انقسام بين مستشاري بايدن حول حقوق معتقلي غوانتانامو

عبد السلام الحيلة معتقل يمني دون تهمة أو محاكمة منذ عام 2004 (نيويورك تايمز)
عبد السلام الحيلة معتقل يمني دون تهمة أو محاكمة منذ عام 2004 (نيويورك تايمز)
TT

انقسام بين مستشاري بايدن حول حقوق معتقلي غوانتانامو

عبد السلام الحيلة معتقل يمني دون تهمة أو محاكمة منذ عام 2004 (نيويورك تايمز)
عبد السلام الحيلة معتقل يمني دون تهمة أو محاكمة منذ عام 2004 (نيويورك تايمز)

ينقسم الفريق القانوني لإدارة الرئيس بايدن حول ما إذا كان ينبغي على الحكومة أن تقول إن المعتقلين في القاعدة البحرية الأميركية في خليج غوانتانامو بكوبا، لديهم حقوق في سلامة الإجراءات القانونية بموجب الدستور؛ وذلك وفقاً لأشخاص على دراية بالمداولات الداخلية. ومن المقرر أن تقدم وزارة العدل الأميركية تقريراً موجزاً مساء الجمعة، يُفترض أن تتخذ فيه موقفاً بشأن هذه المسألة في قضية تتعلق برجل يمني يدعى عبد السلام الحيلة، ويبلغ من العمر 53 عاماً، والذي ظل محتجزاً دون تهمة أو محاكمة في وقت الحرب منذ عام 2004. وخلال إدارة ترمب، احتجت الإدارة الأميركية أمام محكمة الاستئناف بأنه لا يتمتع بحقوق الإجراءات القانونية الواجبة. والقضية معروضة الآن أمام محكمة الاستئناف بكامل هيئتها لدائرة مقاطعة كولومبيا. وراقب باحثون قانونيون ومحامون لمحتجزين آخرين، بمن فيهم المتهمون أمام إحدى اللجان العسكرية، تلك القضية عن كثب نظراً لأنها أثارت مسألة قانونية مباشرة تتعلق بحقوق الإنسان ولم تحظ بالاعتبار بعد سنوات من التقاضي بشأن معتقل غوانتانامو. ويُقال إن المحامين الذين يضطلعون بمهام في الأمن القومي في السلطة التنفيذية كانوا يتناقشون منذ أسابيع بشأن ما ينبغي أن يطرحه موجز وزارة العدل. ويحذر بعض مسؤولي وزارة العدل - بمن فيهم محامو الحكومة الذين أمضوا سنوات تحت إدارة كلا الحزبين الكبيرين يدافعون عن سياسات الاحتجاز في غوانتانامو أمام المحكمة - من اتخاذ موقف قد يجعل من الصعب الفوز بمثل هذه القضايا.
غير أن مسؤولين آخرين يؤكدون، أن ذلك يتعارض مع قيم إدارة بايدن بحيث لا يدعو بوضوح إلى أن المعتقلين لديهم حقوق في سلامة الإجراءات القانونية. ونشأ التساؤل لأول مرة عندما بدأت إدارة جورج دبليو بوش في نقل السجناء وقت الحرب إلى القاعدة البحرية في عام 2002، وزعمت أن المحاكم ليس لديها اختصاص قضائي، وأن اتفاقيات جنيف لا تنسحب هناك، الأمر الذي دفع المنتقدين إلى تسميته بالثقب القانوني الأسود. وتنص الفقرة الخاصة بسلامة الإجراءات الدستورية على أنه لا يجوز «حرمان أي شخص من الحياة أو الحرية أو الملكية، دون مراعاة الأصول القانونية». والواقع أن العملية «الواجبة» ليست واضحة على الدوام. ولكن إذا كان البند يحمي المعتقلين، فسيكون لديهم أساس أكبر لمطالبة المحاكم بالتدخل حول كيفية معاملتهم من خلال مجموعة من الأمور - بما في ذلك استمرار احتجازهم، والعلاج الطبي، وما هي الأدلة التي يمكن استخدامها في محاكمات اللجان. وتحدث المسؤولون المطلعون على المداولات الداخلية بشرط عدم الكشف عن هويتهم، ولكن الخلاف تسرب جزئياً من السلطة التنفيذية هذا الأسبوع. وقد بعث العضو الديمقراطي بمجلس الشيوخ، السيناتور ريتشارد دوربين من إيلينوي، وهو رئيس اللجنة القضائية والزعيم الثاني للحزب الديمقراطي في المجلس، برسالة بهذا الصدد إلى النائب العام ميريك غارلاند يحثه فيها على توجيه الإدارة للقول بأن المعتقلين يملكون مثل هذه الحقوق.
وكتب السيناتور دوربين قائلاً في رسالته «لقد آن الأوان لأن تعيد الإدارة النظر في نهجها بشأن إمكانية تطبيق الضمانات الأساسية للإجراءات القانونية الواجبة على الرجال الذين ما زالوا مسجونين من دون تهمة أو محاكمة في غوانتانامو، فضلاً عن المواقف الأخرى التي تساعد على استمرار هذه الوصمة الأخلاقية على جبين أمتنا». ولكن في الوقت الحاضر، تتناول السيدة إليزابيث بريلوغر، وهي المحامية العامة بالوكالة، والتي سوف توقع على الموجز العدلي المذكور، هذه القضية في المقام الأول. ويقال إن السيد غارلاند قد أحجم عن الاضطلاع بأي دور في الدعوى، وكان حتى وقت قريب قاضياً من قضاة محكمة الاستئناف لدائرة مقاطعة كولومبيا، وشارك في قضايا سابقة تتعلق بالمعتقلين في غوانتانامو. وفي حكم صادر عن هيئة المحكمة المكونة من ثلاثة قضاة في أغسطس (آب)، استخدم قاضيان محافظان في محكمة الاستئناف قضية السيد عبد السلام الحيلة للإعلان عن أن شرط الإجراءات القانونية الواجبة في الدستور لا ينطبق على غير الأميركيين المحتجزين هناك، كما زعمت إدارة ترمب سابقاً. وعارض قاض ثالث في الهيئة نفسها، وهو معين أيضاً من قبل الجمهوريين، تقديم مطالبة شاملة بشأن حقوق الإجراءات القانونية الواجبة، قائلاً إنه من غير الضروري الاستنتاج بأن احتجاز السيد عبد السلام الحيلة قانوني. ثم في أبريل (نيسان)، أسقطت محكمة الاستئناف بكامل هيئتها لدائرة مقاطعة كولومبيا - التي يسيطر عليها قضاة أكثر ميلاً إلى الليبرالية - حكم اللجنة وقررت إعادة النظر في قضيته. ومنحت وزارة العدل في إدارة الرئيس بايدن مهلة حتى يوم الجمعة لتقديم تقرير موجز بشأن موقفها من القضية. ويتصارع فريق بايدن القانوني مع ثلاثة خيارات أساسية في قضية عبد السلام الحيلة. ويمكنها التمسك بموقف إدارة ترمب والدافع بأن معتقلي غوانتانامو مثل السيد عبد السلام الحيلة لا يتمتعون بحقوق الإجراءات القانونية الواجبة. ثانياً، يمكن للإدارة أن تسحب هذا الموقف من دون اتخاذ موقف واضح بشأن المسألة. أو قد يكون من المؤكد أن الحكم المتعلق بمراعاة الأصول القانونية يشمل المحتجزين - وتحث محكمة الاستئناف بكامل هيئتها على أن تقضي بذلك الأمر في حكمها.


