سجالات أوروبية ـ روسية حول «سبوتنيك»... ودعوات لـ«عدم تسييس» الحرب على الوباء

موسكو تبدأ التجارب على لقاح من جرعة واحدة

تقييم وكالة الأدوية الأوروبية فاعلية لقاح «سبوتنيك في» (رويترز)
تقييم وكالة الأدوية الأوروبية فاعلية لقاح «سبوتنيك في» (رويترز)
TT

سجالات أوروبية ـ روسية حول «سبوتنيك»... ودعوات لـ«عدم تسييس» الحرب على الوباء

تقييم وكالة الأدوية الأوروبية فاعلية لقاح «سبوتنيك في» (رويترز)
تقييم وكالة الأدوية الأوروبية فاعلية لقاح «سبوتنيك في» (رويترز)

احتدمت السجالات بين موسكو والمنظمات الأوروبية حول مدى فاعلية اللقاح الروسي المضاد لـ«كورونا» «سبوتنيك في»، واحتمال أن يتم استخدامه في القارة الأوروبية. ومع سعي موسكو إلى تنشيط اتصالاتها الثنائية مع عدد من البلدان الأوروبية، حذرت السلطات الروسية الاتحاد الأوروبي والمنظمات المتخصصة من «تسييس» النقاشات الجارية حول اللقاح، وأعربت عن أمل في أن «يسترشد الاتحاد الأوروبي باعتبارات علمية بحتة وليست سياسية، لدى النظر في تسجيل لقاح «سبوتنيك»» لاستخدامه في دول الاتحاد.
وقال كيريل ديميترييف، مدير صندوق الاستثمار الروسي الذي أشرف ومول تطوير اللقاح، إن بلاده تنتظر وفدا من وكالة الأدوية الأوروبية في منتصف الشهر المقبل، و«نأمل أن يكون القرار بشأن (سبوتنيك في) علميا بحتا وليس سياسيا».
ورغم الانتقادات الأوروبية الكثيرة وحملة التشكيك التي تعرض لها اللقاح الروسي، فإن صندوق الاستثمار الروسي أعرب عن أمله في «أن يتم تسجيل «سبوتنيك في» في الاتحاد الأوروبي بعد شهر يونيو (حزيران) المقبل، مما سيسمح بالبدء في بحث تصدير العقار إلى دول الاتحاد.
وأشار ديميترييف إلى أن الجانب الروسي يتوقع أنه بعد المجر، سيوافق أعضاء آخرون في الاتحاد الأوروبي على استخدام اللقاح الروسي، بغض النظر عن قرار وكالة الأدوية الأوروبية. وأكّد رئيس الصندوق وضع خطط لإطلاق إنتاج اللقاح في ألمانيا ودول أوروبية أخرى، مضيفا أن المفاوضات جارية لإنتاجه باستخدام البنى التحتية الحالية لشركة «آر فارم» في ولاية بافاريا.
- تباين أوروبي
وكانت وكالة الأدوية الأوروبية أعلنت قبل يومين أنها سترسل فريقا من الخبراء إلى روسيا لمراجعة نتائج التجارب السريرية وعمليات إنتاج اللقاح. وقال رئيس إدارة التهديدات الصحية واستراتيجية التطعيم في الوكالة، ماركو كافاليري، إنه «فيما يتعلق باللقاح الروسي، هناك فحص دوري، لذلك سنراجع جميع البيانات عند جمعها من أجل اعتمادها بشكل أسرع. وفي أبريل (نيسان)، سنجري فحصا في روسيا، سواء من حيث الإنتاج أو التجارب السريرية، ثم سنحاول أن نفهم في أي وقت سيكون لدينا جميع البيانات اللازمة للموافقة المحتملة على هذا اللقاح في النهاية».
