السفير الفرنسي في اليمن: سقوط مأرب سيشكّل فاجعة سياسية وإنسانية

جان ماري صفا قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين يعدون أنفسهم «الشعب والحكومة والدولة» ويهمّشون الآخرين

السفير الفرنسي لدى اليمن جان ماري صفا (تصوير: سعد العنزي)
السفير الفرنسي لدى اليمن جان ماري صفا (تصوير: سعد العنزي)
TT

السفير الفرنسي في اليمن: سقوط مأرب سيشكّل فاجعة سياسية وإنسانية

السفير الفرنسي لدى اليمن جان ماري صفا (تصوير: سعد العنزي)
السفير الفرنسي لدى اليمن جان ماري صفا (تصوير: سعد العنزي)

قال السفير الفرنسي في اليمن، جان ماري صفا، إن كل الأطراف اليمنية والإقليمية والدولية تطالب بوقف شامل لإطلاق النار ومفاوضات سياسية، فيما يصر الحوثيون على الاستمرار في الحرب.
وأعرب السفير الفرنسي، الذي عين منذ نحو 6 أشهر، في حوار لـ«الشرق الأوسط»، عن اعتقاده بأن الحوثيين مصرون على فرض سيطرتهم على البلاد بالقوة، مبيناً أنهم يهمِّشون كل من لا يفكر مثلهم، وطالبهم بألا يضيِّعوا الفرصة وأن يتجاوبوا مع الجهود الدّولية، ولا سيّما جهود المبعوث الأممي إلى اليمن.
ويؤكد السفير جان ماري صفا، الذي التقى عبد الملك الحوثي في 2012، إبّان عمله نائباً لسفير بعثة الاتحاد الأوروبي في اليمن، أن الحوثيين يعتبرون أنفسهم «الشعب والحكومة والدولة»، غير أنهم لا يشكّلون سوى جزء من الشعب. وتطرق السفير الفرنسي كذلك إلى خزّان صافر العائم، وقضية الجنوب، ورفع الحوثيين من قائمة الإرهاب.
> مرحباً سعادة السفير، بداية كيف تتابعون الوضع الحالي في اليمن؟
- منذ وصولي إلى الرياض في 18 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وأنا أكثف اتصالاتي لكي أستمع إلى جميع الأطراف ولكي أتمكن من فهم الوضع من دون تحامل. وتلعب فرنسا هنا دورًا خاصًا كونها الدولة الوحيدة العضو الدائم في مجلس الأمن وعضوا في الاتحاد الأوروبي في آن معًا. كما أن فرنسا عضو منتخب في مجلس حقوق الإنسان لفترة 2021 - 2023.
من الضروري، لا سيما في هذه المرحلة الحازمة من الأزمة، أن تعمل كل الأطراف اليمنية معًا لإعادة بناء الدولة ولإحلال السلام. على كل طرف أن يجد مكانه وأن يساهم في هذه العملية مع دعم المجتمع الدولي.
ومع ذلك، يبدو اليوم أن الحوثيين هم الطرف الوحيد المصر على الاستمرار في هذه الحرب: فكل الأطراف اليمنية الأخرى والأطراف الإقليمية والدولية قد طالبت بوقف شامل لإطلاق النار، وبمفاوضات لإيجاد حل سياسي كامل وشامل. وقد برهن السعوديون جديتهم في تحقيق السلم. والحكومة جدية في تحقيق السلم. ولكن الحوثيين مصرون على فرض سيطرتهم بالقوة على البلاد. هم ليسوا وحدهم في اليمن، ويجب أن يتواصلوا وأن يتناقشوا مع الأطراف الأخرى في البلاد، مجتمعين في ظل الحكومة الشرعية القائمة اليوم في عدن، العاصمة المؤقتة.
لقد عانى الحوثيون من التهميش في الماضي، أما اليوم، فهم من يهمشون الأطراف اليمنية الأخرى، وكل من لا يفكر مثلهم. وتحولوا من مظلومين إلى ظالمين...
