«مهرجان ربيع بيروت» يستعيد ذاكرة لبنان بالفنّ

الدورة الـ18 تنبش ما بقي خارج الرواية وتُعيد جمع شظايا المدينة

سنونو يعود كلّ ربيع... والذاكرة أيضاً تحتاج إلى مَن يدلّها على طريق العودة (مهرجان ربيع بيروت)
سنونو يعود كلّ ربيع... والذاكرة أيضاً تحتاج إلى مَن يدلّها على طريق العودة (مهرجان ربيع بيروت)
TT

«مهرجان ربيع بيروت» يستعيد ذاكرة لبنان بالفنّ

سنونو يعود كلّ ربيع... والذاكرة أيضاً تحتاج إلى مَن يدلّها على طريق العودة (مهرجان ربيع بيروت)
سنونو يعود كلّ ربيع... والذاكرة أيضاً تحتاج إلى مَن يدلّها على طريق العودة (مهرجان ربيع بيروت)

بين ذاكرة حرب لم تجد طريقها كاملاً إلى الرواية اللبنانية، وصُوَر أرشيفية تستعيد بيروت في لحظة تشكُّل حداثتها، وبيانو جَريح نجا من انفجار المرفأ، يبني «مهرجان ربيع بيروت» دورته الـ18 حول فعل التذكُّر. الذاكرة مادة فنّية يُعاد تفكيكها وتركيبها ليخرج ما غاب -أو صَمَت أو كاد يُنسَى- إلى الضوء.

انطلقت الدورة في 24 أغسطس (آب) الحالي، وتستمرّ حتى 26 سبتمبر (أيلول) المقبل، بعدما أُعيدت برمجتها بسبب حرب 2026. وعلى امتداد 11 أمسية، تتوزَّع 3 مشاريع متعدّدة الوسائط على 4 فضاءات في بيروت، وطرابلس، هي «متروبوليس سينما»، و«بيت الفنّ»، و«استوديو ألفريد طرزي»، و«الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة» (ألبا). وتتنقّل الأعمال بين الفيلم، والتصوير الفوتوغرافي، والتجهيز، والموسيقى، والشِّعر، والكلمة المحكيّة، والرقص.

حكايات بقيت طويلاً خارج الضوء (مهرجان ربيع بيروت)

تأسَّس «مهرجان ربيع بيروت» عام 2009 بمبادرة من «مؤسّسة سمير قصير»، مُستلهماً إرث الصحافي والمؤرّخ والمثقّف اللبناني سمير قصير، والتزامه الحرّية، والتجدُّد، والتعبير الثقافي. ومنذ تأسيسه، جعل مجانية عروضه جزءاً من هويته، انطلاقاً من فكرة إتاحة التجارب الفنّية الأصلية وغير التجارية لجمهور واسع، وخَلْق مساحة للحوار، والانفتاح، والتسامح، والتنوّع الثقافي.

تجد هذه الروحية امتداداً أعمق في دورة 2026. فالمهرجان يضع الذاكرة والتاريخ والتراث في برنامجه، ويجمع 3 أعمال تقترب من الماضي اللبناني من جهات مختلفة، لكنها تلتقي عند محاولة بناء سردية مشتركة من الشهادات، والصور، والأرشيف، والأبنية، والأشياء. وتندرج مشاريع هذه الدورة ضمن الأعمال الفائزة بمنحة «التكنولوجيا من أجل الذاكرة» التي أطلقتها «مؤسّسة سمير قصير» عام 2025، وذلك في إطار مبادرة مموَّلة من الاتحاد الأوروبي تهدف إلى تمكين الفنانين والمؤسّسات الثقافية اللبنانية من توظيف الأدوات الرقمية والمنصّات المعاصرة في مقاربة تاريخ لبنان المجزّأ، وحفظ تراثه الثقافي. أما الدورة الحالية فهي مموَّلة بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي من خلال مبادرة «الذاكرة على الخشبة»، فيما يبقى الدخول إلى عروضها مجانياً.

