بن مبارك لـ«الشرق الأوسط»: اليمن على حافة الهاوية... والحوثيون حركة عنف واستيلاء

وزير الخارجية اليمني قال إن معضلة البلاد طوال العقود الماضية الاستئثار بالسلطة والثروة

د. أحمد بن مبارك وزير الخارجية اليمني (تصوير: سعد العنزي)
د. أحمد بن مبارك وزير الخارجية اليمني (تصوير: سعد العنزي)
TT

بن مبارك لـ«الشرق الأوسط»: اليمن على حافة الهاوية... والحوثيون حركة عنف واستيلاء

د. أحمد بن مبارك وزير الخارجية اليمني (تصوير: سعد العنزي)
د. أحمد بن مبارك وزير الخارجية اليمني (تصوير: سعد العنزي)

رغم إقرار وزير الخارجية وشؤون المغتربين اليمني، الدكتور أحمد عوض بن مبارك، بأن اليمن يقف اليوم على قمة حافة الهاوية، فإنه أكد أن ثقافة التحكيم والتسويات في العقلية اليمنية لن تسمح بالذهاب إلى أبعد من ذلك.
ويذكر الوزير بأن جماعة الحوثي جاءت بتحالفات مشوهة، واستفادت من ضعف كل المكونات السياسية اليمنية، كما يرى أن معضلة اليمن طوال العقود الماضية تتمثل في الاستئثار بالسلطة والثروة، واستخدام السلاح في حسم الأمور.
وفي حوار موسع أجرته معه «الشرق الأوسط»، لم يفك الوزير غموض الوساطة العمانية التي ما زالت حتى اليوم مجهولة النتائج، إلا أنه عد أن لدى العمانيين معطياتهم، وربما حرصهم، لبذل مزيد من الجهود، وربما عدم تحقيق اختراق حقيقي حتى الآن.
ويرى الوزير أنه من غير المنصف الحديث عن فشل الشرعية في تقديم نموذج للحياة في المناطق المحررة، مبيناً أن شبوة وحضرموت ومأرب والمهرة نماذج ناجحة، رغم بعض التحديات، فيما فشلت في عدن بسبب إجبارها على المغادرة مرات عدة.
وتحدث بن مبارك الذي شغل منصب سفير بلاده في واشنطن نحو أربع سنوات، قبل أن يؤدي القسم نهاية العام الماضي، عما قيل عن وجود خطوط حمراء لتحرير صنعاء، وأن إنفاذ سلطة القانون والدستور على كامل التراب اليمني قضية دستورية شرعية، لافتاً إلى أن عودة الرئيس ونائبه لليمن مرتبطة بتوفر الظروف المناسبة... وفيما يلي تفاصيل الحوار:
> اليمن اليوم يبدو كالمركب التي تتقاذفها الأمواج... إلى أين تسير دفة البلاد؟
- لا شك أن البلاد تواجه تحديات كثيرة، وهناك معطيات قد تبعث على التشاؤم، لكن رغم كل ذلك أرى كثيراً من الفرص أمامنا؛ الأرضيات المتعلقة بالحلول متوافرة، خاصة إذا ما قارنا ملف اليمن بملفات أخرى في المنطقة، فلدينا توافقات تحدد كثيراً من الأسس للمرحلة المقبلة، وما نحتاج إليه هو مراجعة بعض تلك الأسس وتحديثها وفقاً للمستجدات التي أنتجتها الحرب، ولا أرى أن اليمن سيذهب بعيداً عن هذه الأرضيات. التحدي الرئيسي أمامنا هو إيقاف الحرب، ومن ثم سيتم مناقشة خيارات اليمن المقبلة، وفق الأسس التي تحدثنا عنها.
ومن وجهة نظري، فإن إشكالية اليمن طوال السنوات الماضية كانت مسألة الاستئثار بالسلطة والثروة، واستخدام السلاح في حسم الأمور، لكن لدينا كثيراً من المشتركات للجلوس بعضنا مع بعض. باختصار ومن دون تفاؤل مفرط: هناك تحديات صعبة، وفي الوقت نفسه هناك فرص كثيرة، إذا ما استغلت يمكننا العبور.