لقد استقرت حكومة جديدة تضم معظم الأطراف في عدن، عاصمة اليمن «المؤقتة»، وقد جاءت هذه الحكومة لإحلال السلام وبناء الدولة. غير أنها استقبلت بالصواريخ. وكان الهدف واضحًا: قتل أعضاء الحكومة. تخيلوا الوضع الذي سيكون عليه اليمن اليوم لو تم بالفعل القضاء على حكومته بالكامل. أرجو أن يكشف التحقيق الدولي عن مرتكبي هذه الجريمة الشنعاء. في جميع الأحوال، لقد برهنت هذه الحكومة عن شجاعة فائقة حين اختارت البقاء في مكانها في عدن. لقد باشر رئيس الوزراء عمله على الفور مع الفريق الحكومي بأكمله. بالإضافة إلى ذلك، يبذل الوزير اليمني للشؤون الخارجية أقصى جهوده للتنسيق مع المجتمع الدولي ويكثف زياراته في المنطقة. نحن نعرف جميع التحديات والمصاعب والمشاكل من ناحية الحكومة؛ وهي كثيرة بدءًا بمكافحة الفساد وتلبية حاجات الشعب اليمني الذي لديه تطلعات عالية وشرعية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. إن التوترات التي حدثت في عدن في 16 مارس (آذار) مقلقة جدًا ونحن نتابع الوضع عن كثب. غير أن أعضاء الحكومة موجودون، وهذا هو المهم. أحيي عزمهم على خدمة الصالح العام للبلد.
يجب أن نتقدم خطوةً خطوة نحو السلام من خلال هذه الحكومة الشرعية ومن خلال عملية سياسية شاملة أكثر، تضع مصلحة الشعب اليمني فوق كل المصالح والاعتبارات الشخصية والحزبية. ولهذا السبب تدعم فرنسا بشدة اتفاق الرياض، وجهود الأمم المتحدة والمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، مارتن غريفيث.
يمكننا بالفعل وضع حد لمعاناة الشعب اليمني. الشعب اليمني هو الضحية الأولى. لقد أنهكته الحرب والضربات والمجاعة والقتال. على كل ذلك يجب أن يتوقف. علينا أن نساعد شعبًا يواجه الخطر. أرجو ألا يضيع الحوثيون هذه الفرصة وذلك من خلال التجاوب مع الجهود الدولية لا سيما جهود المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن.
> مبعوثو الأمم المتحدة وأميركا والاتحاد الأوروبي، طلبوا من الحوثيين وقف هجومهم على مأرب، لكنهم رفضوا حتى الآن، ما تعليقكم؟
- أنا أعمل بطريقة وثيقة مع المبعوثين الخاصين، مارتن غريفيث وتيم ليدركينغ، ومع مبعوث الاتحاد الأوروبي، وجميع الشركاء الآخرين. وثمة زخمٌ وأملٌ جديد بشأن الملف اليمني، مع وصول إدارة الرئيس بايدن. لقد أدانت فرنسا مرات عدة اعتداءات الحوثيين على مأرب، وكذلك على أراضي المملكة العربية السعودية. وندعوهم لوضع حد لهذه الأعمال المزعزعة لأمن المنطقة فوراً، وللالتزام بطريقة بناءة في عملية سياسية تُخرج اليمن من أزمته. لقد حشدت فرنسا جهودها لوقف إطلاق نار شامل، ولاستئناف المفاوضات للوصول إلى اتفاق سياسي شامل تحت رعاية الأمم المتحدة. إن سقوط مأرب سيشكل فاجعة سياسية وإنسانية، خاصة مئات آلاف النازحين الموجودين فيها.
> هل تعتبر فرنسا الحوثيين جماعة إرهابية، خاصة بعد أن رفعت الولايات المتحدة الجماعة من قائمة المنظمات الإرهابية، وكان رد الحوثيين تصعيداً عسكرياً ضد مأرب والسعودية؟
- لقد أثار تصنيف إدارة ترمب للحوثيين على اللائحة الأميركية للمنظمات الإرهابية قلقنا، لما يمكن أن تكون له من نتائج على الوضع الإنساني. أما بالنسبة للاعتداءات ضد السعودية، وكذلك مأرب، فلقد تحدثت عن ذلك آنفاً. يجب أن تتوقف فوراً، ويجب أن يبتعد الحوثيون عن الخيار العسكري، وأن يتفاوضوا للوصول إلى حل سياسي برعاية الأمم المتحدة. هذا هو الأمل الوحيد لوضع حد لمعاناة الشعب اليمني.
> لديكم معرفة جيدة باليمن، وسبق أن التقيت زعيم الانقلابيين عبد الملك الحوثي، هل تعتقد أنه يرغب في السلام فعلاً؟