الفنّ يعيد وصل ما قطعه التاريخ (مهرجان ربيع بيروت)

ذاكرة الشمال... حرب خارج الرواية

افتُتحت الدورة بمشروع عمر خالد «أصداء الشمال... الذاكرة غير المروية»، الذي عُرض في بيروت يوم 24 أغسطس، مع عرض ثانٍ مساء السبت 29 منه في «بيت الفنّ-مركز العزم الثقافي» بطرابلس. ينطلق العمل من فجوة في الذاكرة الوطنية تتعلَّق بتجارب طرابلس وعكار خلال الحرب اللبنانية، وسنوات الوجود السوري بين 1975 و1986. وعوض التعامل مع الحرب من خطوط القتال وحدها، يتم الاستماع إلى 16 شاهداً عاشوا الخوف، والحواجز، والاختفاء، والنزوح، والضائقة الاقتصادية، والتحوّلات التي أصابت الحياة. والاستعانة بشهادات مباشرة، وصُوَر، وصحف، وخرائط أرشيفية، ومعالجات سينمائية، مع اهتمام خاص بتجارب النساء، وبما انتقل من الذاكرة بين الأجيال، أو فُقد في الطريق.

ما انكسر لا يفقد صوته دائماً (مهرجان ربيع بيروت)

بيروت والأرشيف... ذاكرة مدينة متحوّلة

ومن 15 إلى 20 سبتمبر، يقدّم ألفريد طرزي في الاستوديو الخاص به «بيان عاشق، الجزء الثاني... التجربة اللبنانية»، وهو الفصل الثاني من تاريخ متحرّك لبيروت في 5 أجزاء يمتدّ من نشوء المدينة الحديثة عام 1860 إلى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.

يركّز هذا الجزء على الأعوام 1920-1958، حين كانت بيروت مختبراً حيوياً للحداثة العربية. ومن آلاف الصُوَر والوثائق المجموعة من الصحف والمجلّات اللبنانية والمجموعات الخاصة والأرشيفات الثقافية، يتشكّل تاريخ بصري كثيف للمدينة عبر التحريك، والكولاج، والمونتاج، فيما يتتبّع طرزي صعود أشكال جديدة من الحرّية والتعبير السياسي والرغبة، والمسارات التي انتهت لاحقاً إلى تخوم العنف والحرب.

للأرشيف ذاكرة تتجاوز الصورة (مهرجان ربيع بيروت)

بيانو المدينة... بيروت تعزف نهوضها

وتُختتَم الدورة من 24 إلى 26 سبتمبر في «ألبا» مع عمل سولا سعد «أصداء تراث مدينة منسيّ... على مقام دو الصغير»، بموسيقى لأنور بزري. ينطلق العمل من بيروت ما بعد انفجار 4 أغسطس 2020، ومن الدمار الذي أصاب أحياءها التاريخية، ومئات مبانيها التراثية، مقابل تحرُّك معماريين ومهندسين وحرفيين ومنظّمات ومتطوّعين لترميم البيوت، وحماية النسيج الاجتماعي للمدينة.

آلة جريحة تحمل ذاكرة مدينة (مهرجان ربيع بيروت)

في الفيلم بيانو متضرِّر عُثر عليه داخل مبنى مدمَّر من 3 طبقات. ومع محاولات عازفين استعادة صوته بالتوازي مع ترميم «مجموعة غلام»، و«البيت الأزرق»، وأبنية أخرى، يغدو البيانو شاهداً على رحلة المدينة من الدمار إلى استعادة صوتها، والتعافي، والنهوض. ويلتحم الفيلم على الخشبة بالموسيقى، والغناء، والشِّعر، والكلمة المحكيّة، والرقص، كأن إعادة جمع الفنون المختلفة تصبح امتداداً لإعادة جمع شظايا بيروت.

