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطابه يوم 20 أغسطس (آب) الحالي بأنها «ليست غاية وإنما وسيلة لإقامة مؤسسات ذات مصداقية»، تكتسي طابعاً صحياً ولوجيستياً خاصاً في ظل هذه الظروف.
هذا الواقع يتطلب مجهوداً مضاعفاً من جانب الهيئات السياسية المتنافسة فيها، والبالغ عددها 32 حزباً، مما يحتم على وسائل الإعلام إدراج المتغيرات الوبائية الطارئة بعين الاعتبار، والعمل على إبداع أنماط جديدة في التواصل مع الكتلة الناخبة، والرأي العام بحيث يتمكن الإعلام من تمرير رسائل، في هذا الزمن الانتخابي الذي يعتبر لحظة إعلامية بامتياز.

اهتمام أكبر بالإعلام المسموع والمرئي

وحقاً، تولي الهيئات السياسية المغربية المشاركة في الانتخابات، اهتماماً أكبر بالإعلام العمومي المسموع والمرئي، مقارنة مع اهتمامها بوسائل الإعلام الأخرى. كذلك هو شأن الإدارة الانتخابية التي تلجأ بدورها للإعلام العمومي للتعريف بالمقتضيات القانونية والمساطر التنظيمية كي يكون الناخبون والمرشحون على بينة من التدابير المتخذة، فضلاً عن حثها الناخبين في وصلات إعلانية على التوجه إلى صناديق الاقتراع.
في هذا الإطار، قال الإعلامي المغربي المخضرم الصدّيق معنينو في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إنه مع اقتراب موعد الانتخابات: «تتجه الأنظار إلى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة لمعرفة استعداداتها لتنشيط الحملات الانتخابية واستضافة ممثلي الأحزاب لمناقشة برامجهم والاطلاع على مقترحاتهم في مختلف الميادين». وذكّر بأن «التلفزيون المغربي والإذاعة الوطنية، ثم لاحقاً القناة الثانية، كانت انطلاقاً من ثمانينات القرن الماضي، القنوات الوحيدة التي تخصّص حصصاً يقدم خلالها ممثلو الأحزاب السياسية عروضاً حول برامجهم الانتخابية. أما الآن فقد تعددت القنوات التلفزيونية والإذاعات العمومية الخاصة، ونتج عن ذلك خلق مساحات جديدة للمشاركة والنقاش».
ويتابع معنينو - الذي هو أيضاً وكيل سابق لوزارة الاتصال (الإعلام) - فيقول إنه «رغم هذا الغنى في العرض توجد صعوبات لا بد من مراعاتها، منها الشعور القوي لدى الرأي العام بأن أهداف الأحزاب السياسية لم تعد ملتزمة بقضايا الجماهير، بل أصبحت المنافسة قوية على المقاعد لاستغلالها في أغراض شخصية». ثم يضيف إن «القنوات العمومية فقدت الكثير من جاذبيتها ومصداقيتها بعدما أدارت ظهرها لاهتمامات الناس وقضاياهم ومعاناتهم... وهذا، فضلاً عن ظهور وسائل تواصل اجتماعي أصبح لها تأثير كبير يوازي أو يفوق تأثير وسائل الإعلام العمومي. بل أكثر من هذا، أضحت لهذه الوسائط أدوار تواصلية جديدة يصعب التحكم فيها أو توجيهها، وهي في غالبيتها تدعو إلى مقاطعة الانتخابات وتنتقد بشدة قيادة الأحزاب».
ثم يتطرق معنينو إلى تأثير «كوفيد - 19» ليقول: «تضاف إلى هذه الصعوبات، هناك الأزمة الصحية التي ستعيق الحملة الانتخابية، مما سيحرم الأحزاب من فرص تنظيم تجمعات جماهيرية، كما كان الشأن في الانتخابات السابقة». ومن ثم يتساءل: «ماذا يمكن فعله الآن على بعد أسابيع قليلة من يوم الاقتراع لحث المواطنين على التوجه إلى صناديق الاقتراع... علماً بأن العزوف ظاهرة عالمية تمس مشروعية البرلمانات، وتعكس رفضاً مجتمعياً للعملية الديمقراطية الانتخابية؟» واستطراداً، يطرح تساؤلاً ثانياً هو: «ماذا يمكن فعله لضمان مشاركة مشرّفة حتى يحظى الاقتراع بالمصداقية ويساير الجهود المتواصلة لبناء مغرب ديمقراطي يسعى لإقامة دولة حديثة ديمقراطية ومتطورة؟».
على هذين التساؤلين يجيب معنينو مقترحاً: «تعبئة شاملة لوسائل التواصل تهدف إلى إبراز أهمية الانتخابات، وتنظيم برامج ولقاءات حوارية بمشاركة الأحزاب والجمعيات وأساتذة الجامعات لمناقشة قضايا تهمّ الرأي العام كالبطالة ومشاكل التعليم والصحة والحياة الديمقراطية، مع الاستعانة بصحافيين متخصصين يحظون بالاحترام».