- لقد عملت في اليمن من 2011 حتى 2013 نائباً لسفير بعثة الاتحاد الأوروبي، ولا يزال اليمن في ذاكرتي، هذا البلد الذي أحمل له في قلبي مودة عظيمة واحتراماً عميقاً لثقافته، لأنني تأثرت كثيراً بقدرة اليمنيين على الحوار. لقد حمل الحوار الوطني خلال هذه الفترة كثيراً من الآمال، ونظر العالم إلى اليمن حينها كمثال يحتذى به في مجال التحاور.
في الواقع، لقد التقيت عبد الملك الحوثي في صعدة سنة 2012، برفقة 3 سفراء (الاتحاد الأوروبي، وألمانيا، وفرنسا)، وقد أردنا إقناعه بالانضمام إلى الحوار الوطني، وكان انطباعي وقتها أنه شخص يمكن التحاور معه، وقد شارك الحوثيون بالفعل في الحوار الوطني، وتميزت بعض الشخصيات الحوثية في ذلك الوقت بالاعتدال والاحترام. آمَل أن يستمعوا إلى رسائل المجتمع الدولي في صالح الحوار والحل السياسي.
> يتهم بعض اليمنيين الاتحاد الأوروبي، ومن ضمنه فرنسا، بالتحيز لصالح الحوثيين تحت مبرر «الأقلية»، من دون دراية كافية بخطر العقيدة المتطرفة التي يفرضونها على اليمنيين وعلى العالم. كيف ترون ذلك؟
- لقد أشرتم إلى موضوع بالغ الأهمية. ما يقوله الحوثيون هو أنهم «الشعب، والحكومة والدولة»، غير أنهم لا يشكلون سوى جزء من الشعب. وعليه، يجب أن يكونوا جزءاً من الحكومة. لنأمل أن يقتنعوا بذلك، لما فيه صالح الشعب اليمني الذي عانى كثيراً. إن توقف العنف واستئناف العملية السياسية قد يؤديان إلى انحسار الأفكار المتطرفة بصورة عامة. وفي جميع الأحوال، المجتمع الدولي لن يعترف سوى بحكومة يمنية واحدة، وهي الحكومة الشرعية، التي تتميز بالتعددية، وهي موجودة حالياً في عدن، العاصمة المؤقتة. وقد توجه وفد مؤلف من 9 سفراء أوروبيين، وأنا من ضمنهم، إلى عدن في شهر فبراير (شباط) الماضي، لكي يعلن دعمه لهذه الحكومة.
> ما موقف فرنسا بشأن مسألة الجنوب، وعلاقاتكم بالمجلس الانتقالي الجنوبي؟
- مرة أخرى، أنا أتحاور مع جميع الأطراف من دون استثناء، ومن ضمنها المجلس الانتقالي الجنوبي. وتتركز الأولوية اليوم على وضع حدّ للقتال والعنف في جميع أنحاء البلاد. إن مسألة الجنوب مسألة حساسة سوف يتم تناولها في إطار حوار في المستقبل، وفرنسا متمسكة بوحدة اليمن وسلامته.
> كيف ترون جهود صيانة خزان صافر وتراجع الحوثيين أكثر من مرة عن اتفاقهم مع الأمم المتحدة، والخطر الذي يمثله ذلك على البحر الأحمر؟
- إن مسألة سفينة صافر تتخطى حدود اليمن. نحن نتحدث هنا عن حماية نظام بيئي فريد من نوعه في العالم، وكان من المفترض أن تقوم بعثة التقييم الأممية التي تساهم فرنسا في تمويلها، بزيارة السفينة منذ وقت طويل. آمل أن تتم عملية تفتيش سفينة صافر بأسرع وقت ممكن. فالأرض ليست بحاجة إلى تسرب نفطي في البحر الأحمر.
وكما يقول الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري: «نحن لا نرث الأرض عن أجدادنا، بل نستعيرها من أطفالنا». فإذا وقعت غداً كارثة في البحر الأحمر، فسوف تُسائل أجيال المستقبل المجتمع الدولي عن عجزه عن إنقاذ البحر الأحمر من ناحية، وسوف يتحمل الحوثيون مسؤولية الوضع أمام البشرية، لأنهم من يتحكمون بالسفينة، ويجب أن يدركوا أنهم ليسوا وحدهم على هذا الكوكب. ليس لدينا سوى كوكب واحد، وليس لدينا سوى بحر أحمر واحد، وعلى كل إنسان أن يقوم بحمايتهما، ففي تدميرهما لن ندمر سوى أنفسنا.


