صراع إعلامي ذو خلفيات سياسية في تونس

يحتدم عبر المدونين والإعلاميين

أمنية منصور
أمنية منصور
TT

صراع إعلامي ذو خلفيات سياسية في تونس

أمنية منصور
أمنية منصور

تعاقبت أخيراً في تونس صيحات فزع صادرة عن الإعلاميين والمثقفين المستقلين ونشطاء المجتمع المدني والأحزاب بسبب ما اعتبروه «أكبر امتحان» يهدد حرية التعبير ومصداقية الإعلام في بلد تصنفه التقارير الأممية والدولية في الطليعة عربياً في مجال الحريات. وجاء هذا التطور في ظل «تضخم دور لوبيات المال السياسي المشبوه»، بالتزامن مع إحالة بعض المدونين والكتاب المعارضين إلى المحكمة العسكرية وليس على القضاء المدني.
القطرة التي أفاضت الكأس كانت إحالة الناشطة النسائية الليبرالية أمينة منصور، وعدد من المدونين والسياسيين، على المحكمة العسكرية بعد اتهامهم بالإساءة إلى رئيس الجمهورية قيس سعيد، وبنشر «أخبار زائفة تنال من شخصه ومن كرامته ومن هيبة الدولة والجيش الوطني».

اعتراضات
لكن المهدي الجلاصي، رئيس نقابة الصحافيين التونسيين، وعدد من نشطاء المجتمع المدني، أصدروا بلاغات رسمية تحذر من «استخدام القضاء العسكري وسيلة لإسكات صوت الكتاب المعارضين في المواقع الاجتماعية وفي بقية وسائل الإعلام». أيضاً انتقد المحامي سمير بن عمر، القيادي في حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية» المعارض، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ما اعتبره «بوادر التضييق على حرية التعبير» في وسائل الإعلام التقليدية والجديدة بسبب تزايد تأثير «لوبيات الفساد المالي والسياسي» التي سيطرت على عدة قنوات تلفزية وإذاعية، وذلك في مرحلة شهدت إحالة ملفات عديدة على القضاء العسكري، ثم إصدار قضاة عسكريين قرارات إيقاف ضد بعض المدونين المتهمين.
وأصدرت كذلك قيادات عدة منظمات وأحزاب، من بينها أحزاب مشاركة في الحكومة مثل حزب «حركة النهضة»، بيانات «تحذيرية» لرئاسة الجمهورية في حال توالي إحالة المدونين والصحافيين على المحكمة العسكرية، والعودة إلى «مربع التضييق على حرية التعبير عبر استعمال القضاء العسكري كوسيلة للتنكيل بالمعارضين».

توظيف سياسي للإعلام
كان بين «المفاجآت» في أمر التحذيرات من «إقحام القضاء العسكري» في تقييم ما يكتبه المعارضون، صدور بعضها عن سياسيين بارزين بينهم الرئيس السابق للجمهورية المنصف المرزوقي ورئيس البرلمان وزعيم «النهضة» راشد الغنوشي. ومن ثم، قلل بعض أنصار الرئيس سعيد، مثل المحامي والخبير القانوني رابح الخرايفي، من انتقادات خصومهم ومعارضيهم. وحذروا من «الحملات الإعلامية» التي تستهدف رئيس الدولة ومشروعه الإصلاحي. واعتبر الخرايفي أن «النيابة العمومية التابعة للمحكمة العسكرية يحق لها رفع قضايا ضد مَن يشتبه في تورطه في الاعتداء على كرامة رئيس الجمهورية والمساس بهيبة الدولة وهيبة القائد العام للقوات المسلحة».
وفي المقابل، يرى المهدي الجلاصي، والذين يناصرونه، أن «من حق رئاسة الجمهورية رفع قضايا عدلية أمام القضاء المدني»، من دون إقحام المؤسسة العسكرية في النزاعات بين السياسيين ومعارضيهم بمن فيهم المدونون والإعلاميون.
صمت... فمساندة... ثم زوبعة
هذا، وكان الجدل حول إقحام القضاء العسكري في مراقبة الإعلام والمواقع الاجتماعية قد طفا على السطح بقوة منذ نحو 3 أشهر عندما صدرت عن النيابة العسكرية بطاقة (مذكرة) جلب ضد المدون راشد الخياري، النائب المعارض في البرلمان، بسبب نشره مقالات وفيديوهات وجهت اتهامات خطيرة إلى الرئيس قيس سعيد، من بينها «الحصول على تمويلات أميركية وأجنبية قبل ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2019» (؟). ولقد فندت سفارة الولايات المتحدة بتونس، ومثلها رئاسة الجمهورية، تلك الاتهامات، وفتحت المحكمة العسكرية قضية عدلية ضد راشد الخياري الذي لاذ بالفرار رغم حصانته البرلمانية.
ومن جهة ثانية، بينما شن أنصار الخياري حملة للدفاع عنه بصفته «كاتباً ومدوناً استقصائياً» يضمن له القانون حرية التعبير كاملة، انتقده آخرون معتبرين أن «النيل من هيبة القائد العام للقوات المسلحة (ورئيس الجمهورية دستورياً هو القائد العام للقوات المسلحة) يؤدي إلى النيل من هيبة مؤسسة الجيش الوطني كاملة». وفي هذا الشأن، بالذات، اعترض بعض كبار الجامعيين على هذا الموقف، واعتبروا أن «الدستور التونسي إنما أسند إلى رئيس الجمهورية المدني المنتخب صفة القائد العام للقوات المسلحة احتراماً للصبغة المدنية للدولة، وحرصاً على أن لا تُسند تلك الخطة (الوظيفة) لأحد جنرالات الجيش»، على حد تعبير عياض بن عاشور، العميد السابق لكلية الحقوق والعلوم الإنسانية والخبير القانوني لدى الأمم المتحدة.
وفي سياق متصل، من الملاحظ أن عدداً من الذين ساندوا مبدأ محاكمة النائب الخياري، واتهموه بـ«الكذب ومحاولة تشويه رئيس الجمهورية المنتخب» اعترضوا بقوة خلال الأسابيع القليلة الماضية على إصدار المحكمة العسكرية قرارات إيقاف ضد بعض الكتاب في المواقع الاجتماعية، بينهم المدون سليم الجبالي الذي سجن بعد شكاية تقدمت بها رئاسة الجمهورية، بسبب «تدوينات اعتبرت مُسيئة لرئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة». واعتبر فرع منظمة «صحافيون بلا حدود» الدولية في تونس في بلاغ رسمي أن إحالة مدنيين على المحاكم العسكرية بدلاً من القضاء المدني يُعد تعسفاً على القانون التحرري الذي يضمن حرية التعبير ويكرس «الاستثناء الديمقراطي التونسي».