انتقاد من اليسار

من جهة أخرى، إذا كان الإعلام شريكاً وفاعلاً أساسياً في البناء الديمقراطي، وطبعاً في لحظة الانتخابات - بما تمثله من محطة حاسمة في التعبير عن الإرادة الشعبية بهدف انبثاق مؤسسات تعكس اختيارات الناخبين -، فإن حزب التقدم والاشتراكية (يساري معارض)، ينتقد بشدة ممارسات بعض المنابر الإعلامية التي تخترق بفعل سلطة المال هذه الاستحقاقات الانتخابية، حسب ما ذكره كريم تاج، عضو الديوان السياسي للحزب، والمسؤول عن التواصل فيه.
وذكر تاج، الذي تولى تدبير وزارة الإعلام والاتصال في تجربتين حكومتين سابقتين مع الوزيرين نبيل بنعبد الله وخالد الناصري، أن «دور الإعلام يتعاظم سلباً أو إيجاباً، في مواكبته للتنافس بين الأحزاب والمرشحين، حيث تظل القواعد الأساس المؤطّرة للفعل الإعلامي من موضوعية وحياد ومهنية وتقصي الحقيقة هي المُحدِّد في الحكم على دور هذا الفاعل والشريك في عملية البناء الديمقراطي».
وأوضح تاج: «إذا قمنا بتنزيل هذا التحليل، البديهي والمتعارف عليه، على استحقاقات الثامن من سبتمبر بالمغرب يمكن أن نسجل، بأسف شديد، أنه باستثناء منابر قليلة لا تزال تتمتع بالحد المطلوب من المهنية، فإن ما يحصل من اختراق غير مسبوق للحقل الإعلامي بفعل سلطة المال أساساً، يدفعنا إلى القول إن دور الإعلام جرى تحريفه عن مقاصده السامية المتمثلة في الوقوف على نفس المسافة من مختلف الأحزاب المتنافسة في الانتخابات المقبلة».
أما هشام كزوط، الأستاذ الباحث في قضايا الإعلام والتواصل الاستراتيجي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في وجدة (شمال شرقي المغرب)، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المسؤولية الاجتماعية للإعلام تتضح أكثر، وتتعاظم، خلال رصد تدخلات الأحزاب السياسية أثناء فترات الحملات الانتخابية بنوع من النزاهة والحياد والتقيد بالضوابط الأخلاقية والمهنية للإعلام... الذي يعد منصة للتغطية الموضوعية وفق مبادئ التعددية والتوازن بعيداً عن إملاءات السلطة وإغراءات المال». وفي نظر كزوط: «الإعلامي هو بمثابة المثقف العضوي، الذي يجعل من الإعلام فضاءً عمومياً... يسهم في النقاش السياسي العلني الحر القادر على بناء الصرح الديمقراطي.

ضمان حرية الإعلام

وباعتبار أن الطريقة التي يفسّر بها المواطنون الرسائل السياسية ترتبط أساساً بالمدى الذي تؤثر به وسائل الإعلام على المواقف السياسية والسلوك الانتخابي، إبان فترة الحملات الانتخابية، فإن أي انتخابات ديمقراطية لا تستقيم من دون ضمان حرية الإعلام لحماية شفافية العملية الانتخابية. إلا أن كريم تاج يستدرك هنا فيقول: «طبعاً يبقى لوسائل الإعلام العمومي الدور الأساسي في هذه المرحلة»، معرباً عن اعتقاده أنه «على العموم، ومع تسجيل بعض التأخير في انخراط مؤسسات الإعلام العمومي في تنشيط وتأطير النقاش السياسي الضروري تحضيراً للانتخابات المقبلة، فإن ما جرى ويجري منذ بداية فترة ما قبل الحملة الانتخابية، يمكن تقييمه إيجاباً لجهة الرفع من المشاركة التي تعتبر التحدي الأهم الذي يواجهنا جميعاً... دولة ومجتمعاً».