الدورة الـ18 ورشة ذاكرة. 3 تجارب تنطلق من شمال ظلَّ ناقص الحضور في السردية الوطنية، ومن بيروت المؤرشَفة، ومن مدينة جريحة أعاد أهلها ترميم بعض حجارتها. وما يجمعها هو الإصرار على أنّ حفظ الذاكرة محاولة لمنع ما عاشه الناس وما صنع هوية المكان من أن يختفي مرّتين. مرّة حين صار ماضياً، ومرّة حين يُنسى.


مقالات ذات صلة

«البارح العين ما نامت»: حكاية زواج قسري من البقاع إلى المهرجانات العالمية

يوميات الشرق الصلح يُعقد... والجرح يبقى (الجهة الإعلامية)

«البارح العين ما نامت»: حكاية زواج قسري من البقاع إلى المهرجانات العالمية

تدور الأحداث على الحدود بين لبنان وسوريا، حيث يشعل إحراق شاحنة خلافاً داخل مجتمع بدوي متماسك.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «سما» لرباب خميس (إدارة مهرجان الدوحة السينمائي)

مهرجان «الدوحة» يحتفي بالسينما المستقلة وقصص المهمَّشين

أعلن مهرجان «الدوحة السينمائي» قائمة أفلام «المسابقة الدولية»، التي ستشهد تنافس 15 فيلماً، حظي 11 منها بدعم «برنامج المنح» التابع لـ«مؤسسة الدوحة للأفلام».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق «مهرجان السينما الأوروبية» من 8 إلى 17 أكتوبر (متروبوليس)

«مهرجان السينما الأوروبية» يحتفي بالكوميديا والرومانسية والكلاسيكيات

يستمرّ المهرجان حتى 17 أكتوبر في سينما «متروبوليس» بشارع مار مخايل في بيروت، وتُنظّمه بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

اختارت لجنة المهرجان 22 فيلماً للمسابقة الرسمية من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مدحت صالح من نجوم الدورة الجديدة لمهرجان الموسيقى العربية (دار الأوبرا المصرية)

مصر: انفراجة في مهرجان الموسيقى العربية مع عودة بعض النجوم

شهدت أزمة اعتذارات الدورة الـ34 من مهرجان الموسيقى العربية، والتي ستبدأ فعالياتها يوم 20 أكتوبر الحالي، انفراجة ملحوظة.

داليا ماهر (القاهرة)

بعد 235 يوماً في المدار... رائدة فرنسية: «أعيدوني إلى الفضاء»

لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)
لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)
TT

بعد 235 يوماً في المدار... رائدة فرنسية: «أعيدوني إلى الفضاء»

لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)
لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)

قالت رائدة الفضاء الفرنسية صوفي أدونو، السبت، من ألمانيا، عقب عودتها إلى الأرض، إنها اختبرت «جميع المشاعر الإنسانية، من الأكثر فرحاً إلى الأشدّ صعوبة»، خلال الأشهر الثمانية التي أمضتها في مدار الأرض.

وكانت مركبة «دراغون»، التي تقلّ أدونو وطاقم مهمة «كرو - 13»، قد هبطت الخميس في المحيط الهادي قبالة سواحل كاليفورنيا، عائدةً من محطة الفضاء الدولية.

وبذلك تكون أدونو قد أمضت 235 يوماً على متن المحطة، محطّمةً الرقم القياسي لأطول إقامة متواصلة في المدار لرائد أو رائدة فضاء من أوروبا.

رحلة انتهت على الأرض ولم تنتهِ في داخلها (أ.ف.ب)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن أدونو قولها السبت، من مركز التدريب التابع لوكالة الفضاء الأوروبية في مدينة كولونيا الألمانية، والدموع تغالبها بين الحين والآخر، أن الأرض تبدو من ارتفاع 400 كيلومتر «بلا انقسامات ولا حدود»، بل مجرّد «كوكب ثمين يتشاركه الجميع».

