أبرز المحطات التقنية بعد عام على الحجر المنزلي الوقائي

«كوفيد ـ 19» غيّر مفاهيم العمل والدراسة والتسوق والترفيه

أبرز المحطات التقنية بعد عام على الحجر المنزلي الوقائي
TT

أبرز المحطات التقنية بعد عام على الحجر المنزلي الوقائي

أبرز المحطات التقنية بعد عام على الحجر المنزلي الوقائي

مر عام على بدء الحجر الصحي المنزلي الوقائي عالمياً وفي المنطقة العربية، والذي غيّر مفاهيم العمل والدراسة والصحة والتسوق والترفيه، وأدى إلى هيمنة الوسائل والآليات التقنية لتحقيق ذلك. وسنستعرض في هذا الموضوع أبرز التقنيات التي أثبتت نفسها خلال العام الماضي، والتي من المتوقع أن تنمو بشكل أكبر خلال الأشهر المقبلة.
التعليم عن بُعد
فوجئ تلاميذ المدارس والجامعات في منتصف الفصل الثاني خلال عام 2020 بضرورة الانتقال إلى آلية الدراسة عن بُعد في ظل الإغلاق الكامل للعديد من المدارس في أكثر من 100 دولة، وإغلاق جزئي في عدد آخر. وتبنت المدارس والجامعات منصات مختلفة لتعليم الطلاب، منها المتخصص بآلية التعليم عن بُعد، ومنها للعمل الجماعي الخاص بالشركات، وحتى منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل لتبادل الأسئلة والإجابات بين الطلاب والمدرسين. واستفاد الكثير من الطلاب من هذا الأمر على الرغم من افتقاره للتواصل البشري بين بعضهم بعضاً أو مع المدرسين، حيث استطاعوا العودة إلى تسجيلات الدروس بعد انتهاء وقت الدراسة لفهم الدروس أو الأجزاء منها التي لم يفهموها لحظة الشرح، إلى جانب سهولة العودة إلى تلك التسجيلات قبل إجراء الاختبارات.
وواجه الأهل تحديات مختلفة مرتبطة بهذا الأمر، منها ضرورة وجود كومبيوترات مختلفة لكل طفل في حال كانوا يدرسون في الوقت نفسه، وخصوصاً للأهل ذوي الدخل المحدود، إلى جانب ضرورة وجود غرف منفصلة في المنزل لتلقي الدروس حتى لا تتشوش العملية التعليمية للطلاب، وما يصاحب ذلك من ضرورة وجود إنترنت عالي السرعة يغطي جميع أرجاء المنزل وإصلاح مشاكل الكومبيوترات في حال توقفها عن العمل.
وكلنا أمل بأن تكون هذه المرحلة قد أوجدت حافزاً أمام الدول العربية للانخراط في التعليم عن بُعد بشكل أساسي وطويل الأمد، وذلك بتهيئة أسسه التقنية وتدريب المدرسين على منصات التعليم والتواصل مع الطلاب وإعداد الدروس رقمياً.
العمل عن بُعد
وشهدنا انتشار برامج العمل عن بُعد بين الموظفين الذين يستخدمون كومبيوترات محمولة أو أجهزتهم الشخصية للعمل، وذلك لعقد الاجتماعات الرقمية اليومية للتواصل بين أعضاء الفريق أو الفرق المتباعدة جغرافياً. وبرهن التحول التقني في المملكة العربية السعودية على نجاح جهود الخطط والبرامج، حيث تم عقد الاجتماعات الحكومية واجتماعات القطاع الخاص رقمياً بشكل سلس جداً، ومنها القمة الاستثنائية الافتراضية لقادة G20.
وكصحافي في مجال تقنية المعلومات، لاحظت تحولاً كاملاً في مؤتمرات شركات التقنية نحو النسخة الافتراضية. وكانت بعض الشركات تعقد مؤتمرات افتراضية في السابق، ولكنها حالات خاصة. وكانت المؤتمرات الافتراضية محلية ودولية، حيث تم استخدام مترجمين فوريين للمؤتمرات الحية، أو تمت ترجمة الفعالية إلى اللغة العربية في العديد من المؤتمرات مسبقة التسجيل. ولوحظ أيضاً أن المعارض التقنية الضخمة قد ألغت الحضور الجسدي واستعاضت عنه بنسخ رقمية لحماية المشاركين والزوار، وهي نزعة أزالت أعباء مادية كبيرة على الشركات المشاركة في تلك المعارض، ولكنها كبدت الجهات المنظمة خسائر فادحة.
التسوق عن بُعد
ونظراً لأن الأسواق التجارية قد تكون بؤرة لنقل العدوى بين المتسوقين، فتم إغلاق الأسواق كلياً وجزئياً لفترة طويلة حول العالم، ومن ثم معاودة فتحها وفقاً لضوابط احترازية للحد من انتشار الفيروس. وشهدنا في مرحلة الإغلاق الكامل تحولاً نحو التسوق الإلكتروني في منصات التسوق الكبيرة، وحتى الصغيرة منها التي استخدمت الشبكات الاجتماعية لنقل صور منتجاتها إلى المتسوقين وخدمات الدفع الإلكتروني وتطبيقات التوصيل العديدة التي فتحت المجال أمام الكثير من أصحاب المركبات لتقديم خدماتهم وإيصال المنتجات والأغذية والدواء خلال أوقات منع التجول، أو لتلافي دخول المتاجر خلال مرحلة معاودة الفتح.
وفي السعودية وبعد عودة النشاط التجاري، تم استخدام تطبيق «توكلنا» لتصوير رمز شريطي «باركود» لدى الدخول إلى مركز تجاري ما لمعرفة العدد المتواجد داخل ذلك المركز ومنع دخول أي أعداد إضافية قد تشكل خطراً في نشر العدوى مع ضرورة تصوير الرمز الشريطي نفسه لدى الخروج من المركز لفسح المجال أمام الآخرين للدخول إلى المركز، إلى جانب التأكد من أن المستخدم غير مصاب من خلال التحقق من نتائج فحص «كوفيد - 19» الخاص به من خلال قواعد بيانات تتبع للدولة. كما تم التركيز على الدفع الرقمي عبر بطاقات الصراف الآلي في المتاجر؛ وذلك لتجنب تبادل الأوراق النقدية بين المستخدمين التي قد تساهم بنشر العدوى. ووصل عدد التطبيقات التي تقوم بتوصيل الطلبات للمنازل والتسوق الإلكتروني إلى 12 تطبيقاً تحت مظلة هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات، الأمر الذي ساهم في الحد من نشر العدوى.
الترفيه الرقمي
وتوجه المستخدمون إلى الإنترنت للحصول على أوقات الترفيه في ظل انعدام الحفلات ودور السينما والمسارح وأماكن لهو الأطفال، وغيرها. وتم التركيز على منصات بث عروض المسلسلات والأفلام التي باتت تُطرح فيها أولاً بأول على خلاف الأشهر العديدة في السابق التي كانت تفصل بين يوم الإطلاق في دور السينما وتوفير الأفلام في المنصات أو عبر الأقراص الليزرية.
كما بدأ العديد من الفرق والفنانين في عقد حفلات رقمية من المنزل وبثها للجميع عبر الإنترنت، مع تحويل منصات شبكات التواصل الاجتماعي إلى قنوات فنية يقدمون عبرها موسيقاهم وإبداعاتهم للجميع. يضاف إلى ذلك ازدياد الإقبال على شراء أجهزة الألعاب الإلكترونية والإضافات الخاصة بهذا القطاع في الكومبيوترات الشخصية، وخصوصاً مع إطلاق أجهزة الجيل الجديد من الألعاب «إكس بوكس سيريز إكس وإس» و«بلايستيشن 5».

