بين ذاكرة حرب لم تجد طريقها كاملاً إلى الرواية اللبنانية، وصُوَر أرشيفية تستعيد بيروت في لحظة تشكُّل حداثتها، وبيانو جَريح نجا من انفجار المرفأ، يبني «مهرجان ربيع بيروت» دورته الـ18 حول فعل التذكُّر. الذاكرة مادة فنّية يُعاد تفكيكها وتركيبها ليخرج ما غاب -أو صَمَت أو كاد يُنسَى- إلى الضوء.
انطلقت الدورة في 24 أغسطس (آب) الحالي، وتستمرّ حتى 26 سبتمبر (أيلول) المقبل، بعدما أُعيدت برمجتها بسبب حرب 2026. وعلى امتداد 11 أمسية، تتوزَّع 3 مشاريع متعدّدة الوسائط على 4 فضاءات في بيروت، وطرابلس، هي «متروبوليس سينما»، و«بيت الفنّ»، و«استوديو ألفريد طرزي»، و«الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة» (ألبا). وتتنقّل الأعمال بين الفيلم، والتصوير الفوتوغرافي، والتجهيز، والموسيقى، والشِّعر، والكلمة المحكيّة، والرقص.

تأسَّس «مهرجان ربيع بيروت» عام 2009 بمبادرة من «مؤسّسة سمير قصير»، مُستلهماً إرث الصحافي والمؤرّخ والمثقّف اللبناني سمير قصير، والتزامه الحرّية، والتجدُّد، والتعبير الثقافي. ومنذ تأسيسه، جعل مجانية عروضه جزءاً من هويته، انطلاقاً من فكرة إتاحة التجارب الفنّية الأصلية وغير التجارية لجمهور واسع، وخَلْق مساحة للحوار، والانفتاح، والتسامح، والتنوّع الثقافي.
تجد هذه الروحية امتداداً أعمق في دورة 2026. فالمهرجان يضع الذاكرة والتاريخ والتراث في برنامجه، ويجمع 3 أعمال تقترب من الماضي اللبناني من جهات مختلفة، لكنها تلتقي عند محاولة بناء سردية مشتركة من الشهادات، والصور، والأرشيف، والأبنية، والأشياء. وتندرج مشاريع هذه الدورة ضمن الأعمال الفائزة بمنحة «التكنولوجيا من أجل الذاكرة» التي أطلقتها «مؤسّسة سمير قصير» عام 2025، وذلك في إطار مبادرة مموَّلة من الاتحاد الأوروبي تهدف إلى تمكين الفنانين والمؤسّسات الثقافية اللبنانية من توظيف الأدوات الرقمية والمنصّات المعاصرة في مقاربة تاريخ لبنان المجزّأ، وحفظ تراثه الثقافي. أما الدورة الحالية فهي مموَّلة بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي من خلال مبادرة «الذاكرة على الخشبة»، فيما يبقى الدخول إلى عروضها مجانياً.

ذاكرة الشمال... حرب خارج الرواية
افتُتحت الدورة بمشروع عمر خالد «أصداء الشمال... الذاكرة غير المروية»، الذي عُرض في بيروت يوم 24 أغسطس، مع عرض ثانٍ مساء السبت 29 منه في «بيت الفنّ-مركز العزم الثقافي» بطرابلس. ينطلق العمل من فجوة في الذاكرة الوطنية تتعلَّق بتجارب طرابلس وعكار خلال الحرب اللبنانية، وسنوات الوجود السوري بين 1975 و1986. وعوض التعامل مع الحرب من خطوط القتال وحدها، يتم الاستماع إلى 16 شاهداً عاشوا الخوف، والحواجز، والاختفاء، والنزوح، والضائقة الاقتصادية، والتحوّلات التي أصابت الحياة. والاستعانة بشهادات مباشرة، وصُوَر، وصحف، وخرائط أرشيفية، ومعالجات سينمائية، مع اهتمام خاص بتجارب النساء، وبما انتقل من الذاكرة بين الأجيال، أو فُقد في الطريق.

بيروت والأرشيف... ذاكرة مدينة متحوّلة
ومن 15 إلى 20 سبتمبر، يقدّم ألفريد طرزي في الاستوديو الخاص به «بيان عاشق، الجزء الثاني... التجربة اللبنانية»، وهو الفصل الثاني من تاريخ متحرّك لبيروت في 5 أجزاء يمتدّ من نشوء المدينة الحديثة عام 1860 إلى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.
يركّز هذا الجزء على الأعوام 1920-1958، حين كانت بيروت مختبراً حيوياً للحداثة العربية. ومن آلاف الصُوَر والوثائق المجموعة من الصحف والمجلّات اللبنانية والمجموعات الخاصة والأرشيفات الثقافية، يتشكّل تاريخ بصري كثيف للمدينة عبر التحريك، والكولاج، والمونتاج، فيما يتتبّع طرزي صعود أشكال جديدة من الحرّية والتعبير السياسي والرغبة، والمسارات التي انتهت لاحقاً إلى تخوم العنف والحرب.

بيانو المدينة... بيروت تعزف نهوضها
وتُختتَم الدورة من 24 إلى 26 سبتمبر في «ألبا» مع عمل سولا سعد «أصداء تراث مدينة منسيّ... على مقام دو الصغير»، بموسيقى لأنور بزري. ينطلق العمل من بيروت ما بعد انفجار 4 أغسطس 2020، ومن الدمار الذي أصاب أحياءها التاريخية، ومئات مبانيها التراثية، مقابل تحرُّك معماريين ومهندسين وحرفيين ومنظّمات ومتطوّعين لترميم البيوت، وحماية النسيج الاجتماعي للمدينة.

في الفيلم بيانو متضرِّر عُثر عليه داخل مبنى مدمَّر من 3 طبقات. ومع محاولات عازفين استعادة صوته بالتوازي مع ترميم «مجموعة غلام»، و«البيت الأزرق»، وأبنية أخرى، يغدو البيانو شاهداً على رحلة المدينة من الدمار إلى استعادة صوتها، والتعافي، والنهوض. ويلتحم الفيلم على الخشبة بالموسيقى، والغناء، والشِّعر، والكلمة المحكيّة، والرقص، كأن إعادة جمع الفنون المختلفة تصبح امتداداً لإعادة جمع شظايا بيروت.
الدورة الـ18 ورشة ذاكرة. 3 تجارب تنطلق من شمال ظلَّ ناقص الحضور في السردية الوطنية، ومن بيروت المؤرشَفة، ومن مدينة جريحة أعاد أهلها ترميم بعض حجارتها. وما يجمعها هو الإصرار على أنّ حفظ الذاكرة محاولة لمنع ما عاشه الناس وما صنع هوية المكان من أن يختفي مرّتين. مرّة حين صار ماضياً، ومرّة حين يُنسى.