وبدا الإرهاق واضحاً على رائدة الفضاء البالغة 44 عاماً لدى وصولها إلى ألمانيا، برفقة طبيبين من وكالة الفضاء الأوروبية.

وفي الفضاء، يتكيَّف الجسم مع انعدام الجاذبية، ممّا يؤدي إلى هشاشة العظام، وفقدان الكتلة العضلية، وتدهور صحة القلب، ومشكلات في الرؤية. وستخضع أدونو خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة لبرنامج خاص لاستعادة عافيتها.

وقالت في مؤتمر صحافي: «انتابني مزيج من المشاعر المدهشة. إنه لأمر مذهل. من الرائع العودة إلى الأرض، لكن هذه العودة ترافقها مجموعة من التحديات، لا سيما الجسدية منها».

دموع عند الهبوط وحنين إلى ما فوق الغيوم (إ.ب.أ)

وأشارت إلى أن عملية الهبوط، الخميس، كانت «صعبة»، إذ اضطرت الكبسولة التي تقلّ رواد الفضاء الأربعة إلى «مواجهة الأمواج العاتية مدّة 25 دقيقة».

وأضافت: «عندما أخرجني أفراد فرق الإنقاذ من الكبسولة كانت أول عبارة قلتها لهم: (أعيدوني إلى الفضاء أرجوكم. الأمور أسهل بكثير هناك)».

وخلال المهمّة أصبحت أدونو أول رائدة فضاء فرنسية تنفّذ طلعة خارج المحطة لإجراء إصلاحات فيها. ونفّذت ثلاث طلعات في المجموع، في 18 و25 أغسطس (آب)، والأول من سبتمبر (أيلول).


هل تخشى وخز الإبر؟ موسيقاك المفضّلة قد تخفّف الألم

تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)
تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)
TT

هل تخشى وخز الإبر؟ موسيقاك المفضّلة قد تخفّف الألم

تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)
تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)

أظهرت اختبارات أنّ الاستماع إلى الموسيقى المفضّلة قد يساعد على تخفيف الألم خلال إجراءات طبية، مثل التطعيم.

وذكر فريق بحثي، في دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن دورية «فرونتيرز إن بين ريسيرش» العلمية، أنّ موسيقى موتسارت لم تُحقّق التأثير نفسه الذي أحدثته الألحان المفضّلة لدى المشاركين في تخفيف الألم، وفق نتائج دراسة محدودة شملت نحو 200 شخص. وأكّد الباحثون أن النتائج لا تزال أولية وتحتاج إلى دراسات إضافية للتحقّق منها.

وأوضح الباحث الرئيسي في الدراسة من المستشفى الجامعي في زيوريخ، أندريه كريستينيل دراجنيا، أنّ مستوى الألم الناتج عن إدخال الإبرة يختلف بدرجة كبيرة بين الأشخاص. وكانت دراسات سابقة قد أظهرت مراراً تأثير الاستماع إلى الموسيقى في الإحساس بالألم عموماً، في حين يشير التحليل الجديد إلى أنّ التفضيلات الموسيقية الشخصية تؤدّي دوراً في ذلك أيضاً.

من جهتها، قالت الباحثة الرئيسية المشاركة في الدراسة من المستشفى نفسه، ميريتيل غارسيا ألزامورا: «أنصح المرضى بالاستماع إلى الموسيقى، خصوصاً أولئك الذين يحبّونها عموماً».

وأوضحت أن المستشفى سيولي هذا الجانب اهتماماً أكبر، مضيفةً: «في ضوء نتائجنا، سنوسّع استخدام الموسيقى خلال سحب الدم من الأوردة في إطار فحوص الأشعة، لا سيما لدى المرضى الذين يعانون القلق أو رهاب الأماكن المغلقة».