... والممارسة المهنية

من جانبه، يلاحظ كزوط أنه على خلاف الطرح النظري فإن الرؤية التحليلية والنقدية لواقع تعاطي الإعلام المغربي مع الحملات الانتخابية تمهيداً لاقتراع الثامن من سبتمبر المقبل «تشهد انزياحاً عن الممارسة المهنية الموضوعية... ولنا أن نقف عند جملة من الحقائق من خلال تحليل واستقراء الرسائل الإعلامية التي بثت خلال شهر أغسطس (آب) الحالي عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمتعلقة بانتخاب أعضاء الغرف المهنية».
واستناداً إلى دراسة كمّية حول نمط المادة الإعلامية، ومدة البرامج ونوعية المعالجة الفنية، وطبيعة القضايا الرئيسية المتناولة خلال التغطية والأهداف المرتقبة منها، وكذا أساليب الإقناع واتجاه المعالجة والجمهور المستهدف، سجل كزوط جملة من التجاوزات منها غياب العديد من القوالب الفنية للبرامج الإعلامية كبرامج الحوارات والمقابلات وشكل التحقيق والتقرير الإخباري والتعليق الإخباري أو البرامج الإخبارية الخاصة. وأفاد الأستاذ الباحث أنه بدلاً من ذلك يُلاحَظ الاكتفاء فقط ببرامج التعبير المباشر، أو الاستضافة في النشرات الإخبارية وبرامج تغطية التجمعات الانتخابية بشكل تقليدي ورتيب، مع تخصيص حيّز زمني أقل للبرامج المتعلقة بالمداخلات الحزبية على حساب بقية البرامج الأخرى. وسجّل كزوط وجود «تعتيم ممنهج للمعطيات الحقيقية، على مستوى المضمون منها اللائحة الانتخابية، ناهيك من معطيات أخرى أكثر أهمية، مما يجعل النقاش عقيماً وسابقاً لأوانه، بل يخلق نفوراً وفتوراً وغياب النقاش السياسي الحقيقي في المضامين الإعلامية». ومن ثم اعتبر أن هذا الواقع «يفتقد إلى الجرأة والشفافية في الكشف عن الحقائق وتوضيح الرؤية المستقبلية للحزب المعني، فكأنك أمام أحزاب مستنسخة تروج لخطاب آيديولوجي نفسه، مع تغييب المثقف العضوي من أكاديميين وإعلاميين ذوي الاختصاص في هذا النقاش».


مقالات ذات صلة

«عرب نيوز» تفوز بـ8 جوائز تميّز إبداعية عالمية

يوميات الشرق ارتفع إجمالي الجوائز الدولية لـ«عرب نيوز» منذ إعادة إطلاقها عام 2018 إلى 171 جائزة (SRMG)

«عرب نيوز» تفوز بـ8 جوائز تميّز إبداعية عالمية

فازت «عرب نيوز» التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)» بثماني جوائز تميز في المسابقة الإبداعية السنوية السابعة والأربعين لجمعية تصميم الأخبار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تشرف جامعة كولومبيا على جوائز «بوليتزر» (أ.ب)

جوائز «بوليتزر» للصحافة تكرّم تغطيات تدين إدارة ترمب وسياساتها

هيمنت التغطيات المتعلقة بإدارة ترمب على جوائز «بوليتزر» المرموقة للصحافة، حيث شنت لجنة الجائزة هجوماً لاذعاً على محاولات الرئيس الأميركي تقييد حرية الصحافة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق يؤكد حصد «المجلة» جوائز تميز دولية قوة سردها البصري (SRMG)

ترشيح دولي وجوائز تميز تعزز ريادة «المجلة» البصرية

حققت «المجلة» حضوراً عالمياً بارزاً بترشيحها لجوائز «جمعية مصممي المطبوعات» المرموقة، وحصدها 14 جائزة تميز من «جمعية تصميم الأخبار»، تأكيداً لقوة السرد البصري.

«الشرق الأوسط»
شمال افريقيا وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)

الانقسام السياسي في ليبيا يعزز «صراعات الجبهات» بالإعلام

بين شرق البلاد وغربها باتت مؤسسات إعلامية كثيرة تعكس خطوط التماس نفسها، وسط اتهامات بـ«تضييق متزايد على الصحافيين وتراجع هامش العمل المهني المستقل».

علاء حموده (القاهرة )
يوميات الشرق تميل إلى الحوارات الهادئة مع ضيوفها (صور تيما زلزلي)

تيما زلزلي لـ«الشرق الأوسط»: لا أميل إلى الأسلوب الحادّ في حواراتي

ترى تيما زلزلي أنّ الحوارات الحادّة والجريئة تتطلَّب جهداً كبيراً قد لا ينعكس إيجاباً على مقدّمها...