> لكن وفقاً للمعطيات الحالية، برأيك هل تتجه البلاد نحو سلام أم ما يشبه الصوملة والحرب الأهلية؟
- الحقيقة أننا نعيش خيار الصوملة، فواقع الحال أن هناك احتراباً داخلياً اليوم وصراعات كثيرة، ولأول مرة بدأنا نرى صراع هويات، وهو جديد على المجتمع اليمني. لكن أعتقد أن الإرادة الجمعية لليمنيين لا يمكن أن تسمح بذلك، فإرث اليمن وبُعدها الحضاري وما لديها من مخزون وبنية اجتماعية وقبلية ودينية تحمي هذا الأمر، ولا تسمح بالذهاب إلى آخر الطريق؛ نحن على قمة حافة الهاوية، لكن ثقافة التحكيم والتسويات في العقلية اليمنية لا تسمح لنا بالذهاب إلى أبعد من ذلك.
> ماذا عن الغموض الذي يكتنف الوساطة العمانية حتى اليوم؟
- قد باركنا الوساطة العمانية، كما باركنا وسنبارك أي جهد يدفع باتجاه تحقيق السلام؛ ما هو مطروح اليوم يدفع باتجاه وقف إطلاق النار، والعودة إلى الجلوس على طاولة الحوار، وهو بداية طريق طويل في عملية السلام، وأي جهد من أي جهة نرحب به، لا سيما الأشقاء في سلطنة عمان الذين يربطنا بهم الجوار والتاريخ.
> هل أبلغكم الجانب العماني بما توصلوا إليه مع الحوثيين؟
- لم نبلغ رسمياً بأي تفاصيل متعلقة بنتائج زيارتهم إلى صنعاء.
> لماذا برأيك؟ وهل هو مؤشر على رد سلبي من الحوثيين؟
- قراءتنا أنهم لم يأتوا بشيء يمكن البناء عليه، وكذلك حرص من قبل الأشقاء في السلطنة عمان على بذل مزيد من الجهود لإحداث اختراق حقيقي، لكننا نؤكد على مباركتنا لأي جهد من أي جهة في مسار السلام.
> هل تتفقون مع القول إن سبب قوة الحوثي حتى اليوم هو ضعف الشرعية؟
- أتفق تماماً، لكن ليس بضعف المؤسسة الشرعية، بل بضعف كل المكونات السياسية اليمنية حتى قبل دخول الحوثي صنعاء؛ الحوثي ما كان له أن يدخل صنعاء ويحقق ما حققه لولا أنه لعب على كثير من التناقضات والخلافات التي كانت موجودة بين القوى السياسية اليمنية التي تناهض المشروع الإيراني في المنطقة، كذلك بسبب فتح العاصمة والمعسكرات لهم من حلفاء رئيسين لهم آنذاك. الحوثي لم يأتِ بقوته، بل جاء بتحالفات مشوهة. واليوم، وكل هذه الأطراف أصحبت تعاني من الحوثي، وموجودة خارج صنعاء، آن الأوان لكل القوى السياسية لأن تتجاوز خلافات الماضي، وتنظر لطبيعة التحدي الرئيسي، وتتحد من أجل ثوابت جميعنا ندافع عنها.
> بعد 6 سنوات من الحرب وانهيار البلاد... لماذا لا تزال القوى السياسية اليمنية غير موحدة؟
- لاشك أن هناك تحديات أمامها، وهناك جهد صادق يبذل من كثير من القيادات السياسية، لكنها لم توفق، وكثير من هذه القوى صادرة أحكام إعدامات ضدها، ونهبت ممتلكاتهم، وهم موزعون على قارات العالم الخمس، ويواجهون تحدي في العمل من المناطق المحررة. ومع ذلك، أعتقد أن هناك إشكالية تتطلب تجاوز كل إرهاصات الماضي، وعلينا جميعاً أن نسمو فوق هذه القضايا ونتجاوزها. أتذكر في مؤتمر الحوار الوطني الشامل أنني وصفته بالمحطة الجديدة، ولم يعد هناك ستون وسبعون (في إشارة إلى ساحة الستين وساحة السعبين إبان ثورة فبراير/ شباط 2011)، وأصبحت لدينا محطة واحدة هي الحوار. واليوم، بعد 7 سنوات من الحرب، لدينا محطة أهم على الجميع التوحد فيها ونسيان كل الخلافات.