مقالات ذات صلة

المالكي: على الحوثيين قراءة بيان التحالف وما بين السطور جيداً

الخليج اللواء الركن تركي المالكي متحدثاً خلال المؤتمر الصحافي في الرياض الخميس (أ.ب) p-circle

المالكي: على الحوثيين قراءة بيان التحالف وما بين السطور جيداً

حذّر اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، الميليشيا الحوثية من عواقب استهداف المدنيين والمنشآت المدنية في السعودية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)

الحكومة اليمنية تطالب بتحرك أممي عاجل لفك حصار تعز

دعت الحكومة اليمنية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة وفعّالة لفك الحصار الخانق الذي تفرضه الميليشيا الحوثية على تعز، وينذر بكارثة إنسانية.

«الشرق الأوسط» (تعز)
المشرق العربي رئيس مجلس القيادة الدكتور رشاد العليمي متحدثاً للشعب اليمني بمناسبة ذكرى «ثورة 14 أكتوبر» الثلاثاء (سبأ)

العليمي: لا رجوع عن قرار إنهاء الانقلاب الحوثي

أكد رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي مُضي عملية «فجر اليمن» نحو هدفها النهائي المتمثل بإنهاء الانقلاب الحوثي، ولا رجعة عن ذلك مهما كانت التضحيات.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي يعلن انطلاق «فجر اليمن» لاستعادة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيين

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الاثنين، انطلاق عملية عسكرية أطلق عليها اسم «فجر اليمن»، بهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وحدات من قوات ألوية العمالقة (إعلام عسكري)

قوات العمالقة و«درع الوطن» تتقدم نحو ذوباب قرب باب المندب

تُواصل قوات «ألوية العمالقة» و«درع الوطن» تقدمها في مناطق محيطة بمضيق باب المندب، وسط معارك عنيفة مع جماعة «الحوثي» بمنطقة ذوباب، بالتزامن مع عمليات عسكرية

«الشرق الأوسط» (عدن)

الصومال يعلن تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال يعلن تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

أعلن الصومال الخميس إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل، رغم المشهد السياسي المتزايد الانقسام والمخاوف من تنامي عدم الاستقرار في البلاد.

وكانت ولاية الرئيس حسن شيخ محمود قد انتهت في وقت سابق من هذا العام، في حين أعلنت حكومته في مايو (أيار) «فترة انتقالية» رغم وجود اتفاق مع المعارضة على إجراء الانتخابات.

وسعى حسن شيخ محمود إلى تحويل الصومال نحو نظام انتخابات ديمقراطية، بديلاً عن النظام القائم على شيوخ العشائر، إلا أن مساعيه قوبلت بمعارضة من قادة الأقاليم، معتبرين أنها محاولة للاستحواذ على السلطة.

وفي ظل سيطرة «حركة الشباب» المتمردة على أجزاء واسعة من البلاد، لم يُحرَز سوى تقدم محدود في تنظيم الانتخابات خارج عدد قليل من المناطق المحلية. غير أن لجنة الانتخابات أعلنت في بيان أن الانتخابات البرلمانية ستُجرى في 15 أبريل (نيسان) 2027، على أن تليها انتخابات رئاسية مقررة في 15 مايو.

وقالت إن الانتخابات الرئاسية ستُجرى وفقاً لقانون «ينص على أن مدة ولاية الرئيس هي خمس سنوات، تبدأ بتاريخ أداء الرئيس اليمين لتولي المنصب».

وتولى حسن شيخ محمود السلطة عام 2022، لكنه يعتبر أنه مُنح عاماً إضافياً في الرئاسة بعد إقرار البرلمان في وقت سابق من هذا العام تعديلاً دستورياً وضع إطاراً للانتخابات، ومدّد الاستحقاق الانتخابي. وقاطعت أحزاب المعارضة ذلك التصويت ورفضت التعديلات.


هجوم حوثي على القصر الرئاسي في عدن

قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)
قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)
TT

هجوم حوثي على القصر الرئاسي في عدن

قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)
قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)

شنَّت الميليشيا الحوثية، الخميس، هجوماً بالصواريخ على محيط قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن؛ ما أدى إلى مقتل اثنين من الحراسة الرئاسية وإصابة آخرين، ووقوع أضرار مادية في المنشأة.

وبينما أقرَّت الجماعة بتنفيذ الهجوم، أكدت وزارة الإعلام اليمنية سلامة رئيس الوزراء شائع الزنداني وأعضاء الحكومة، مشيرة إلى أنهم لم يعودوا يعقدون اجتماعاتهم داخل القصر بصفة دائمة تحسباً لهذه الهجمات.