هل هي سابقة؟
الجدير بالذكر أن المحاكمات العسكرية للمدونين والكتاب والسياسيين بدأت في تونس منذ 2012، عندما رفع الجنرال رشيد عمار، قائد أركان الجيوش الثلاثة، دعوى ضد أيوب المسعودي، المستشار السياسي السابق للرئيس المنصف المرزوقي، بتهمة «نسبة أمور غير حقيقية إلى موظف عمومي» في أعقاب اتهام المسعودي للجنرال عمار بـ«الخيانة الوطنية» من دون تقديم أدلة. كذلك سُجن المدون المعارض وعضو البرلمان الحالي ياسين العياري، خلال عام 2015 بعد حكم أصدرته ضده محكمة عسكرية بتهمة «نشر الأخبار الزائفة والثلب»... وباستغلال صفته باعتباره ابن العقيد السابق في الجيش الطاهر العياري، الذي قتل في عملية إرهابية في مايو (أيار) 2011.
في المقابل، قلل وزير الدفاع التونسي إبراهيم البرتاجي، خلال جلسة حوار مع البرلمان التونسي من التخوفات على مستقبل حرية الإعلام في البلاد. وأورد أن المؤسسة العسكرية «تحترم القانون ومدنية النظام وليس لديها أي توجه للنيل من حرية التعبير أو التشهير بالمعارضين». لكن المتمسكين بمحاكمة المتهمين بجرائم لديها علاقة بالإعلام أمام محاكم مدنية يشيرون إلى أن إحدى المحاكم المدنية قضت عام 2019 بعدم سماع الدعوى لفائدة الناشط السياسي والمدون المعارض عماد دغيج، إثر قضية تقدم بها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي ضده.

لعبة المال والسياسة
هذه التطورات تسجل في مرحلة حذرت فيها «الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري»، التي تشرف على القطاع منذ إلغاء وزارة الاتصال عام 2011، من «تزايد تأثير المال السياسي المشبوه»، بما نال من درجة «المهنية الإعلامية والحيادية» في كثير من القنوات والمواقع.
كذلك، حذرت مؤتمرات علمية ودراسات أكاديمية مستقلة من «توظيف (استغلال) المال السياسي الداخلي والأجنبي» لمناخ الحريات الإعلامية في البلاد لتوريط بعض الإعلاميين والمؤسسات الصحافية في «الانحياز والاصطفاف السياسي»، والانخراط في «لعبة المحاور الإقليمية والدولية» بهدف إجهاض «الاستثناء الديمقراطي» الوحيد الناجح سياسياً في بلدان «الربيع العربي». وأدى هذا الانحياز والاصطفاف إلى معارك «الكل ضد الكل»، بين محورين كبيرين: الأول مساند للحكومة والبرلمان وحزامهما السياسي، والثاني معارض لها يدعو إلى «ثورة جديدة» و«إسقاط كامل المنظومة الإعلامية والسياسية» التي تتزعم المشهد منذ يناير (كانون الثاني) 2011.


مقالات ذات صلة

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

استعان برنامج «صار الوقت»، على شاشة «إم تي في»، بالذكاء الاصطناعي لتطوير التحضير للحلقات ومقارنة تصريحات الضيوف بمواقفهم السابقة.

فيفيان حداد (بيروت)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه

إيمان مبروك (القاهرة)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».