> هل تعتقد أن بعضهم ما زال يفكر بعقلية المحاصصة والحزبية؟
- ما زال اجترار الماضي يؤثر أحياناً على بعض المواقف، لكننا نسمع من كل الأطراف نية جادة لتجاوز هذا الأمر، ولكن هذه النية لم تحول بعد إلى خطوات عملية.
> سؤال يطرحه كثير من اليمنيين: لماذا لم تنجح الشرعية حتى اليوم في تقديم نموذج إيجابي للحياة في مناطقها؟
- دعني أعطيك مثالاً واضحاً: في ديسمبر (كانون الأول) من العام المنصرم، عادت الحكومة إلى عدن، وأعطى ذلك نموذجاً للمحافظات المحررة، فقد ارتفع منسوب الأمل في أوساط الناس، وحصل تحسن في كثير من القطاعات، أهمها الريال اليمني، وبدأت العجلة تسير، ثم صادفنا تحدياً حقيقياً في الميدان (المسألة الأمنية)، واضطرت الحكومة إلى أن تغادر؛ المسألة الأمنية هي نتيجة وليست سبباً؛ نحن في مرحلة قائمة على الشراكة، ويستلزم ذلك المسؤولية المشتركة.
وليس من الإنصاف القول إن كل المحافظات المحررة ليست نموذجاً، فشبوة نموذج اليوم على الاستقرار والتنمية، إذ إن هناك تحسناً في ملفي التنمية ومكافحة الإرهاب، وقد قطعنا شوطاً في مسألة الأمن والتنمية. كذلك حضرموت، حيث إن الدولة هي الحاضرة. وفي المهرة، الخدمات اليوم أفضل من مستوى ما قبل الحرب، كذلك مأرب تقدم نموذجاً لولا الهجوم الحوثي منذ فبراير (شباط) الماضي، فحجم التنمية والخدمات والاستقرار الذي شهدته مأرب، والزيادة السكانية، أفضل منه قبل 10 سنوات، وهناك جامعة ومطارات تبنى، وتزود المحافظة كل اليمن بالغاز، بما في ذلك مناطق الحوثيين.
وبالتالي، فالحديث بشكل إجمالي عن أن الوضع سيئ غير منصف، ففي المناطق التي توفر للحكومة القدرة على السيطرة يحل الأمن والاستقرار. وفي عدن لم نستطع تقديم هذا النموذج لأن الحكومة كانت تأتي 3 - 4 أشهر ثم تجبر على المغادرة. أما الكهرباء التي يشتكي منها الناس، فإن قدراً كبيراً من دخل الدولة يذهب في المشتقات النفطية التي تغذي العاصمة عدن، والرواتب للقطاع المدني في كل المحافظات المحررة منتظمة بفضل الحكومة، وكل المشاريع عبر البنك الدولي والمؤسسات الدولية الطرف الرئيسي فيها الحكومة حتى في مناطق تحت سيطرة الحوثيين، وعليه فمن الإجحاف الحديث عن عدم وجود شيء.
> ماذا عن الوضع الحالي في مأرب؟ وهل هناك مخاوف من سقوطها؟
- لدينا قناعة كاملة مطلقة بأن مأرب لن تسقط، فهي التي أسقطت رهانات الحوثي عندما سقطت كل الدولة في فترة لم يكن فيها جيش وطني، ولا حشد وتنظيم، ولا التحالف العربي، وهي التي أوقفت التمدد الحوثي في فترة صعبة، فما بالك اليوم ومأرب فيها سلطة محلية مشهود لها بالكفاءة، وهناك جيش وطني وقبائل أبية، وتحالف عربي يدرك أهمية مأرب الجيواستراتجية ودورها في تغيير الصراع.
مأرب كما أسقطت الرهانات السابقة ستسقط وهم الانتصار العسكري الذي يراهن عليه الحوثيون، علماً بأن الحوثيين إذا وصلوا مأرب لن يتوقفوا عندها، فأطماعهم لا تقف عند حدود اليمن، بل ينظرون للجزيرة العربية كلها، وهم مستمرون في الحشد والهجوم على مأرب، ويتلقون الدعم سواء من إيران أو أداوتها، وقد سمعنا حسن نصر الله يصور معركة مأرب بكربلاء جديدة، لكن صمودنا في مأرب أسقط رهاناتهم جميعاً.