فيفيان حداد (بيروت)

وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
TT

وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)

وليد عبود، صاحب خبراتٍ متراكمة في عالم الإعلام اللبناني، ويمثّل نموذجاً للمهني المتمرّس. ولقد تنقّل بين صروحٍ عديدة، منذ كان طالباً في كليات الإعلام والأدب والحقوق، حيث كان شغفه الأول الثقافة، إلا أن عالم السياسة سرعان ما جذبه، ليصبح أحد أبرز المحاورين التلفزيونيين في لبنان. وعبود راهناً يشغل منصب رئيس تحرير نشرات الأخبار في قناة «إم تي في» المحلية، ويقدّم 3 برامج حوارية هي: «أبيض وأسود» على منصة «هلا أرابيا»، و«الحكي يوصل» على منصة «صوت كل لبنان»، و«مع وليد عبود» على شاشة «تلفزيون لبنان».

بالنسبة لمسيرته، فإنه استقى خبراته الأولى من عمله في «دار الصياد» عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، ويومذاك تولّى مهام التحرير في نشرة دورية كانت تُرسل إلى أصحاب القرار في لبنان والعالم العربي. بعدها تنقّل بين عدد من الصحف اللبنانية والعربية، من بينها «المسيرة» و«الحياة» و«نداء الوطن» و«النهار»، حيث كتب مقالات ثقافية.

وفي «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (إل بي سي آي)، شارك في إعداد برامج ثقافية مثل «كبارنا». أما تجاربه السياسية الأولى فانطلقت عبر برنامج «ع صوت عالي» على شاشة «تلفزيون لبنان» خلال مرحلة إدارتها من قِبل فؤاد نعيم.

ومع الراحل جبران تويني، خاض تجربة تلفزيونية جديدة من خلال إعداد برنامج «فخامة الرئيس» على شاشة «إل بي سي آي»، ليتولى بعدها برنامج «رئاسيات». ويعلقّ وليد عبود على تلك الحقبة بالقول: «تعاوني مع الراحل جبران تويني ترك أثره الإيجابي في مشواري المهني. كان قامة سياسية وإعلامية لا يمكن أن تمر مرور الكرام».

في انتقاله إلى «إم تي في» عام 1989، بدأ إعداد برنامج «سجّل موقف». وبقي فيها حتى عام 2001، حين استدعته «إل بي سي آي» للعمل في إدارة تحرير نشرات الأخبار، وهي مرحلة أكسبته خبرة واسعة. ثم عاد مجدداً إلى «إم تي في» لتولّي رئاسة تحرير نشرات الأخبار حتى اليوم، إلى جانب تقديمه برنامج «بموضوعية» حتى عام 2018. ويؤكد أن مجمل هذه المحطات صقل تجربته المهنية، التي تجاوزت اليوم 46 عاماً من العمل الإعلامي.

«تلفزيون لبنان» وعوْدٌ على بدء

على الرغم من التجارب الكثيرة واللامعة التي خاضها عبود في صروح إعلامية عدّة، فإنه لفت متابعيه أخيراً بانضمامه إلى عائلة «تلفزيون لبنان». كانت عودة إلى واحدة من أقدم تجاربه الإعلامية في عام 1994، حيث يقدّم عبره مساء كل أربعاء برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال عن هذه الخطوة: «لا شك أن هذه المحطة تسمها العراقة والتاريخ المضيء، وقد تربّينا على شاشتها. ومجرّد أن يُوضع اسمي إلى جانب الرعيل الأول من الإعلاميين أمثال عادل مالك وكميل منسّى وجان خوري، فهذا يشكل حافزاً وفخراً كبيرين لي». وأضاف مستعيداً لحظة دخوله إلى مبنى التلفزيون: «ممرّ طويل يقود إلى الاستوديوهات، وعلى جدرانه صور هؤلاء الإعلاميين، إلى جانب صورة الرئيس الراحل كميل شمعون وهو يضع حجر الأساس لتلفزيون لبنان. هناك اجتاحتني مشاعر الحنين إلى زمن الإعلام اللبناني الذهبي والرائد، حين كان لبنان بين أوائل الدول العربية التي تخطو هذه الخطوة الكبرى في المنطقة. وكذلك استعدت ذكرياتي مع هذه الشاشة المرتبطة بوجداني».

من ناحية ثانية، خيار العودة إلى «تلفزيون لبنان» لم يكن مجرد محطة عابرة في مسيرة عبود، بل جاء نتيجة مجموعة اعتبارات مهنية وواقعية. وهو يوضح أن تعذّر تقديم برنامج تلفزيوني على محطة محلية منافسة دفعه إلى اختيار هذه العودة، بوصفه الخيار الأنسب والأكثر انسجاماً مع المرحلة.