وشملت الدراسة، التي أجراها فريق المستشفى، 204 مرضى تراوحت أعمارهم بين 17 و83 عاماً، كانوا يستعدّون للخضوع لفحص بالرنين المغناطيسي يتطلّب إعطاء مادة تباين. وقُسّم المشاركون إلى 4 مجموعات، خضعت كلّ منها لأحد الخيارات التالية في أثناء إدخال القنية الوريدية: عدم الاستماع إلى الموسيقى، أو الاستماع إلى الموسيقى المفضّلة، أو مقطوعة محدّدة للاسترخاء، أو سوناتا لموتسارت.

وتنوَّعت اختيارات المشاركين الموسيقية بين الموسيقى الكلاسيكية وأغنيات البوب الحديثة، وصولاً إلى مؤلّفات بيتهوفن وموسيقى الروك الصاخبة.

وبدأ تشغيل الموسيقى قبل سحب الدم من الوريد. وقيّم المشاركون مستوى الألم على مقياس من درجة واحدة، تعني «لا ألم»، إلى 10 درجات، تعني «أشدّ ألم يمكن تخيّله». وسُجّلت التقييمات قبل إدخال الإبرة مباشرةً، وبعد الإجراء مباشرةً، ثم بعد 30 ثانية ودقيقتين. وأفاد 71 مشاركاً بأنهم شعروا بالألم حتى قبل وخز الإبرة.

وأظهرت النتائج انخفاضاً ملحوظاً في متوسط مستوى الألم لدى المجموعة التي استمعت إلى موسيقاها المفضّلة، سواء بين المرضى الذين شعروا بالألم قبل الوخز أو الذين لم يشعروا به. أما موسيقى موتسارت، فسُجّل معها انخفاض ذو دلالة إحصائية في الألم لدى الأشخاص الذين كانوا يشعرون به بالفعل قبل الإجراء فقط.

في المقابل، لم يرصد الباحثون انخفاضاً ملموساً في الإحساس بالألم لدى المجموعة التي استمعت إلى موسيقى الاسترخاء. وأوضحوا أنّ المقطوعة كانت بطيئة وهادئة، مع تغيّرات محدودة في الإيقاع وشدّة الصوت، مرجّحين أن المرضى لم ينتبهوا إليها بوعي أو تجاهلوها ببساطة. لكنهم شدّدوا على أن هذه النتيجة لا تعني أن موسيقى الاسترخاء عديمة الفائدة في جميع الحالات.

ومع ذلك، تبقى دلالات الدراسة محدودة جداً؛ إذ كانت المجموعات صغيرة، ولم يُوزّع المشاركون عليها عشوائياً، بل وفق التسلسل الزمني لمواعيد فحوص الرنين المغناطيسي. كما أنّ سحب الدم من الوريد تسبّب في ألم قصير الأمد وخفيف في الغالب، ممّا يحول دون تعميم النتائج على الإجراءات الطبية الأطول أو الأكثر إيلاماً.


«رقص شرقي بضوابط شرعية» يُشعل الجدل في مصر

جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)
جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)
TT

«رقص شرقي بضوابط شرعية» يُشعل الجدل في مصر

جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)
جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)

أثار إعلان نشرته مدرّبة رياضية عن دورات لتعليم الرقص بضوابط «شرعية» جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، بين مؤيّدين للفكرة لِما توفّره من خصوصية، ومعترضين يرون في إقحام الضوابط الشرعية في مثل هذه الأنشطة استخداماً للدين في غير موضعه.

ودعت هيلجا طمان، التي تعرّف نفسها عبر «فيسبوك» بأنها مدرّبة رياضية ومدرّبة رقص، إلى دورات لتعليم الرقص ضمن ضوابط وصفتها بأنها «شرعية». ولاقت الدعوة انتشاراً لافتاً لما انطوت عليه من طرافة ومفارقة، بينما نقلت وسائل إعلام محلية تصريحات للمدرّبة وأجرت معها لقاءات شرحت خلالها فكرتها ورؤيتها لتعليم الرقص في بيئة تراعي خصوصية المحجّبات والملتزمات دينياً، مع إجراء مقابلات للمتدرّبات للتحقّق من التزامهن.