من جهتها، أطلقت وزارة الثقافة السعودية مبادرات وفعاليات ثقافية متنوعة خلال تلك الفترة تحت شعار «الثقافة في العزلة»، والتي تنوعت بين «أدب العزلة» و«ماراثون القراءة» و«مسابقة التأليف المسرحي» و«مسابقة ماندالا الحروف»، وأول معرض فني افتراضي بعنوان «فن العزلة»، إلى جانب العديد من المسابقات الثقافية المتنوعة. واستثمرت وزارة الثقافة في البنية التحتية التقنية المتطورة التي تمتلكها المملكة، حيث اعتمدت مبادراتها على التقنية بشكل كامل، وتفاعل معها الجمهور المحلي عن بُعد.
الأتمتة
وبسبب الطلب المتنامي على التقنيات، لم تستطع المصانع ملاقاة ذلك الإقبال المهول مع عدم قدرة جميع فرق العمل على الذهاب إلى المصانع بسبب احتمال نشر العدوى جراء ذلك؛ الأمر الذي تسبب في نقص حاد في أجهزة المستخدمين، وخصوصاً أجهزة الترفيه الشخصي، مثل أجهزة الألعاب الإلكترونية الجديدة التي أطلقت في نهاية العام الماضي، إلى جانب معالجات الكومبيوترات الشخصية وبطاقات الرسومات المتقدمة للاعبين المحترفين ومصممي الرسومات التي ارتفعت أسعارها إلى حدود غير متوقعة.
ومن المتوقع أن تركز المصانع، وخصوصاً الكبيرة منها، في الفترة المقبلة على أتمتة عملياتها بشكل أكبر للتأكد من عدم حدوث انقطاع في خطوط الإنتاج، بينما يستطيع الموظفون التركيز على مسائل أخرى، مثل الإشراف على سير العمل عن بُعد وتطوير تصاميم جديدة للمنتجات ذات كفاءة أعلى، وغيرها.

مخاطر هددت التقنية أثناء الجائحة

> على الرغم من أن التقنيات لعبت دوراً مفصلياً في حياة الأفراد والشركات خلال العام الماضي، فإن هذا الأمر كان بوابة كبيرة للقرصنة والاختراقات الرقمية؛ ذلك أن غالبية شبكات الإنترنت المنزلية للمستخدمين لم تكن مؤمنة بالشكل الصحيح، إلى جانب عدم وجود مديرين تقنيين يشرفون على سلامة الأجهزة والشبكات بشكل دوري. وحتى لو كان جهاز المستخدم مؤمّناً بشكل جيد، إلا أن وجود أجهزة شخصية أخرى متصلة بالإنترنت عبر الشبكة ذاتها يشكل مفتاحا مهما للدخول إلى الشبكة المنزلية واختراق الجهاز الرئيسي أو مراقبة البيانات المتبادلة واختراق خصوصية المستخدم وسرقة بياناته الشخصية.
وقد يشكك البعض من أن تطبيقات رصد انتشار الوباء، وخصوصاً للحالات المصابة التي قد تقارب الآخرين (سواء من خلال تتبع الأماكن التي ارتادها المصابون بمواقع التحديد الجغرافي «جي بي إس» أو عبر رصد عمليات الشراء التي قاموا بها من البطاقات المصرفية)، هي وسيلة لمراقبة الحكومات المختلفة لتحركات الأفراد. ويتطلب هذا الأمر إيجاد توازن بين توظيف التقنية ومراعاة حياة الناس الخاصة، حتى لا تتشكل أزمة ثقة مستقبلية.


مقالات ذات صلة

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.