لكن هذه التصريحات تزامنت مع مواقف متباينة برزت في القارة الأوروبية حول اللقاح الروسي. إذ أعلن مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون السوق الداخلية، تيري بريتون، أن أوروبا «لن تكون بحاجة إلى لقاح (سبوتنيك في) الروسي المضاد لفيروس (كورونا) لأنها ستتمكن من تحقيق مناعة القطيع من دونه». وأوضح أن أجهزة الرقابة الطبية الأوروبية «صادقت على أكبر عدد للقاحات، وهو 4 ونتقدم في مجال إنتاجها، لن نكون على الإطلاق بحاجة إلى سبوتنيك V أو عقارات أخرى». ولفت إلى أن «لدى الروس مشاكل متعلقة بإنتاج هذا اللقاح وتوزيعه داخليا، وفي حال احتياجهم إلى مساعدة في هذا المجال سنتحدث عن ذلك في النصف الثاني من العام».
في المقابل، قال هانز كلوج مدير المكتب الإقليمي لأوروبا في منظمة الصحة العالمية إن «أوروبا بالفعل في حاجة إلى لقاح (سبوتنيك في) الروسي». ونقلت عنه وكالة أنباء «تاس» الحكومية الروسية أنه يأمل في أن «يتم استخدام اللقاح في المنطقة في المستقبل المنظور القريب جدا. ونحن في حاجة إليه بالفعل، فالاتحاد الأوروبي ودول أخرى تعاني من نقص في اللقاحات. وأنا أؤمن به، نحن بحاجة إليه». وزاد أن منظمة الصحة العالمية تجري فحصا متسقا لنتائج التجارب السريرية والبيانات المتعلقة بإنتاج اللقاح الروسي. وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين علّق على تصريح المفوض الأوروبي بريتون بالتشديد على أن «روسيا لا تفرض لقاحها على أحد، لكن مثل هذه التصريحات في الاتحاد الأوروبي تجعل المرء يعتقد أن المسؤولين الأوروبيين يدافعون عن مصالح الشركات وليس المواطنين».
وأعلنت روسيا أن أكثر من 52 دولة أكدت موافقتها على استخدام اللقاح الروسي، وقالت إنه بات يحتل المرتبة الثانية في العالم من حيث عدد الموافقات التي حصل عليها المنظمون الحكوميون. لكن المعطيات الروسية أشارت إلى أن اللقاح تم تسجيله فعليا في 23 دولة، بينها الجزائر وفلسطين والإمارات وتونس ولبنان والبحرين، وأن الجزء الأكبر من البلدان التي أنجزت تسجيله أعلنت استعدادها للتعامل مع اللقاح «في حالات الطوارئ».
وفي أحدث تطور في هذا الشأن، كشف الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة عن التوصل إلى اتفاق مع الهند لإنتاج مشترك لـ200 مليون جرعة من اللقاح الروسي. ووفقا للوكالة، فإن الصندوق الروسي اتفق مع الشركة الهندية «ستيليز بيوفارما» التي وصفت بأنها من شركات الأدوية الرائدة في العالم بشأن الإنتاج المشترك للقاح. وأشار الصندوق إلى أن الاتفاق سيسمح بتطعيم 100 مليون شخص ضد فيروس «كورونا» المستجد. وفي وقت سابق أفادت الهند، بأنها أنجزت المرحلة الثالثة من اختبار اللقاح الروسي.
- إقبال داخلي محدود
وأثار الجدل الساخن مع أوروبا حول اللقاح تساؤلات عدة، خصوصا أنه تزامن مع النشاط الواسع الذي تقوم به روسيا للترويج للقاحها خارجيا. ووفقا لخبراء في روسيا، فإن السبب الأساسي للتساؤلات هو عدم بلوغ الإنتاج المحلي للقاح مستويات واسعة تكفي لتغطية السوق الداخلية بدلا من التوجه إلى الأسواق الخارجية، وهو الأمر الذي رد عليه مسؤولون حكوميون روس بالإشارة إلى أن اتفاقات الإنتاج المشترك خارج البلاد توفر موارد لروسيا من أجل تنشيط الإنتاج المحلي.