ومن خلال هذا المنبر، قدّم برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود»، الذي يُعرض مساء كل أربعاء، ويستضيف شخصيات سياسية بارزة. وقد استهلها مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. وأشار إلى أنها كانت أولى إطلالاتهما الإعلامية فشكّلت نقطة تحوّل في مسار البرنامج، إذ أسهمت المقابلتان في تثبيت حضوره وتعزيز انتشاره. وهو يرى أن «تلفزيون لبنان»، في ظل إدارته الجديدة، بدأ يخطو باتجاه رؤية مستقبلية أكثر تنظيماً ووضوحاً، ما انعكس إيجاباً على موقع البرنامج داخل المشهد الإعلامي.

إعلامي متميز... وخبرات متراكمة (إم تي في)

الذاكرة الإعلامية

قال عبود إن تجربة العودة إلى تلفزيون لبنان «أعادت إليَّ شيئاً من الذاكرة الإعلامية الأولى، لكنها في الوقت نفسه أتاحت لي مساحة عمل مختلفة، تجمع بين الخبرة المتراكمة والفرصة المتجددة لإعادة تقديم نفسي ضمن سياق وطني جامع».

وفي سياق كلامه عن تجربته الطويلة مع قناة «إم تي في»، استعاد عبود محطات من إدارة نشرات الأخبار، معتبراً أن العلاقة بين الإعلامي والمحطة تقوم أساساً على الانسجام في الرؤية والخط التحريري. وأردف: «نحن مَن نشبه المحطة وليس العكس»، موضحاً أن نجاح التجربة الإعلامية «يرتبط بمدى التقاطع بين قناعة الإعلامي ونهج المؤسسة، وإلا فإن الخلافات تصبح نتيجة طبيعية».

وعلى الصعيد الشخصي، قال إن «الحروب الإعلامية» ليست من طبعه، فهو يميل إلى تجنّب المواجهات المباشرة. ويفضّل التركيز على العمل والمضمون. ويرى أن بيئة التفاهم داخل أي مؤسسة إعلامية تُسهّل تجاوز التحديات، وتُقلّل من حدّة الإشكالات، في حين أن غياب التفاهم هو ما يخلق الأزمات، ويؤدي إلى المغادرة أو الاختلاف.

النقد ضرورة من أجل التطور

أما في ما يتعلق بالنقد، فيشدّد وليد عبود على أنه «عنصر أساسي في المهنة وليس تهديداً لها، بل لعله أداة تطوير حقيقية». ويضيف أن «كل إعلامي، سواء كان في موقع التحرير أو التقديم، يتعرّض للنقد بشكل دائم، سواء من سياسيين أو جمهور أو زملاء في المهنة، والمهم هو كيفية التعامل معه». وبالنسبة له، النقد لا يُقابل بالانزعاج، بل بالاستفادة؛ لأنه يكشف نقاط الضعف التي قد لا تكون واضحة خلال عمل يومي يستمر 18 ساعة متتالية. ويؤكد أنه بعد كل حلقة من برنامجه يطلب آراء المشاهدين بصدق؛ لأن المديح لا يهمّه بقدر ما يهمّه النقد البنّاء الذي يساعده على التطوير.

ويشرح من ثم أن مسيرته الإعلامية الطويلة علّمته أن كل يوم يحمل تجربة جديدة، وأن العمل المتواصل لساعات قد يرافقه بعض الهفوات، لكن التحدي الحقيقي هو في تقليل الأخطاء وتحاشي تكرارها. ومن ثم، يرى أن المعيار ليس في غياب الخطأ، بل في القدرة على ضبط نسبته مقارنة بمحطات أخرى.

الإعلامي يبقى في الذاكرة

واختتم عبود اللقاء معه بالتأكيد على أن «الإعلام مهنة متعبة»، ولا يعرف كيف انخرط فيها بهذا الشغف الكبير، ثم إنه كان يخطط لمسار أكاديمي في الأدب والفلسفة، لكن الإعلام جذبه بشكل غير متوقع. وتابع أنه يؤمن بأن «الإعلامي الحقيقي يبقى حاضراً في ذاكرة الناس إذا استطاع أن يترك بصمة واضحة، وأن هذه المهنة، رغم صعوبتها، تبقى وفية لصاحبها بقدر وفائه لها». ويعود ليصف الإعلام بأنه «عالم ساحر وجميل، لكن الأهم ألا ينقلب السحر على ساحره في اللحظات المفصلية».


هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟

الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
TT

هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟

الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)

أثار تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على استنساخ وانتحال صفة الصحافي، مخاوف من عرقلة التواصل بين الإعلاميين ومصادر المعلومات؛ بسبب «التشكك في وجودهم وإنسانيتهم»، وفي حين رأى خبراء أنَّ الذكاء الاصطناعي يُسهم في تسهيل العمل الإعلامي، فإنَّهم شدَّدوا على «ضرورة التواصل الإنساني المباشر لتقليل التأثيرات السلبية للتكنولوجيا».

تقرير نشره معهد «نيمان لاب» المتخصِّص في دراسات الصحافة، نهاية الشهر الماضي، أفاد بإحجام المصادر عن الرد على رسائل الصحافيين عبر البريد الإلكتروني؛ اعتقاداً منهم أنَّها مرسلة من روبوتات الذكاء الاصطناعي.

واستند التقرير إلى تجربة الصحافي الأميركي، غابي بولارد، الذي ذكر أنَّ بعض مصادر المعلومات باتت تتخوَّف من ورود رسائل احتيال عبر البريد الإلكتروني، ما يدفعهم لتجاهل الردِّ على استفسارات الصحافيين.

أيضاً لفت التقرير إلى أن «المخاوف المتعلقة بتراجع الثقة في الإعلام، وانتشار المعلومات المضللة، أضيفت إليها مخاوف جديدة تتعلق بإمكانية أن تعرقل التكنولوجيا عنصراً أساسياً من العمل الصحافي، وهو التواصل مع المصادر لجمع المعلومات، بحجة التشكك في وجود الصحافي من الأساس». وأشار إلى ما تُسمى «نظرية الإنترنت الميت» التي تفترض أنَّ معظم الموجودين على الإنترنت ليسوا حقيقيين.

الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل، قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط»: «إن الذكاء الاصطناعي يؤثر في عمل الصحافي سلباً وإيجاباً... ومع تطور النماذج اللغوية الضخمة بات من الصعب التفريق بين ما تنتجه وما ينتجه الإنسان، لا سيما مع قدرة التكنولوجيا على استنساخ وانتحال صفات أشخاص حقيقيين».

وأضافت حمود أن «ما يحدث قد يعرقل قدرة الصحافي على التواصل مع مصادر المعلومات». ولذا فهي تقترح أن «يحرص الصحافي على التواصل الإنساني في محاولة لإثبات وجوده، والحد من مخاوف المصادر، جنباً إلى جنب مع العمل على الترويج الذاتي، ورسم صورة ذهنية لحضوره على منصات التواصل المختلفة».

وتؤكد على «ضرورة إعادة النظر في كيفية التعاطي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وطريقة العمل والتواصل الصحافي في ضوئها، مع وضع سياسات شاملة لذلك».

في الواقع، تطرَّق تقرير «نيمان لاب» إلى حلول عدة للحدِّ من تأثير الذكاء الاصطناعي على التواصل مع مصادر المعلومات، من بينها «التواصل من بريد إلكتروني مرتبط بالمؤسسة الإعلامية، والحرص على إيجاد فرص للتواصل الإنساني المباشر للحدِّ من تشكك المصادر في وجود الصحافي». بيد أنَّه في الوقت ذاته لفت إلى ما يكتنف ذلك من تحديات ترتبط ببطء عملية التواصل في عصر رقمي لا يمنح رفاهية الوقت.

هنا يرد الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، بالقول: «إن الذكاء الاصطناعي لا يعرقل عمل الصحافي بشكل مباشر، لكنه يفرض تحديات جديدة تُغيِّر طريقة الوصول إلى المعلومات».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «المعلومات أصبحت متاحة جداً وبوفرة؛ لكن يتعذَّر التحقق منها بسهولة، ما أدّى إلى تضخم هائل في المحتوى؛ ما يجعل التحقُّق من دقته أكثر صعوبة، خصوصاً مع انتشار تقنيات التزييف العميق، التي تتيح إنتاج مواد مزيفة يصعب تمييزها».

من ناحية ثانية، يشير فتحي إلى أن «الذكاء الاصطناعي يوفِّر في المقابل أدوات قوية تساعد الصحافي على البحث السريع، وتحليل البيانات، والوصول إلى معلومات من مصادر متعددة خلال وقت قياسي.

وبالتالي، فإنَّ التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى المعلومات؛ بل في التحقُّق منها وفهم سياقها الحقيقي... وبالتالي، بات من الضروري تعزيز المهارات المهنية، وعلى رأسها التحقُّق من الأخبار باستخدام أدوات متعددة، وبناء شبكة مصادر موثوقة جداً، وتقديم محتوى إخباري تحليلي وإنساني لا تستطيع الآلة إنتاجه بالعمق البشري نفسه».