> هنا يطرح سؤال: لماذا لا تفتح جبهات أخرى لتخفيف الضغط على مأرب؟
- نحن اليوم حريصون على مأرب، وحجم خسائر الحوثيين فيها كبير جداً لا يمكن وصفه، وتركيز الجهد وإضعاف الحوثي في هذه المعركة يتطلب كسره فيها.
> هل هناك خط أحمر يمنع تحرير صنعاء... كما تحدث بذلك مسؤولين في الشرعية نفسها؟
- إنفاذ سلطة القانون والدستور على كامل التراب اليمني قضية دستورية شرعية لا خطوط حمراء فيها، فالقوانين الإنسانية والدستور اليمني والقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن جميعها تتحدث عن الدولة اليمنية المعترف بها، ووحدتها وأمنها واستقرارها وسيادتها على أراضيها؛ بالتأكيد نحن حريصون على أرواح المدنيين، وتجنيب المدن المكتظة بالسكان ويلات الحرب، ولذلك نمد أيدينا للسلام في أي فرصة. وفي الحديدة، كنا قاب قوسين من تحرير المدينة، ثم تعالت الأصوات واستجبنا، والاتجاه العام لدينا أن كل ذرة تراب في اليمن هي حق.
> هل أنتم نادمون على إيقاف عملية تحرير الحديدة؟
- أعتقد لسنا نحن فقط، بل المجتمع الدولي كله يراجع ما حدث في الحديدة. فبعد ثلاث سنوات من اتفاق استوكهولم، يبدو الوضع في الحديدة أسوأ إنسانياً وأمنياً وعسكرياً، وهي اليوم مركز لتصنيع القوارب المفخخة التي تهدد الملاحة الدولية. وطوال ثلاث سنوات، لم يسمح الحوثيون لأي مواكب إنسانية بالدخول لإعانة الحديدة، وأصبحت المدينة مقسمة لأشلاء عبر الأنفاق والخنادق والسواتر الترابية، وبعثة الأمم المتحدة منذ عامين غير قادرة على عقد اجتماع واحد، وقد استأجرت باخرة بملايين الدولارات لعقد اجتماعاتها في البحر.
لقد كان الهدف من اتفاق استوكهولم معالجة وضع مدينة وميناء الحديدة، وتنفيذها لليوم صفري، ورفع الحصار عن تعز كذلك صفر؛ الملف الوحيد كان تبادل الأسرى، وهو ملف نوقش قبل استكهولم، وأتُي به بصفته فاكهة جاهزة للقطف، ومع هذا تعنت الحوثيون بشأن هذا الملف في لقاءات الأردن الأخيرة.
على العالم مراجعة ما تم في استكهولم، وأن نضمن ألا يتكرر في أي اتفاق لاحق؛ علينا التركيز على النتائج وليس العمليات، المهم أن نرى نتائج مستدامة قابلة للتطبيق بوجود ضمانات.
> لماذا لا يعود الرئيس ونائبه إلى المناطق المحررة؟
- لا يمنع عودتهما سوى توفر الظروف المناسبة؛ تخيل لو كان الرئيس معنا في مطار عدن في ظل التفجير الإرهابي الذي حدث، وهو عمود الخيمة وشرعيتنا الدستورية التي نحرص على المحافظة عليها لأنها المشروعية التي تعبر عن الشرعية والدولة! ليس هناك ما يمنع سوى توفر الظروف الطبيعية، وقد كان هذا الهدف من عودة الحكومة وتطبيع الأوضاع، ثم بعد ذلك عودة الرئيس وكل مؤسسات الدولة، من الرئاسة والبرلمان.
> بحكم معرفتك بالحوثيين، بعضهم يتحدث عن جناحين في الحركة، سياسي وآخر عسكري، يوجد صراع بينهما، ما مدى دقة ذلك؟
- اليوم، هناك ما يعرف بالحوثيين والمتحوثنين، فالحوثيون عندما تحولوا لسلطة أمر واقع تحوث كثيرون للاستفادة، سواء ترهيباً أو ترغيباً؛ لا شك أنها ليست مجموعة متماسكة، لكن الحركة نفسها هي حركة عنف واستيلاء تسلطية، تعتقد أنها صاحبة الحق ورؤيتها حتمية نهائية كونية إلهية، ويجب أن تفرض ذلك على الآخرين، وهذا يجعلها عصية على القبول بالحلول؛ عندما يواجهون أي إخفاق يعدون ذلك اختباراً إلهياً يجب اجتيازه، وعندما يحققون تقدماً في تبة واحدة يعدون ذلك نصراً إلهياً.