مقالات ذات صلة

حكم قضائي يسمح لموريتاني معتقل سابق في غوانتانامو بدخول ألمانيا

شمال افريقيا عناصر شرطة ألمانية (رويترز - أرشيفية)

حكم قضائي يسمح لموريتاني معتقل سابق في غوانتانامو بدخول ألمانيا

قضت محكمة ألمانية بالسماح للموريتاني محمدو ولد صلاحي الذي كان معتقلاً في غوانتانامو والذي جسدت هوليوود قصته في فيلم «الموريتاني»، بالدخول إلى ألمانيا مجدداً.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا صورة أرشيفية غير مؤرخة قدّمتها «القيادة المركزية الأميركية» تظهر أبو زبيدة (أ.ب)

بريطانيا توافق على دفع «مبلغ ضخم» لتسوية دعوى أقامها معتقل في غوانتانامو

قال محامي أحد معتقلي خليج غوانتانامو، الاثنين، إن الحكومة البريطانية وافقت على دفع «مبلغ ضخم» لتسوية دعوى قضائية أقامها المعتقل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ مدخل محكمة «غوانتانامو» (أ.ب)

قضاة جدد في غوانتانامو يتسلمون قضية «أحداث 11 سبتمبر»

عادت القضية المرفوعة ضد الرجال المتهمين بالتخطيط لـ«هجمات 11 سبتمبر (أيلول)» الإرهابية عام 2001 إلى مسار العمل مدة وجيزة هذا الأسبوع.

كارول روزنبرغ (واشنطن)
الولايات المتحدة​ العقيد جوناثان فون انضم إلى سلاح مشاة البحرية قبل أحداث 11 سبتمبر (نيويورك تايمز)

اختيار ضابط سابق في مشاة البحرية لقيادة فرق الدفاع في غوانتانامو

اختير العقيد جوناثان فون، الذي انضم إلى سلاح مشاة البحرية قبل أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، مع عودة القضاة إلى خليج غوانتانامو. واختارت إدارة ترمب عقيداً في مشاة…

كارول روزنبرغ (واشنطن )
الولايات المتحدة​ برج مراقبة... البوابة الرئيسية للمعتقل الموجود بقاعدة غوانتانامو الأميركية في جزيرة كوبا يوم 16 أكتوبر 2018 (أ.ف.ب) p-circle

رفض طلب إدارة ترمب إسقاط دعوى تطعن على احتجاز مهاجرين في غوانتانامو

رفضت قاضية فيدرالية طلباً من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفض دعوى قضائية تطعن على احتجاز مهاجرين في القاعدة البحرية الأميركية بخليج غوانتانامو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