ويضيف فتحي: «إن تطوير المهارات الرقمية، والتعامل الذكي مع أدوات الذكاء الاصطناعي، يمنحان الصحافي ميزةً تنافسيةً عن أقرانه؛ لكنهما لا يلغيان وظيفته أو عمله، بل سيظلُّ الصحافي القادر على الجمع بين الدقة والمصداقية والرؤية الإنسانية، هو الأكثر قدرةً على البقاء في المنافسة».


«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
TT

«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)

في الصين، لا تبدو المعركة في سوق البث التدفّقي مجرد سباق على الاشتراكات أو ساعات المشاهدة، بل هي صراع على شكل الصناعة الثقافية نفسها.

وفي قلب هذا الصراع تقف منصة «آي كيوي آي» (iQIYI)، التي توصف غالباً بـ«نتفليكس الصين»، كونها واحدةً من أكبر منصات الترفيه الرقمي في البلاد، بقاعدة مستخدمين نشطة تجاوزت خمسمائة مليون شخص شهرياً، ونحو مائة مليون مشترك مدفوع. غير أن المنصة باتت الآن في مواجهة مفتوحة مع مشاهديها، إثر إعلانها عن مشروع لبناء قاعدة بيانات فنية مدارة بالذكاء الاصطناعي، ما فجّر جدلاً واسعاً لم تهدأ أصداؤه بعد.

سوق ضخمة ومنصة تبحث عن البقاء

لفهم ما يجري، لا بد من وضع الأرقام في سياقها؛ إذ إن «آي كيوي آي»، التي يرعاها عملاق التكنولوجيا «بايدو»، سجّلت خلال عام 2025 إيرادات سنوية بلغت نحو 27.29 مليار يوان (ما يعادل نحو أربعة مليارات دولار)، وسط تراجع نسبته سبعة في المائة مقارنةً بالعام السابق، وخسائر صافية ناهزت 206 ملايين يوان، وهذا بعدما كانت قد حقّقت ربحاً صافياً بلغ 764 مليون يوان في عام 2024.

للعلم، تعتمد المنصة نموذجاً مختلطاً يجمع بين الاشتراكات المدفوعة والإعلانات وتوزيع المحتوى، ما يجعلها هشّةً في مواجهة أي تراجع في الإنفاق الإعلاني. وفي هذا السياق، يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أكثر من مجرّد أداة تقنية، أي يغدو محاولة لتقليص الكلفة وتسريع الإنتاج. ولقد أقرّ الرئيس التنفيذي غونغ يو، صراحةً، بقلقه من استدامة النموذج التقليدي العالي الكلفة، مشيداً بإمكانات الذكاء الاصطناعي في فتح آفاق إبداعية جديدة.

قاعدة المواهب الفنية

يوم 20 أبريل (نيسان) 2026، وبمناسبة مؤتمر «آي كيوي آي» المنعقد في العاصمة الصينية بكين، كشف الرئيس التنفيذي غونغ يو النقاب عن مشروع سماه «قاعدة المواهب الفنية بالذكاء الاصطناعي». وذكر أن 117 فناناً صينياً وقّعوا اتفاقيات تُجيز للمنصة استخدام ملامحهم وأصواتهم وبياناتهم الحيوية لبناء شخصيات رقمية، يمكن توظيفها في أعمال درامية وسينمائية مولّدة بالذكاء الاصطناعي، دون أن يطأ الممثل الأصلي أرض التصوير. وكذلك أعلن عن أول فيلم روائي طويل مُولَّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي تعتزم المنصة إطلاقه قريباً. وفي تصريح، سرعان ما أثار موجة غضب عارمة، ذهب غونغ يو إلى أن التصوير قد يصبح عن قريب تراثاً ثقافياً ينتمي إلى الماضي.

"آي كيوي آي"... ترفع مستوى المنافسة (آي كيو آي)

اشتعال الجدل

لحظات بعد هذا الإعلان، اشتعلت منصة «ويبو» الصينية بهاشتاغ «آي كيوي آي جنّت» حتى أصبحت القضية في قائمة المواضيع الأكثر تداولاً. وتساءل مستخدمون باستنكار: «لماذا سأدفع اشتراكاً لمشاهدة أشخاص مزيّفين؟»... وكتب آخرون: «إذا تحوّل الممثلون كلهم إلى ذكاء اصطناعي، فما هي القيمة التي ستحملها هذه الأعمال؟».