طوال السنوات الماضية، يوجد جناح في الحركة لا يمكننا تسميته (معتدل)، ويجب علينا الحذر في إطلاق مثل هذه العبارات على حركة عنيفة مثل الحوثيين، لكن يمكننا تسميته جناح من تمرس السياسة. ويدرك هؤلاء أن هناك مجالات سياسية يمكن الخوض فيها، لكنهم دائماً يصطدمون بالمجموعة التي لا ترى الأمور سوى أبيض أو أسود، وهي صاحبة القرار.
ولا يمكننا كذلك إغفال أن كثيراً من القيادات الحوثية اليوم أصبحت مستفيدة بشكل كبير من استمرار الحرب، وليس من مصلحتها إيقافها، ويعلمون أن عودة الدولة يعني إيقاف كل هذه الممارسات.
> كيف تنظرون للدور الإيراني في اليمن، ووصول رئيس جديد يوصف بأنه الأكثر تشدداً في تاريخ رؤساء إيران؟
- في إيران، تغيير الرئيس لا يغير شيئاً. فمنذ عام 1979، كان المرشد الأعلى هو الحاكم الفعلي لإيران، وهناك فقرة في الدستور تتحدث عن دولة بطابع طائفي، وأمر أخطر، وهو تصدير الثورة. وبالتالي، فمهما تعاقبت الحكومات، مرة بوجه إصلاحي ومرة محافظ، فإن ما لمسناه منذ ذلك الوقت مع تغير الوجوه دائماً يظل الإشكال: إيران دولة كبيرة ودولة جوار، وليس لدينا معها -الحضارة والشعب والجغرافيا- أي مشكلة؛ مشكلتنا الرئيسية في هذا النهج الذي يعتقد أنه صاحب حق في تصدير ثورته ورؤيته إلى دول الجوار، ونحن في اليمن أكثر ما نعاني منه هو «الحرس الثوري» المرتبط بالمرشد.
> يتداول اليوم توجه لإصدار قرار جديد من مجلس الأمن بحجة أن (2216) أصبح غير صالح للمرحلة الحالية... هل أنتم مستعدون لمناقشة أي تسوية تستبعد هذا القرار؟
- أعتقد أن قرار (2216) يوفر أساساً قانونياً يتسق مع القانون الدولي، وكل قرارات الأمم المتحدة، وأي حديث خارج هذا الإطار يشكل سابقة دولية لا يمكن للمجتمع الدولي أن يجابه نتائجها، ليس فقط في اليمن بل على مستوى العالم؛ القرارات الدولية عادة تستند إلى منظومة من الأسس والقوانين، و(2216) يصف واقع الأمر كما هو، ويتحدث عن آليات التحول الديمقراطي واحترام قوانين الدول وسيادتها والانتخابات والدستور، وهل يجب مكافأة جماعة آيديولوجية تأتي بالسلاح وتحتل العاصمة؟ هل المجتمع الدولي يمكن أن يغير هذه المفاهيم التي تنظم طبيعة العلاقات الدولية؟ أعتقد هذا حديث خارج السطر.
كذلك الحديث عن أن (2216) يشكل عائقاً حديث عجيب، ففي الكويت ناقشنا تفصيلاً حلول متعلقة بالمستقبل والشراكة، وقبول الحوثي بصفتهم جماعة، وترتيبات أمنية وعسكرية وسياسية، ولم يكن القرار هو العائق، بل كانت إرادة الحوثيين نحو السلام، وإرادة إيران بالدفع نحو هذا التوجه؛ الحديث في هذا الموضوع يتجاوز أساس المشكلة. واليوم، هناك مقترح عملي بسيط يأخذ بكل شواغل الحوثيين، ويجمع عليه كل العالم، وهو مطروح، ومن يرفضه هم الحوثيون، ولا علاقة لقرار (2216) بالأمر.