وكانت معطيات أشارت إلى تأخر وصول اللقاح إلى كل الأقاليم الروسية، وهو الأمر الذي دفع السلطات إلى محاولة تسريع عمليات الإنتاج وتوسيع نطاق توزيع اللقاح. ورغم ذلك، بقيت نسب المقبلين على اللقاح بشكل طوعي محدودة في روسيا حتى الآن، ووفقاً لتصريح الرئيس بوتين أثناء تلقيه اللقاح أول من أمس، فإن «العمل الفعال والنشيط لشركاتنا ونظامنا الصحي سمح لنا بالاستقرار في مواجهة الفيروس». وأضاف الرئيس أن «6 ملايين و300 ألف حصلوا على اللقاح، وبكل ثقة يمكننا أن نقول في هذه التجربة، إن اللقاح الروسي سليم وآمن، وإنه ليس هناك أي لقاحات أجنبية أخرى تمكنت من الوصول إلى هذه النتائج، وهذا يعتبر نجاحا كبيرا لاختصاصيينا». ويشكل الرقم الذي أعلنه بوتين ما يقارب من أربعة في المائة فقط من الروس. وأوضح بوتين أن «هناك إمكانية للوصول إلى إنتاج 700 مليون جرعة في السنة، وقد وقعنا مع الهند اتفاقية لتصنيع ملايين الجرعات في السنة، وبالمناسبة فإن مسؤولي الحكومات في الأرجنتين والمكسيك قاموا بتحليل نتائج اللقاحات وتوصلوا إلى أنه ليس هناك أي آثار جانبية». وشدّد بوتين على ضرورة أن «تأخذ شركات الأدوية لدينا بعين الاعتبار ديناميكية السوق الدولية والطلب على هذه اللقاحات وزيادة إنتاجنا، والأولوية يجب أن تكون للاستخدام الداخلي ولذلك يجب نقل الأعداد الكافية من اللقاحات إلى الأقاليم والاستمرار في إيصال المعلومات إلى الناس حول أين وكيف يمكنهم الحصول على اللقاح».
- «سبوتنيك لايت»
في غضون ذلك، أعلن مسؤول روسي أن بلاده أطلقت المرحلة الثالثة من اختبارات على نسخة مطورة و«مخففة» من جرعة واحدة للقاح «سبوتنيك في»، حملت تسمية «سبوتنيك لايت»، داخليا وفي الإمارات وغانا. وخلال مؤتمر حول آفاق استخدام لقاح «سبوتنيك في» الروسي في أوروبا، قال أرسين كوباتايف، مدير المسار الطبي في أنشطة الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة (المكلف بالترويج للقاح الروسي وتصديره إلى دول أجنبية): «لقد أطلقنا المرحلة الثالثة للاختبارات السريرية الدولية الخاصة بـ(سبوتنيك لايت)، وهي اختبارات يشارك فيها متطوعون من روسيا والإمارات العربية المتحدة وغانا». وأضاف المسؤول أن قرابة ألفي شخص تلقوا اللقاح الجديد حتى الآن، مشيرا إلى أن الصندوق يخطط لتطعيم ما لا يقل عن 7 آلاف متطوع به.
وتوقع كوباتايف أن تظهر النتائج الأولية للاختبارات في يونيو المقبل. وأضاف: «بالطبع لا ننتظر أن تكون فاعليته بنفس مستوى فاعلية «سبوتنيك في» التي تشكل 91.6 في المائة، لكن نجاح اللقاح الأول الكبير يبعث على تفاؤل بشأن خصائص سبوتنيك لايت الوقائية».
وأشار المسؤول إلى أن اللقاح الجديد يعمل بجرعة واحدة فقط بدلا من جرعتين، الأمر الذي يسهل بكثير استخدامه من الناحية اللوجيستية، ويسمح بتطعيم أعداد كبيرة من السكان. وكان صندوق الاستثمار المباشر الروسي تقدم في 27 فبراير (شباط) الماضي بطلب لتسجيل لقاح «سبوتنيك لايت»، وبدأ تطعيم المتطوعين بالعقار في العاصمة موسكو.


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».