وأكّدت منشورات الصفحة التي تروّج لهذه الدورات منع الموسيقى الصاخبة والملابس المكشوفة، وتوفير بيئة آمنة لتعلّم الرقص وممارسته في المنزل بخصوصية.

وتعزو الطبيبة النفسية والواعظة بوزارة الأوقاف، الدكتورة يمنى أبو النصر، الجدل الذي أثارته الدعوة إلى رغبة المحجّبات في المجتمعات المغلقة في المشاركة باحتفالات، مثل «ليلة الحنّة» وغيرها من المناسبات المقتصرة على النساء. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المبدأ نفسه غير مرفوض بوصفه عرفاً اجتماعياً، لكن الغريب والجديد هو أن يُعلَن هذا على الملأ، وأن يُزَجّ باسم الدين والشرع في مثل هذه الدعوات لكسب جمهور أو جذب مشاركات من أوساط تتّسم بقلّة العلم والتعليم».

وتشير يمنى أبو النصر إلى وجود أنشطة كثيرة مخصّصة للمحجّبات والمتديّنات، مثل ارتداء ملابس السباحة المحتشمة، لكنها ترفض توظيف الدين والشرع للترويج لهذه الأنشطة، عادَّةً ذلك نوعاً من الافتئات على الشرع.

وتقول: «لا يجوز استخدام الشرع والدين في الترويج لأمور بغرض حصد مكاسب، ومن يستخدم الدين سلعةً فهو خاسر، تماماً مثل مَن يروّجون لفكرة (المقهى الإسلامي)، أو القنوات التي تظهر فيها سيدات بكامل زينتهن (بمكياج كامل) ويتحدّثن في الدين، وهي مظاهر لا تستقطب إلا الجهلة».

ولا تعيب يمنى أبو النصر على صاحبة الدعوة اختيار هذا النشاط، موضحةً: «هي حرّة في اختيار المجال الذي تراه مناسباً للعمل وكسب الرزق، لكن القول إن هذا المجال بضوابط شرعية هو المرفوض، لما فيه من استخدام وتجرّؤ على الشرع والدين، وهو أمر لا يليق، فالدين ليس تجارة».

جانب من منشورات التدريب على الرقص (فيسبوك)

وعن الانتشار السريع لمثل هذه الدعوات والإعلانات المثيرة للجدل، يقول خبير وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي محمد فتحي إن «الجدل حول دورة للرقص الشرقي بضوابط شرعية نموذج واضح لكيفية صناعة التفاعل على المنصات، عبر الجمع بين فكرتين متناقضتين في نظر الجمهور. فالمحتوى لا يثير الاهتمام بموضوعه فحسب، بل بالمفارقة التي يحملها العنوان، وتدفع المستخدمين إلى التعليق والمشاركة والانقسام بين مؤيّد ومعارض».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في اقتصاد الانتباه الرقمي، قد تكون الفكرة المثيرة للجدل أقدر على الانتشار من المحتوى التقليدي؛ لأن الخلاف يضاعف التفاعل، وقد يدفع التفاعل بدوره الخوارزميات إلى توسيع نطاق الوصول. لكن من المهم التمييز بين الانتشار والنجاح؛ فارتفاع المشاهدات والتعليقات لا يعني بالضرورة اقتناع الجمهور بالفكرة أو قبولها مجتمعياً».

من جانبه، يرى الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «وسائل التواصل الاجتماعي باتت تطرح في الآونة الأخيرة أفكاراً غير مألوفة وغير مقبولة، لم نكن نتخيّل أن تُطرح يوماً».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «يحاول البعض اختبار إمكان فرض أفكاره، ويبقى الحكم عليها مرهوناً بنتائج التجربة. أما الجانب الآخر، فيتعلّق بتدخّل الجهات الدينية المخوّلة شرعاً تقييم مثل هذه الأفكار، وتحديد مدى قبولها وملاءمتها للمجتمع».