> انتقل لاتفاق الرياض والجهود السعودية الأخيرة لتجاوز الخلافات مع المجلس الانتقالي الجنوبي: أين وصلتكم؟ وهل هناك عودة قريبة للحكومة إلى عدن؟
- بداية، الحكومة عادت إلى عدن، بحسب اتفاق الرياض، على أساس تنفيذ كل بنوده المعلنة. وأصدر الرئيس قراراً بتعيين محافظ ومدير أمن، ولم يمُّكن مدير الأمن المعين من قبلنا، وتم تغييره، وقبلنا وذهبنا لتوفير أرضية مشتركة للعمل، وأمضينا أشهر في عدن، وقدمنا تشكيل الحكومة على الجانب العسكري والأمني خلافاً للاتفاق حرصاً منا على التنفيذ، كما عدنا من دون أي ترتيبات أمنية من قبلنا، وتعاملنا مع الأمر بكل أريحية، واتسم عمل الحكومة بمستوى عالٍ من الإيجابية، لكن واجهنا التحدي الأمني وتصعيد الخطاب الإعلامي، وتطور الأمر لحادثة اقتحام قصر معاشيق، لذلك غادرت الحكومة مجبرة، ولم تخرج كاملة، فهناك عدد كبير من الوزراء في عدن من كل الأحزاب، لكن كان لا بد من معالجة هذا الإشكال، خاصة الجانب الأمني والعسكري.
واليوم، هناك جهود كبيرة تبذل، وأجواء إيجابية على مستوى النقاش لم تنعكس بعد على مستوى التنفيذ، ويمكنني القول إن أفكاراً إيجابية تناقش بمستوى عالٍ من المسؤولية، لكنها لم تصل إلى تفاهمات نهائية بعد، ثم الانتقال إلى مستوى التطبيق، ونحن نثق ونراهن على دور أشقائنا في السعودية، بصفتهم راعياً لهذا الاتفاق، وعلى حرص كل مكونات الشرعية، بما فيها الانتقالي الذي أصبح جزءاً أصيلاً من الشرعية، على ذلك، وسنبذل كل الجهود المطلوبة لبناء الثقة، والمضي قدماً في استكمال تنفيذ الاتفاق.
> معالي الوزير، هل يمكنكم توضيح ما أثير مؤخراً بشأن الجزر اليمنية وقضية السيادة، لا سيما سقطرى وميون؟
- بداية، استكمال تنفيذ اتفاق الرياض وفقاً للصيغة المتفق عليها التي تضمن وجود مؤسسات الدولة المدنية والأمنية والعسكرية سيعالج كل هذه القضايا، بما فيها الوضع في سقطرى، والثابت لدينا هو سيادة اليمن على كل مدنه وجزره وأجوائه وبحاره، وسبق أن أكدت عدم وجود أي اتفاقية عقدت بين الجمهورية اليمنية وأي طرف آخر في مسألة الجزر أو المعسكرات؛ هذا أمر لم يتم. وإذا تم يجب أن يكون من خلال المؤسسات الدستورية، ممثلة بمجلس النواب، لكن بالتأكيد هناك تعاون كبير جداً ضمن التحالف العربي وعمليات عسكرية مشتركة، ومعارك قائمة تستلزم بعض الترتيبات، ونؤكد أن اليمن حريص على سيادته على كامل أراضيه ووحدته الترابية، لكن هناك شراكة وتنسيقاً في معركة قائمة قد تتطلب جملة من التنسيقات ليس المجال لذكرها.
> إلى أي حد يؤثر ملف الفساد في الحكومة على أدائها وتعامل الخارج معها؟
- علينا الإقرار بأن الدولة اليمنية تعاني تاريخياً من إشكالات هيكلية حتى قبل ثورة 2011. فقد كان هناك ضعف في البنية الرقابية، فما بالك بعد سقوط الدولة إثر الانقلاب، إذ عانت الدولة من تهتك مؤسساتها وأجهزتها الرقابية. نعم، هناك خلل في هذه المنظومة، ونحن في حكومة الكفاءات السياسية كان أحد أهم المبادئ تقوية الأداء الرقابي لمؤسسات الدولة ومكافحة الفساد، لكن في المقابل هناك مبالغة كبيرة في هذا الأمر. وكما تعلمون، فإن فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة أصدر تقريراً، وبنى قراراته على كثير مما يدار في الصحف وبعض الوشايات، ثم بمسؤولية تواصلنا معه وزودناه بكل المعطيات، ولأول مرة، في سابقة على مستوى الأمم المتحدة، سحب الجزء المتعلق بكل الاتهامات السابقة.