واطمأن رئيس مجلس القيادة اليمني الدكتور رشاد العليمي، في اتصالات هاتفية، على سلامة عضوي مجلس القيادة الفريق الركن عبد الرحمن المحرمي، والفريق الركن محمود الصبيحي، ورئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وأعضاء الحكومة، عقب الهجوم الإرهابي، حيث استمع إلى تقرير أولي بشأن آثاره، والإجراءات المتخذة للتعامل مع تداعياته.

وأكد العليمي أن الهجوم الحوثي على القصر يمثل امتداداً لنهج الميليشيات في الاعتداء على المطارات والمنشآت النفطية والأعيان المدنية في اليمن والسعودية، وتهديد أمن المنطقة وممراتها المائية، ويكشف مجدداً عن الطبيعة الإرهابية للحوثيين، وعجزهم عن مواجهة إرادة اليمنيين في استعادة المؤسسات الوطنية.

وشدَّد الرئيس على أن الدولة ستواصل أداء مسؤولياتها الدستورية بكل حزم، وأن حماية منشآتها السيادية، ومواطنيها مسؤولية لا تقبل المساومة، مُوجِّهاً الجهات العسكرية والأمنية المختصة باتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مؤسسات الدولة والتصدي للتهديدات الإرهابية، والرد المناسب على مصادر التهديد، وفقاً للقانون وبما يكفل حماية المدنيين والأعيان المدنية.

العليمي اطمأن هاتفياً على المحرمي والصبيحي والزنداني وأعضاء الحكومة عقب الهجوم (سبأ)

بدوره، أكد مجلس الوزراء أن الاعتداء على قصر معاشيق بالصواريخ والطائرات المسيّرة، يكشف عن النهج الإرهابي للحوثيين وإمعانهم في استهداف المدنيين، مشدداً على أنه لن يثني الحكومة عن أداء مسؤولياتها، وواجباتها تجاه المواطنين، ومواصلة معركة استعادة الدولة ومؤسساتها وإنهاء الانقلاب التي تمضي بها عملية «فجر اليمن».

وأوضح المجلس، في بيان، أن هذا الاستهداف يأتي في سياق نمط متصاعد من الإرهاب الحوثي الذي لم يقتصر على استهداف مؤسسات الدولة، بل امتد إلى الاعتداءات على الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية في السعودية، وقصف الأحياء السكنية بمحافظتي تعز ولحج، بما يعرض حياة المدنيين للخطر ويضاعف معاناتهم.

ونوَّه البيان إلى أن الحوثيين يمثلون تهديداً مباشراً لأمن اليمن وجواره، وللاستقرار الإقليمي والمصالح الحيوية في المنطقة، مضيفاً: «لن يكون مستقبل اليمن رهناً لميليشيا تحمل السلاح في وجه شعبها، وتستهدف أمن جيرانها، وتراهن على العنف لتعويض رفض اليمنيين لمشروعها الانقلابي».

ودعا المجلس المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف واضح وحازم إزاء هذه الاعتداءات، وعدم التعامل معها باعتبارها حوادث منفصلة عن سياقها، وممارسة الضغوط اللازمة لوقف استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بما يضمن عدم إفلاتهم من المساءلة.

وأشار البيان إلى مُضي الحكومة في أداء واجباتها، ومساندة القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والأجهزة الأمنية والمقاومة الشعبية في معركة استعادة سلطة الدولة، وتعزيز حضور مؤسساتها وخدماتها، وحماية المواطنين، بالتوازي مع مواصلة الجهود السياسية والاقتصادية والإنسانية اللازمة لتخفيف معاناة الشعب اليمني.


نازحو اليمن بين نيران الحوثيين ومخاطر الأوبئة

آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
TT

نازحو اليمن بين نيران الحوثيين ومخاطر الأوبئة

آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)

تزداد المخاوف في ظل تصاعد أعداد النازحين الجدد في اليمن مع استمرار الحوثيين في استهداف التجمعات السكنية بمدينة تعز وأريافها، في وقت تتسع فيه الأزمة الإنسانية بفعل ارتفاع الإصابات المشتبه بها بالكوليرا، وتراجع قدرة المرافق الصحية على تلبية الاحتياجات المتنامية، وسط صعوبات تواجه وصول المساعدات إلى مناطق النزوح.