ومن جهة ثانية، سارعت شخصيات وردت أسماؤها في المشروع، كالممثل الكبير تشانغ روييون، إلى نفي أي صلة لهم بالمشروع. وفي الساعات التالية للعاصفة، سارعت «آي كيوي آي» إلى إصدار توضيحات متتالية. وفي تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال نائب الرئيس التنفيذي الأول ليو وِنفِنغ إن المنصة لا تُرخّص صور الممثلين ومظاهرهم، بل تعمل على تمكين صنّاع الأفلام والممثلين من إنشاء تواصل أسرع عبر منصة «ناداو برو». وأردف أن كل لقطة تحتاج إلى تأكيد من الفنانين أنفسهم، وأن «ثمة سوء فهم تاماً» وراء ما حصل. وفي بيانين متتاليين، أكدت المنصة أن الانضمام إلى القاعدة لا يعني سوى إعلان الفنان استعداده للنقاش في مشاريع محتملة، وليس ترخيصاً مُسبقاً لأي عمل بعينه.

إشكاليات قانونية وتقنية جديدة

وبالتوازي، حذّر لي تشِنوو، المحامي في مكتب «شانغهاي ستار لو فيرم»، من أنه بمجرد استخدام بيانات لصورة فنان في تدريب نماذج المنصة، تنشأ مخاطر تقنية جسيمة، من بينها تسريب البيانات والتدريب الثانوي غير المصرّح به، وهي مخاطر يصعب التخلص منها. وتكمن هشاشة الوضع القانوني في أن التشريعات الصينية لم تُحسم بعد فيما يخص ملكية الصورة الرقمية واستنساخها عبر الذكاء الاصطناعي، ما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية قد تمتد لسنوات.

بكين تشدّد قبضتها على الذكاء الاصطناعي

في الحقيقة، لا يمكن قراءة هذا الجدل معزولاً عن السياق التنظيمي المتسارع في الصين. فيوم 3 أبريل 2026، نشرت «الإدارة الصينية للفضاء الإلكتروني» مسوّدة قواعد تشمل اشتراطات صارمة للموافقة المسبقة عند استخدام السمات الحيوية، وحظر التحايل على أنظمة المصادقة البيومترية. وأطلقت السلطات حملتها السنوية لمكافحة إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، التي استهدفت الانتحال الرقمي للأشخاص واستحضار المتوفين رقمياً من دون موافقة ذويهم. ومن ثم، قد دخل معيار وضع علامات إلزامية على المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي حيّز التنفيذ يوم 1 سبتمبر (أيلول) 2025.

لماذا يهزّ الجدل الصناعة الترفيهية كلها؟

جدير بالذكر أن «آي كيوي آي» ليست منصةً بعيدة عن السياق؛ فهي جزء من البنية الكبرى التي تشكّل الذائقة الرقمية في الصين، جنباً إلى جنب مع «تنسنت فيديو» و«يوكو» و«بيليبيلي» و«مانغو تي في».

وفي مثل هذه السوق، لا يقتصر أثر قرار واحد على مسار منصة بعينها، بل يمتد إلى المعايير نفسها: هل النجاح يكمن في تقليص الكلفة، أم في الحفاظ على العلاقة الإنسانية بين العمل الفني وجمهوره؟ والمفارقة تبرز هنا بجلاء؛ إذ كلّما ازدادت المنصة اعتماداً على الذكاء الاصطناعي، ازدادت قدرتها على السيطرة على الإنتاج والتخصيص، لكنها في المقابل تخاطر بتقليص المساحة التي يمرّ فيها الفن عبر التجربة البشرية الفعلية.

آفاق المستقبل

ما جرى في بكين ليس شأناً صينياً بحتاً، إذ إن البنية التحتية التي تسعى «آي كيوي آي» إلى بنائها انعكاس لمنطق يجتاح صناعة الترفيه العالمية.

ففي الولايات المتحدة، مثلاً، تتسارع استثمارات كبريات المنصات في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. إذ تعتزم «نتفليكس» إنفاق نحو 20 مليار دولار على المحتوى في 2026 مستعينة بالذكاء الاصطناعي في الإنتاج والإعلانات، في حين تعمل «أمازون» على توظيفه في الرسوم المتحركة والدبلجة.

ومع ذلك، تسير المنصات الغربية بخطى أكثر حذراً، إذ يمثّل استنساخ الممثلين بالكامل «خطاً أحمر» في ظل عقود نقابة «ساغ-آفترا» المهنية.

وفي المقابل، يبدو النموذج الصيني أكثر جرأةً وأقل تقييداً، ما يجعل «آي كيوي آي» في موقع الرائد الاضطراري لمسار قد تسلكه منصّات عالمية أخرى في غضون سنوات قليلة.