كذلك فإن كل مليارات المساعدات التي تأتي لليمن لا تمر عبر الجهاز الحكومي ليكون هناك شبهة فساد، كلها تنفذ عبر هيئات أممية ودولية ومشاريع وصناديق، حتى ما ينفذ عبر الأشقاء يتم عبر إجراءات حوكمة ورقابة كاملة.
ويبقى حجم ما هو تحت يد الحكومة الشيء اليسير جداً؛ حجم تصديرنا النفطي لا يذكر. ومع ذلك، نعتقد أن مكافحة الفساد مسألة مهمة يجب معالجتها بشكل جذري، وأن نظهر مجموعة من السياسيات للتعاطي الجاد مع هذه المسألة، لنقدم نموذجاً لشعبنا ثم للهيئات الدولية التي تتعامل معنا. لكن في المقابل، أعتقد أن هناك مبالغة كبيرة فيما يتم تداوله حول هذا الموضوع.
> ماذا عن ملف السلك الدبلوماسي الذي تعرض هو الآخر لكثير من التدخلات؟ هل لديكم برنامج واضح لإصلاحه؟
- نعم، هناك برنامج تقييم كامل للأداء الدبلوماسي ومراجعات كبيرة، خاصة تقليل الأعداد والتركيز على الكفاءة، ومعالجة أي اختلالات حدثت خلال الفترة الماضية. ومنذ عام 2015، خفضنا الأعداد بأكثر من 45 في المائة، إذ كان هناك تضخم في السلك الدبلوماسي، ونحن نحاول الحصول على فرق أكثر كفاءة في البعثات، وتطوير للاستراتيجيات، والمقاربات السياسية التي يجب أن ننتهجها في كل قارة وكيفية التحرك. وسأكون في ألمانيا نهاية الشهر الحالي، وسيكون لي لقاء مع سفرائنا في أوروبا لمناقشة آلية تفعيل الدبلوماسية اليمنية هناك.
وأعتقد أنه كانت هناك موجة اغتيال للمؤسسات الدبلوماسية اليمنية، وهجوم كان جزء كبير منه برأيي غير مبرر. ومن دون مبالغة، أقول إنني أفخر بكادرنا الدبلوماسي، فخلال 6 سنوات من الحرب استطاعت هذه المؤسسة المحافظة على وحدتها، ولم يخرج صوت دبلوماسي واحد في أي عاصمة عن الشرعية، رغم أنهم يعملون في ظروف أقل ما يقال عنها إنها صعبة! هل تعلم أنه منذ 10 أشهر، لم يتسلم الدبلوماسيون رواتبهم، ومع ذلك يعملون بصمت؟! نحن نعمل بموازنات لا تشكل 10 في المائة من الموازنات التشغيلية التي كانت سائدة قبل الحرب، وأغلب دبلوماسيينا من دون تأمين صحي؛ هناك صورة نمطية خاطئة عن الدبلوماسيين في الخارج.
> ماذا عن تعيين السفراء في الدول التي ما زالت شاغرة؟
- هناك نقاش وخطوات في هذا المجال، وجهود مرتبطة بترشيحات وقبول الدول التي سيعمل فيها السفراء، ونتوقع إنجاز ذلك خلال أشهر قليلة.
> ماذا عن القراءة واهتماماتك الثقافية والأدبية؟
- في حياتي الدراسية، كنت أقرأ كثيراً، ليس فقط في تخصصي بل في مجالات كثيرة. وفي كل صيف، كنت أختار موضوعاً معيناً للتركيز عليه. ومع الأسف، فقدت جزءاً كبيراً من مكتبتي مرتين: الأولى في بغداد إبان دراستي الدكتوراه هناك، حيث تركتها على أمل إرسالها لليمن، لكنها ذهبت أدراج الرياح بعد الحرب هناك، والمرة الثانية بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء ونهبهم المكتبة. لكن في فترة وجودي في أميركا بدأت برنامج قراءة مختلف، يركز على السياسة الخارجية والعلاقات الدولية نظراً لطبيعة عملي. وفي الأشهر الأخيرة، أصبح وقت القراءة بسيطاً، ربما في أثناء السفر فقط عبر الهاتف المحمول.


مقالات ذات صلة

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.