وتتداخل تداعيات القتال مع المخاطر الصحية التي تلاحق الفارين من منازلهم، إذ لا تنتهي معاناة الأسر بمغادرة مناطق المواجهات، بل تبدأ رحلة أخرى لتأمين المأوى والمياه النظيفة والرعاية الطبية، في ظل اكتظاظ مواقع النزوح ومحدودية الخدمات الأساسية.

وتحذر البيانات الإنسانية من أن استمرار الأعمال العدائية في تعز، خصوصاً في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، قد يدفع مزيداً من السكان إلى الفرار، بينما تزداد المخاطر الناجمة عن انتشار الأمراض في بيئات تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية.

وحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، ارتفع إجمالي حالات الكوليرا المشتبه بها والمبلّغ عنها في اليمن خلال عام 2026 إلى 8034 حالة، بينها 27 وفاة. وسُجّل نحو ربع الحالات خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة، بالتزامن مع تصاعد القتال واستمرار نزوح السكان.

الحوثيون يواصلون استهداف التجمعات السكنية في تعز وأريافها (إعلام محلي)

وتتركز 92 في المائة من الحالات المبلّغ عنها في خمس محافظات هي أبين ولحج والضالع وتعز وعدن، وهي مناطق تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، ما يزيد الضغوط على الخدمات الصحية وشبكات المياه والإصحاح البيئي.

ولا تقتصر التداعيات الصحية على الأراضي اليمنية؛ إذ أبلغت السلطات الصحية في جيبوتي عن 44 حالة إسهال مائي حاد، ووفاة واحدة بين اللاجئين اليمنيين هناك، في مؤشر على اتساع الاحتياجات الإنسانية والصحية المرتبطة بحركة السكان.

وتحذر المنظمة من أن الاكتظاظ في مواقع النزوح، ومحدودية الوصول إلى المياه النظيفة، وتعطل الخدمات الصحية، عوامل تزيد احتمالات انتقال الأمراض، بما فيها الكوليرا والحصبة، وغير ذلك من الأمراض التي يمكن الوقاية منها.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية بالنسبة إلى الأطفال والفئات الأكثر هشاشة، خصوصاً أن الإصابة بالمرض قد تتحول إلى تهديد مباشر للحياة عندما يتعذر الوصول إلى المرافق الطبية أو الحصول على مياه آمنة، فيما تواجه الأسر التي فقدت منازلها ومصادر دخلها صعوبات في تحمل تكاليف العلاج وتأمين احتياجاتها اليومية.

تعز في صدارة النزوح

تظهر بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة أن عدد النازحين بفعل التصعيد الحوثي بلغ 217 ألفاً و303 أشخاص حتى 12 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وتستضيف محافظة تعز 55 في المائة من إجمالي النازحين، تليها لحج بنحو 45 ألفاً و390 نازحاً، ثم عدن بـ26 ألفاً و112 شخصاً.

وفي تعز، تعد مديريات جبل حبشي والمعافر والشمايتين من أكثر المناطق استضافة للنازحين، بأعداد بلغت، على التوالي، 32 ألفاً و346، و31 ألفاً و230، و24 ألفاً و942 شخصاً. وشهدت هذه المديريات أيضاً بعضاً من أشد الأعمال العدائية خلال الأيام الأخيرة.

وتزداد صعوبة الاستجابة الإنسانية مع تعذر الوصول إلى معظم مواقع النزوح في تعز بسبب استمرار الصراع، الأمر الذي يضع أعداداً كبيرة من الأسر أمام احتمالات نقص المساعدات والمياه الصالحة للشرب والرعاية الصحية، في وقت تزداد فيه الاحتياجات الناجمة عن النزوح وتفشي الأمراض.

الفارون من هجمات الحوثيين يعيشون في مخيمات بدائية ما ساعد على تفشي الأمراض المعدية (إعلام محلي)

وتحذر منظمة الصحة العالمية كذلك من الضغط المتنامي على المرافق الطبية التي تستقبل آلاف المصابين جراء القتال، مشيرة إلى أن نحو 500 مرفق صحي في تسع محافظات متضررة من تصاعد النزاع يفتقر إلى دعم الشركاء.

ويعني استمرار هذا النقص أن قدرة النظام الصحي على التعامل مع الإصابات الناجمة عن القتال والأمراض المعدية تواجه تحديات متزامنة، في وقت تحتاج فيه مناطق النزوح إلى استجابة تجمع بين توفير الخدمات العلاجية والمياه النظيفة وتحسين الظروف الصحية في أماكن الإيواء.